← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ابن (١) الجَزِيري (٢) "قصيدة الآداب والسُّنَّةِ" (٣)، ليس لها نظير، كتبها إلى بَنِيه وهو في سِجْنِ السلطان (٤)، أبياتًا في ذلك، منها: واعلم بأنَّ العلم أرفع رتبةٍ … وأجلُّ مكتسب وأسنى مَفْخَرِ والعالمُ المَدْعوُّ حَبْرًا إنَّما … سمَّاه باسم الحَبْرِ حَمْلُ المِحْبَرِ فاسْلُكْ سبيل المقتنين له تَسُدْ … إنَّ السيادة تُقتنى بالدَّفْتَرِ تَسْمُو إلى ذي العلم أبصارُ الورى … وتغضُّ (٥) عن ذي الجهل لا بل تَزْدَرِي وبضُمَّرِ الأقلام يبلغ أهلها … ما ليس يبلغ بالجياد الضُّمَّرِ والعِلْمُ ليس بنافع أربابَه (٦) … ما لم يُفِدْ عملًا وحُسْنَ تَبَصُّرِ (٧)

стр. 1542

[معاني الحَبْرِ]: وأَصْلُ "ح ب ر": التحسينُ في العربية، قال أبو موسى الأشعري للنبي: "لو أعلم أنك تسمعني لحبَّرته لك تحبيرًا" (١)، وهو التَّزْيِينُ له. وفي معنى تسميتهم أحبارًا سبعةُ أوجه (٢): الأوَّل: أنَّهم حسَّنوا قلوبهم بالمعرفة (٣). الثاني: أنَّهم زيَّنوا (٤) ألسنتهم بالصدق. الثالث: أنَّهم حسَّنوا جوارحهم بالطاعة. الرابع: أنَّهم حسَّنوا أخلاقهم مع الخَلْقِ.

стр. 1543

الخامس: أنَّهم حسَّنوا التبليغ إليهم. السَّادس: أنَّهم حسَّنوا أفعالهم فلم تخرج عن حدود الأمر والنهي، لم يُقَصِّرُوا في الواجبات، ولم يُخِلُّوا بالمندوبات، ولم يبق عليهم حَقٌّ إلَّا قاموا به؛ إن كان لله فمن غير تقصير، وإن كان للخلق فمن غير تأخير. السَّابع: أنهم استداموا فيما به استقاموا. وعبَّر عن ذلك في "فوائد الشهيد" (١) فقال: "كان لهم توفيق بدوام، فلا جَرَمَ جُوزُوا في الآخرة بنعيم من غير انصرام". وقد بيَّنَّا فيما تقدم من اسم "المُحْسِنِ" (٢) الذي يرجع إليه ما فيه كفاية. [تفسيرُ ابن عباس ﵁ -]: وكان السَّلَفُ يقولون في ابن عباس: "إنه البَحْرُ الحَبْرُ"؛ لعظيم عِلْمِه بكتاب الله، وحُسْنِ تفسيره له؛ حين دعا له رسول الله في عِلْم كتاب الله، ولو كان إليه طريق صحيحة ما خَفِي علينا من القرآن شيء، ولكن امتلأت الطُّرُقُ إليه وإلى قتادة، وهما عالما القرآن سَعْدَانًا (٣) وقتادة (٤)، ففاتت من ذلك الإرادة، وعند الله العِوَضُ من ذلك وزيادة.

стр. 1544

[الأحبارُ بالحقيقة هم علماء المسلمين]: قال الإمام الحافظ (١) ﵁: وهذه الصفة وإن كانوا قد سَمَوا بها؛ فقد أَخَذَتْها بفَضْلِ الله من أيديهم هذه الأُمَّةُ، فنحن الأحبارُ حقيقةً؛ فإنَّا بتوفيق الله لنا ونِعْمَتِه علينا رَبَّيْنا هذا الدِّينَ وحفظناه، وحسَّنَّاه وبيَّنَّاه، وفرَّعناه ورتَّبنا قوانينه؛ خَلَفًا عن سَلَفٍ، واسْتَثَرْنَا من علوم كتابنا، واستَنْجَثْنَا (٢) من حديث رسولنا، واستنبطنا من قواعد شريعتنا، وفرَّعنا من أصولنا (٣)؛ ما ملأ الأرض بهجة، وشهد لنا بذلك أصدق الخلق لهجة، إذ قال: "لا تزال طائفة من أمتي منصورة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، وأهلُ الكتاب قد (٤) ذهب من أيديهم دِينُهم، واسْتُحفظوه فلم يحفظوه، فلا عِلْمَ عندهم، ولا دِينَ لديهم، ولا حُكْمَ لهم، ولا قَانُونَ عندهم، بل ضَلُّوا حيارى، وأقاموا سُكارى، لا يهدون ولا يعدلون، ولم يدخلوا في قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، [الأعراف: ١٥٩]، على أنَّه خُصُوصٌ كان فيهم (٥)، وأُوتِينَاهُ نحن عُمُومًا يبقى إلى يوم القيامة (٦).

