← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أَمَا إنَّ العبد إذا واقع الذنب غَفْلَة بشهوة ثم تذكر بعد ذلك العقوبة فقال: رب اغفر لي؛ نادمًا، قال الله: "عَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، أُشهِدُكُمْ أني قد غَفَرْتُ له" (١). وقد قال الله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٠]، ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]، وهو ضِدُّ الرجاء، فنهى عنه ليكتسب الرجاء بدلًا منه، والمعنى: لا تُبعِد ذلك ولا تَيأس منه إذا طَلَبْتَه بأسبابه. وقد روى المُفَسِّرُونَ: "أن الآية نزلت في قَوْمٍ من أهل مكة أرادوا الإسلام ففَزِعُوا ممَّا أَتَوا من الذنوب، من قَتْلٍ وزِنًا، فنزلت الآية، وأَرْسَلَ بها إليهم" (٢). والذي صحَّ من ظاهر الآية أن الله قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، فأضافهم إليه، فإن كان ما قال المفسرون صحيحًا فإضافتهم إليه بسبب ما اعتقدوا من الإسلام وأنابوا إليه، لكنهم خافوا ألَّا يُقبَل منهم، وإن لم يكن ذلك صحيحًا فالآيةُ فِينَا، فإنَّا أسرفنا على أنفسنا، واكتسبنا ذنوبنا، واقترفنا خَطَايَا (٣)، ونسينا وأخطأنا، فلمَّا جزعنا من الرد وخِفْنَا، قيل لنا: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وأنيبوا إليه، أي: ارجعوا إليه بالكُلِّيَّةِ، فقد كنتم معه بالحسنة، وبِنْتُمْ عنه بالسيئة،. فارجعوا إليه بالكلية، وأَتْبِعُوا ما أَتَيْتُمْ بالندم.

стр. 1472

قال علماؤنا: "والفَرْقُ بين الإنابة والتوبة أن الإنابة رُجُوعُ مُسْتَحْيٍ ممَّا اقترف، والتوبةُ (١) رُجُوعُ خائفٍ ممَّا اجترم" (٢). ﴿وَأَسْلِمُوا﴾؛ أي: أَخْلِصُوا له بعد الإنابة، وكُونُوا على أسباب السلامة، واجتنبوا ورطات الهلكة؛ من قبل أن ينزل عليكم العذاب بغتةً في الدنيا أو بالموت. ومن "فوائد أبي سَعْدٍ الشهيد": "إنَّ قوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾: مَدْحٌ، وقوله: ﴿أَسْرَفُوا﴾: ذَمٌّ، فلمَّا قال: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾؛ طمع المطيعون في النداء، ونَكَسَ العاصون رؤوسهم، فلمَّا قال: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، انتعشت قلوب العصاة ورفعوا رؤوسهم، ثم أكد القصة بقوله: ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ لأنَّ الذنب لا يعود إلَّا على صاحبه، ولا يؤذي به إلَّا نفسه، والله غَنِيٌّ عن الطاعة، مقدَّس عنها وعن المعصية، وزاد الأمر فضلًا فقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، وهذه الألف واللَّام لاستغراق الجنس، ثم أكَّد الحال تأكيدًا على تأكيد بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ " (٣) وقد قال الله مُخْبِرًا عن قَوْمٍ دَرَجُوا على الوفاء، ولزموا حال الصفاء، وقاموا بحَقِّ الاستيفاء، وبذلوا أنفسهم لله تعالى واستمرُّوا على الطريق، وطالبوا قلوبهم بالتحقيق، وأخذوها (٤) في سبيل التضييق، وحاسبوها بالتدقيق، فما زاغوا عن طريق الجَهْدِ، ورَاعَوا حقوق العهد، وسَلَّمُوا

стр. 1473

تسليمًا، ولم يُوهِنهم (١) خوفٌ، ولا أضعفتهم مصيبة، ولا استكانوا لحادثة (٢)، ولا فتَرُوا في عبادة، ولا أَيِسُوا (٣) عن طاعة بعادة، وجادوا بأنفسهم في سبيل الله، وصانوا بمُهَجِهم (٤) رسول الله، فما كان قولُهم بعد ذلك كُلِّه (٥) إلَّا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. فيا معشر المريدين: بأي لسان نقولها نحن، وأتينا الغُدَرَ (٦)، وشربنا الكَدَرَ، وقصَّرنا، وعَقَلْنا عن حقوق الله نفوسَنا وأموالَنا، وعُجْنا عن الطريق، وأرسلنا أنفسنا وقلوبنا، فجارت عن سَنَنِ التحقيق، واستلهى قُلُوبنا الهوى، ومشينا جادِّين في سبيل الرَّدَى (٧)، وجئنا الطاعة بالهُوَيْنى، واكتفينا في طلب النجاة بالمُنَى (٨)، وأهيلنا أحوالنا فلم نراعها، وأنفسنا فلم (٩) نحاسبها، ومِلْنا إلى الراحة واغتنمناها، ولم نراع العهد الذي علينا، ولم نطلب السَّلامة كما أُمرنا، وأَوْهَننا الطمعُ فضلًا عن الخوف، وعَجَّزَتْنَا المصائب، وأهانتنا الحوادث، وأذلَّتنا الأطماع، وفتَرْنا في العبادات،

стр. 1474

وأَنِسْنهَا بالعادات، وبخلنا بأنفسنا عن المُشْترَى الهَيِّنِ الفاني بالثمن الغالي الباقي، وما وَقَيْنا أدياننا بأموالنا فضلًا عن نفوسنا، فيا لَلَّه ويا للمسلمين من هذا الحادث العظيم، الذي ليس له فرج إلا بالإقلاع والاستغفار، فلتتكلَّفوا ذلك بألسنتكم إن لم تَصْفُ عليه قلوبكم، والزموه (١) ظاهرًا؛ فإنَّ باب (٢) الله مع الملازمة سيفتح، بانتظام الباطن به، وإخلاص النية معه، فيتَّصِلُ القَبُولُ إن شاء الله. [أسبابُ الرجاء والخوف]: وليس لأسباب الرجاء والخوف حَصْرٌ، وإنما هي تيسيرات يوقِعُها الله في القلوب بحسب ما يختار لها من المنازل، ولكن مرجعها إلى الآيات والأخبار، حتى كان بعضُ العُبَّادِ يقول: "إن أرجى آية في كتاب الله آيةُ الديْنِ؛ فإن الدنيا حقيرة، والدَّيْنُ (٣) فيها أحقرُ من النقد، وقد أنزل الله فيها أطول آية في القرآن، فالذي حفظ أقل الدنيا بالاحتياط بمصلحة عباده في الدنيا يحفظ أدنى عباده بأعظم وسائله؛ وهي شهادةُ الحق في الآخرة". وكذلك في جانب الخوف عَاقَبَ الكفار بأقصر آية في القرآن، وهي قوله: ﴿ذُقْ﴾ [الدخان: ٤٩]، فأهانه بالعذاب، وأظهر التشفي عليه بالانتقام، وثَرَّبَ (٤) عليه بالكلام، وعرَّفه ما انتهى إليه من سوء المقام، وهذا غاية العذاب.

