← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقيل: "اصبروا بنفوسكم، وصابروا بقلوبكم، ورابطوا بجوارحكم". ويقال: "اصبروا عن ملاحظة الثواب، وصابروا على الدنو والزُّلْفَةِ من الله، ورابطوا على باب العدو (١)، واتقوا الله في مغازيه (٢) حتى تفلحوا". المعنى: تظفروا. وقال علماؤنا: "إن قوله: ﴿وَصَابِرُوا﴾، أي: خُذُوا الصبر شيئًا بعد شيء". قال النبي ﷺ : "إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفْقٍ، فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظَهْرًا أبقى، ولن يشادَّ أَحَدٌ هذا الدين إلَّا غلبه" (٣). المعنى في ذلك: أنك لا تقدر أن تأخذ من الطاعات إلَّا الأقل، أَمَا إن الذي يلزمك ألَّا تترك شيئًا من المعاصي إلَّا تَجْتَنِبه. قال النبي ﷺ مُبيِّنًا لهذا المعنى: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (٤). وما من حيوان إلَّا رَكَّبَ الله فيه الصبر، حتى إنَّ صَبْرَ البهائم ممَّا خلقه الله فيهم (٥) حكمة وآية.

стр. 1437

وقد أنكر بعضُ (١) أشياخنا صَبْرَ البهائم واستبعده؛ لمَّا رآه ينبني على غير (٢) معارف. وهذا ضَعِيفٌ من قوله مع قوته في العلم؛ فإن العلم المتعلق بمنفعة المعاش ومضرته (٣) موجود عند البهائم، بل عندها من المعاني (٤) في تدبير المعاش ما لا يُدْرِكُه الآدَمِي، والذي يدلُّك على ما عندها من ذلك أمران عظيمان: أحدهما: المشاهدة؛ لتصرفها في فجورها وتقواها. الثاني: أن النبي ﷺ قد أخبر عنها بأنها ذات رحمة وحنان، قال النبي ﷺ : "إن الله خلق مائة رحمة، وأعطى الخلق منها واحدة، فبها تَرْفَعُ البهيمة حافرها عن ولدها" (٥)، هذا في الصحيح. وفي الحَسَنِ: "أن طائرًا أَخَذَتْ أَفْرُخَه (٦) الصحابةُ في بعض الأسفار، فجاءت الأم فلم تجدهم، ورأتهم بأيدي الآخذين لهم، فجَعَلَتْ تُرَفْرِفُ عليهم، حتى أمر النبيُّ بصرفهم إليها، ثم قال: أترون رُحْمَ هذه بأولادها؟ فالله أرحمُ بعباده منها" (٧).

стр. 1438

وإذا كان فيها الرحمة والرقة ففيها الصَّبْرُ، وقد ذكرنا من ذلك جُزْءًا غريبًا في (١) كتاب (٢) "ترتيب الرحلة"، حصَّلناه بنواحي كربلاء. استطراد: غلا بعضُ الناس فقال: "إن الصبر حظُّ القاصرين، والدرجة العليا الشكر؛ فإن المصيبة إذا نزلت فهي في التحقيق (٣) نِعْمَةٌ من الله تُوجِبُ الشكر". قال الإمام الحافظ ﵁: وهذا لازم في نفسه، لكن ليس بملزم للخلق، وإنَّما هي درجة إلى الحق، فإذا رأى أن الباري قد أخذ منه ما أعطاه شكره على ما أبقاه، نعم؛ وعلى ما أخذ، فإنه ما أخذه إلَّا ليعطيه أفضل منه، فهو موضع الشكر العظيم، وهو: * * *

стр. 1439

الاسمُ التاسع والثلاثون: الشَّاكِرُ (١) أَمَا إنه قد ينفردُ الصَّبْرُ عن الشكر في فوات الطاعة للعبد، فهو مَوْضِعُ صَبْرٍ وليس بموضع شُكْرٍ، ولعظيم هذه الرتبة أخبر الله عنها بالقلة فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]؛ ولذلك صار الصبر والشكر قَرِينَيْنِ، بل أخوين، وهو سبب المزيد؛ قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. ولبعض البلغاء حكمة (٢) بديعة؛ قال في خطبة: "معلوم أن الله قضى للنعم إذا حُصِّنَتْ بالشكر أن يستدنى منها القصي، ويستأنس النافر الوحشي، وإذا قُرِنَتْ بالكفر أن يرحل منهما القاطن، وتستوحش المعاطن" (٣). يقول الله في القرآن المجيد: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. ومن "فوائد أبي سَعْدٍ الشهيد": "إن الله أَعْلَمَ أنَّكم إن شكرتم إنعامه زادكم إكرامه، وإن كفرتم أَحَلَّ بكم امتحانه، وأنزل بكم فراقه وهجرانه" (٤).

стр. 1440

وقيل: المعنى: "إن عرفتم قَدْرَ أفضالي لأزيدنكم من نوالي، وأُشهدكم جمالي، وأُعَرِّفكم جلالي" (١). وقيل: "لئن شكرتم بإدامة العبادة لأزيدنكم فوق الإرادة" (٢). وقيل: "لئن شكرتم مِنْحَتِي للُطْفِي لأزيدنكم العلم بوَصْفِي (٣) " (٤). وقيل: "لئن شكرتم حاضر نِعَمِي لأزيدنكم غائب كَرَمِي" (٥). وقيل: "لئن شكرتم ما خولتكم من عطائي لأزيدنكم ما وعدتكم من لقائي" (٦). وقيل: "لئن كفرتم ما منحتكم من السرائر لأَسْلُبَنَّكم ما ألبستكم من الظواهر" (٧). وقيل: "لئن كفرتم بدعوتى (٨) استحقاقها لأسلبنَّكم حلاوة مذاقها، ولئن كفرتم أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن الله لغني حميد" (٩).