стр. 1545

قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٢]. فنحن كلنا: عُدُولٌ، شهداءُ، هُدَاةٌ، دُعَاةٌ، أَئِمَّةٌ، فهذه خمسةُ أسماء شرَّفنا الله بها، ومَنَحَنَا إيَّاها، وأعطاها بفَضْلِه لنا. * * *

стр. 1546

[العَدْلُ: وهو الاسم المُوَفِّي خمسين] فأمَّا (١) "العَدْلُ" منَّا: فهو الذي جرى على الطريقة، ولزم الحقيقة، ولم يَجُرْ عن (٢) السبيل؛ لا بتصريح ولا بتأويل (٣). وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال تعالى (٤): ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٩]، ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال المشؤوم ذو الخُوَيْصِرَةِ (٥) للنبي ﷺ : "اعدل، فقال له النبي ﷺ : لقد خبتَ وخسرتَ (٦) إن لم أعدل" (٧).

стр. 1547

[الشَّاهد: وهو الاسم الحادي والخمسون] وأمَّا "الشَّاهِدُ"، فإنَّا - كما قدَّمنا - نحن شُهداء الرُّسُلِ على الخلق بالتبليغ. وفي الحديث: "أن النبي ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فأثنَوا عليها خيرًا، فقال: وجبت، ومُرَّ بأخرى فأثنَوا عليها شرًّا، فقال: وجبت، فقيل له: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: أثنيتم على الأولى (١) خيرًا فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شرًّا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (٢). نكتة (٣): ولا يكون هذا إلَّا من الأخيار (٤)، لا من العامَّة الحُشوة؛ فإنه كما لا يقبل القاضي إلَّا العدول في الحقوق، كذلك لا يقبل الله في مثل هذا إلَّا الأبرار، إلَّا أن تكون الكَافَّةُ تنطق بذلك؛ فيأتي من باب الخبر المتواتر الذي هو أقوى من الشهادة. وأوجهُ الشهادة كثيرة، وأشدُّها أن يشهد الإنسان على نفسه في الدنيا؛ بأن يجري على لسانه من القول ما يسترسل به فيجب له، والذي لا خير فيه ولا خير منه قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤].

стр. 1548

وحقيقةُ (١) الشهادة: العِلْمُ، فنحن العلماء - وقد تقدَّم بيانه - شَهِدْنَا لله سبحانه بأنه واحد، وللنبي ﷺ بأنَّه صادق، وشهدنا للسَّلف الصالح من الصحابة بأنهم ما ضَلُّوا عن الدليل، ولا عاجوا عن السبيل، ومن لم يشهد بذلك فهو من أهل الضلال والتضليل، وقد بيَّنَّا حالهم في كتاب "العواصم من القواصم" (٢)، وسيأتي تمامُه إن شاء الله. * * *

стр. 1549

[الهادي: وهو الاسم الثاني والخمسون] وأمَّا "الهادي" منَّا: فهو الذي يميل بالناس إلى الحق (١). وهو وارد في كتاب الله على ثمانية معاني (٢)، بيانُها في "كتاب المشكلين" في حق الله سبحانه، والهَادِي من الخَلْقِ هَادٍ ببعضها. وإنَّما كان الخَلْقُ هُدَاةً - وأوَّلهم الرُّسُلُ - نِيَابَةً عن الله تعالى وخِلَافَةً، والخَلْقُ نُوَّابٌ عن الرسُلِ. وفي الحديث الصحيح: "أن النبي ﷺ جمع الأنصار فقال لهم - في حديث بَلَغَهُ عنهم -: ألم يكن أمركم شَتِيتًا فجمعه الله بي؟ ألم تكونوا خائفين فأمَّنكم الله بي؟ ألم تكونوا ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ وهم يقولون في ذلك كله: الله ورسوله أعلمُ (٣) وأَمَنُّ" (٤). ومن معاني الهُدَى البيانُ؛ وقد بيَّن الله لرسوله، وبيَّن رسولُه لنا، وبيَّنَّا نحن للعامَّة؛ بما أتانا الله من فَضْلِ العلم، ورَفَعَنا به على غيرنا درجة، وخصَّنا بمنزلة الشهادات فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عران: ١٨]؛ حسب ما بيَّنَّاه في اسم "العالم".