стр. 1475

ومن أسباب الرجاء أن الله قال في الملائكة أنهم يستغفرون لمن في الأرض مع ذنوبهم، كما يستغفرون لهم مع طاعتهم، في قوله مُخْبِرًا عنهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧]، ولولا مغفرتُه ورحمتُه (١) لما رَزَق من يَكْفُرُ به لحظة. وقال المفسرون: "إنَّهم في هذه الآية يستغفرون للعاصين" (٢). وليس كذلك؛ فإنَّ الله أخبر أنهم في هذه الآية (٣) إنَّما يستغفرون (٤) للذين تابوا. وقال (٥) قَوْمٌ في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]: "إنَّها منسوخة بالآية التي في "غافر"". وقد بيَّنَّا في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (٦) بطلانَ ذلك، وحقَّقنا أنه عُمُومٌ في ﴿عسق﴾ (٧) خصَّه ما في "غافر"، وبيَّن أنهم يستغفرون للمؤمنين ممَّن في الأرض، فإنما تستغفر الملائكة للعاصين من المؤمنين لا للكافرين؛ لأنها قد عَلِمَتْ أن الله لا يغفر لكل كافر.

стр. 1476

ويحتمل أن تكون الملائكة تسأل المغفرة للكُفَّارِ بالتوفيق لمُبَاشَرَةِ (١) سبب المغفرة، وهو الإيمان، كما رُوي أن نبيًّا كان قومه جرحوه فيقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (٢)، ولكن ليس ذلك في شَرْعِنَا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، ولولا ظلمهم وذنوبهم ما كان غَفَّارًا، ولولا كونُه غَفَّارًا ما أذنبوا، وهو الأَصْلُ والأَوْلَى. ومغفرتُه للكفَّار بإمهاله، وللمؤمن بإفضاله، فكلُّ أحد نالته مغفرته ورحمته، ولكنَّها مكتوبة على الإطلاق ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، يعني: الشرك؛ فلا يسجدون لغيري، وكل من لم يُصَلِّ فهو سَاجِدٌ لغير الله بفِعْلِه. وقال: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، بيانًا أن حقوق الآدميين لا يغفرها إلَّا برضاهم. وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، المعنى: لا يَرَوْنَ فِعْلًا إلَّا لنا، ومن زَعَمَ أن مع الله فاعلًا فهو كافر (٣). والذين يتبعون الرسول النبي الأمي؛ هو مُنَبَّأٌ من الله، رَفِيعٌ عنده، مأمورٌ بالإبلاغ إلى الخلق، وكم من نبي لم يُرْسَلْ فجَمَعَ الله له الفَضِيلتين؛ فَضْلَ الرسالة، وفَضْلَ النبوة، وزاده فضيلة أن جعله أُمِّيًّا، وجمع ذلك عَلَّمَه ما لا يقدر عليه (٤) الكاتب النِّحْرِيرُ، ولا العالم الماهر، أستغفر الله؛ بل أَلْف أَلْفٍ أو أزيد، إلى ما أوصله الله إليه من المعارف.

стр. 1477

ثُمَّ قال بعضُ العلماء: "فلمَّا أراد أن يكتب بعد تمام النعمة وتَقَرُّرِ المعجزة كَتَبَ" (١). وهو مذهب بعض التابعين (٢). ومن فضائله التي (٣) يتعلق بها الرجاءُ أنه لا يُخْزِيهِ الله تعالى، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]، وهي من آيات الرجاء؛ فإن الله أمَّن رَسُولَه من الخِزْيِ؛ وهو الاستحياء والمذلة، وهو أكرم الخلق وسَيِّدُهم. قال أبو جعفر محمد بن علي (٤): "يا أهل العراق؛ أنتم تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٥)، ونحنُ نرى أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، فيا معشر المريدين؛ فهل يزضى مُحَمَّدٌ أبدًا وأَحَدٌ ممن صدَّقه في النار؟ " (٦).

стр. 1478

ثُمَّ بفَضْلِ الله وبرحمته قد أَمَّنَ المؤمنين من الخِزْيِ أيضًا في أحد القولين في الآية، المعنى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ﷺ ، ولا يخزي ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، ﴿نُورُهُمْ﴾ الذي اهتدوا به في الدنيا ﴿يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كُتُبُهم. وقيل: "بأيمانهم نور" (١). وهو الأظهر. كان النبي يقول في دعائه بالليل: "اللهم اجعل في قلبي نُورًا، وفي نفسي نورًا، وفي صدري نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي شَعَرِي نورًا، وفي بَشَري نورًا، وفي مُخِّي نورًا، وفي عَظْمِي نورًا، وفي لَحْمِي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفي قبري نورًا، وعند لقائك نورًا، وعلى الصراط نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا، وأعطني نورًا، وأَعْظِمْ لي نورًا، وارزقني نورًا"، فهذه خمسة وعشرون نُورًا، منها في "صحيح مسلم" (٢) سبع عشرة دعوة، والباقي من (٣) "الحِسَانِ" (٤).

стр. 1479

فالمؤمنون يضرعون إلى الله في أن يتَمِّمَ نُورَهم حتى يصلوا به إلى الجنة؛ إذ نورُ المنافق يُطْفِئُه حَرٌّ النار عند الصراط لضعفه، ونُورُ المؤمن لقوَّته لا يؤثر فيه ريحُ نَارٍ (١)، ولا يطفئه إعصار. ومن أخبار الرجاء العظيمة قَوْلُه ﷺ : "لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (٢)، ويعارضه في الخوف الحديث الصحيح مثله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خَرْدَلٍ من كِبْرٍ" (٣)، وهو مُشْكِلٌ، قد بيَّنُّاه في موضعه. نكْتَتُه وجهان: أحدهما: أن مَعْنَى (٤) "لا يدخل النار مَن في قلبه (٥) مثقالُ ذرَّة من إيمان"؛ أي: لا يَتَغَشَّاه وإن دخل صاحبُه النار، فإنما يكون في ضَحْضَاحِها؛ فإن الله قد أخبر عن أهل النار الذين يدخلونها بأنها تتغشَّاهم في قوله لهم: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٥]. الثاني: أن يكون معناه: أنه لا ترى (٦) النارُ قلبًا (٧) فيه هذا القَدْر، ولا تأكله ولا تُسَلَّطُ (٨) عليه، كما أن الله حرَّم أعضاء السجود على النار؛ فكذلك حرَّم قَلْبَ الإيمان على النار.