стр. 1441

وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "عبادي؛ لو أن أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، اجتمعوا على أتقى قلب رجل ما زاد ذلك في مُلكي، عبادي؛ لو أن أوَّلكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، اجتمعوا على أفجر قلب رجل ما نقص ذلك من مُلْكِي" (١). حقيقة الشكر: ولا نُطَوِّلُ عليكم في بيان معنى الشكر؛ فإنه أقربُ شيء في العلم، وهو تصريف النعمة في الطاعة، فإذا أَنْعَمَ الباري على العبد نِعْمَةً فصرفها في طاعته فقد شَكَرَها، وإن صرفها في معاصيه فقد كَفَرَها. وليس الشُّكْرُ بمجرد (٢) القول باللسان، بل إنه منه وعُنوانه، وعلامته ودليلٌ عليه، وقد كان النبيُّ يدأب في العبادة، ويواظب على الطاعة، وينبذ الدنيا زهادةً، حتى ضعف بدنه، وحَطَمَهُ السِّنُّ (٣)، وتفطَّرت قدماه، فقيل له: "تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر! فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٤). معناه: أَصْرِفُ نِعَمَ رَبِّي في طاعته (٥). وقد أثنى الله على نُوحٍ بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]؛ فإنه لَبِثَ في قومه ألف لسنة إلا خمسين عامًا يُضْرَبُ، حتَّى يُتْرَكَ باسم

стр. 1442

المَيِّتِ، فلا يَرْدَعُه ذلك عن القيام بأمر ربه، وتبليغ رسالاته، وما شكا ذلك قط، ولا تَضَجَّرَ (١) منه، وبهذا كان الصَّبْر أخَا الشكر، فلمَّا قيل له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]؛ حينئذ دعَا عليهم، واعتدَّ بعد ذلك دعوته تقصيرًا لعظيم (٢) عبادته، حتى اعتذر بها عن سؤال الشفاعة، فيقول للخلق يوم القيامة: "إني دعوتُ على قومي" (٣)، إشارة إلى أنه فاته إذ أعلمه الله ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾؛ أن يَكِلَهُم إلى الله حتى يَنْفُذَ فيهم حُكْمُه، ويبقى هو مُلَازِمَ رَسْمِه. وقد قال قَوْمٌ في حقيقة الشكور: "إنه الذي يشكر على الشكر" (٤). ولأجل هذا قال قوم: "إنه لا يطاق". وأنشدوا فيه لمحمود الورَّاق: إذا كان شُكْرِي نِعْمَةَ الله نِعْمَةً … عليَّ له في مثلها يجبُ الشُّكْرُ فكيف أؤدي حقَّ ما هو مُنْعَمٌ (٥) … وإن طالت الأيام واتَّصل العُمْرُ (٦) وذَكَرَ الأبيات، وبهذا بَطَلَ مَذْهَبُ القدرية في قولهم: "إن شكر المنعم واجب بالعقل"، فإنَّ العقل يُعْطِي أنه لا آخِرَ للشكر، وبالشَّرْعِ عرفنا أن الفرض يسقط بالقَدْرِ المستطاع، والقول المُرَاعَى المُرَاعِي.

стр. 1443

وقيل: "الشكور هو الذي يصرف ماله في الصدقة، وبدنه في الطاعة، ولسانه في الذِّكْرِ، وقلبه في الفِكْرِ" (١). ولذلك أثنى الله على إبراهيم فقال: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: ١٢١]؛ لأنه بَذَلَ مَالَه للضِّيفَانِ، وبَدَنَه للنيران، وقلبه للرحمن؛ فاتخذه الله خليلًا، واصطفاه دون الخلق وليًّا، وكان به - أبدًا - حَفِيًّا، ووهب له إسحاق ويعقوب ومن ذريته، وجعل الكُلَّ نَبِيًّا. [الوصاةُ بالأحاديث الصحيحة]: والآياتُ في الشكر كثيرة، والأحاديت قليلة، فلا تلتفتوا إليها، فإنَّ مَثَلَ من يطلب العلم بالحديث الضعيف والباطل كمن يصلي بطهارة الماء المُتَغَيِّرِ والنَّجِسِ، فلا يطلب الحق إلَّا بالحق، ولا يعضد الصحيح إلا بالصحيح. [استعمالُ نعم الله في المكروهات كفران لها]: وقد وردت زيادةٌ للصُّوفِيَّةِ في هذا الباب حسنة، حيث قالت: "إن استعمال نِعَم الله في المكروهات كُفْرَانٌ لها"، بل في تَرْكِ الأدب، ألا تري إلى عثمان كيف لم يَمَسَّ ذَكَرَه بيَمِينِه منذ (٢) بايع بها رسول الله (٣)، فرأى أن اتصال يده بيد رسول الله نعمة، ورأى من شُكْرِها ألَّا يستعمل يده في محظور ولا مكروه ولا في ترك أدب، ورأى أن ذلك العضو مَحَلُّ أقذار من

стр. 1444

وجه، وشهوات من آخر، فطهَّره (١) عن محلّ الأقذار، وقدَّسه عن مظانِّ الشهوات لمَّا باشر به أكرم الجوارح في أشرف القُربات. قال الإمام الحافظ (٢) ﵁: فتَفَطَّنَ (٣) لدَقِيقَةٍ (٤) عظيمة جازاه الله بها؛ وهي أن جعل يد رسول الله بدل يده (٥) يوم الحُدَيبية حين بايع الناسُ على الموت، وغاب عثمانُ فضرب رسولُ الله ﷺ بإِحْدَى يديه على الأخرى (٦) بيده على الأخرى، وبايع بهما، وقال: "هذه يد عثمان" (٧)، وناهيك بهذا (٨) مرتبة. وقد حَقَّقَ الله تعالى هذا المعنى بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. أي: ليكون كُلُّهم لكُلِّي.

стр. 1445

وقد يتفق أن يجتمع المكروه (١) والمحظور وترك الأدب في قضية واحدة، مثل أن يأخذ المصحف ويده ملطوخة بالنجاسة مُحْدِثًا بيساره، أو كمن (٢) يبيع حُرًّا وقت النداء يوم الجمعة، فهذه حرمات متروكة، وظلمات بعضها فوق بعض مركومة، وكفران على كفران؛ ربَّما أدَّى إلى سَلْبِ الإيمان، فلا يزال العبد يُلَابِسُ المعاصي ويستهين بارتكابها ويستسهل مواقعها (٣) حتى تُوقِعَه (٤) في سَلْبِ الإيمان. ولاقتحام الخلق المعاصي تارة، والمكروهات أخرى، ونبذ الآداب ثالثًا (٥) قال إبليس: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. درجاتُ الشَّاكرين: والنَّاسُ في الشُّكْرِ درجات: الأولى (٦): الملائكة؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون. [الثانية]: ويليهم الأنبياء، وقد اختُلف في فَضْلِ بعضهم على بعض، وأفضلُ الأنبياء مرتبة في الشكر مُحَمَّدٌ ﷺ . [الثالثة]: ويليهم العلماء، وهم الذين يخشون الله ولا يخالفون ما علموه من أمره وشَرْعِه.