стр. 1550

وقد قال النبي ﷺ (١) لعَلِيٍّ وغيره: "لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلًا واحدًا أحب إليك من حُمُرِ النَّعَم" (٢)، يعني: ولو تصدَّقت بها؛ فإن هداية الرجل بك دائمة، فلَكَ أجر ما عمل، وأجرُ النَّعَمِ ذاهبٌ، على الوجوه التي (٣) بيَّنَّاها في "شرح الحديث". * * *

стр. 1551

[الدَّاعِي: وهو الاسم الثالث والخمسون] والهادي "داعي"؛ لأنه يُنادي إلى الله، ويُبَيِّنُ دين الله، وبيانُه له دعاء، وعملُه به دعاء. والهِدَايَةُ بالفعل من العالِم أعظمُ من الهداية بالقول، وهو "الهَدْيُ" (١)، بإسكان الدَّال؛ ولذلك قال علماؤنا (٢): "إنَّ الهَدْيَ - بإسكان الدال - في العبد أشرف من الهُدي - بفتح الدال مقصورًا - ". وباجتماع الهُدى والهَدي يكون "إمامًا". * * *

стр. 1552

[الإمامُ: وهو الاسم الرابع والخمسون] ولمَّا كان المرءُ يطلب ما بين يديه وأَمَامَه، وكان مفتقرًا إلى تبصرة يمشي إليها وعَلَمٍ يقصده؛ سُمِّيَ كل ما يَدُلُّه على ما يتوجَّه إليه "إمامًا". فالإمامُ من يقتدي به ويَهْتَدِي (١)، ويروح على قوله وعمله ويَغْتَدِي، وما يعتبر به أيضًا ويزدجر فيَكُفُّ ويتأخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، أي: بطريق واضح في بيان عقوبة من فَعَلَ فِعْلَهم. وقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فيها خمسةُ أقوال: الأوَّل (٢): بِنَبِيِّهم (٣). الثَّاني: بكَتْبِ أعمالهم (٤). الثالث (٥): بكتاب الله المنزل عليهم (٦).

стр. 1553

الرَّابع (١): بمن يقتدي بهم كلُّ أحد في زمانه (٢). الخامس: بأمهاتهم (٣). قال بعضهم: إلَّا آدم؛ فإنه يُدعى بكنيته: يا أبا محمد، وذلك شَرَفٌ لعيسى (٤). وقيل: للحسن والحُسَيْن (٥). وقيل (٦): سَتْرٌ على أولاد العُهَّرِ (٧). قال الإمام الحافظ (٨) ﵁: وهذا كله ممكن، بَيْدَ أنَّه نقصهم (٩) أن يقولوا: يوم ندعو كل أناس بمعبودهم، كما (١٠) جاء في الحديث الصحيح: "أنَّه (١١) يُنادى يوم القيامة: لتَتْبَعْ كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد

стр. 1554

الشمسَ الشمس، ويتبع من كان يعبد القمرَ القمر، ويتبع من كان يعبد الأوثانَ الأوثان، ويتبع من كان يعبد الطواغيتَ الطواغيت" (١). وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ولا شك، إلَّا أنها أحوال، والدعاء فيها صحيح في أوقاتها بصفاتها. وفيهم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١]، وجعلهم هاهنا أئمة لتَلَفِهم لا لشرفهم، قدَّمهم في الخِزْيِ والهوان على كل أمة، ولكن لم يُرْشِدوا إلَّا إلى الضلال، ولم يَدُلُّوا الخلق إلَّا على المحال، وما خلصوا إلى حسن (٢) الحال، وما ذاقوا إلَّا الخزي والنَّكال. وقال الله سبحانه في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، فأَخْبَر أنهم يتبعونه بالأمر لأنه كان إمامَهم، فرُبِطُوا به وكانوا معه، وانتهَوا إلى ما انتهى إليه، فكان ذلك أصلًا في كل باغي (٣) ضلالة، وإمام كُفْرٍ أو بِدْعَةٍ. وروى النوَّاس بن سمعان عن النبي ﷺ أنه قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا على كَنَفَي الصراط، دَارٌ (٤) لها أبواب مُفَتَّحَةٌ، على الأبواب سُورٌ، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو فوقه، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى

стр. 1555

دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، والأبوابُ على كَنَفَي الصراط حُدُودُ الله، فلا يقعُ أحدٌ في حدود الله حتى يكشف الستر، والذي يدعو من فوقه واعظُ ربِّه" (١)، حديثٌ حسنٌ. وقال (٢) ابن مسعود (٣) في حديث: "فتوسَّد رسولُ الله ﷺ فَخِذِي فرَقَدَ، وكان إذا رَقَدَ نَفَخَ، فبيْنا أنا قاعد ورسول الله متوسد فَخِذِي؛ إذا أنا (٤) برجال عليهم ثياب بياض، والله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهَوا إليَّ، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله، وطائفة عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قط أُوتِيَ مثل ما أُوتي هذا النبي، إنَّ عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلًا؛ مَثَلُ سَيِّدٍ بنى قصرًا ثم جعل مأدبة (٥)، فدُعي (٦) النَّاس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يُجِبْه عاقبه أو قال: عذَّبه، ثم ارتفعوا، واستيقظ رسولُ الله ﷺ عند ذلك وقال: سمعتَ ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: المثل الذي ضربوه: الرحمن بنى الجنة ودعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة، ومن لم يجبه عاقبه أو عذَّبه" (٧).