стр. 1480

وقال بعضهم: معناه: "لا يدخلون (١) النار دخول خلود". والأوَّلان أقوى. وأمَّا الجنة فلا يدخلها مثقالُ ذرَّة من كِبْرٍ (٢). وقد قال بعضهم: "إن الحديث على ظاهره، وأنه لا يدخل الجنة من في قلبه (٣) مثقال ذرَّةٍ من كِبْرٍ؛ لأنه يُطَهَّرُ إن غفِرَ له أو عُدبَ؛ فلا يدخل الجنة شيءٌ من ذلك، كما أنه لا يُخَلَّدُ في النار هع مثقال ذرَّة من إيمان أبدًا". وذَكَرَ النبيُّ ﷺ الوَجْهَيْنِ لتردُّد العبد بين حالتين؛ الخوف والرجاء، حتى يكون برجائه راغبًا (٤) في العمل، وبخوفه (٥) كافًّا عن الذنوب، باكيًا على ما فَرَطَ من التقصير. وقد قال بَعْضُ المتعبدين: "إن البكاء والرقة التي تَعْرُو عند سماع القرآن فيبكي وإن كان خوفًا فإنه قاصر؛ لأنه بسَبَبٍ عارض، فإذا زال (٦) السَّبَبُ عاد القلبُ إلى ما كان فيه من التَّلَهِّي" (٧).

стр. 1481

وإلى هذا المعنى أشار الحَكِيمُ بقوله: نُرَاعُ إذَا الجنائزُ أقبلتنا (١) … ونلهو حين تذهب (٢) مُدبرات كرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لمغارِ ذِيبٍ … فلمَّا غاب عادت رَاتِعات (٣) قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: وهذا قَوْلٌ صحيح، ولكنه جعل الخوف المذكور قاصرًا، وكلامه فيه قاصر، وتحقيق القول فيه: إنَّ الله مَدَحَ هذا القَدْرَ من الخوف في هذا الوقت بهذا السبب فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، وقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] فتارةً يبكي من عرفان الحق الذي فاته فيما قبلُ، وتارةً يزداد خشوعًا إلى ما كان عليه. فإذا استقرَّت هذه الحالة فلا يخلو أن يرجع إلى غفلة أو يرجع إلى معصية، فإن رجع إلى غفلة لم يضرَّه ذلك، والدليلُ عليه حديث حنظلة المتقدِّم، قال فيه: "قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، قال: وما ذلك؟ قلت:

стр. 1482

يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنار والجنة كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا (١) الأزواج والأولاد والضَّيعات فنسينا كثيرًا، فقال رسول الله: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي وفي (٢) الذِّكْرِ لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة؛ ساعة وساعة" (٣). وإن رجع إلى معصية فهو ممَّن خَلَطَ عملًا صالحًا وآخر سَيِّئًا، ومن (٤) اقتحم الشهوة ولام النفس فهو خائفٌ من وجه، مُسَوِّفٌ من آخر، فهذا هو الرجاء القاصر. كما أن الكامل فيه هو الذي يتخلَّى عن الشهوات خوفًا من التقصير والإملاء والتدريج (٥) إلى الشبهات، ويكفُّ عن السيِّئات (٦) خوفًا من الوقوع في المحرَّمات، ويَفِرُّ عن (٧) المحرَّمات خوفًا من العقوبات وسوء الخاتمة، فهو بهذه الآخِرَةِ "عَفِيفٌ" أو "مُتَّقِي"، وبالتي قبلها "وَرعٌ"، وبالتي قبلها "زَاهِدٌ"، فإن تخلَّى عمَّا هو سوى الله خوفًا من تَقْصِيرٍ في حق الله فهو "صِدِّيقٌ"، وقد مضى بيانُه في موضعه؛ فإنَّ هذه الأسماء تتداخلُ من وجوه (٨).

стр. 1483

[الخوف من سوء الخاتمة]: وأعظمُ المخاوف سُوءُ الخاتمة، وله سببان: أحدهما: الوَلَعُ (١) بالدنيا وأهلها. والثاني: المثابرة على المعاصي، والخير عادة، والشر لجاجة. وأشدُّ حديث في الخوف قَوْلُ النبي ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار" (٢). وقد قاتل رجلٌ مع النبي وأبلى بلاءً عظيمًا، فقال النبي ﷺ : "هو في النار، فكان آخرُ أمره بعد اجتهاده أن أثخنته الجراحاث؛ فوضع ذُبَابَ (٣) السَّيْفِ بين ثَدْيَيْهِ، وتحامل عليه فمات، فأُخبر النبيُّ ﷺ فقال: أَشهد أَنِّي رسول الله" (٤). ولذلك كانت الصحابة تتمنَّى أن تكون دَاجِنًا يُذبح، أو شجرة تُعْضَدُ (٥)؛ لأنه غائب (٦) عن الخلق دِيوَانُهم، فالمرءُ لا يدري في أي ديوان ثَبَتَ اسمه؛ أفي ديوان السعادة أم في ديوان الشقاوة؟

стр. 1484

فأَوْجَبَ هذا خوفًا لا أَمْنَ معه إلَّا باطِّلاع حال (١) الخاتمة على المآل (٢)؛ ولذلك قال النبي ﷺ : "فَرَغَ ربُّكم، اعملُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة فيُيَسَّرُ (٣) لعمل أهل السعادة" (٤)، فجعل العمل الصالح علامةً في الأغلب والأكثر، وبهذا يقع الأُنْسُ. ومن أعظم المخاوف أيضًا سوء الحساب، وهو أن يَبْدُوَ له من الله ما لم يكن يحتسب، من انكشاف ما يظنُّه طاعةً معصيةً، أو مناقشة الحساب، وهو دون هذا وإن كان عظيمًا، فإنَّ وراءه العذاب؛ لقوله في الحديث الصحيح: "من نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ" (٥). قال الإمام الحافظ (٦) ﵁: وإنَّ الله لا يهدي إلَّا خائفًا لله، قال تعالى في "ألواح موسى": ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وقال في كتابنا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١]، وبذلك وصَّى كلَّ أمَّة، وكما أنه لا يهتدي إلَّا مُتَّقِي؛ كذلك لا يتذكَّر إلَّا خائف. قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ١٠]، أي: لا ينتفع بالذكرى إلَّا من يخشى، وهو "العَالِمُ"، كما قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فإذا زال العِلْمُ استوى عنده الحق والباطل فلم ينتفع بشيء.