стр. 1446

وينقسم النَّاسُ بعد ذلك إلى أنواع شتى، شُكْرُ كل أحد (١) على مقداره وحاله في قِسْمِ النعمة التي أوتِيَها. أنواعُ النعم: فإنَّ نِعَمَ الله أنواعٌ، ولا يُحْصَرُ (٢) تفاصيلها، أمَّا إِنَّها ربَّما عُلِمَتْ على التبعيض، فيقال: النعمة نعمتان: نعمةُ دنيا. ونعمةُ آخرة. فنعمة (٣) الدنيا العافية، ونعمة الآخرة النجاة من العذاب. وتنقسمُ من وجه آخر إلى نعمتين: خاصة. وعامَّة. فالخاصَّة: ما كانت في حق المرء وحده. والعامَّة: ما تناولها (٤) مع غيره. فإذا كانت خاصَّةً حَمِدَ الله على ما خصَّه به. وقالت طائفة من الصوفية: "إنَّ ذلك ذنب".

стр. 1447

قال سَرِيٌّ: "أنا منذ ثلاثين سنة في الاستغفار؛ لقولي: الحمد لله مرة؛ إذ وقع حريق ببغداد، فاستقبلني رجل فقال: نجا حانوتك، فقلت: الحمد لله، فأنا أستغفر الله من ذلك لأنِّي رأيتُ لنفسي خيرًا ممَّا للمسلمين" (١). قال ابن العربي (٢): وهذا تغلغل في حالة سمحت فيه الشريعة، كان النبي ﷺ إذا آوى ويقول لمن آوى إلى فراشه: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوَانَا، وكَم مَن لا كافِيَ له ولا مُؤْوِيَ" (٣). أَمَا إِنَّه ينبغي أن يكون مُتَحَزِّنًا على ما فَاتَ من فَاتَهُ ذلك، فيجمع بين نهاية التدقيق (٤) وغاية الشكر، والله أعلم. وتنقسم من وجه (٥) آخر إلى نعمة في البدن ونعمة في المال، وربما زاد بعضهم فيه نِعْمَةَ العِرْضِ، وهو صحيح؛ فإنَّ الله تعالى نوَّعها على لسان رسوله (٦) ثلاثة، فقال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحُرْمَةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (٧).

стр. 1448

[قولُه - تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾] ويحصرُ لك ضَبْطَ نَشْرِها أن كل موجود فيك أو لك أو لغيرك تعود إليك منفعته أو لغيرك فإنها من فِعْلِ الله، فكلُّ موجود له يجب عليك الشُّكْرُ فيه، ويجمع ذلك قولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٩]. قال الإمام الحافظ (١) ﵁: فبيَّن أنه سبحانه برحمته علَّم القرآن؛ رَحِمَهم وعصمهم عن الشِّرْكِ، وأكرمهم، وأَوْعَزَ إليهم (٢) بكلمة التقوى، وألزمهم وعرَّفهم كلامه، وأنزل عليهم كتابه، وعلَّمهم آياته (٣). وفائدتُه: "أن الله انفرد بتعليم الخَلْقِ القرآنَ (٤)، وجَرَتْ سُنَّتُه سبحانه أنه إذا أعطى نبيًّا شيئًا أعطى أمته منه، وأشركهم معه فيه، فلمَّا قال له (٥): ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]؛ قال لنا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ " (٦).

стр. 1449

ويقال: "علَّم الله آدم الأسماء كلها، ثم أَمَرَهُ بعَرْضِها على الملائكة، فقال: ﴿أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، وعلَّم المسلمين القرآن" (١). وقال ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٢)، "والمصلي يناجي ربه" (٣)، فقال لآدم: "اذكر ما عَلَّمْتُك للملائكة، وقال لنا: ناجني يا عبدي بما عَلَّمتك" (٤). قال بَعْضُهم: "قد يُلَاطَفُ أولادُ الخَدَمِ بما لا يُصْنَعُ مع آبائهم" (٥). وقد قال أهلُ التفسير: "إن الله علَّم الأرواح القرآن قبل تركيبها في الأجسام بلا واسطة، والصِّبْيَانُ إنَّما يتعلمون القرآن في حال صغرهم قبل أن يسمعوا كلامًا (٦) سواه" (٧). وفي هذا مُتَعَلَّقٌ لأهل المغرب في ابتدائهم الصبيان بتعليم القرآن، لو صحَّ.

стр. 1450

ويقال: "برحمته علَّمهم القرآن، لا بقراءة القرآن وَصَلُوا إلى رحمته، فَضْلُه سَبَقَ عَمَلَهم (١) " (٢). ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، الإنسان هاهنا جِنْسُ الخلق، علَّمهم البيان ففَضَّلَهُمْ به على (٣) جميع الحيوان، وعلَّمهم ألسنتهم التي يتخاطبون بها، والبيانُ العِلْمُ، وقد شرحنا ذلك في "كُتُبِ الأصول" (٤). وقيل: "هذا رَدٌّ على أهل مكة حين قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فقال الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، الآيات" (٥): وقيل: "الإنسانُ: آدم" (٦). وقيل: "البيانُ الذي خُصَّ الإنسان الاعتبارُ؛ حتى عَلِمُوا كيف بخاطبون أمثالهم وأشكالهم، وأمَّا أهلُ الإيمان والمعرفة فعَلَّمَهُمْ كيف يخاطبون مولاهم" (٧). وبيانُ العِبَرِ (٨) يختلف (٩):

стр. 1451

فبيانٌ بلسان؛ وبيانٌ بقلب؛ وبيانٌ بنَفْسٍ؛ وبيانٌ بدَمْعٍ؛ وبيانٌ بلَحْظٍ؛ وبيانٌ بإشارة؛ وفي كل واحد أَثَرٌ ونَظَرٌ، بيانُه في موضعه لا نُطَوِّلُ به هاهُنا. ومن نِعَمِه أن جعل الشمس والقمر بحُسْبَان، حتى ينتهي إلى تَكْوِيرِ الشَّمْسِ وخَسْفِ القمر. ونجومُ السماء وشَجَرُ الأرض يسجدُ (١) في أَصَحِّ الأقوال. ورَفْعُ السماء بغير عَمَدٍ (٢). ووَضْعُ الميزان. قيل: هو الشَّاهِينُ؛ ليعتبر الناسُ الإنصاف (٣). وقيل: الميزانُ: العَدْلُ (٤). وأمرهم ألَّا يَطْغَوا فيه، وذلك بأن يحفظوا العَدْلَ في جميع الأمور؛ في حقوق الله سبحانه، وفي حقوق الآدَمِيِّينَ؛ بتَرْكِ الحَيْفِ، ومجاوزة الحَدِّ

