← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الأيام، ودوام الإعلام (١)، والمواظبة على الأعمال، تُخْرِجُ الدَّفِينَ (٢)، وتُظْهِرُ الأحوال (٣). شِعْرٌ (٤): سوف ترى إذا انجلى الغبارُ … أفرسٌ تحتك أم حمارُ (٥) ونبَّههم على علامة المحبة بقَطْعِ العلاقات، ومفارقة العادات، وهجران القرابات، ونبذ الشهوات، والرجوع إلى الله في دوام الحالات (٦). ومن أمثال العُبَّادِ: "من نَفَقَتْ سوق دينه كسدت سوق حظوظه، وما لم تَخْلُ منك مساهلُ (٧) الشهوات لم نُعْمَرْ بك مساجدُ الطاعات" (٨). ولا يَعْمُرُ مواطن الطاعات إلَّا من خرَّب ديار الراحات؛ فالزاهد يعمرها بتخريب دار علاقته، والمُوَحِّدُ بتخريب وَطَنِ تَمَنِّيه، والعارف

стр. 1507

بتخريب مكان لحظاته (١) وسكناته، والمحب بتخريب كل ما ليس لله فيه وجه يُقصد، ولكل أحد من الخلق رُتبة (٢). ولمَّا ذُكِرُوا مع غيرهم قال قائلهم: لا تَعْرِضَنَّ لذِكْرِنا في ذِكْرِهم … ليس الصحيح إذا مشى كالمُقْعَدِ (٣) مزيدُ بيان: ولمَّا أخبر الله تعالى بأنَّ الذين آمنوا أَشَدُّ حُبًّا لله، يعني: من الكفار لأصنامهم، على الوجه الذي تقدَّم بيانُه، فالمؤمنون أيضًا يتفاوتون (٤) في محبة الله ومحبة رسوله على مراتب، فأكثرهم له محبة أعظمهم له طاعة؛ فإنَّ من يحبك لا يعصيك، ولا يراك حيث نهاك، وقد قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وولده ونفسه والناس أجمعين، قال له عمر بن الخطاب (٥): لأنت أحبُّ إليَّ من الكل إلَّا من نفسي، قال له: لا تؤمن حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال له: فأنت أحب إليَّ من نفسي، قال له: فالآن يا عمر" (٦). [محبة المرء للغير ووُجُوهُها]: ومَحَبَّةُ المرء لغيره تكون بأربعة وجوه:

стр. 1508

الأوَّل: بإرادة الخير له من كل وجه. الثاني: يذكره بالخير في كل حال. الثالث: بمواساته. الرابع: بإيثاره له على نفسه. فأمَّا الوجهان الأوَّلان ففرضان على الإطلاق. وأمَّا المواساة ففَرْضٌ على الوجه الذي بيَّناه في المقام الأوَّل من هذا الكتاب (١). وأمَّا إيثارُه له على نفسه فلا يلزم ذلك إلَّا في حق النبي، فلا يلزم أن تؤثر غيرك على نفسك، أما إنَّه إن فعلتَ ذلك كان من مناقبك وأَجَلِّ حسناتك. والإيثارُ في مكارم الأخلاق ومراتب الحسنات أَصْلٌ معلوم، قال الله سبحانه مُثْنِيًا على الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وأمَّا إيثارُ الله على النفس (٢) فغيرُ لازم في حقه؛ لأنه إذا خاف العبدُ على ماله أو نفسه فكان فِداؤه بالكفر جاز أن يَتَلَفَّظَ به بلسانه، ولا يعتقده بقلبه، وكذلك في عِرْضِ النبي صان الله قَدْرَه، وهذه رحمة من الله ورُخْصَةٌ. وإنَّما كانت تلك الفُروض مع الرفاهية والاختيار، دون الضرورة والإكراه.

стр. 1509

[صِلة المحبة بالمعرفة]: ومع أنَّ المحبة تنقسم على هذه الوجوه، فإنَّها تقوى وتضعف بحسب قوة المعرفة وضعفها، ألا ترى كيف كانت معرفة عمر على درجة لا يُحِبُّ النبيَّ فيها أكثر من نفسه، ثم عرَّفه بالواجب، فلمَّا انتهى إليه انتهت قوة المعرفة، وكانت معرفة أبي بكر بالله أكثر منه، وقد تبيَّن ذلك في أفعالهما؛ فإنَّ أبا بكر جاء بماله كله إلى النبي فقَبِلَهُ منه (١)، وترك أبو بكر نَفْسَه وأهلَه تحت حُكْمِ الله ورِزْقِه، وجاء عمر بنصف ماله وقال: "تركت لأهلي نصفه الآخَر" (٢)، وجاء كعب وأبو لبابة بجميع مَالَيْهما فلم يُقْبَلْ منهما (٣)؛ لأنهما جَاءَا به في حال خوف، وتحت تَقِيَّةٍ من ذنب، وجاء أبو بكر وعمر مُتَبَرِّعَيْنِ ابتداءً مع صلاح الحال مع الله والإقبال عليهما، فعلم النبيُّ من أبي لبابة وكعب أنهما إذا عَدِمَا أموالهما لم تكن قلوبهما من الصُّفاء والصبر، والثقة بالموعود والسكون إلى الضمَانِ؛ كما كانت بوجود المال، فأخذ الثُّلُثَ تطهيرًا لهما، وأبقى الثُّلُثَيْنِ بأيديهما تَثْبِيتًا لهما. [درجاتُ المعرفة]: وإذا ثبت هذا فدرجاتُ المعرفة بالله لا حَصْرَ لها، فقد بلغ النبيُّ من المعرفة ما بلغ، ومع ذلك قيل له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ولهذا كان الخَلْقُ بعده في درجة القصور في المعرفة، وقُصُورُهم بوجهين من حالين:

стр. 1510

أمَّا الوجه الأوَّل - وهو الأصل -: فإنَّ الله لا يُحاط به علمًا، ولم يخلق البشر على ذلك النصاب، ولا بلَّغهم تلك الرتبة. وأمَّا الوجه الثاني: فإنَّ المقدار الذي شَرَعَ للخلق منهاجه من معرفته عليه حُجُبٌ كثيرة، أصلها حب الدنيا، وضرورة الآدَمِي إلى الحاجة منها، فإن الضرورة إلى الحاجة قاطع عن المعرفة الكاملة، والحبُّ للدنيا ربَّما قَطَعَ عن جميعها أو معظمها، وبقدر إعراض الناس عن الدنيا يكون علمهم بالله تعالى. [نَقْضُ كلام أبي حامد في معرفة الله]: وقد وَهِمَ في هذا الفصل أبو حامد الغزالي وهمًا كبيرًا على قَدْرِه، فقال: "إنَّ السبب في خفاء الله عن أكثر الخلق ظهوره وجلاؤه، فإنه ليس في الملكوت ذرَّة إلا وهي دليل عليه وشاهدة به، ولما كثُر ذلك وعظُم وظهر غَلَبَ (١) العقولَ وبهرها، كما يعتري البصير مع ضوء الشمس، وكما أنه يضعف بصرُه عن نور الشمس كذلك تَضْعُفُ بصائرُ الخلق عن إدراك معرفة الله" (٢). وقال: "هذا معنى قوله: حِجَابُه النُّورُ". وذَكَرَ كلامًا ضعيفًا بيَّنَّاه في كتاب "الأمد الأقصى" (٣)، لم أَرَ ذِكْرَه لكم لوجهين:

стр. 1511

أحدهما: بشاعته. والثاني: فساده. وهذا كلام لا معنى له؛ لأن الله قد كَلَّفَنا عِلْمَه كما بيَّنَّاه (١) من قبل، ونَصَبَ عليه أدلته، وما ذكره من التمثيل بنور الشمس لا معنى له؛ لأنَّ نور البصر هو الذي يضعفُ عن نُورٍ أقوى منه في الإدراك. وأمَّا المعرفةُ بالله أو بغيره فليس في ذلك نُورٌ إلَّا على طريق التمثيل، فلا جَرَمَ لضعف أبصارنا لا نرى الملائكة ولا الجن، فضلًا عن الله سبحانه، فإذا خلق لنا رؤيته رأيناه، وبخَلْقِه الرؤيةَ يرتفعُ الحجاب الذي ذكر؛ وهو النور، لأنها تكون أقوى منه، وقد خلق لنا العلم لنا (٢) به، فليس يصح أن يُحْمَلَ أحدُهما على الآخَرِ ولا يُنَظَّرَ (٣) به. وبيانُ محبة الله للعبد مُحَصَّلَة عند العلماء، مذكورة في القرآن والسنة، وقد ذكرنا وَجْهَ تعلقها بنا وشَرْحَ وصولها إلينا بإنعامه علينا، وإذا أحبَّ الله عبدًا أَوْصَلَ فائدة أَصْلِ المحبة إليه، وهي: الإرادة بمتعلقاتها من الإحسان والإنعام. قال النبي ﷺ : "قال الله: لا يزال العبدُ يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها" (٤).

стр. 1512

المعنى فيه: أنه يُيَسِّرُ الطاعات على الجوارح، فلا تظهر فيها معصية، وهذا (١) أجلُّ أنواع المحبة. [نَقْضُ دعوى محبوبية اليهود والنصارى لله تعالى]: وقد وردت آيةٌ عظمى (٢) للخلق فيها أكرم بشرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، وهذا يدل على أن الحبيب لا يُعَذَّبُ بذنبه إذا كان له إحسانٌ إلى ربه. وحقيقةُ الآية على التفصيل والتأصيل في "التوحيد" و"التذكير" خمسة أوجه: الأوَّل: أن البُنُوَّةَ تقتضي المجانسة، والله مُنَزَّهٌ عنها (٣). الثاني: أن المحبة بين المتجانسين تقتضي المخالطة (٤) والمؤانسة والمجاورة، وهو تعالى مُقَدَّسٌ عن ذلك (٥). الثالث: أن المُحْدَثَ لا يصحُّ أن يكون بعضًا للمُحْدِثِ؛ لأنَّ المُحْدِثَ لا بعض له، والأَحَدِيَّةُ واجبة لله، والعَدَدِيَّةُ محالٌ على الله، فإذا

стр. 1513

لم يكن له عدد لم يَجُزْ أن يكون له وَلَدٌ، فإذا لم يكن له وَلَدٌ على الوجه الذي اعتقدوه (١) لم يكن بينهم وبينه محبة (٢). الرَّابع (٣): الأمانُ من العذاب للمحبوب من الذنوب (٤). الخامس: أن هذا ينبني على قولهم: "إنهم أبناء الله، وإنه يعذبهم أيَّامًا معدودة"؛ فتناقض (٥) قولهم. فإن قيل: إن النصارى اليوم يقولون: إنَّ أحدًا منَّا لم يقل: "إنهم أبناء الله". قلنا: هذا ما لا ينفعكم اليوم، لو كان أهلُ ذلك العصر لم يَقُولُوهُ ما وجدوا على النبي مَطْعَنًا أعظم من هذا، ولَتَعَلَّقُوا به وصرَّحوا بذكرِه، وساعدهم على ذلك المشركون من قومه، فلمَّا سلَّموا تسليمًا دلَّ ذلك على صِدْقِ القول وصِحَّةِ الحُجَّةِ. [علاماتُ المحبة]: وللمحبة علاماتٌ كما بيَّناه، وهي من الله العِصْمَةُ عن المعاصي أو بعضها، فيكون (٦) له كل المحبة أو جُزْءٌ منها.

стр. 1514

وعلامةُ محبة العبد طاعة الله، فإذا أحبَّ الله العبدَ خَلَقَ له قُدْرَةَ الطاعة فأطاعه، وإذا خَلقَ له قُدْرَةَ المعصية عصاه، وإذا لم يخلق له قدرة على شيء من ذلك لم يأت به، وبعَدَمِ خَلْقِ قدرة الطاعة (١) عَصَاهُ، وبعدم خَلْقِ قدرة المعصية (٢) له يدل على أنَّه راضٍ عنه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. فأخبر تعالى أنهم (٣) رضي عنهم حين أحبَّهم، فيسَّر لهم البيعة على الموت، أو على أن لا يَفِرُّوا عن النبي ﷺ ، وعَلِمَ ما طرأ على قلوبهم من الاضطراب والتشكك (٤) حين قال لهم النبي: إنكم تدخلون المسجد الحرام؛ ﴿آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾؛ فلمَّا صُدُّوا اضطربوا وشَكُّوا، وتَوَقَّفَ عمر وجاء النبيَّ، فقال له: "لم أخبرك أنك تدخله العام، وجاء إلى أبي بكر فقال له: ما هذا؟ وقال له أبو بكر: لم يقل النبي ﷺ : إنَّ ذلك يكون (٥) العام، وإنه كائن ولا بدَّ" (٦)، فرجع عمر إلى التثبيت (٧) وغيره