стр. 1556

وقال النبي ﷺ : "ما من داع يدعو إلى هُدًى إلَّا كان له من الأجر مثل أجور من اتَّبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (١). وقال النبي ﷺ : "من سَنَّ سُنَّة حسنة في الإسلام كان له أجرُها وأجر من عمل بها إلى يوم - القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ سُنَّةً سيئة في الإسلام كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا" (٢). وقد تتعارض الدعوتان بحُكم الله السَّابق، كما قال: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]؛ والدعاءُ إلى السَّبَبِ دعاءٌ إلى المسبب، والعملُ بالعلة رضى بالحُكم، ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ يريد: أجعل معه شريكًا من غير دليل، ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر: ٤٢]؛ الذي لا يؤثر في ملكه عِنَادُكم (٣)، ولا يَعْظُمُ عنده أن يغفر لكم، لقد وَجَبَ وحَقَّ ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من عبادة غيره؛ ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣]، يعني: ليس له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا إرادة (٤)، ولا نفع، ولا ضُر، وقد علمنا صِدْقَنا وكَذِبَكم، يقول من دَلَّتِ المعجزة على صدقه: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ

стр. 1557

لَكُمْ﴾ (١) إذا وجب العذاب عليكم، ولو شاء ربنا لكانت الدعوة واحدة، والحجة خالصة من الشُّبْهَةِ، ولكن هذا كله مقتضى الحكمة. قال الإمام الحافظ (٢) ﵁: وهذا الدعاء كله والهداية لا تكون الإجابةُ فيها والقبول إلَّا بلُطْفِ الله وتيسيره، وخَلْقِ ذلك لمن يخلقه له، وتَفَضُّلٍ (٣) عليه به، كما قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكهف: ١٧]، وقال: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧١]، وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. [الهُدَى هدى الله]: فبيَّن بقوله: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، أن كل داع وهادٍ وإن بذل الجهد فيما فُرِضَ عليه من التبليغ؛ فإنَّ الهدى هو مِلْكٌ لله وخَلْقٌ له، يختص برحمته من يشاء (٤) بالنبوة، ويختص بالإيمان، ويختص بالعلم، ويختص بالعصمة، ويختص بالعمل الصالح، ويختص بالخَلْقِ الحَسَنِ، ويختص بالأخلاق الحِسَانِ، ويختص بالعافية، ويختص بالرزق، ويختص بإصلاح السريرة، وكذلك إلى ما لا يُحصى من الخيرات؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٣]، بيَّن أن المعبود هو القادر على تَوْفيقِ المدعو وهدايته، وإذا لم يهب التوفيقَ فدعاؤك وسكوتك سواء.

стр. 1558

[فَرْضُ الدعوة]: وما سبق من القَدَرِ لا يدفع عن الدَّاعي فَرْضَ الدعوة، لتقوم الحجة، وتظهر الحكمة، ويخلق مالك الملوك (١) الإنابة والإيابة (٢). وقد بيَّن العلة فقال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، يعني: لم يخلق فيها العلم بصحة قول الداعي، غلبت عليها هواجسُ الهوى، وتردَّدت ما بين خواطر الشيطان، وأعينُهم في غشاوة عن الآيات، وسمعُهم وإن كان يُدْرِكُ الأصوات فقد حُجِبَ عن المعاني؛ المعقولات منه والمفهومات، ولذلك قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (٣) [يونس: ٤٢]، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ في عدم الرشاد، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (٤) [الفرقان: ٤٤]؛ لأنهم لم يُنْهَوا (٥) ولا أُمِروا ولا زُجِروا، وكل ما زاد في تصرُّفه زاد في تخلُّفه، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٦) [الحج: ٤٤]. [التوفيقُ للقبول]: وقد يَهْدِي الله بالتوفيق للنظر في الأدلة ثم لا يخلق القَبُولَ، فإذا خلق القبول مع صحة النظر بلغ العبد المأمول، وإلَّا فيكون قد رأى ولم يعتبر،

стр. 1559

أو اعتبر ولم يقبل، ودُعِيَ فأعرض، وذُكِّرَ فلم يَذْكُرْ، والمدار والمعوَّل على ما يخلق في القلب من البصر والسمع؛ فإن العين والأذن إذا حصَّلتا وألقتا إلى القلب ما ألقتا ولم يقبل ذلك؛ صارت العينُ كأنَّها لم تبصر، والأذن كأنها لم تسمع؛ إذا (١) لم يظهر لما ألقتاه (٢) فائدة. قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: ولو اجتهد العبدُ غايةَ الاجتهاد ليبلغ من ذلك المراد ولم يكن فيما سبق له نصيبٌ من الكتاب بالرشاد؛ ضُرِبَ بينه وبينه أَسْدَادٌ، ولم ينفع الدعاء، ألا ترى كيف قيل لسيِّد الأولياء: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، هذا (٤) وهو ﷺ ، كما قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣]؛ صراط الله، وله شرف النبوة، ومرتبة الرسالة، وحال الخُلَّة، والمقام المحمود، والحوض المورود، ولكنك لا تهدي من أحببت؛ لأنَّ هذا (٥) من خصائص الربوبية، وإمالةُ القلب من الباطل إلى الحق أو صَرْفُها بالعكس من خصائص القدرة الإلهية، فلا يكون ذلك لأَحَدٍ من البَشَرِيَّةِ (٦). وصَرْفُ الباري عن ذلك بأسباب يَكْثُرُ تَعْدَادها من أحكامه وأفعاله، ليست من غرض "التذكير"، وإنَّما هي من "قسم التوحيد"، ففيه ينظر إن شاء الله.