стр. 1452

في كل شيء، فيُعْتَبَرُ في الأعمال الإخلاص، وفي الأقوال الصدق، وفي الأنفاس التحقيق ومساواة الظاهر للباطن، وترك المداهنة والخداع والمكر، ودقائق الشرك وخفايا النفاق، وعوارض الخيانات وسوء الأخلاق (١). وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾: بالمكيال الذي تَكْتَالُ يَجِبُ (٢) أن يُكتال لك (٣)، واشرب ممَّا (٤) تَسْقِي، وانتظر أن تُعامَل بما تُعامِل، فكما تَدِينُ تُدان (٥). قال الإمام الحافظ (٦) ﵁: فهذا كله يقتضي أن تُرَاعِيَ أمر الله في كل حالة وعمل، فإن الكل منه، وهو الآمِرُ بالعَدْلِ فيه، والعَدْلُ أن تَرُدَّ نعمته في خِدْمَتِه، وألَّا تخرج فيها (٧) عن شِرْعَتِه، فمن لَبِسَ الحرير أو أكل الكثير أو وطئ الأجنبية (٨) فقد أَخْسَرَ الميزان، وعَدَلَ عن العَدْلِ. وقد قال النبي ﷺ في المال: "نِعْمَ صاحب المسلم؛ ما أطعم منه المسكين وابنَ السبيل" (٩). وكذلك إذا أنفق شبابه في عبادة الله، وأفنى عمره في طاعة الله.

стр. 1453

وكما قال النبي في المال: "إنه نعم صاحب المسلم" (١)، فكذلك يكون الفقر؛ نِعْمَ صاحب المسلم، ما قَصَّرَ به أملَه، وحَسَّنَ عمله، وأتبعه رِضَى الله وشكره، ولا يعتقدُ أنه في حال فقره أقل منه في حال غناه، هذا نبيُّنا كان يُؤذى ويُضرب ويُهان ويُجلى، ثم ملَّكه الله النواصي، وأباح له الصَّيَاصِي، وجمع على محبته قلوب الدَّاني والقاصي، ولم تكن نعمة الله عليه في إحدى الحالتين بأقلَّ من الأخرى. فإن قيل: وكيف يكون المالُ نعمة وهو زينة الحياة الدنيا؟ قلنا: هو معونة على الطاعة، وفتنة في الشهوة، وكذلك الولد؛ هو سبيلٌ إلى الخيرات وفتنة، وكذلك صحة البدن، فإذا سَلِمَتْ عن الغوائل كانت نعمة، وإذا اقترنت بها آفة كانت نقمة، ولكثرة آفة المال رُغِبَ عنه، ولأنَّ صحة البدن أَصْلٌ في الطاعات رُغِبَ فيها، فالحاجةُ إليها آكَدُ من الحاجة إلى المال والولد. وكلُّ ما فيك وفي الأرض نِعْمَةٌ من الله عليك، تزداد بالشكر في متعلقات إرادتك الدينية، وتذهب بالكفران في متعلقات (٢) إرادتك الشهوانية، كما قال: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال في مقابلة ذلك: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، لتسلم النِّعَمُ ظاهرُها وباطنُها من الإثم ظاهرِه وباطنِه (٣)، فيتطهَّر الظاهرُ من دَرَنِ (٤) الظاهر، ويتطهَّر الباطن من دَرَنِ (٥) الباطن.

стр. 1454

[فائدةُ الشكر]: ومن أعظم (١) نعمة لله (٢) على الخلق تسخيرُ الملائكة لهم في الرزق؛ من ابتداء أحواله، إلى أن يكون لك غذاءٌ في فمك ملائمًا لشهواتك، وبهذا كله تُستجلب فائدة الشكر، وهي المزيد، قال الله في القرآن المجيد: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. فإن قيل: فما وجه الزيادة؟ قلنا: قد ذَكَرْنَا فيما تقدَّم ألفاظًا وَعْظِيَّةً فيها حقائق علمية، لا يتفطَّن لها إلَّا الحاذق. وأمَّا أهلُ الفقه فقد قالوا في ذلك أقوالًا أربعة (٣): الأوَّل: أن قوله: ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ مُطْلَقٌ قَيَّدَهُ قَوْلُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، فإنه فعَّال لما يريد، كما قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. الثاني: أن هذا مخصوص بقَوْمٍ دون قَوْمٍ. الثالث: أن (٤) معناه: لأزيدنكم إلَّا أن تَعْصُوا، ولا يتفق لهم إلَّا أن يَعْصُوا. الرابع: إذا لم يظهر المزيد على صاحب النعمة عَلِمْنَا أنَّه لم يشكر.

стр. 1455

وهذا أقواها في النظر، وإن كان الكُلُّ مُحتملًا، وبعضُه أقوى من بعض. [آفةُ الشكر]: وليَحْذَرِ العبدُ آفَةَ الشُّكْرِ، وهي من وجهين: أحدهما: الغفلة عنه باسْتِدْرَارِ النِّعَمِ. الثاني: اعتقادُ استحقاقها. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]، فإنَّك إذا كنت لله كان الله لك، وإذا اشتغلت بالله نَظَرَ لك الله فيما اشتغلت عنه به (١)، ولا تغترُّوا بسلامة أوقاتكم، ولا بتمادي نعمكم؛ عن أن تُقبلوا على عبادة ربكم، وتَرْقُبُوا آجالكم، وتتأهَّبُوا لما بين أيديكم، ولا تركنوا إلى العَطَنِ في مَبَارِكِ التسويف، وديار التخلف والتَّخْلِيف. وقد قال الجاهلُ في نِعَمِ الله إذا ذُكِرَتْ (٢) عنده واستمرت عليه: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، ذَكَرَ حَظَّ (٣) نفسه ونسي ربَّه، واعتقد أنه أُوتِيَ ما يستوجب، وحصل ما عنده بحق، وخرج على قومه في شَارَتِه العظيمة، وهيئته العجيبة، فلمَّا عاينوه انقسموا بالمقدار إلى نوعين:

стр. 1456

أحدهما: من كُتب له سوء الدار؛ فقالوا: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]، فتمنَّوا مثل حاله، وكان جامعًا مُحْتَجِنًا، وقد ذمَّ النبيُّ هذا، وأخبر عن سوء مآله، كما تقدَّم بيانُنا له عنه بقوله فيه. وقال أهل الصَّحْوِ عن سُكْرِ (١) الدنيا، الناظرون بعين البصيرة إليها، العالمون بسوء عاقبة قارون فيها، مُؤَجَّلًا وإن (٢) أُمْهِلَ مُعَجَّلًا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٨٠]، فلمَّا نزلت به العقوبة نَدِمُوا، وقالوا: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص: ٨٢]. يعني: منَّ الله علينا بفَقْدِ حال قارون. وقد يُقَصِّرُ العبدُ في الشكر؛ لأنَّه يرى غيره أكثر نعمة منه، وينبغي له أن يتأمَّل وجهين: أحدهما: ما آتاه الله ممَّا لا يستحقه عليه من نِعَمِه عنده، وأنه لم يقم بَعْدُ بشُكْرِها، ولا يغتر بذلك الذي ربَّما كانت له (٣) إِمْلَاءً. وليَنْظُرْ - في الوجه - الثاني - إلى من دونه من أهل الفقر والزَّمَانَةِ والكفر بالله والجُحُودِ له، وليَمُرَّ على المقبرة؛ فإنه ربَّما يظهر إليه أن مَيِّتًا فيها يَوَدُّ أن يكون في مثل حاله، فإذا كان من الممكن ذلك فليَعْلَمْ أنه على نعمة.