стр. 1485

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره … إذا استوت عنده الأنوار (١) والظُلَمُ (٢) قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: وقد بيَّنَّا أن الخوف والرجاء مقامان، وهما أخوان، ربطهما الله في كتابه ارتباطهما في صفاته، فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ١ - ٢]؛ فهذان للرجاء، ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾؛ فهذا للخوف، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾؛ إن كان المرادُ به القدرة رجع إلى الخوف، وإن كان المرادُ به الفضل رجع إلى الرجاء، فكان الرجاء في هذه الآية أغلب من الخوف. وقد اختلف الناسُ في أيِّ الحالين أفضل، وأي الحالتين (٤) أَوْلَى أن يكون عليها العبد، وأطالوا في ذلك النَّفَس، وما حَلوا عُقْد الحَبَس، وقد بيَّنَّاه في موضعه. الحاصلُ من لُبابه هاهنا أن نقول: إنَّا قد قرَّرنا في مواضع من "أَمَالِينَا" شروط القول في التفضيل، ولا سيما في رسالة "تفصيل التفضيل بين التكبير والتهليل" (٥)، وإذا قلت أيهما أفضل: الخبز أو الماء أو العسل أو

стр. 1486

الخل؟ لم يستقم إلَّا مع تقسيم وتنويع، واختلاف حال ومَحَلٍّ، وسبب وفائدة، وقد يتعذَّر (١) التفضيل مع ذلك كله (٢). ولكن نَرُدُّ (٣) السؤال عن هذه الصورة إلى عبارة أخرى، فنقول (٤): العبدُ المؤمن إلى أيِّ الحالين هو أحوج، أن يغلب على قلبه الرجاء، أو يغلب على قلبه الخوف؟ قلنا له: أمَّا في حال المُهَلِ واستقبال الأَمَلِ فهو إلى الخوف أحوج، حتى يَكُفَّ عنْ (٥) غَرْبِه، ويُصلح من فلبه، ويُقبل على الله بحُبِّه، ويُجافي عن مضجعه بجَنبه (٦)، ويعلم تقصيره في حق مولاه بلُبِّه، ويتحقَّق أنه على شَكٍّ في تقريبه له وقُرْبِه، وعلى جهالة من مآل أمره وعُقْبه، فإذا أحسَّ بالمنيَّة فأَحْوَجُ ما هو إلى الرجاء، وإنْ (٧) كان الغالب على فِعْلِه الحَسَنُ، ففي الحديث الحَسَنِ (٨) الصحيح (٩): "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا مع عبدي إذا ذكرني" (١٠).

стр. 1487

قال العلماء: "ذلك عند الإحساس بالموت". فإن قيل: فقد ثبت في الصحيح: أن الله قال: "إن رحمتي تغلب غضبي" (١)، وفي لفظ آخر: "إنَّ رحمتي سبقت غضبي" (٢)، فاقتضى هذا غَلَبَةَ الرجاء. قلنا: لا شكَّ أن الرحمة أضعاف الغضب، وهي غالبتُه، ولكن بَعْثُ النار من كل ألف تِسْعُ مائة وتسعةٌ وتسعون للنار، وواحدٌ للجنة (٣). فيا معشر المريدين: ليَرْجعْ كلُّ واحد منكم إلى نفسه فينظر في مَآلِه من حاله، حتى يرى أن الخوف عليه أغلبُ للتقصير الكثير، إنَّما يكون الرجاء أغلب لأصحاب مُحَمَّدٍ ﷺ ، والسَّلَفِ الأوَّل الكريم. قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: أَمَا إِنَّ مِن أعظم أخبار الرجاء قولُه ﷺ في الصحيح: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني" (٥)، بَيْدَ أن أكثر الناس لم يفهمه. وحقيقتُه: أن العبد إذا أطاع الله وظنَّ به (٦) أنه لا يُضِيعُ أجر من أحسن عملًا فهو عند ظنه، وكذلك إذا دعاه وظنَّ أنه مُجِيبُه فهو عند ظنه به (٧)،

стр. 1488

وإذا استجار به وظنَّ أنه يُجِيرُه فهو عند ظنه، وإذا عصاه وظنَّ أنه يغفر له فهو مغرور، وكذلك إذا دعاه ومَطْعَمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، فأنَّى يُستجاب له (١)؛ كما جاء في الحديث الصحيح. فإذا ظنَّ الإجابة فهو مغرور، وكذلك إذا استجار به وهو يَهْتِكُ حريمه، فكيف يرجو إجارته؟ بَيْدَ أنه ينبغي له أن يقول: "يا من بيده ملكوت كل شيء، وهو يُجير ولا يُجار عليه، استجرت بك من شَرِّ نفسي، وشر كمل دابة رَبِّي (٢) آخذٌ بناصيتها، فأَجِرْنِي"، فربَّما أُجِيبَ (٣)، والله أعلم. ومن أغرب ما حَصَّلْتُ في رحلتي ما أخبرني به القاضي أبو الحسن علي بن الحُسَين الخِلَعِي الزاهد (٤)، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحاج يحيى الإشبيلي (٥) - مُحَدِّثٌ مكثر -، قال: أخبرنا أبو

стр. 1489

الطيِّب محمد بن جعفر بن دُرَان (١) غُنْدَر: أخبرنا إسماعيل بن علي بن علي الشافعي: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن كثير الصيرفي: أخبرنا أبو نُوَاس الحسن بن هانئ: أخبرنا حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يموتنَّ أحدكم حتى يُحْسِنَ الظن بالله ، فإن حُسْنَ الظن بالله ثَمَنُ الجنة" (٢). وقد قال مَكْحُولٌ (٣) في ذلك نكتة بديعة: "من عبد الله بالخوف فهو حَرُورِيٌّ، ومن عبده بالرجاء فهو مرجئ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو مُحِبٌّ" (٤). فأمَّا قوله: "من عبد الله بالخوف فهو حَرُوري"، فهو (٥) إشارة إلى أنه يعتقد إنفاذ الوعيد. وقوله (٦) "من عبده بالرجاء فهو مرجئ (٧) "؛ إشارةٌ إلى أنه يرى أن المؤمن لا تضره معصية.

стр. 1490

وقوله (١): "ومن عبده بالمحبة [فهو زنديق] "؛ يشير إلى أنه ليس بين الذاتين مناسبة ولا متعلق لذة حتى (٢) يعبده لها، وإنما هو عبد وسَيِّدٌ، وكامل وناقص، ومُقَدَّسٌ وذو آفات. ومن عَبَدَه بالكُلِّ فهو مُوَحِّدٌ صحيح، وعلى ذِكْرِه "المُحِبُّ". * * *

стр. 1491

المُحِبُّ (١): وهو الاسم الثالث (٢) والأربعون فإنَّ الله تعالى قد ذَكَرَها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . وأوَّلُ ما أُلْقِي إليكم منها (٣) - معشر المريدين - أن الشرع لم يَرِدْ إلَّا بلفظ المحبة خاصَّة، وأَدْخَلَ فيها من لا يدري الشَّوق والعشق، ولم يَرِدْ بهما شَرْع؛ لا في الصحيح ولا في السَّقيم، فلا تلتفتوا إليها، ولا تذكروها بألسنتكم حكايةً لها. قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وفي الصحيح ذُكِرَ حُبُّ الله في أحاديث كثيرة، قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورَسُولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما" (٤). وقال الله مُؤَكِّدا لذلك ومُبَيِّنًا له أو أَخَذَهُ النبي ﷺ منه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ

стр. 1492

اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقد قال رجل للنبي: "متى السَّاعة؟ قال: وما أعددتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها من كبير شيء أَحْمَدُ عليه نفسي، إلَّا أنِّي أُحِبُّ الله ورسوله، قال: المرء مع من أحب، قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام أشد من فرحهم بهذه الكلمة" (١). وكان أَنَسٌ يقول: "إنِّي أحبُّ الله ورسوله، وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهما" (٢). [حقيقة المحبة]: وحقيقةُ المحبة هي المَيْلُ بالطبع إلى المُوافق المُلائم للنفس، فخَلَقَ الله الحواسَّ رَبِيئَةً للعبد (٣)، وطليعةً على المحسوسات، تُلْقِيها إلى قلبه فتميل (٤) إلى كل ما يُوافق منها، وتنفر عن كل ما يُخالف (٥). ومنازل الملائم والمخالف كثيرة، وكل أحد يعلمها جملة وتفصيلًا، فلا فائدة لتَعْدَادِها في هذه الاستضاءة، ولكنْ هاهنا نكتةٌ حسنةٌ لم أر أحدًا

стр. 1493

ذكرها؛ وهي أن الملائم للنفس قد يكون (١) بوساطة الحواس، وقد تكون بغير وساطة (٢)، وإذا كان كيف ما كان فإنَّما يعود إلى النفس كله مع الجوارح كالجوارح (٣)، فإنَّها مفردة عنها، لا لذة لها ولا نعيم إلا عند الفلاسفة (٤). وكلُّ أحد إنما يُحِبُّ نفسه، ولا يتصور أن يحب أحد غيره؛ فإن تعلَّق بقلبك لحب غيرك أثَرٌ فإنَّ ذلك عائد إليك؛ تَوَهُّمًا أو تحقيقًا. [أجناسُ المحبة عند الصوفية]: وقد عَدَّدَتِ الصُّوفية (٥) للحب أسبابًا خمسة، منها: حُبُّ الإنسان نفسه؛ وحب من أحسن إليه، وحب من لم يُحسن إليه (٦) إذا كان محسنًا؛ وحب الجمال؛ وحب المناسبة؛ وهي المشابهة بين الروحَيْنِ (٧)، أو الخَلْقين، أو كلاهما.

стр. 1494

[نَقْضُ ما ذهب إليه أبو حامد في أجناس المحبة]: ونحن لا نشتغل بتفصيل إبطال ذلك، وإنَّما ندَّعي ونُثْبِتُ أن الإنسان لا يحب إلَّا نفسه، والإحسانُ والحُسْنُ (١) والجمالُ والمشابهةُ كلها إليه عائدة؛ بما يَتَوَهَّمُ من ملائم وموافق فيها أو يَتَحَقَّقُ. فأمَّا محبة النبي والملائكة (٢)؛ فلِمَا وَصَلَ على أيديهم من النفع، وما وجب لهم بذلك من الحق الذي لا يُدانى، وكذلك خلفاؤه (٣)، على قَدْرِ الخالف والخلافة، وقد أنقذ الله برسوله الخلق من النار، فأيّ شيء يوازي هذا من المخلوقات والأفعال؟ وأمَّا محبة الله؛ فزعمت الصوفية (٤) أن أسباب المحبة الخمسة هي موجودة في الله، حتى المناسبة، وهو قَوْلٌ تكاد الدفاتر تتمزَّق منه، وتُفَضُّ الأفواه، وتموت القلوب من الاحتلاط (٥) لسماع (٦) هذا الاختلاط الذي ينفيه العقل والشرع. النَّسَبُ (٧) والسبَبُ مُحَالَانِ على الله؛ فلا يقال في ذات الباري مناسبة ولا تسبيب، نعم؛ من أفعاله النَّسب والسبب، كسائر الأفعال كلها، والمحبة هي الإرادة أو نَوْعٌ منها، ومن المحال أن تتعلَّق المحبة بذات

стр. 1495

الباري أو الإرادة، إنما يصح (١) أن يتعلق بذاته العِلْمُ والرؤية والسُّماع، وهي الإدراكات التي لا تؤثر في المُدْرَكِ. فأمَّا الإرادة والقدرة والمحبة فمُحَالٌ أن يتعلق شيء منها أو من أمثالها بذاته أو صفاته، وقد حلَّاها بَعْضُهم (٢) بأنها مناسبة في الصفات؛ التي هي القدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، وهذا من أعظم الأوهام، ألم ترَوْا إلى عِلْم ابن عباس فيما رُوي عنه أنه قال: "ليس في الدنيا ممَّا في الجنة إلَّا الأسماء" (٣)، هذا وهي مخلوقة محصورة، ولا مناسبة بينهما، فكيف أن يكون بين العبد وبين ربه مناسبة في القَدْرِ الذي وقعت المشاركة فيه بإذنه في الأسماء؟ لقد أسقط هذا القائلُ (٤) نَفْسَه من الجَوْزَاءِ إلى المَعْزَاءِ (٥)، وأي مناسبة في الأسماء؟ أين السماء من كل شيء أَظَلَّكَ فهو سماء؟ هيهات؛ ما جعل الله هذه الأنمُوذَجَاتِ من الأسماء فِينَا إلَّا لنعرفه بنا ونُفَرِّفَه مِنَّا، الباري عالم، والعبد عالم (٦)، ولكن أين؟ ومن أين؟ وكيف لنا به؟ ما عِلْمُ الأوَّلين والآخرين من عِلْمِ الباري إلَّا كنقطة من بَحْرٍ (٧)، وما يصح من نسبة

стр. 1496

المحصور إلى ما ليس بمحصور؟ وأين البَقَّةُ من العرش؟ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ وكل ذرة في السماوات والأرض والعرش كاتبة: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقد علمتم أن الباري موجود، وأنتم موجودون، وأيُّ نسبة بين المَوْجُودِين؟ الباري قادر، وآيَةُ قدرته مخلوقاته وما أعظمها! وما أيسر دليلها! وهو أنَّه (١) لو كان من في السماوات والأرض يجتمعون على بَقَّةٍ ما خلقوها، فدَعْ ما وراءها، نعم؛ ولا عَلِمُوا حُكْمَها (٢)، فخَلِّ (٣) سواها (٤). وقد ضرب الله مثلًا للعباد من عظيم قُدْرَتِه، أنه يجعل يوم القيامة السماوات على إصبع، والأرضين على أصبع؛ وفي الصحيح: "جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول الله فقال: يا محمد، إنَّا نجد أن الله تعالى يجعل السماوات على إصبع (٥)، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا المَلِك - وفي رواية: فيَهُزُّهن (٦) -، ثم يقول: أنا المَلِكُ، فضحك النبي حتى بدت