стр. 1560

[كيفيةُ دعاء الناس]: وقد عَلَّمَ النبيُّ ﷺ كيفية الدعاء في الابتداء وما يترتب عليه إلى الانتهاء، يُفهم منه ويُستدل به عليه، قال لمعاذ (١) حين بعثه إلى اليمن: "إنَّك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا رسول الله، فإن هم أجابوك (٢) لذلك فأَعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك (٣) لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أجابوك (٤) لذلك فخُذْهَا منهم، وتَوَقَّ كَرَائِمَ أموالهم" (٥). وروى بُرَيْدَةُ بن الحُصَيْبِ أن النبي ﷺ (٦) كان إذا بعث أميرًا أو سَرِيَّةً أو جيشًا أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "اغزُوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كَفَرَ بالله (٧)، اغزوا؛ ولا تغدروا (٨)، ولا تغلوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين

стр. 1561

فادعُهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال؛ فأيَّتَهُمْ (١) ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، وادعهم إلى الهجرة" (٢)، وقد نُسِخَ الدعاءُ إلى الهجرة، وذَكَرَ الحديث. وإذا اجتمعت فيه هذه الخصال كان "خليفةً". * * *

стр. 1562

الخليفة (١): وهو الاسمُ الخامس (٢) والخمسون ومعناه في اللغة: من يقوم مقام الشيء (٣) وينوب منابه (٤). والعظيمُ الذي لا مِثْلَ له، ولا يجوز عليه العدم، ولا يغيب عن (٥) شيء؛ سخَّر من سخَّر (٦) لما سخَّر، ثم أنعم عليه بأن سمَّاه "خليفة"؛ فقال للملائكة مُخْبِرًا عن آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، ولم يُعلمهم بما خلق من شيء؛ على كثرة مخلوقاته وأوَّلها وآخرها، حتى أراد خَلْقَ آدم؛ فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، تشريفًا لآدم وتخصيصًا، ولمَا رَتَّبَ عليه من الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فلذا (٧) أنشأَ منه (٨) الذرية (٩). وقد تباين الناسُ في تأويل هذه الآية على أقوال؛ أُمَّهَاتها ثلاثة:

стр. 1563

الأوَّل: أنه وذريته خَلَفَ خَلَفًا آخَر قبله (١). الثاني: أنه أراد قومًا يخلفُ بعضُهم بعضًا (٢)، يعني: ذرية آدم. الثالث: من يخلفني في الحُكم بين (٣) خَلْقِي، وهو آدمُ ومن قام مقامه من وَلَدِه، وهو اختيار ابن مسعود (٤). وقد قال الله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وفيه ثلاثة أقوال: الأوَّل: مَلِكًا (٥). الثاني: خَلَفًا من الجبَّارين. الثالث (٦): خليفة الماضي (٧). والمختارُ (٨): خليفةً لي، كما تقدَّم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].

стр. 1564

وأنَّه لمَّا توفي رسول الله ولم يَسْتَخْلِفِ؛ اسْتَخْلَفَ المسلمون أبا بكر، فكان خليفةَ رسول الله الأدنى منه وإليه، والأعلى به ومعه، فصار مَن بعده وإن كان خليفة فبواسطة؛ إمَّا محفوظة، وإمَّا مخفوضة (١). وقد قال الله تعالى مُخْبِرًا عن موسى: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أي: قُمْ مقامي فيهم بعدي. وقال عليٌّ للنبي صلوات الله عليه: "أَتُخَلِّفُنِي مع النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي" (٢). وكُلُّ خليفة "حاكم". * * *

стр. 1565

الحاكم (١): وهو الاسمُ السَّادِسُ (٢) والخمسون نِيَابَةً عن أحكم الحاكمين. "فَاصِلٌ"؛ نيابةً عن خير الفاصلين. * * *

стр. 1566

الفاصل (١): وهو الاسم السَّابعُ (٢) والخمسون (٣) " قاضي"؛ نِيَابَةً عن الذي يقضي بين الخلق بحُكْمِه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل: ٨١]. * * *

стр. 1567

القاضي (١): وهو الاسم الثامنُ (٢) والخمسون (٣) ويحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. وحُكْمُ الله تعالى (٤) على معنيين: أحدهما: ما هُم الخلق عليه من الطاعة والمعصية. والمعنى الثاني: ما شرعه لعباده وأمرهم بامتثاله؛ فنَفَذَ (٥) ممَّا أمر ما شاء، ونفذ الكل بالمشيئة الأوَّلية، والحكمة العدلية. فإذا خَلَّى العباد والمعاصي، ووَفَّقَ أهل الطاعة للعبادات (٦)؛ فهو حُكْمٌ. وإذا انتقم من العاصين فهو حُكْمٌ (٧). وإذا أمهلهم فهو حُكْمٌ.