стр. 1515

من الأعمال، فذلك قوله: ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١). وهذه علامة الرضى؛ فإنَّ القَلْبَ إذا اضطرب، والشَّكَّ إذا تطوَّق، وكان الله للعبد مُحِبًّا وعنه راضيًا ساق إليه أسباب الثبات؛ إمَّا بخَلْقِ (٢) العِلْم له ابتداءً من غير تعليم من غيره، كما فعل بأبي بكر، وإمَّا بتعليم الغير له وتنبيهه عليه، كما فعل بعُمَرَ مع النبي وأبي بكر، فلا يضره بعد ذلك ما طرأ على قلبه من طَيْفِ الشيطان، وذلك هو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فَرَضِيَ عنهم أوَّلًا، فلمَّا سكنت قلوبهم بتَثْبِيتِه رَضُوا عنه (٣). * * *

стр. 1516

وهو الاسمُ الرابع (١) والأربعون: الرَّاضي (٢) وفي الحديث الصحيح: "إنَّ الباري يقول: يا أهل الجنة، فيقولون: لبَّيْك ربنا وسَعْدَيْك، فيقول: وهل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أُعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربَّنا، وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" (٣)، وذلك تفسير قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠١]. [حقيقةُ الراضي]: وقد يُفَسَّرُ اسمُ "الراضي" بالذي (٤) قَطَعَ الأمل ووقف حيثُ ما وقف به في الدنيا، وفي الآخرة: هو الذي حَسِرَ (٥) أملُه، ولم يبق له متطلَّع إليه بكثرة ما وصل إليه.

стр. 1517

وقد يقف الأملُ بأهل الدنيا على أغراض ولأسباب، فيقول: رضيتُ، أي: وقفت، ويكون حُكم ذلك حُكم سببه (١)؛ إمَّا عن قناعة، وإمَّا عن حصول أمل، وإمَّا عن عِلْمٍ بتعذُّره، وإمَّا عن تَقِيَّةٍ في (٢) طلبه. وقد أخبر الله عمَّن أنكر الآخرة وقَنِعَ بالدنيا فقال (٣): ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ [يونس: ٧]، أي: لم يَبْقَ لهم في سواها أَمَلٌ. [الراضون من الأنبياء والصحابة]: وقليل من يقف به أملُه على ما يكره عن ما يحب، منهم: أيُّوبُ؛ فإنه أَصْلُ الرضى بالقضاء، ومنهم جماعة لا تُحصى، من أَجَلِّهم سعدُ بن أبي وقَّاص؛ كان مُجَابَ الدعوة بدعوة النبي له في ذلك، قال عبد الله بن السائب: "أتيته (٤) وأنا غلام، فتقدَّمت إليه فعرفني، وقال: أنتَ قارئ مكة؟ قلت: نعم، ورأيتُ الناس يُهرعون إليه، ويسألونه أن يدعو لهم، فقلتُ: هلَّا دعوتَ لنفسك؛ فردَّ الله عليك بَصَرَك (٥)؟ فتبسَّم وقال: يا بُني، قضاءُ الله عندي أحسنُ من بَصرِي" (٦). وكان عمرانُ بن حُصَين استسقى بطنُه، فبقي مُلْقًى على ظهره ثلاثين سنة، وقد ثُقِبَ له في سرير من جريد (٧)، فكان عليه موضعٌ لقضاء حاجته، فدخل عليه مُطَرِّفُ بن الشِّخِّيرِ (٨) وأخوه العلاء؛ فجعل يبكي لما يرى من

стр. 1518

حاله، فقال له (١): "ممَّ تبكي؟ قال: لأني أراك على هذه الحال العظيمة، قال: لا تبك، فإنَّ أحبَّه إلى الله أحبُّه إليَّ، ثم قال: أُحَدِّثُكَ حديثًا لعل الله ينفعك به، واكتم عليَّ حتى أموت، إنَّ الملائكة تزورني فآنسُ بهم (٢) وتُسَلِّم عليَّ" (٣). قال في رواية: "ثم اكتوى فلم تُسَلِّمْ عليه"، وقال في رواية (٤): "اكتوينا فما أفلحن ولا أنجحن، قال: ثم تركتُ الكيَّ فرجع السَّلام" (٥)، يعني: تِيبَ عليه منه. [هل يناقضُ الدعاء بإزالة البلاء الرضى بالقضاء؟] فإن قيل: فهل يناقضُ الدعاءُ في إزالة البلاء الرِّضى بالقضاء؟ قلنا: نعم، يناقضه؛ ولكنه جائز، فإن كان راضيًا فليصبر عليه ولا يسأل كَشْفَه، وإن كان لا يريده فليسأل، فإنَّ ذلك مَأذُونٌ له فيه، وهو الأرفق بالخَلْقِ، والأَلْيَقُ بهم. وإذا فَهِمْتُمْ معنى المحبة ومتعلَّقاتها وشرف معناها وفضل خِصِّيصتها فعليكم أن تحفظوا أمرها من جميع جهاتها، وتُراعوا شروطها، وتقوموا بأسبابها، وتُراعوا بعد حصولها دوامها، فيكون بذلك وَصْفُ "الرَّعْيِ" لكم حاصلًا.

стр. 1519

الرَّاعي (١): وهو الاسمُ الخامس (٢) والأربعون قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]. وقال ﷺ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رَعِيَّتِه" (٣)، وذَكَرَ الحديث الصحيح. وقد جمع النبيُّ وجوه (٤) الرعاية والأمانة أخذًا بأطرافها على الخلق، فكان رَاعِيَ غنم؛ قال البخاري: قال رسول الله: "ما بعث الله من نبي إلَّا رَاعِيَ غنم، قال له أصحابه: وأنت؟ قال: وأنا رَعَيْتُها لأهل مكة بالقراريط" (٥). ثم كاد رَاعِيَ جميع الخَلِيقَةِ. [أنواعُ الأمانات]: والأمانةُ - وإن كانت على قسمين - أمانةُ الخلق، وأمانة الإله الحق؛ فإنها ترجع إلى الله كلها، ولها أحوال (٦):

стр. 1520

الأوَّل: جوارحهم. الثانية: قلوبهم. الثالثة: الأمر والنهي. الرابعة: إقرارُهم عند استخراجهم من ظَهْرِ آدم بالتوحيد. الخامسة: محبة الله التي أودعها قلوبهم. السَّادسة: الشهادة. وهذه متداخلة، وقد بيَّنَّا تفصيلها في تفسير قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ (١) [الأحزاب: ٧٢]، وحقَّقنا أنَّها الواجبات؛ أصولها وفروعها، والشرائع؛ جملتها وتفصيلها (٢). [حقيقةُ الرعاية]: والرعايةُ: هي الحفظ، ومَرْجُوعُ ذلك إلى صيانة المعاني والذوات عن المكروهات، ومنه رعاية (٣) الغنم؛ وهو حفظها عن الآفات، وذلك لا يمكن إلَّا بدوام المعرفة والنظر إليها دائمًا، وقد بيَّنه العَرَبِيُّ بقوله: رأيتك ترعاني بعَيْنٍ بصيرةٍ … وتبعثُ حُرَّاسًا عليَّ ونَاظِرَا (٤) وبكثرة آفات النفس وعوارض الطاعات وخواطر الوساوس يفتقرُ العبد إلى مراعاة أحواله؛ فإن الغفلة عنها والاسترسال يُوقِعُ في التقصير،