стр. 1457

وقد يَجْهَلُ وَجْهَ النِّعْمَةِ في البلاء فلا يَشْكُرُ؟ قلنا: البلاء والنعمة اسمان غريبان (١)؛ فإنَّ البلاء منه ما هو نعمة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]. قال علماؤنا: معناه: "يُعطيهم المِنَحَ ليظهر شكرهم، وقد يُعطيهم المحن ليظهر صبرهم، فالبلاءُ الحسن تحقيق الشُّكْرِ في المنحة، وتحقيق الصَّبْرِ في المحنة" (٢). وقال المحققون: "كل ما يفعل الباري حَسَنٌ، فإنَّ له أن يفعله". وقالت الصوفية: "حَسُنَ البلاءُ لأنه منه، وطاب البلاءُ لأنه فيه" (٣). وقَوْلُ المحققين أصحُّ عندي، وأجرى على الأصول. وقيل: "البلاء الحسن ما لا دعوى فيه إن كانت منحة، وما لا شكوى فيه (٤) إن كانت محنة" (٥). وقيل: "بلاءُ كل أحد على قدر حاله ومقامه، فأصفاهم وَلَاءً أقواهم بَلَاءً" (٦). قال النبي ﷺ : "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل" (٧).

стр. 1458

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) [الأنفال: ١٧]، هذا تسلية لقوم، وتهديد لآخرين (٢). المعنى: أن الله يسمع قولكم في المسرَّة، وأنينكم في المضرَّة، فيحملُ البلاءَ عن من يراه، ويُديمه على ما يراه. وقد مَنَعَ الله رسولَه ﷺ من (٣) الشَّكْوَى حين اشتدَّ عليه الكَرْبُ والبلاء، فقال له (٤): ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]. وأَمَرَه بالصبر فقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]. ولم يأذن له في أكثر من العبادة، وقال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣ - ٤]. قيل له: لعلك تقتل نفسك غمًّا إذ لم يؤمنوا، ما عليك منهم، لست بمسيطر عليهم، إنَّما أنت مُذَكِّرٌ (٥).

стр. 1459

وقيل: إنه سُلِّيَ حين كان يريد أن يَرْمِيَ نفسه من الجبال غمًّا. والأوَّل أصح؛ لأنه إنما كان يَهُمُّ بطرح نفسه من الجبل حين أبطأ عنه جبريل ﵇ شوقًا إليه، وأَسَفًا على انقطاع الوحي عنه (١). ومنه أيضًا ما يكون نقمة، وكذلك النعمة قد تكون استدراجًا، ولذلك اختلف الناس؛ هل لله على الكافر نعمة أم لا؟ وإذا أردتَ بلاءً مطلقًا فهو معاندة الله، وإذا أردت النعمة المطلقة فهي طاعة الله، وأعظم بلائه المطلق الكفر، وأعظم نعمه المطلقة الإيمان، ولا يُتصوَّر شُكْرٌ في الكفر ولا صَبْرٌ. وللمعاصي درجات يطول تَعْدَادُها، ولكن إذا نظرنا في مصائب الدين فلا صبر فيها ولا شكر، أمَّا إنه لا صبر فيها؛ فلأجل أنه بَلِيَّةٌ على العبد من قِبَله، يلزمه الخروج عنها بالتوبة، وأمَّا شُكْرُ الله عليها فمحال؛ لأنَّها تُورِثُه (٢) العذاب والبُعْدَ من الله. وأمَّا مصائب الدنيا فتلك التي يُتصوَّر فيها الصبر كما تقدَّم، وللشكر فيها (٣) وجوه: الأول: على أن لم تكن أعظم ممَّا هي.

стр. 1460

الثاني: على (١) أنها (٢) إن (٣) لم تَكُنْ في دِينِه فكم ترى ممَّن أُصيب بدينه. الثالث: أنه يرى أنه تخفيف من ذنوبه أو حَطٌّ، إذ قد ثبت في الحديث الصحيح - كما قدَّمنا - أن المصائب تحطُّ الذُّنوب. الرابع: أنه يرى أن ثوابها أفضل منها، فهذه نعمة عظيمة؛ حيث أُخِذَ منه فأُعطي أفضل، وقد تقدَّم بيانُه. ولا خلاف بين العلماء أن الصبر علي المصيبة أهونُ من الشُّكْرِ على النعمة، قال عبد الرحمن بن عوف (٤): "ابتُلينا بالضَّرَّاءَ فصبرنا، وابتُلينا بالسَّرَّاءَ فلم نصبر" (٥). ومن جَمَعَ الصَّبْرَ والشُّكْرَ فهُوَ "الحَامِدُ". * * *

стр. 1461

الحامدُ (١): وهو الاسمُ المُوَفِّي أربعين وليس فيه (٢) حديث يُعَوَّلُ عليه، والحديثُ الذي يقال فيه: "الحمَّادون (٣) لله" (٤) لا أصل له. ولكن من جَمَعَ بين الوجهين فأثنى وشَكَر (٥)، وأطاع وتواضع (٦) عند النعمة وصَبَر، ولم يضجر عند البلاء؛ فهُوَ "الحامد"، وقد كان النبي ﷺ يستعيذ من دَرَكِ الشقاء، وسوء القضاء، وجَهْدِ البلاء، وشماتة الأعداء، كما كان يستعيذ من فتنة الغنى والفقر، وفتنة المحيا والممات، ويأمر بسؤال الله العفو والعافية، ويتردَّد في أحواله بين خوف نقمة ربه (٧) ورجاء مغفرته، وهما: "الرجاء" و "الخوف (٨) ".