стр. 1568

وإذا سلَّطهم على أهل الطاعات بالذنوب فهو حُكم. وإذا أنزل البلاء دون واسطة أو بواسطة الإغواء (١) فهو حُكم كله. فِعْلٌ عَدْلٌ، بِقَوْلٍ فَصْلٍ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وما شيء منها باطل. المعنى: بل كلُّ ذلك فِعْلٌ منه، له أن يفعله، وهو حقيقة الحق، ومن فَعَلَ ما ليس له (٢) أن يفعله فهو الباطل، وذلك يُتصور في غير حَقِّ (٣) الإله سبحانه، وكل هذه الأحكام خَيْرٌ وفَصْلٌ، فبذلك صار خير الفاصلين، حسب ما بيَّنَّاه في كتاب "الأمد الأقصى في معرفة الأسماء الحسنى" (٤). قال النبي ﷺ : "القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحق وهو يعلم (٥) فذلك في النار، وقاض قضى لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى (٦) بالحق فهو في الجنة" (٧).

стр. 1569

وقد بيَّنَّا (١) معناه في كتاب "الأمد الأقصى" (٢). والنبيُّ ﷺ قاضي القضاة، قد قيل له: "اقض بيننا بكتاب الله" (٣)، وقد قال هو: "من قضيتُ له بشيء (٤) من حق أخيه فلا يأخذه" (٥). والقضاء في اللغة هو الفراغ، وكأنه أَكْمَلَ ما كان بينهما (٦) وتمَّمه، ويتصرَّف على وجوه كثيرة بيَّنَّاها في "المشكلين"، ولا يكون القاضي إلَّا "فقيهًا"، وهو العالم بمواقع الأحكام في عُرْفِ الشريعة. في الصحيح: أن ابن عباس قيل له: "إن معاوية يُوتِرُ بواحدة، قال: دعه؛ فإنه فقيه" (٧). وقال النبي ﷺ : "مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدى والحكمة كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا؛ فكانت منها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسُقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة؛ إنما هي قِيعان؛ لا تمسك ماء

стр. 1570

ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ من فقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِمَ وعلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ به" (١). وقال ثعلب: "يُقال: فقِه الرجل - بكسر العين (٢) - إذا فهم، وفقُه - بضمها - صار فقيهًا - يعني: أَحْكَمَ معرفة مواقع الأحكام -، وفقَه - بفتحها - إذا سبق غيره إلى الفهم (٣) " (٤)، وهو: * * *

стр. 1571

الاسمُ التَّاسع (١) والخمسون: الفقيه (٢) ولم يكن هذا الاسمُ في المتقدمين موضوعًا، وإنَّما صارت خُطَّةً عند المتأخرين، وضعوها في غير موضعها. وقد فسَّر النبي ﷺ الفِقْهَ في المَثَلِ المتقدِّم الذي بيَّنَّاه، فكُلُّ من كان به فهو "الفقيه"، ومن تعدَّى عليه واصطلح (٣) في وَضْعِه في غير موضعه ووَصَفَ به غير أَهْلِه؛ فيكونُ ذلك كسائر التعبيرات (٤) التي حدثتْ في الشَّريعة. وقد كان بعضُ أشياخي - وهو محمد بن الوليد (٥) - لا يكتبُ إلى أَحَدٍ فقيهًا، وكان منهم من يكتبُ (٦) ويتأوَّل فيه التفاؤل له، ورجاء أن يكون كذلك في آخِرِ أمره، ولنِيَّتِه التي اعتقدها الآن بطَلَبِه (٧).