стр. 1497

نواجذه، تصديقًا لقول الحَبْرِ، ثم قرأ رسول الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (١). وهذا أَحْقَرُ عنده من تصريف حبَّة خردل في كَفِّكَ، ولكن لا يمكن ضَرْبُ المثل لك إلَّا كذلك، ولا تَضِيقُ قدرته على أن يخلق أمثال هذا العَالَم، نعم؛ ولا أكمل منه، خلافًا للصوفية (٢) الذين يقولون: "لا أكمل من هذا"، وهو نَحْوٌ (٣) فلسفي لا يُساوي سماعه، وقد بيَّنَّاه في "المشكلين". وهو الجليل الجميل (٤)، وجماله وجلاله تَنَزُّهُه عن النقائص والآفات، وتَقَدُّسُه عن صفات المُحْدَثات، وهذا الجمال هو الكمال عن النقائص، فإذا نَزَّهْتَه فقل: هو الذي لا مِثْلَ له، ولا تقل: لا ضِدَّ له؛ لأنَّ الضِّدَّيْنِ إنَّما يتضادَّان على المَحَلِّ، ولا يُتَصَوَّرُ وجود الباري في مَحَلٍّ مع المُحْدَثِ، فلا يتصور التضاد. فإذا قلت: لا ضِدَّ له؛ أَوْهَمْتَ أنه إذا حَلَّ بمَحَلٍّ لم يَقُمْ به غيرُه، بل هو الصمد الذي لا يتجزَّأ، ولا يتعدَّد، ولا يتقلَّص، ولا يتمدَّد، ولا يزيد، ولا ينقص، ولا يخرج عن حُكْمِه أَحَدٌ، ولا يُوجَدُ من دونه مُلْتَحَدٌ، القادر

стр. 1498

الذي لا يَقِفُ عليه أَمْرٌ إلى حد، المريد الذي لا يتوقف ما يريده ولا يرتد، أعناق الجبابرة تحت بطشه وسَطْوَتِه، والسماوات والأرضون في قبضته، أَوَّلٌ لا أوَّلَ له، آخِرٌ لا آخِرَ له، القيُّوم الذي قام بنفسه، وقام كل شيء به، الله خالق كل شيء، الحي المفيد حياة كل حي، الموجود بعد كل شيء، له العزة والجبروت، والمُلْكُ والملكوت، لا يستطيعه أَحَدٌ بوصف، وكيف وسَيِّدُ الأوَّلين والآخرين قد اعترف في ذلك بالتقصير (١)؛ وقال: "لا أُحصي ثنَاءً عليك، أنت كما أَثْنَيْتَ على نفسك" (٢)، وقد نَظَمْتُ هذا المعنى فقلتُ: ما لي بوصف إله الخلق (٣) من قِبَلِ … جلَّت معاليه عن قَوْلي وعن عَمَلِي لا حَمْدَ إلَّا الذي قد جاء عنه لهُ … فَرْدٌ عن المِثْلِ معلوم على المَثَلِ يا أيُّها المتعاطي وَصْفَه صلَفًا … مَهْلًا فقد خُلِقَ الإنسان من عَجَلِ سَلْنِي عن الدِّينِ والدنيا أُجِبْكَ وعن … محامد الله رَبِّ الناس لا تَسَلِ فإنَّها عَظُمَتْ عن قَدْرِنا شَرَفًا … فليس في دَرْكِها حَظٌّ من الأَمَلِ هذا النبي وقد أوتِي جوامعَه … من الكلام بلا عِيٍّ ولا خَطَلِ قد قال: لا أُحْسِنُ الإخبار عنه ولا … أُحْصِي ثناءً عليه آخِرَ الأَجَلِ وأنث إن كنْتَ تبغي وَصْفَه فلقد … رَكِبْتَ في الأَمْرِ ظَهْرَ الحادث الجَلَلِ وقد وجدتُ مكان القول ذا سَعَةٍ … فإن وجدتَ لسانًا قائلًا فَقُلِ ما كلَّف الله نفسًا فوق طاقتها … ولا يُقابَل حَوْلُ الله بالحِيَلِ (٤)

стр. 1499

نكتة: والذي يَدُلُّكَ على صحة المقدمة التي رتَّبناها أوَّلًا؛ أنَّ لَذَّةَ اللَّمْسِ والطَّعْم والذَّوْقِ (١) والسَّمْع في الألحان معلوم محسوس، فالآدَمِيُّ يَجِدُ (٢) ذلك كلَّه لما له (٣) فيه من حاصل اللذة. وفوق المحسوسات أو تحتها أو معها لَذَّةُ القهر والاستيلاء، والقدرة التي يكون بها الاستعلاء، ولذة الفرح والثناء، وحَبْرَةُ العِلْمِ والاطلاع على كل ما خَفِيَ؛ موجودة في النفس غير محسوسة، وقلنا لكم باشتراكهما. وقد (٤) يظهر أن لذة القدرة والعلم والفرح والثناء والقهر إنَّما يجدها المرء لما فيها من تَأَتِّي أمل الأكل والوطء؛ حتى لا يكون فيه (٥) معارضة، وقد يظهر أن هذه اللذات وإن كانت تعود بمنفعة على البدن والنفس في أَصْلَي اللذات وهي الأكل والوطء؛ فإنَّ (٦) لها في نفسها لذة موجودة وإن لم تتعلَّق بما يعود إلى الجوارح، ألا ترى أن للناس فَرَحًا إِذْ (٧) فاتهم الاستيلاءُ على نَيْلِ السماء أن يكون لهم عليها بالعِلْمِ نوعٌ من الاستيلاء؛ فيقولون: إنَّ فيها أفلاكًا، وكذا وكذا نَجْمًا، ومدارُها على وجه كذا، أو النَّجْمُ الفلاني أعلاها، وفلان تحته، والقمر آخِرُها، فيفرحون بالدعوى إذ فاتهم

стр. 1500

الاستيلاءُ، وقد بيَّنَّا في كتاب "العواصم من القواصم" (١) تحقيق ذلك كله وطريق النظر فيه، فمن أراده فلينظر هنالك فيه. وتعدَّى قَوْمٌ فقالوا: "إن ترتيبها يدلُّ على ما يكون في غَدٍ" (٢)، ويتحلَّون بأنَّ الله عَلَّمَهُمْ هذا ودلَّهم عليه، والله قد كذَّبهم فيه برهانًا، وكذَّبهم فيه عيانًا، قال تعالى مُتَمَدِّحًا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال مُتَكَبِّرًا مُتَجَبِّرًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، فمن قال: "إنه يشاركه في ذلك أَحَدٌ"، فأَشْرِكْ بين السَّيْفِ وبين عُنُقِه بنِصْفَيْنِ. ولا يمتنع أن تكون اللذَّة التي تدخل على القلب تتعدَّى إلى الجوارح بسِراية (٣)، كما تتعدَّى اللذة التي تدخل على الجوارح إلى القلب بسراية (٤)، وأنَّ الخلق المؤمنين يرون الله في القيامة؛ فيكون ذلك أفضل نَعِيمٍ عندهم. قال علماؤنا: "يَقْرُنُ الله برؤيته فَنًّا من الرَّوْح والسرور لم يُعهد مثله، ولا يُقْرَنُ بلذة رؤية محبوب ولا جميل، ولا مَلِكٍ قاهر محسن، ولا بشيء من لَذَّاتِ الدنيا ولو اجتمعوا". وما يُحكى عن الصوفية في إحالتهم بمحبتهم على الله لِذَاتِه فأكثر تلك الحكايات مصنوعات (٥)، أو لهم فيها تأويلات وأغراض، لو كانت