стр. 1521

ويُخْرِجُ إلى التعمد، لا سيما وعليك رقيبٌ يَرْعَى أحوالك، قال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (١) [الأحزاب: ٥٢] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. والرِّقْبَةُ هي المراعاة بعينها، فأخبر سبحانه أنه رقيب على كل شيء، ثم أخبر أنه رقيب علينا، وهذا صحيح. [رِقْبَةُ الله تعالى]: والرَّقِيبُ في اللغة هو المُرَاعِي المنتظر لما يطرأ من أحوال المرقوب، فالباري تعالى رقيب على العرش والسماوات والأرض والمخلوقات بأجمعها، ولولا مراعاته للكل لما ثبت منها شيء على صفته، ولا بقي لحظة على حالته، وهو سبحانه مُرَاعِ لنا؛ يَتَرَقَّبُ أحوالنا بإدامتنا وإدامة أوصافنا وأفعالنا وأحوالنا، شيئًا شيئًا، دقيقة دقيقة، وجليلة جليلة، وليس في المخلوقات ولا في ملكوت الأرضين والسماوات شيء إلَّا وهو مُرَاع له (٢)، رقيب عليه، بنسبة معلومة، وقَدْرٍ معلوم، موصول أو مقطوع، موجود أو معدوم، هو شَهِيدٌ على الكل، يَعُدُّ السُّكون والحركة، والخطرات واللحظات، وهو أقرب إلينا من حَبْلِ الوريد، لَا قُرْبَ مسافة؛ فإنه محال على الله، ولكنْ قُرْبُ عِلْمِ وكرامة، وتحصيل وحفظ، وإحصاء وضبط، رَوْحٌ وأُنْسٌ للمحبين، وهيبة وخوف للمراقبين، وتهديد للعاصين (٣).

стр. 1522

وفي صحيح الحديث - كما قدَّمنا - أن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). وفيه - أيضًا -: "أنَّ الصحابة يومًا في سَفَر رفعوا أصواتهم إلى الله، فقال النبي ﷺ : إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّما تدعون سميعًا قريبًا، إنه بينكم وبين رؤوس رحالكم" (٢). [نَفْيُ الجهة عن الله تعالى]: فهذا الإله المُقَدَّسُ الذي استوى على العرش؛ هو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الذي ينزلُ إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة، وهو الذي يكون مع كل مُتَنَاجِيَيْنِ، وهو الذي يكون بين العبد وبين رَأْسِ رَحْلِه، وهذا يردُّ (٣) أهلَ الغباوة على بطلان (٤) ما يريدون أن يُثْبِتُوا من جِهَةٍ لله أو مقدار؛ فإنَّ الذي يكون على العرش لو كان مُقَدَّرًا لاستحال أن يكون في السماء، لأنَّها أقلُّ من العرش، واستحال أن يكون بين المرء ورَحْلِه؛ فإنه أقل من شِبرٍ، وليس بعد هذا البيان من الشرع لمن خالفه إلَّا العذابُ والهوان. [مراقبةُ الملكين للعبد]: ومع أنه محيط بكل شيء، رقيب على كل أحد (٥)؛ فإنه قد خص العَبْدَ بأن جَعَلَ عليه رَقِيبَيْنِ:

стр. 1523

أحدهما: عن يمينه. والآخر: عن شماله. وهذا هو نصُّ القرآن في المَلَكَيْنِ، وليس في صفة حالهما وقُعُودِهما شيء يُعَوَّلُ على تفسيره؛ فإنه لم يصح عن النبي في ذلك كلمة، فلا تلتفتوا إلى ما في "كتب التفسير" (١)، ولا إلى ما في "كتب الزهد" من ذلك. ومن مُمْكِنِ ما قالوا: "إن الملائكة التي تكتب الحسنات كلَّ يوم يكونون غير الذين كانوا بالأمس، وصاحب السيئات هو بعينه؛ ليكثُر شهود الخير، ويقل شهود الشر، سَتْرًا من الله على العبد" (٢). ولو صحَّ هذا لكان جميلًا، وسِتْرُ الله على العبد أعظمُ. وإذا (٣) كان كما قلنا: لكل قلب خاطر، وعلى كل عمل آفة، وفي كُل حال (٤) رقيب؛ وجبت المراعاة كما قلنا في المواظبة على الطاعة والمحاسبة على المعصية، كما بيَّنَّاه في "قِسْمِ الصَّبْرِ (٥) ". فعليك المرابطة لقلبك وعملك بذلك كله، والمصابرة عليه، والمحاسبة فيه، وقد قال أهلُ العبادة: "إن أعضاءك السبعة - العين والأُذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل -؛ السبعةُ أبوابُ جهنَّم (٦)، محفوفة

стр. 1524

بالشهوات" (١)، فاسددها عن نفسك، أو اسلكها لها، وسَهِّلْ سبيل الخلاص منها؛ فإنك على مَهْوَاةٍ فيها، وربَّما زَلَلْتَ فسقطت، فأيُّ لعًا لك؟ وأشدُّها اللسان؛ فإنه رطب مُسْتَرْسِلٌ، فلا يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلَّا حصائدُ ألسنتهم، وإذا واظبت عليها بالمراقبة (٢) ولَازَمْتَها بالتذكرة أوشك أن يكفَّ عنك شرُّها أو يَقِلَّ. وأنفعُه لك أن تشغلها بالأوراد، وتُرَتِّبَ عليها الطاعات، ولا تهملها ساعة، فإنَّها إن شَرَدَتْ عنك أنَّى لك بأخذها؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٤]. أي: هل (٣) يعدل من لا يعلم ممَّا يفعله العبدُ شيئًا؟ ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]. أي: ليس بيَدِ أَحَدٍ من المخلوقين نجاتُكم، وهذا زَجْرٌ للكافرين، وهيبة للمؤمنين، فاحفظ - أيها العبدُ - من يحفظك، وراقب من يكلؤك، واخش من يراك، واعلم أن ما يأتيك (٤) من الخيرات من نَوْعَي النفع والضر (٥) فإنَّه ممَّن تولَّاك، فيجبُ (٦) عليك دوام الاعتكاف ببابه، وإيقاف القلوب على محبته، وهو سبحانه وإن كان رتُّب على ظاهرك من يرعاه، فإنَّ