стр. 1572

[مَغْلَطَةٌ]: وظنَّ بعضُ الناس أن حافظ الفروع فقيه، وليس بفقيه ولا حافظ، لأنَّ حِفْظَها ليس بفِقْهٍ في دين الله، ولا في العربية المطلقة، وإنَّما الفقيه من فَهِمَ ما قال الله وما قاله (١) رسولُه، لا ما قال من لم يلزم اتِّبَاعُه، وقد بيَّنَّا في كتاب "العواصم" (٢) السَّبَبَ الذي أوجب اقتصار الناس على استظهار المسائل، ومقصودُهم به في الأكثر أَكْلُ الدنيا، والمُغْتَرُّ (٣) من اعتقد أنها فِقْهٌ. [التمكنُ في الدين شَرْطُ التمكن من الدنيا]: وجهلوا طريق الدين والدنيا (٤)؛ أمَّا طريق الدين فمَهْيَعٌ، وأمَّا الطريقُ المُوصِل إلى الدنيا المُمكِن فيها فهو التَّمَكُّنُ في الدِّين، وبحسب تمكنه من الدين يكون تمكنه من الدنيا، وقد بيَّن - الله ذلك في كتابه الكريم بقوله تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وإقامتُها نَصْبُها أمامهم بين أعينهم، ينظرون إليها، ويَمْتَثِلُون ما فيها. قال لهم: ولو فعلتم ذلك لمُطِرَتْ سماؤكم، وأَنْبَتَتْ أرضكم. وفي قَوْلٍ: لكثرت الخيراتُ لديكم، وامتلأت من الدنيا أيديكم، كما يقال: "فلان في الخير من قَرْنِه إلى قَدَمِه".

стр. 1573

فأخبر أن نَيْلَ الخير كله في الدنيا إنما هو بإقامة الحق والعمل بالطاعة. ثم قال لهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، المعنى: "ليس انتعاشكم ومعاشكم ولا مقداركم في الدنيا والعُقْبَى ولا منزلتكم في حال من الأحوال إلَّا بمراعاة الدين وإقامة الحق" (١). وقد قال أهلُ التفسير: "إنَّ الذي كان أُوتِيَ موسى وِقْر سبعين بعيرًا من الكُتُبِ". ونحن أُوتِينَا القرآن، وقد علمتم قَدْرَه، وبينهما ما بين السماء والأرض، وإن كان كُلٌّ من عند الله، ولكنه جَعَلَ لكُتُبِه منازل كما جَعَلَ لأنبيائه. وكلامُه صفةٌ واحدة، ليس بمخلوق، كسائر صفاته العُلَى؛ من عِلْمِه وقدرته وإردته، وسمعه وبصره (٢)، سبحانه وتعالى عمَّا يقول المبطلون عُلُوًّا كبيرًا (٣). ولكنَّهم أخطؤوا الطريق، وطلبوا الفقه في غير القرآن والحديث، وفُتِحَتْ عليهم الدنيا فاعتقدوها مِنْحَةً، وهي مِحْنَةٌ، ونسأل الله المعافاة من الذي قال لقوم: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].

стр. 1574

الحافظُ (١): وهو الاسمُ المُوَفِّي سِتِّينَ (٢) ولا (٣) يكون حافظًا (٤) إلَّا من حَفِظَ حَدِيثَ رسول الله ﷺ وأصحابه فيه، وبمِثْلِه بحفظُ الله دينَه، اللَّذَيْنِ لو ضاعا منَّا لهلكنا، فأمَّا أقوال الناس فلا يبلغ (٥) هذه المرتبة وإن كان لها منزلة، ولا يكون لصاحبها هذه الاسمية. [هل يقال: حفظتُ القرآن؟] وقد اختلف الناس هل يقال: حفظتُ القرآن أم لا؟ فمنهم من منعه؛ لأنه أَمْرٌ أخبر الله أنه الفرد به، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومنهم من قال: إن ذلك جائز؛ لأنه يعود إلى حِفْظِه له في نفسه وقلبه من النسيان، لا أنَّه يحفظُه في أصله ويضبطُه (٦) عن (٧) التغيير والتبديل على مرور الأزمان.

стр. 1575

وهذا الاسمُ جرى في ألسنة المُحَدِّثِينَ بالاصطلاح، كما جرى "الفقيه" في ألسنة أصحاب الفروع بالاصطلاح. وقد قال النبي ﷺ لرجل: "ما معك من القرآن؟ قال: سورة كذا وسورة كذا، قال له: أتقرأهن (١) عن ظهر قلب؟ " (٢)، ولم يقل له: أتحفظهن (٣)؟ فلذلك قال علماؤنا: يقال: استظهرت القرآن، ولا يقال: حفظته؛ لأنها كلمة لم تَجْرِ على لسان الرسول مع أنها عربية، وكانوا يقولون: جَمَعَ فلان القرآن، ولا يقولون: حَفِظَه. وفي الحديث الصحيح: "جَمَعَ القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعةٌ، أُبَي، وزيد" (٤)، وذَكَرَ الحديث. أمَا إِنَّه نشأ هاهنا اسمٌ غريبٌ: * * *