стр. 1501

للسَّلَفِ لدَلُّونا عليها (١) ونظرنا فيها، ولكننا قد أغنانا الله عنها بسيرة السَّلَفِ الصَّالح قبلهم، والآياتُ التي تلوناها عليكم والأخبارُ التي سردناها لكم يكفيكم في تَكَسُّبِ الاسم والتعلق به. [محبة الله عند السَّلف الصالح]: ومَحَبَّةُ الله عند السَّلَفِ هي محبة أوليائه وأفعاله وحدوده، وإن كان ذَكَرَ نفسه مع الأولياء فتأكيدًا (٢) في الثناء، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المايدة: ٣٣]، والحِرَابَةُ لا تَصِحُّ على الله منَّا، وكذلك لا يصح أن تتعلق به إرادتنا. [محبة المؤمنين لله]: والكفَّار يحبون أصنامهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقد بيَّنَّا في "الأنوار (٣) " معنى الآية، بما لُبابه في ستة أوجه: الأول: أن الكفار ينحتون (٤) الأصنام بأيديهم، ثم يَذِلُّونَ لها ويخضعون (٥) ويعبدون (٦)، فالله أحقُّ بالعبادة، الذي خلقنا ابتداءً، وأفاض علينا ابتلاءً.

стр. 1502

الثاني: أن حب الكفار للأصنام حُبُّ هَوًى منشأه الجهل، وحبُّ المؤمنين (١) لله حبُّ هُدًى، اقتضاه الشرع وأكَّده العقل (٢). الثالث: أن حبَّ الأصنام تقليد، وهذا الحب من المؤمنين لله بالدليل والبرهان. الرابع: أن الكفار يعبدون من رَأَوْا، والمؤمنون يعبدون من لم يَرَوْا، وذلك أغربُ (٣) وأبلغ (٤). الخامس: أنَّ الله أحب المؤمنين أوَّلًا؛ فلذلك أحبُّوه (٥). السَّادس: أنَّ محبة الكفار محبة الجِنْسِ للجنس، وهذا معلوم جِبِلَّةً، ومحبة المؤمنين لله ليست مَحَبَّةَ مجانسة ولا مناسبة، فهي أعزُّ وأكرم، وأحقُّ وأعظم (٦). [محبة الله للمؤمنين]: وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أَعْظَمُ آية، وأَوْكَدُ عِلْمٍ. قال علماؤنا وغيرهم: المعنى: "إن كنتم تحبون الله بالعِلَّةِ فإنَّ الله يحبكم من غير عِلَّةٍ" (٧).

стр. 1503

فإذا (١) وجد العَبْدُ حلاوة الطاعة في نفسه نشأت المحبة، وآثَرَ الله على كل شيء، حتى على نفسه. ومَحَبَّةُ الله للعبد إحسانه إليه ولُطْفُه به بعد إرادة ذلك له، وهي المحبة الأولى حقيقة، وقد تكون محبةُ الله له مَدْحَه (٢) له وثناءَه (٣) عليه، وقد بيَّنَّا حقيقة ذلك في كتاب "الأمد الأقصى" (٤)، والحمد لله (٥). قال بعضهم: "وقد ظَهَرَتْ هاهنا منزلتان لكَرِيمَيْنِ، قال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال الله لمُحَمَّدٍ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وهاهنا قَطَعَ أطماعَ (٦) الكافَّة أن تسلم لأَحَدٍ نَفْسٌ إلَّا ومقتداهم مُحَمَّدٌ، وإمامُهم سَيِّدُ الأوَّلين والآخرين أحمدُ" (٧). قال في "فوائد الشَّهِيدِ" (٨): "هذه آية عظيمة؛ فإنَّه أخبر أن المحبة ليست باجتلاب طاعة معلولة، ولا تتجرد (٩) عن آفة، فإنه قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فلم يجعل من شرط المحبة الخُلُوصَ عن الذنوب، بل أخبر أنَّها تكون مع الذنوب، وأن المحبة تُسقطها، وبيَّن أن المحبة تُوجب الغفران" (١٠).

стр. 1504

وهذه الآية خَيْرٌ للعباد من ألف آية كما جاء في الحديث في السُّبُحَاتِ (١). [بشارات وإشارات]: وفي قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ بشاراتٌ وإشاراتٌ: الأوَّل: أن من لم يَرْتَدَّ فإنَّ الله يُحِبُّه (٢). الثانية: أن من كان مؤمنًا يجب أن يكون لله محبًّا، فمن لم يحبَّ ربَّه فليس بصحيح الإيمان (٣). الثالثة: أن هذه الآية وما قبلها اقتضت جواز محبَّة الله للعبد ومحبَّة العبد لله (٤)، ومَحَبَّةُ الله للعبد إمَّا أن تكون بمعنى الرحمة عليه، أو الإحسان إليه، أو المدح له - كما تقدَّم - والثناء عليه، أو إرادتِه (٥) لتقريبه وإدنائه (٦). وفرَّق بعضهم بين الرحمة والمحبة؛ فقال: "المحبة إرادته لإنعام مخصوص، والرحمة إرادته لكل إنعام" (٧).

стр. 1505

والمعنيان متقاربان، وإرادة الله واحدة؛ تختلف أسماؤها باختلاف متعلقاتها (١). وأمَّا محبة العبد لله فهي معنًى يجده في نفسه، يحمله ذلك المعنى على طاعته، وهو - والله أعلم - نُورٌ تكمل له صرفته، وتُقَوِّي عقيدتَه. ويقال: "المحبة نتيجة الهمَّةِ، فمن كانت همتُه أعلى كانت محبته أقوى" (٢). وقال الله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ والله لولا أنه أحبهم ما أحبُّوه أبدًا. ثم وصفهم فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، يبذلون المُهَجَ في المحبوب من غير كراهة، ويُهلكون الأنفس في الذب عن المحبوب من غير إدْهان (٣)، يجاهدون في سبيل الله بأداء الطاعة بجوارحهم، وبقطع الآمال عن قلوبهم، وبجُؤَارهم (٤) في إهلاك أعداء الله وأعدائهم، ولا يخافون لومة لائم (٥). المعنى: أن عقائدهم قد خلصت فلا يلتفتون إلى حظ أحد، ولا يراعون جَانِبَ غَيْرِ من هُمْ له، وبه، ومنه، وهده صفة المُحِبِّينَ. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٦)؛ وليس هذا تخييرًا في إيثار الحُضُوضِ (٧) على الحقوق، ولكنه تحذير وتهديد، ومرور