стр. 1525

باطنك ليس لأحد سواه، هو الذي يتولَّاه وعليه المعوَّل، فانظر ما أنت فيه تفعل. وقد استوفى هذا بعضُ الحكماء فقال: إذا ما خَلَوْتَ الدهر يومًا فلا تَقُلْ … خَلَوْتُ ولكن قُلْ عليَّ رقيبُ ولا تحسبن الله يغفلُ ساعةً … ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ ألم تر أن اليوم أسرعُ ذاهبٍ … وأنَّ غدًا للنَّاظرين قريبُ لَهَوْنَا - لعَمْرُ الله - حتى تتابعتْ … ذنوبٌ على آثارهن ذنوبُ (١) [أنواعُ المراعاة]: ومن المراعاة مراعاةُ الأوقات، فإنَّ العمر ثلاثُ ساعات: التي مضت عنك فلا تنجبر؛ والتي تنتظرُ فلا تعلم أتدركها أم لا (٢)؟ والتي أنت فيها؛ فاحفظها واجعل فيها وِرْدًّا، واعمرها بطاعة تربح تلك السَّاعة يوم السَّاعة. وإن لم يكن له من اليقين والعلم والفراغ ذلك فليجعل زمانه قِسْمَيْنِ: بعضُه لما لا بدَّ له من دنياه؛ وجلُّه لأخراه؛

стр. 1526

فيكون على هذا الوجه كله للآخرة. وقد قال الله: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، أَمَرَ كلَّ أحد أن يسعى (١) في دنياه لآخرته (٢)، ولا ينس حظَّه من دنياه التي لا تتمُّ له إلَّا به أخواهُ. قال علماؤنا: "ليس النصيبُ من الدنيا جَمْعَها ولا مَنْعَها، إنما النصيب من الدنيا أن يكون له منها فائدة، وذلك ما لا يُعْقِبُ في الدنيا (٣) نَدَمًا، ولا يُوجِبُ في الآخرة عُقُوبَةً" (٤). وقيل: "النصيب من الدنيا ما يحمل على طاعة الله بالنفس، وعلى معرفته بالقلب، وعلى خدمته بالجوارح، وعلى ذِكْرِه باللسان" (٥). والأوَّل أقوى. وأنواعُ المراعات (٦) - كما قدَّمنا - بأنواع الحدود، ويجمعه رَعْيُ حق الله، ورعي حق المؤمنين، ورعي حق الذمة، ويرجع ذلك إلى رَعْيِ حَقِّ (٧) المؤمنين، والكلُّ يرجع إلى رَعْيِ حق الله.

стр. 1527

والمراعاة كلها إنما تكون بالاعتقاد والأفعال لا بالأقوال؛ فإنَّ المنافقين يراعون الأقوال دون الاعتقاد والأفعال، ولذلك تضاعفت عقوبتهم؛ فكانوا في الدَّرَكِ الأسفل من النار. ومن المواعاة رَعْيُ الأعمال في نفسها؛ بتقديم المُهِمِّ منها فالمهم، وأُصُولُها أن تبدأ بصلاح العقيدة قبل صلاح الأقوال، وخُلوص النية قبل مباشرة الأعمال، وبتطهير القلب من الدناءات قبل النظر في اكتساب المَكْرُمَاتِ. ومراعاة الأحوال أوكد؛ فإن الموت لا تعلم متى يقدم عليك، أليلًا أم نهارًا؟ شابًّا أم كهلًا أم شيخًا؟ بغتة أم إنذارًا؟ نائمًا أو (١) يقظانَ، كم يوم طلعتْ فيه شمسُه بأرواح (٢) السَّعادة غربت على خلاف الإرادة. وأشدُّ المراقبة سُرُورٌ يُخاف زواله. أشدُّ الغم كَوْنٌ في سرور … تيقَّن عنه صاحبُهُ انتقالَا أرى الدنيا على من كان فيها … صُرُوفًا لا تديم عليه حالَا (٣) أنشدنا (٤) شيخُنا أبو الحُسَين (٥) أحمد بن عبد القادر (٦) بن يوسف الصُّوفِي:

стр. 1528

كأن رقيبًا منك يرعى خواطري … وآخرُ يرعى ناظري ولسانِي (١) تَقَيَّدَتْ في "ترتيب الرحلة"، ورويتُها من طريق أخرى: كأنَّ رقيبًا منك يرعى خواطري … وآخرُ يرعى ناظري ولسانِي فما أبصرتْ عينايَ غيرَك منظرًا … من الناس إلَّا قلتُ قد رَمَقَانِي ولا عرضتْ في عارضِ الفِكْرِ خطرةٌ … لغيرك إلَّا عرَّجا بعِنَانِي ولا بدرتْ مني لغيرك لفظةٌ … بذِكْرَاه إلَّا قلتُ قد سَمِعَانِي (٢) تمكَّن من قلبي جلالُك إنَّني … أراك على كل الجهات تَرَانِي (٣) والواجبُ على العبد أن يكون مراعيًا كلَّ حين، خائفًا يترقَّب كلَّ وقت (٤) كلَّ هداية من الله وخير. وهذه الترجمة عظيمة عامَّة، يمكن أن تدخل تحتها أبوابُ الشريعة كلها، ولذلك قالوا: "إن المراعاة هي دوامُ العلم دون غفلة، وبقاءُ الذِّكْرِ دون طُرُوِّ (٥) سَهْوٍ". وبهذه المحافظات كلها يُدْعَى بـ "الوَليِّ".

стр. 1529

الوَلِيُّ (١): وهو الاسمُ السَّادس (٢) والأربعون وهي خَصْلَةٌ (٣) شريفة، ومقام كريم، واسمٌ من أسماء الله عظيم، وقد بيَّنَّاه في كتاب "الأمد الأقصى" (٤) بأبدع وجوه البيان، ممَّا هدانا الله إليه، والحق بَيِّنٌ، وعلى العلماء هَيِّنٌ، وعن الشُّبَهِ صَيِّنٌ. وهو عبارةٌ عن القريب من الله، المُتَوَالِي عليه فضلُه وإحسانُه بإدامة العصمة وتيسير الطاعة وهبة النُّصرة. ومن قام بأمر الله تولَّى الله أموره؛ فلم يَدَعْ شيئًا من أحواله، ولا وَكَله إلى أشكاله، ولم يُخْلِه من أفضاله، فإن حَرَمَه شيئًا رَزَقَه الرضى بأفعاله، ورَوْحُ الرضى على الإسرار أجلُّ عطايَا الجبَّار. فالله وَليٌّ: فعيل بمعنى فاعل. والعبد وَلِيٌّ: فعيل بمعنى مفعول. وهو - أيضًا -: مَن توالت طاعتُه لمَّا اتصلت عصمتُه، فيرجع إلى الأولى (٥)، فيكون محفوظًا في جميع أحواله من أشد المحن؛ وهي ارتكابُ المعاصي، منصورًا في جميع أفعاله (٦).