стр. 1576

المُفْتِي: وهو الاسمُ الحادي والستُّون (١) وهو من أسماء الله المشتقة من أفعاله، قال في كتابه العزيز: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ (٢) [النساء: ١٧٦]، في موضعين (٣). والفُتْيَا في العربية: عبارةٌ عن جواب السائل. وفي الحديث الصحيح عن عائشة حين سُحِرَ النبي ﷺ ؛ فقال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه، أتاني مَلَكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلي" (٤)، وذَكَرَ الحديث. فيصحُّ اليوم لمن جاءه سائل فسأله عن مسألة من دِينِه أن يقال فيما يخبره به: إنَّها فُتْيَا، ويقال فيه: إنَّه يُفْتِي، ولا يكون ما يُخْبِرُهُ به فِقْهًا، ولا يقال فيه: إنَّه "فقيه"؛ لأنَّ السائل إنَّما يسأله عن مذهب رجل معيَّن قد اعتقد إمامته والتزم تقليده، فإذا سأله عن اعتقاده كان ما يُخْبِرُهُ به فِقْهًا، وكان هو بذلك الإخبار - إذا صدر عن اجتهاده (٥) من أهله في مَحَلِّه - "فقيهًا".

стр. 1577

ولمَّا قال الله سبحانه في بني إسرائيل: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، نشأ عنه اسمان مرتبطان، ذَكَرَهما الله في "سورة فاطر" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. * * *

стр. 1578

المقتصد (١): وهو الاسمُ الثاني (٢) والستُّون السَّابق (٣): وهو الاسمُ الثالث (٤) والستُّون (٥) وقد كنَّا بالغنا في إيضاح معناهما واختلاف الناس فيهما في "مجالس أنوار الفجر"، بما قد حصَّله من حصَّله، وعند الله - إن شاء - أَجْرُه بفضله ورحمته. والآن؛ فالإشارة فيه مُحَرَّرَةً أن المفسرين اضطربوا فيها (٦) اضطرابًا كثيرًا، ونقلوا فيها أقوالًا عائرة، ونسبوها إلى أمة متقدمة وأخبار سابقة، ملؤوا منها القراطيس، وما قَرْطَسُوا منها غرضًا (٧). والمتحصل: أن الظالم لنفسه: العاصي.

стр. 1579

والمقتصد: الذي سار على قَصْدِ السبيل، ولم يضع النعمة في غير موضعها؛ لأن يستعمل ماله أو بدنه أو قلبه أو لسانه في غير طاعة الله. والسَّابق (١) على قَصْدِ السبيل على قسمين، مسرع ومتباطئ، فالمسرع هو الذي يسبق إلى المحل ويحصل على المراد. فهذه الثلاثة أصناف ممَّن (٢) اصطفى الله. والاصطفاءُ هو افتعال من الصَّفاء، وهو إزالة الكدورات، فيزيلها على الإطلاق في الاعتقاد والقول والعمل للأنبياء، فيصفو ظاهرهم وباطنهم، وفي كُلِّهم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، فهذا غاية الصفاء، وأَوَّلُ الصفاء التخليص من كُدورة الكفر بخَلْقِ الإيمان في القلوب، فإن كان هنالك رَيْنٌ (٣) بالغفلة أو كدورة بالمعصية؛ لا يذهب نور الإيمان، ولا تخلَق بُرْدَتُه، ولا يتكدَّر صفاء التوحيد، وإن تكدَّرت جوانبه واخْلَوْلَقَتْ حَوَاشِيهِ. فأورث الله كتابَه الذي هو القرآن أو سائر الكتب - وإنَّها لفي القرآن - عبادَه المصطفين من العباد، وهم أمة مُحَمَّد ﷺ ، فلقد اصطفى نبيَّها ﷺ على الأنبياء، ولقد اصطفاها بحُرْمَتِه على سائر الأمم، حتى خَطَّطها (٤) بالشهادة، وأمضى الحُكْمَ بقولها على سائر الأمم.

стр. 1580

ومنهم ظالم لنفسه، وهو العاصي في الأعمال، وعَقْدُه سالم، ولا يصح أن يكون المنافق ولا الجاحد ولا الشاكَّ، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. فقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ يعني: الكفر، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾؛ يعني: المعصية، ولا يصح قَوْلُ الناس: إن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: ابتداء كلام، أَمَا إِنَّه ابتداءُ كلام في العربية، ولكنه مرتبط بما قبله، والضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ راجع إلى ما (١) تقدَّم ضرورة، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وفيهم وقع التقسيم، ومن لم يَفْهَمْ هذا فليس من أهل العلم ولا التعليم، وفي هذه الآية بدائعُ كنَّا ذكرناها في "الأنوار"، منها: [الأولى]: أن الميراث يكون بوجهين؛ بسَبَبٍ ونَسَبٍ، ولا نَسَبَ هاهنا، فلم يبق إلَّا السَّبب، وهو الإيمان (٢). قال أهلُ الزهد: "والميراث يُستحَق بوجهين؛ بالفرض والتعصيب، ويُبدأ بذوي الفروض لأنهم أضعف سببًا، كذلك بُدئ هاهنا بالظالم لنفسه، وقُدِّم على السَّابق وهو دونه، والتقدُّم في الذِّكْرِ لا يقتضي التقدُّم (٣) في الرتبة، ولذلك نظائر كثيرة" (٤).
следующие страницы →