стр. 1462

الاسمُ الحادي والأربعون والثاني والأربعون (١): الرَّاجي والخائف وهما متعارضان؛ فالرجاء معناه (٢): غلبة ظن بلوغ الأمل على القلب. والخوف: غلبة ظن وصول المكروه. فأما ترتيبُ ذلك وتنزيلُه في الدنيا وأسبابها فمعلومٌ عند كثير من الناس، وأما في باب الآخرة فقد خَفِيَ على (٣) الخلق حتى لم (٤) يُدْرِكْهُ أكثرُهم، وإنما انفرد بمعرفته أهلُ السُّنَّةِ؛ فإنَّ الناس في مقامهما (٥) على ثلاث فِرَقِ: فرقة قالت: "لا خوف مع لا إله إلا الله" (٦).

стр. 1463

وفرقة قالت: "لا رجاء مع مواقعة ذنب واحد من الكبائر" (١)، وهي التي ردَّ عليها أبو عُبَيد (٢). وفرقة ثالثة توسَّطت، وقالت: "لا خوف مع الانكفاف عن المزجور والامتثال للمأمور، ولا رجاء مع الكفر بالله". وإذا تحصَّلت الشهادتان وواقع العبدُ مع ذلك الذنوب فهو على رجاء من المغفرة وخوف من العقوبة، فلينظر لنفسه في الارتقاء عن هذه المنزلة إلى مقام التائبين حتى يحصل من الناجين. وقال فريقٌ - بعد أن يتوب أو يكون مطيعًا لم يَعْصِ -: لا ينبغي له أن يفارق الفَرَقَ (٣) على الهلكة؛ فإنه لا يعلم هل وفَّى بما عاهد عليه الله؟ وهل امتمل ما أمر به وهل تَحْسُنُ (٤) خاتمته؟ وهذه كلها مخاوف لا يقع فيها الأَمْنُ إلَّا عند الوفاء (٥)، فيكون أيضًا على هذه المنازل الشريفة راجيًا في رحمة الله خائفًا لعقاب الله . حالُ الأنبياء في الخوف: حتى إنَّ الأنبياء يخافون الله مع أنه أمَّنهم وعرَّفهم منازلهم، وأخبرهم بحُسْنِ الخاتمة لهم، وقد اختلف الناسُ في جهة خوفهم مع الثقة بأَمْنِهم

стр. 1464

بصِدْقِ الوعد ووُجُوبِه من الله لهم، ولم يأت أحدٌ بشيء، وقد بيَّنَّاه في "كتاب المُشْكِلَيْنِ". أحسنُه وأحقُّه قَوْلُ الأستاذ الإسفرايني (١)، إِذْ قيل له: "ممَّا (٢) كان يخاف النبي وقد أَمِنَ العذاب؟ قال: من العتاب، وهو أَشَدُّ على الأحباب". ويظهر هذا من حديث الشفاغة (٣)؛ فإنَّ الأنبياء إنُّما ذكروا الحياءَ من أمور أَتَوْهَا لا تُوجب عقابًا، فالله أعلم، لعلهم خافوا عليها عتابًا. وقد رُويت عن النبي وسائر الأنبياء أحاديثُ في خوفهم من الله لا يَحِلُّ لمسلم أن ينظر فيها، مَلأَ المتزهِّدون منها كُتُبَهم لجهلهم بالطرائق (٤). وقد رُوي عن عائشة أنها قالت: "كان النبيُّ إذا رأى مَخِيلَةً في السماء أقبل وأدبر، فإذا مطرتْ سُرِّيَ عنه، قالت: فقلتُ له، فقال: وما أدري؟ لعله كما قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٣] " (٥)، وهو حديث حسن في الباب، صحيح من اللُّباب، يفتح في المعرفة سبيلًا قد بيَّنَّاها في موضعها. فإن قيل: فالعشرةُ من الصحابة ومن شهد له النبيُّ بالجنة من سواهم ممَّ كانوا يخافون؟ وعلى مَ كانوا يبكون؟ ويخرج من كلامهم أنهم كانوا بما هم عليه فَزِعِينَ.

стр. 1465

أجاب بعضُهم بأنهم كانوا يخافون على الخاتمة. وهذا باطلٌ في بعضهم، ممَّن قال له النبي: "رَأَيْتُكَ في الجنة في منزلك، وأنت بها (١) رفيقي، ومنزلك فيها عال" (٢)، ونحو ذلك. والصَّحِيحُ عندي ما قال في ذلك المتأخرون: من أنه ضَمِنَ لهم ذلك (٣) بشرط استغفارهم وبقائهم إلى الخاتمة على حالهم، فكانوا راهبين على فوات الشرط، أو يخافون على التقصير عن المنزلة بما كان من أمرهم بعد النبي ﷺ (٤). وقد روى البخاري أن أبا بُرْدَةَ بن أبي موسى قال: "قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يَسُرُّكَ إسلامُنا مع رسول الله ﷺ هجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه بَرَدَ (٥) لنا (٦)، وأنَّ كلَّ عمل عملناه بعده نجونا منه كِفَافًا؛ رأسًا برأس؟ فقال أبي: لا، والله، قد جاهدنا بعد رسول الله وصلَّينا وصُمنا وعملنا خيرًا كثيرًا، وأسلم على أيدينا بَشَرٌ كثير، وإنِّي لأرجو (٧) دلك، قال أبي: لكنِّي أنا - والذي نَفْس عمر بيده - لوددتُ أن

стр. 1466

ذلك بَرَدَ لنا، وأنَّ كل شيء عملناه بعده نجونا منه كِفَافًا؛ رأسًا برأس، فقلت: إن أباك - والله - خَيْرٌ من أبي" (١)، ولستُ أعلم حديثًا صحيحًا وَرَدَ فيه لفظُ الرجاء غير هذا. أَمَا إِنَّ المعاني في الرجاء والخوف الواردة في الأخبار كثيرة، وفي الأحاديث الحسان أخبارٌ كثرة جدًّا فيها ذِكْرُ الرجاء، وأطنب المصنفون في ذلك بما لا أصل له، فلا تُعَوِّلُوا عليه، فأمَّا الآيات، فذِكْرُ الرجاء والخوف فيها كثير (٢). [حالُ الملائكة في الخوف]: وأمَّا حالُ الملائكة في الخوف فعلى منزلة عظيمة، قال الله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فأخبر الله سبحانه أنهم يخافون ويُشفقون على أنفسهم من خشيته وليس لهم ذنب، وهذه الآية من أصول أهل (٣) السنة في أن لله أن يُعَذِّبَ البريء من الذنب، ولولا ذلك ما خافته الملائكة؛ لعِلْمِها بأنه لا يُعَذِّبُ إلَّا من أذنب (٤). ثم قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقد عَلِمَ أنه لا يقولونه، ولكنه علم أن لو كان كيف يكون