стр. 1530

قال بعضهم: "النبي معصوم، والولي محفوظ؛ فالنبي لا يأتي بذنب، والولي إن أتى رَاجَعَ في الحال" (١). وفي "مسند الحارث": عن عُبَيد بن عُمَير عن أبيه: "كنتُ مع النبي في حجة الوداع، فسمعته يقول: ألا إنَّ أولياء الله هم المصلون" (٢). وذلك يرجع إلى القُرْبِ؛ وإنَّ المصلي يناجي ربه، وأقربُ ما يكون فيها إذا سجد (٣). وقد وَلِعَ (٤) الناسُ باسم "الولي" وجعلوه تابعًا للنبي، وكل أحد من المؤمنين وَليٌّ على مقدار (٥) طاعته، وكيف ما كان فلا تجتمع الولاية والعداوة؛ فإنَّ العداوة تكون بسب الكفر، والولاية تكون بسبب الإيمان، ومتى ما حصل مع العبد الإيمان فليس بعَدُوٍّ لله ولو عصى، وقد بيَّن الله ذلك بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧]، كما قال: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].

стр. 1531

وأمَّا العاصون فهو الذي يتوب عليهم ويَحْلُمُ عنهم ويُرَاجِعُ بهم، فهُمْ (١) على دَرَجِ شَرَفِ الولاية أو دَرَكِ هلاك العداوة، والكتابُ قد سُطِّرَ، والقضاءُ قد نَفَذ، والأمرُ قد أُبْرِمَ، والعبدُ بين الطمع والرجاء، فإمَّا هُلْكٌ، وإمَّا نجاةٌ (٢). وقد صار هذا الاسمُ في عُرْفِ المتكلمين من علمائنا والصوفية عبارةً عمَّن توالت عليه نِعَمُ الله بالعصمة، حتى تولَّاه الله بالحُرمة، فكلُّ ما أراد كان، وجميعُ ما دعا أجابه الله فيه، فهو وَليٌّ لله، والله وَليٌّ له. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فهو قريبٌ منهم بالهداية والعصمة، وهم قريبٌ منه بالعبادة والطاعة. ولمَّا قال: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، نوَّر قلوبهم بالإيمان، وجوارحهم بالطاعة، ولم يكونوا في سابق عِلْمِه في الظلمات، وإنَّما كانوا في نُورِه، ولكنه غشيتهم عَجَاجَةُ (٣) الاشتراك في الاشتباك في الدنيا، ثم تداركتهم النعمة السَّابقة في الحالة العُليا، كما أن النور السَّاطع بالبيان بالأدلة أدرك الكفَّار، ولكن استولى عليهم سابقُ الظلمة في القَدَرِ الأوَّلي، فساقهم إلى الهَلَكَةِ. ومن غريب هذا الاسم أنه يُثْبَتُ به ويُنْفَى، ويُوجَبُ ويُسْلَبُ، تقول: تَوَلَّيْتُ فلانًا؛ إذا تقاربتُ منه، وتولَّيتُ عن فلان؛ إذا تباعدتُ عنه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، وقال في الكفَّار.

стр. 1532

﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الأنفال، ٤٠]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١) [الحديد: ٢٣]، وقد يحتمل أن يكون معناه: فإن تَوَلَّوْا (٢) غير الله فاعلموا أنه هو الغني، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ (٣)، يكون معناه: فإن تولَّوا غيركم فالله مولاكم أنتم (٤)، وإن تولَّوهم فيكونون مثلهم (٥)، كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، أي: مَن (٦) افتخر بهم واستنصَر وانخرطَ في سلْكِهم وعَدَّ نفسَه في جملتهم ودَانَ بمحبتهم؛ كان حُكْمُه في الدنيا والآخرة حُكْمَهم. ومن صِفَةِ الولي عند الصوفية العُزْلَةُ عن الناس، والمجانبةُ للعالَم، وهذا لفساد (٧) الخلق، وإلَّا فإذا كان الناسُ كلهم أولياءَ الله كانت الخُلطة بينهم للتعاون على البر والتقوى أولى، وقد قال النبي ﷺ : "أَغْبَطُ أوليائي بي مؤمن خفيفُ الحاذِ، ذو حَظٍّ من صلاة وصيام، أحسنَ عبادة ربه، وكان عيشُه كِفَافًا، قَلَّتْ بَوَاكِيه، وقَلَّ تُرَاثُه" (٨). فلمَّا فسد الزمانُ صار عندهم من أوصاف الولي (٩) "السَّائحُ".

стр. 1533

السَّائِحُ (١): وهو الاسمُ السَّابعُ (٢) والأربعون قال الله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٣]. وليس له في السُّنَّةِ حديثٌ بحال يُعَوَّلُ عليه (٣)، إلَّا أن القاسم أبا عبد الرحمن روى عن أبي أُمامةَ أن رجلًا قال: "يا رسول الله، ائذن لي في السِّيَاحَةِ، قال النبي ﷺ : إن سياحة أمتي في الجهاد في سبيل الله" (٤)، خرَّجه أبو داود وغيرُه (٥). وإنَّ (٦) المفسرين رَوَوا أن النبي قال: "السَّائحون: الصائمون" (٧).

стр. 1534

وإنَّما المشهورُ عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وأبي عبد الرحمن السُّلَمِي وعُبَيد بن عُمَير؛ أنه الصِّيَامُ (١). والذي أوجب ذلك منهم نكتة، وهي أن "سَاحَ" في اللغة: سال وجرى إلى غير غاية معروفة، ومنه: ساح الماء؛ وهو سَيَلَانُه على وجه الأرض (٢). وكان فيمن سبق من الأمم يخرج الرجل بوجهه مُترَهِّبًا، أي: خائفًا متمردًا (٣) على (٤) الخلق، معتزلًا مستسلمًا لله، لا يتزوَّد ولا يدَّخر، مُتَوَكِّلًا حتى يَضْوَى هُزْلًا، فلما جاء الإسلام بنَفْي (٥) هذه الرهبانية وإثبات النكاح والخُلْطَةِ والائتلاف والصُّحبة زالت تلك الحالة، ثمَّ لمَّا (٦) مدح الله السَّائحين مع ما أبطل من هذه الصفة في الأُمَم الماضين ردَّها العلماءُ إلى حالة مشروعة في الإسلام وتُنَاسِبُ تلك الحالة، وهي الصيام؛ لأنها حالة فيها تَرْكُ الطعام والشراب وتقليل الكلام (٧)، وإن اعتكف فتكون (٨) سياحة عالية ظاهرة، فلذلك عبَّروا عن السَّائحين بالصَّائمين.