стр. 1506

الأيام، ودوام الإعلام (١)، والمواظبة على الأعمال، تُخْرِجُ الدَّفِينَ (٢)، وتُظْهِرُ الأحوال (٣). شِعْرٌ (٤): سوف ترى إذا انجلى الغبارُ … أفرسٌ تحتك أم حمارُ (٥) ونبَّههم على علامة المحبة بقَطْعِ العلاقات، ومفارقة العادات، وهجران القرابات، ونبذ الشهوات، والرجوع إلى الله في دوام الحالات (٦). ومن أمثال العُبَّادِ: "من نَفَقَتْ سوق دينه كسدت سوق حظوظه، وما لم تَخْلُ منك مساهلُ (٧) الشهوات لم نُعْمَرْ بك مساجدُ الطاعات" (٨). ولا يَعْمُرُ مواطن الطاعات إلَّا من خرَّب ديار الراحات؛ فالزاهد يعمرها بتخريب دار علاقته، والمُوَحِّدُ بتخريب وَطَنِ تَمَنِّيه، والعارف

стр. 1507

بتخريب مكان لحظاته (١) وسكناته، والمحب بتخريب كل ما ليس لله فيه وجه يُقصد، ولكل أحد من الخلق رُتبة (٢). ولمَّا ذُكِرُوا مع غيرهم قال قائلهم: لا تَعْرِضَنَّ لذِكْرِنا في ذِكْرِهم … ليس الصحيح إذا مشى كالمُقْعَدِ (٣) مزيدُ بيان: ولمَّا أخبر الله تعالى بأنَّ الذين آمنوا أَشَدُّ حُبًّا لله، يعني: من الكفار لأصنامهم، على الوجه الذي تقدَّم بيانُه، فالمؤمنون أيضًا يتفاوتون (٤) في محبة الله ومحبة رسوله على مراتب، فأكثرهم له محبة أعظمهم له طاعة؛ فإنَّ من يحبك لا يعصيك، ولا يراك حيث نهاك، وقد قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وولده ونفسه والناس أجمعين، قال له عمر بن الخطاب (٥): لأنت أحبُّ إليَّ من الكل إلَّا من نفسي، قال له: لا تؤمن حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال له: فأنت أحب إليَّ من نفسي، قال له: فالآن يا عمر" (٦). [محبة المرء للغير ووُجُوهُها]: ومَحَبَّةُ المرء لغيره تكون بأربعة وجوه:

стр. 1508

الأوَّل: بإرادة الخير له من كل وجه. الثاني: يذكره بالخير في كل حال. الثالث: بمواساته. الرابع: بإيثاره له على نفسه. فأمَّا الوجهان الأوَّلان ففرضان على الإطلاق. وأمَّا المواساة ففَرْضٌ على الوجه الذي بيَّناه في المقام الأوَّل من هذا الكتاب (١). وأمَّا إيثارُه له على نفسه فلا يلزم ذلك إلَّا في حق النبي، فلا يلزم أن تؤثر غيرك على نفسك، أما إنَّه إن فعلتَ ذلك كان من مناقبك وأَجَلِّ حسناتك. والإيثارُ في مكارم الأخلاق ومراتب الحسنات أَصْلٌ معلوم، قال الله سبحانه مُثْنِيًا على الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وأمَّا إيثارُ الله على النفس (٢) فغيرُ لازم في حقه؛ لأنه إذا خاف العبدُ على ماله أو نفسه فكان فِداؤه بالكفر جاز أن يَتَلَفَّظَ به بلسانه، ولا يعتقده بقلبه، وكذلك في عِرْضِ النبي صان الله قَدْرَه، وهذه رحمة من الله ورُخْصَةٌ. وإنَّما كانت تلك الفُروض مع الرفاهية والاختيار، دون الضرورة والإكراه.

стр. 1509

[صِلة المحبة بالمعرفة]: ومع أنَّ المحبة تنقسم على هذه الوجوه، فإنَّها تقوى وتضعف بحسب قوة المعرفة وضعفها، ألا ترى كيف كانت معرفة عمر على درجة لا يُحِبُّ النبيَّ فيها أكثر من نفسه، ثم عرَّفه بالواجب، فلمَّا انتهى إليه انتهت قوة المعرفة، وكانت معرفة أبي بكر بالله أكثر منه، وقد تبيَّن ذلك في أفعالهما؛ فإنَّ أبا بكر جاء بماله كله إلى النبي فقَبِلَهُ منه (١)، وترك أبو بكر نَفْسَه وأهلَه تحت حُكْمِ الله ورِزْقِه، وجاء عمر بنصف ماله وقال: "تركت لأهلي نصفه الآخَر" (٢)، وجاء كعب وأبو لبابة بجميع مَالَيْهما فلم يُقْبَلْ منهما (٣)؛ لأنهما جَاءَا به في حال خوف، وتحت تَقِيَّةٍ من ذنب، وجاء أبو بكر وعمر مُتَبَرِّعَيْنِ ابتداءً مع صلاح الحال مع الله والإقبال عليهما، فعلم النبيُّ من أبي لبابة وكعب أنهما إذا عَدِمَا أموالهما لم تكن قلوبهما من الصُّفاء والصبر، والثقة بالموعود والسكون إلى الضمَانِ؛ كما كانت بوجود المال، فأخذ الثُّلُثَ تطهيرًا لهما، وأبقى الثُّلُثَيْنِ بأيديهما تَثْبِيتًا لهما. [درجاتُ المعرفة]: وإذا ثبت هذا فدرجاتُ المعرفة بالله لا حَصْرَ لها، فقد بلغ النبيُّ من المعرفة ما بلغ، ومع ذلك قيل له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ولهذا كان الخَلْقُ بعده في درجة القصور في المعرفة، وقُصُورُهم بوجهين من حالين:

стр. 1510

أمَّا الوجه الأوَّل - وهو الأصل -: فإنَّ الله لا يُحاط به علمًا، ولم يخلق البشر على ذلك النصاب، ولا بلَّغهم تلك الرتبة. وأمَّا الوجه الثاني: فإنَّ المقدار الذي شَرَعَ للخلق منهاجه من معرفته عليه حُجُبٌ كثيرة، أصلها حب الدنيا، وضرورة الآدَمِي إلى الحاجة منها، فإن الضرورة إلى الحاجة قاطع عن المعرفة الكاملة، والحبُّ للدنيا ربَّما قَطَعَ عن جميعها أو معظمها، وبقدر إعراض الناس عن الدنيا يكون علمهم بالله تعالى. [نَقْضُ كلام أبي حامد في معرفة الله]: وقد وَهِمَ في هذا الفصل أبو حامد الغزالي وهمًا كبيرًا على قَدْرِه، فقال: "إنَّ السبب في خفاء الله عن أكثر الخلق ظهوره وجلاؤه، فإنه ليس في الملكوت ذرَّة إلا وهي دليل عليه وشاهدة به، ولما كثُر ذلك وعظُم وظهر غَلَبَ (١) العقولَ وبهرها، كما يعتري البصير مع ضوء الشمس، وكما أنه يضعف بصرُه عن نور الشمس كذلك تَضْعُفُ بصائرُ الخلق عن إدراك معرفة الله" (٢). وقال: "هذا معنى قوله: حِجَابُه النُّورُ". وذَكَرَ كلامًا ضعيفًا بيَّنَّاه في كتاب "الأمد الأقصى" (٣)، لم أَرَ ذِكْرَه لكم لوجهين:
следующие страницы →