стр. 1467

حُكْمُه، والله سبحانه يعلم ما يكون كيف يكون، ويعلم ما لا يكون ممَّا بجوز أن يكون أن لو كان كيف كان يكون. ومِثْلُه قَوْلُه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وهو لم يشكَّ ولم يسأل، ولا يشكُّ ولا يسأل، ولكن الباري علم ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وذلك كُلُّه تأديب للعبد (١) وتحذير له. وقد روى أحمد في "الزهد" عن النبي: "أن جبريل نزل عليه وهو يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما جَفَّتْ لي عَيْنٌ مُذْ خَلَقَ الله النار مخافة أن أعصبه فيعذبني بها" (٢). وهذا الأصلُ صحيح على مذهب أهل السنة، فإن العصمة عندنا إنَّما هي بيد الله، هو خالق القدرة على الطاعة، فإذا لم يخلفها وخلق ضدها للعبد - وهي القدرة على المعصية - عصى، وقد بيَّنَّا ذلك في "كُتب التوحيد". [حالُ المؤمنين في الخوف والرجاء]: وبقي النَّظَرُ في حال المؤمنين في الخوف والرجاء كما قلنا، وتَرَدُّدُهم بين المقامين يُسَمَّى رجاءً، وقد قال بعضهم: "إنه تَمَنٍّ" (٣)، وجعل الرجاء في وجود الأعمال الصالحة، واجتناب المعاصي للخلاص، مع ما هنالك من خَوْفِ الطوارى، وإذا كان عَمَلٌ سَيِّئ (٤) لم يكن رجاء، ولكنه إن تعلَّق

стр. 1468

له أَمَلٌ بالمغفرة مع المعاصي فهو مُغْتَرٌّ أحمق، ففي الحديث الحَسَنِ: "الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أَتْتَعَ نفسه هواها وتمنَّى على الله" (١). والذي أعتقده أن الرجاء (٢) إذا كان معه الإيمان فرجاء المغفرة للذنوب أنه رجاء حقيقة، وفي مقابلته خَوْفٌ لاستيفاء العقاب حقيقة. [درجاتُ الرجاء والخوف]: وللرجاء درجات، وللخوف درجات، فأعلى درجاته ملازمة الأمر بالامتثال، والمحافظة على الحدود بالاجتناب، وأدناها التزام التوحيد، وألَّا يسجد لغير الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] فهؤلاء في رَوْحِ الرجاء يقينًا، وقال أيضًا: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] فحقَّق الرجاء لمن عمل عملًا صالحًا، وأضاف إليه عملًا سَيِّئًا. قال بعضهم: "العمل الصالح: التوبة" (٣). ولو كان كذلك لم يؤخر العمل السيئ في الذِّكْرِ، ولا قال في آخر الآية: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، فإنَّ معناه عسى الله أن يُيَسِّرَ لهم التوبة، وإنَّما هو خبر عن قوم أطاعوا وعصوا، فأخبر أن الزَّلَّةَ لا تُحبط ثواب الطاعة، ولو أحبطته لم يكن العملُ صالحًا (٤).

стр. 1469

ونَظِيرُ الأوَّل قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. قال قَوْمٌ: معناه: "قاموا بحق الأمر والنهي، فصَحَّ لهم منزلة الرجاء". وقال آخرون: "إنه لم يستوف لهم كل عمل، ولكنه اقتصر على التلاوة والصلاة والزكاة، فيكون معها الرجاء؛ دن وفع بعد ذلك تقصير". وقال جماعة من العلماء: "أَشَدُّ آية في كتاب الله قولُه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] ". وقيل: "إن هؤلاء الذين يرجون التجارة هم الرجال الذين يُسَبِّحُونَ في المساجد بالغُدُوِّ والآصال، ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (١)، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ". وهذا يَقِينٌ، ولكن ما ذكرناه مظنونٌ مَرْجُوٌّ في درجة من الرجاء كما بيَّنَّاه. ومن الأحاديث الصِّحَاح في معنى الرجاء حديثُ أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خلق الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جُزْءًا، وأنزل في الأرض جُزْءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرسُ حافرها عن ولدها خشية أن تُصيبَه" (٢).

стр. 1470

فلو يعلم الكافر بكُلِّ الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكُلِّ الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار، وقد تقدَّم حديثُ "الرجل الذي لم يبتئر (١) خيرًا قط، وأمر بإحراق بَنِيه له (٢)، وتفريقه في البر والبحر، وأن الله أعاده خلقًا سَوِيًّا، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك، فما تلافاه غيرُها" (٣). وصحَّ عن أنس بن مالك أنه قال: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشَّعَرِ، كنا نعدُّها على عهد النبي من المُوبقات" (٤). ومن أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد: "أنا أعصي؛ فإن المغفرة معي عُدَّة"، وقد ذَمَّ الله المُقْدِم على هذه الصفة فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، ركنوا إلى عاجل الدنيا، وجعلوا نصيبهم من الآخرة المُنَى، وقالوا بحُكْمِهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ (٥). ومن علامات الاستدراج ركوبُ الزَّلَّةِ في حال المُهْلَةِ (٦).

стр. 1471

أَمَا إنَّ العبد إذا واقع الذنب غَفْلَة بشهوة ثم تذكر بعد ذلك العقوبة فقال: رب اغفر لي؛ نادمًا، قال الله: "عَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، أُشهِدُكُمْ أني قد غَفَرْتُ له" (١). وقد قال الله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٠]، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، وهو ضِدُّ الرجاء، فنهى عنه ليكتسب الرجاء بدلًا منه، والمعنى: لا تُبعِد ذلك ولا تَيأس منه إذا طَلَبْتَه بأسبابه. وقد روى المُفَسِّرُونَ: "أن الآية نزلت في قَوْمٍ من أهل مكة أرادوا الإسلام ففَزِعُوا ممَّا أَتَوا من الذنوب، من قَتْلٍ وزِنًا، فنزلت الآية، وأَرْسَلَ بها إليهم" (٢). والذي صحَّ من ظاهر الآية أن الله قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، فأضافهم إليه، فإن كان ما قال المفسرون صحيحًا فإضافتهم إليه بسبب ما اعتقدوا من الإسلام وأنابوا إليه، لكنهم خافوا ألَّا يُقبَل منهم، وإن لم يكن ذلك صحيحًا فالآيةُ فِينَا، فإنَّا أسرفنا على أنفسنا، واكتسبنا ذنوبنا، واقترفنا خَطَايَا (٣)، ونسينا وأخطأنا، فلمَّا جزعنا من الرد وخِفْنَا، قيل لنا: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وأنيبوا إليه، أي: ارجعوا إليه بالكُلِّيَّةِ، فقد كنتم معه بالحسنة، وبِنْتُمْ عنه بالسيئة،. فارجعوا إليه بالكلية، وأَتْبِعُوا ما أَتَيْتُمْ بالندم.