стр. 1535

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: وعندي أن المراد به (٢) مَدْحُ السَّائحين في آخِرِ الزمان؛ عند فساد الخلق، وغلبة الحرام على الرزق، واضطرام نار الفتنة، فتكون للسياحة (٣) حينئذ دِينًا وسُنَّةً، ويشهدُ لهذا الذي اخترناه في تأويل الآية الأحاديثُ الصحيحة الدالة على الاعتزال والفرار من الخلق عند فساد الزمان، وقد تقدَّم ذِكْرُ بعضها في أشراط الساعة (٤)، والإشارةُ إليها تغني؛ لظهور الأمر عن استيفاء القول فيها. وقد فسد اليوم الأصنافُ كلهم، وأشدُّهم فسادًا الأمراءُ والفقهاءُ، وهم الذين تصلح بهم الأحوال، وتُنال بصلاحهم الآمال، ويَطَّرِدُ باستقامتهم الإقبال، ومع تغير هؤلاء لا بقاء ولا حال، فالهجرةَ الهجرةَ، والفِرَارَ الفِرَارَ. والذي يَعْضُدُ الاشتقاق الأوَّل ويشهد له قَوْلُه: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أي: سيروا حيث شئتم، واذهبوا أين ما اخترتم وأحببتم. وقد قال جماعة من المفسرين: إنَّ السَّيَاحَ هو الذهاب في الأرض على طريق الاعتبار" (٥).

стр. 1536

وقالت الصوفية: "السَّائحون بقلوبهم بالتفكر في آفاق السماء وأقطار الأرض، والاستدلال بتغيرهما (١) على مُنشئهما، والتحقق (٢) بالحكمة التي في آياتهما (٣) " (٤). وهذا من أشبه أقوالهم وأصحِّها. وبهذا يَرَوْنَ أن الله أبقى اسم "السَّائح" من حال الأُمَم، وأسقط اسم "الراهب"، فلا رهبانية في الإسلام؛ اسمًا ولا دِينًا، ولكن معناها من الرَّهَبِ والمخافة ما ثبَّته في قلوب المؤمنين، ولا تراهم أبدًا إلَّا وَجِلِينَ؛ أساؤوا أو أحسنوا، على ما تقدَّم في اسم "الرجاء" و"الخوف". وقد سألتْ عائشةُ رسول الله عن قول الله: " ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [التوبه: ٦١]؛ أهُم الذين يشربون ويزنون؟ قال لها (٥): لا؛ ولكنهم الذين يُصَلُّونَ ويتصدَّقون، ويخافون ألَّا يقبَل منهم" (٦). وقد بيَّنا هذه الآية في كتاب "الأحكام" (٧) بيانًا بديعًا، ورتَّبنا فيها القول ترتيبًا عجيبًا (٨)، وحقَّقنا أنه لو كان الحديثُ صحيحًا لما خَفِيَ على

стр. 1537

عائشة أن الآية لم تَرِدْ في العصاة؛ لأنه قال سبحانه: ﴿يُؤْتُونَ﴾، وهو من أَفعل، وبابه الإعطاء، وذلك في الطاعات والخير، وما سألتْ عنه عائشةُ بابُه الإتيانُ إلى الشيء، والمجيئُ إليه أو بِهِ، فكانت الآية تكون على ذلك النَّسَقِ: "يأتون ما أَتوا"، بقَصْرِ الهمزة، وهذا ما لا يخفى، والله أعلم. وكذلك رُفِعَ عنَّا اسمُ "القَسِّ"، وإن كان من باب التتبع للمعارف والتحصيل لها، وقد قال النبي: "رأيتُ القَسَّ في الجنة" (١)، يعني: ورقة، ولكن سقط من ألسنة شريعتنا؛ فلا هو في كتابنا، ولا في سُنَّتِنا، ولا على ألسنة الصحابة منَّا. أَمَا إنَّه بَقِيَ فينا من ذلك اسمان: * * *

стр. 1538

الربَّانِي (١): وهو الاسم الثامن (٢) والأربعون الحَبْرُ (٣): وهو الاسم التاسع (٤) والأربعون وقد ثنَّى الله بهما أو ثَلَّثَ على مرتبة النبوة، فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٦]. قال علماؤنا: "الربَّانيُّون (٥): هُم العلماء الحُكماء البُصَرَاءُ بسياسة الناس وتدبير مصالحهم، والأحبار: هُم العلماء" (٦). قال السُّدِّيُّ: "والمرادُ بذلك هنا (٧) في هذه الآية أبناءُ صُورِيَّا (٨)، وكان أحدُهما حَبْرًا، والآخر ربَّانيًّا (٩)، لم يُسلما، لكنهما أَعْطَيَا للنبي ﷺ العَهْدَ على ألَّا يسأل شيئًا من التوراة إلَّا صدَّقاه فيه" (١٠).

стр. 1539

وقيل: "الربانيُّون: الولاة، والأحبارُ: العلماء" (١). قال الطبري: "وتخصيص السُّدِّيِّ لابْنَي صُورِيَّا ضعيف، والآيةُ عامَّة في كل رَبَّانِي وحَبْرٍ" (٢). قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: فأمَّا الربَّاني فهو الذي يُرَبِّي الناس بصغار العلم قبل كباره، يقال: ربَّ وربَّى (٤)، إذا ناقل الشيء في درجات نُمُوِّه (٥) بما يصلح له؛ حتى يبلغ إلى غايته أو مقصوده. والله رَبُّ الخَلْقِ بهذا المعنى، على أحد التأويلات؛ فإنه يُثَبِّتُهم (٦)، ويُهيئ لهم أسباب الدوام، ويُيَسِّرُ لهم وجوه الغذاء. وقولنا: رَبَّان؛ هو فعلان مِن رَبَّ وربَّى، والرَّبَّاني راجع إلى قولك: ربٌّ، أو إلى قولك: ربَّانُ، ولم يُسْمَعْ (٧)، ولكن القياس يقتضيه (٨). قال ابن عباس: "هو العالم الذي يُرَبِّي الناس بصغار العلم قبل كِباره" (٩).

стр. 1540

وهو الذي يقول لهم ما يصلح بهم، وما تبلغه أفهامهم، ويُقَدِّمُ الأوَّل على الآخِر (١)، حتى ينتهي إلى المقصود بالمعلوم (٢)، ولا يقلب الحال فيُعَلِّمُه الآخِرَ قبل الأوَّل، ويجعل عليه الأغلوطات - وهي: صعاب المسائل -، ويقصد تعجيزه، أو يعدل به عن الطريق، ومن ذلك ما لا ينبغي أن يفعله العالم بتِلْمَاذِه (٣)، ولا الأب بابنه، مثل ما يفعله الناس اليوم؛ فإنهم يُعلمون في البداية المسائل، ويتركون كتاب الله وحديث رسوله، جهلًا بالحق، وعُدُولًا عن الطريق، وربما - وهو الأكثر - يتمادى بهم الحال بهذا البائس فيموت وقد أفنى عمره في غير عِلْمٍ، لأنَّ الذي اشتغل به لم يعلمه على وجهه، ولا قرأه على شَرْطِه (٤)، ولا أتاه من بابه. وأمَّا الحَبْرُ؛ فيقال: بكسر الحاء وفتحها. قالوا: "وإنَّما سُمِّيَ كَعْبٌ الحَبْرَ لأجل كُتُبِه، وبذلك سُمِّيَ الأحبار". [إنشادٌ]: وقد أنشدني أَبِي (٥) عن أحمد بن الحُسَين (٦) بن حي عن عبد الملك

стр. 1541

ابن (١) الجَزِيري (٢) "قصيدة الآداب والسُّنَّةِ" (٣)، ليس لها نظير، كتبها إلى بَنِيه وهو في سِجْنِ السلطان (٤)، أبياتًا في ذلك، منها: واعلم بأنَّ العلم أرفع رتبةٍ … وأجلُّ مكتسب وأسنى مَفْخَرِ والعالمُ المَدْعوُّ حَبْرًا إنَّما … سمَّاه باسم الحَبْرِ حَمْلُ المِحْبَرِ فاسْلُكْ سبيل المقتنين له تَسُدْ … إنَّ السيادة تُقتنى بالدَّفْتَرِ تَسْمُو إلى ذي العلم أبصارُ الورى … وتغضُّ (٥) عن ذي الجهل لا بل تَزْدَرِي وبضُمَّرِ الأقلام يبلغ أهلها … ما ليس يبلغ بالجياد الضُّمَّرِ والعِلْمُ ليس بنافع أربابَه (٦) … ما لم يُفِدْ عملًا وحُسْنَ تَبَصُّرِ (٧)

стр. 1542

[معاني الحَبْرِ]: وأَصْلُ "ح ب ر": التحسينُ في العربية، قال أبو موسى الأشعري للنبي: "لو أعلم أنك تسمعني لحبَّرته لك تحبيرًا" (١)، وهو التَّزْيِينُ له. وفي معنى تسميتهم أحبارًا سبعةُ أوجه (٢): الأوَّل: أنَّهم حسَّنوا قلوبهم بالمعرفة (٣). الثاني: أنَّهم زيَّنوا (٤) ألسنتهم بالصدق. الثالث: أنَّهم حسَّنوا جوارحهم بالطاعة. الرابع: أنَّهم حسَّنوا أخلاقهم مع الخَلْقِ.

стр. 1543

الخامس: أنَّهم حسَّنوا التبليغ إليهم. السَّادس: أنَّهم حسَّنوا أفعالهم فلم تخرج عن حدود الأمر والنهي، لم يُقَصِّرُوا في الواجبات، ولم يُخِلُّوا بالمندوبات، ولم يبق عليهم حَقٌّ إلَّا قاموا به؛ إن كان لله فمن غير تقصير، وإن كان للخلق فمن غير تأخير. السَّابع: أنهم استداموا فيما به استقاموا. وعبَّر عن ذلك في "فوائد الشهيد" (١) فقال: "كان لهم توفيق بدوام، فلا جَرَمَ جُوزُوا في الآخرة بنعيم من غير انصرام". وقد بيَّنَّا فيما تقدم من اسم "المُحْسِنِ" (٢) الذي يرجع إليه ما فيه كفاية. [تفسيرُ ابن عباس ﵁ -]: وكان السَّلَفُ يقولون في ابن عباس: "إنه البَحْرُ الحَبْرُ"؛ لعظيم عِلْمِه بكتاب الله، وحُسْنِ تفسيره له؛ حين دعا له رسول الله في عِلْم كتاب الله، ولو كان إليه طريق صحيحة ما خَفِي علينا من القرآن شيء، ولكن امتلأت الطُّرُقُ إليه وإلى قتادة، وهما عالما القرآن سَعْدَانًا (٣) وقتادة (٤)، ففاتت من ذلك الإرادة، وعند الله العِوَضُ من ذلك وزيادة.

стр. 1544

[الأحبارُ بالحقيقة هم علماء المسلمين]: قال الإمام الحافظ (١) ﵁: وهذه الصفة وإن كانوا قد سَمَوا بها؛ فقد أَخَذَتْها بفَضْلِ الله من أيديهم هذه الأُمَّةُ، فنحن الأحبارُ حقيقةً؛ فإنَّا بتوفيق الله لنا ونِعْمَتِه علينا رَبَّيْنا هذا الدِّينَ وحفظناه، وحسَّنَّاه وبيَّنَّاه، وفرَّعناه ورتَّبنا قوانينه؛ خَلَفًا عن سَلَفٍ، واسْتَثَرْنَا من علوم كتابنا، واستَنْجَثْنَا (٢) من حديث رسولنا، واستنبطنا من قواعد شريعتنا، وفرَّعنا من أصولنا (٣)؛ ما ملأ الأرض بهجة، وشهد لنا بذلك أصدق الخلق لهجة، إذ قال: "لا تزال طائفة من أمتي منصورة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، وأهلُ الكتاب قد (٤) ذهب من أيديهم دِينُهم، واسْتُحفظوه فلم يحفظوه، فلا عِلْمَ عندهم، ولا دِينَ لديهم، ولا حُكْمَ لهم، ولا قَانُونَ عندهم، بل ضَلُّوا حيارى، وأقاموا سُكارى، لا يهدون ولا يعدلون، ولم يدخلوا في قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، [الأعراف: ١٥٩]، على أنَّه خُصُوصٌ كان فيهم (٥)، وأُوتِينَاهُ نحن عُمُومًا يبقى إلى يوم القيامة (٦).

стр. 1545

قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٢]. فنحن كلنا: عُدُولٌ، شهداءُ، هُدَاةٌ، دُعَاةٌ، أَئِمَّةٌ، فهذه خمسةُ أسماء شرَّفنا الله بها، ومَنَحَنَا إيَّاها، وأعطاها بفَضْلِه لنا. * * *
следующие страницы →