стр. 1472

قال علماؤنا: "والفَرْقُ بين الإنابة والتوبة أن الإنابة رُجُوعُ مُسْتَحْيٍ ممَّا اقترف، والتوبةُ (١) رُجُوعُ خائفٍ ممَّا اجترم" (٢). ﴿وَأَسْلِمُوا﴾؛ أي: أَخْلِصُوا له بعد الإنابة، وكُونُوا على أسباب السلامة، واجتنبوا ورطات الهلكة؛ من قبل أن ينزل عليكم العذاب بغتةً في الدنيا أو بالموت. ومن "فوائد أبي سَعْدٍ الشهيد": "إنَّ قوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾: مَدْحٌ، وقوله: ﴿أَسْرَفُوا﴾: ذَمٌّ، فلمَّا قال: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾؛ طمع المطيعون في النداء، ونَكَسَ العاصون رؤوسهم، فلمَّا قال: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، انتعشت قلوب العصاة ورفعوا رؤوسهم، ثم أكد القصة بقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنَّ الذنب لا يعود إلَّا على صاحبه، ولا يؤذي به إلَّا نفسه، والله غَنِيٌّ عن الطاعة، مقدَّس عنها وعن المعصية، وزاد الأمر فضلًا فقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، وهذه الألف واللَّام لاستغراق الجنس، ثم أكَّد الحال تأكيدًا على تأكيد بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ " (٣) وقد قال الله مُخْبِرًا عن قَوْمٍ دَرَجُوا على الوفاء، ولزموا حال الصفاء، وقاموا بحَقِّ الاستيفاء، وبذلوا أنفسهم لله تعالى واستمرُّوا على الطريق، وطالبوا قلوبهم بالتحقيق، وأخذوها (٤) في سبيل التضييق، وحاسبوها بالتدقيق، فما زاغوا عن طريق الجَهْدِ، ورَاعَوا حقوق العهد، وسَلَّمُوا

стр. 1473

تسليمًا، ولم يُوهِنهم (١) خوفٌ، ولا أضعفتهم مصيبة، ولا استكانوا لحادثة (٢)، ولا فتَرُوا في عبادة، ولا أَيِسُوا (٣) عن طاعة بعادة، وجادوا بأنفسهم في سبيل الله، وصانوا بمُهَجِهم (٤) رسول الله، فما كان قولُهم بعد ذلك كُلِّه (٥) إلَّا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. فيا معشر المريدين: بأي لسان نقولها نحن، وأتينا الغُدَرَ (٦)، وشربنا الكَدَرَ، وقصَّرنا، وعَقَلْنا عن حقوق الله نفوسَنا وأموالَنا، وعُجْنا عن الطريق، وأرسلنا أنفسنا وقلوبنا، فجارت عن سَنَنِ التحقيق، واستلهى قُلُوبنا الهوى، ومشينا جادِّين في سبيل الرَّدَى (٧)، وجئنا الطاعة بالهُوَيْنى، واكتفينا في طلب النجاة بالمُنَى (٨)، وأهيلنا أحوالنا فلم نراعها، وأنفسنا فلم (٩) نحاسبها، ومِلْنا إلى الراحة واغتنمناها، ولم نراع العهد الذي علينا، ولم نطلب السَّلامة كما أُمرنا، وأَوْهَننا الطمعُ فضلًا عن الخوف، وعَجَّزَتْنَا المصائب، وأهانتنا الحوادث، وأذلَّتنا الأطماع، وفتَرْنا في العبادات،

стр. 1474

وأَنِسْنهَا بالعادات، وبخلنا بأنفسنا عن المُشْترَى الهَيِّنِ الفاني بالثمن الغالي الباقي، وما وَقَيْنا أدياننا بأموالنا فضلًا عن نفوسنا، فيا لَلَّه ويا للمسلمين من هذا الحادث العظيم، الذي ليس له فرج إلا بالإقلاع والاستغفار، فلتتكلَّفوا ذلك بألسنتكم إن لم تَصْفُ عليه قلوبكم، والزموه (١) ظاهرًا؛ فإنَّ باب (٢) الله مع الملازمة سيفتح، بانتظام الباطن به، وإخلاص النية معه، فيتَّصِلُ القَبُولُ إن شاء الله. [أسبابُ الرجاء والخوف]: وليس لأسباب الرجاء والخوف حَصْرٌ، وإنما هي تيسيرات يوقِعُها الله في القلوب بحسب ما يختار لها من المنازل، ولكن مرجعها إلى الآيات والأخبار، حتى كان بعضُ العُبَّادِ يقول: "إن أرجى آية في كتاب الله آيةُ الديْنِ؛ فإن الدنيا حقيرة، والدَّيْنُ (٣) فيها أحقرُ من النقد، وقد أنزل الله فيها أطول آية في القرآن، فالذي حفظ أقل الدنيا بالاحتياط بمصلحة عباده في الدنيا يحفظ أدنى عباده بأعظم وسائله؛ وهي شهادةُ الحق في الآخرة". وكذلك في جانب الخوف عَاقَبَ الكفار بأقصر آية في القرآن، وهي قوله: ﴿ذُقْ﴾ [الدخان: ٤٩]، فأهانه بالعذاب، وأظهر التشفي عليه بالانتقام، وثَرَّبَ (٤) عليه بالكلام، وعرَّفه ما انتهى إليه من سوء المقام، وهذا غاية العذاب.

стр. 1475

ومن أسباب الرجاء أن الله قال في الملائكة أنهم يستغفرون لمن في الأرض مع ذنوبهم، كما يستغفرون لهم مع طاعتهم، في قوله مُخْبِرًا عنهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]، ولولا مغفرتُه ورحمتُه (١) لما رَزَق من يَكْفُرُ به لحظة. وقال المفسرون: "إنَّهم في هذه الآية يستغفرون للعاصين" (٢). وليس كذلك؛ فإنَّ الله أخبر أنهم في هذه الآية (٣) إنَّما يستغفرون (٤) للذين تابوا. وقال (٥) قَوْمٌ في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]: "إنَّها منسوخة بالآية التي في "غافر"". وقد بيَّنَّا في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (٦) بطلانَ ذلك، وحقَّقنا أنه عُمُومٌ في ﴿عسق﴾ (٧) خصَّه ما في "غافر"، وبيَّن أنهم يستغفرون للمؤمنين ممَّن في الأرض، فإنما تستغفر الملائكة للعاصين من المؤمنين لا للكافرين؛ لأنها قد عَلِمَتْ أن الله لا يغفر لكل كافر.
следующие страницы →