← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

المُفْتِي: وهو الاسمُ الحادي والستُّون (١) وهو من أسماء الله المشتقة من أفعاله، قال في كتابه العزيز: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ (٢) [النساء: ١٧٦]، في موضعين (٣). والفُتْيَا في العربية: عبارةٌ عن جواب السائل. وفي الحديث الصحيح عن عائشة حين سُحِرَ النبي ﷺ ؛ فقال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيتُه فيه، أتاني مَلَكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلي" (٤)، وذَكَرَ الحديث. فيصحُّ اليوم لمن جاءه سائل فسأله عن مسألة من دِينِه أن يقال فيما يخبره به: إنَّها فُتْيَا، ويقال فيه: إنَّه يُفْتِي، ولا يكون ما يُخْبِرُهُ به فِقْهًا، ولا يقال فيه: إنَّه "فقيه"؛ لأنَّ السائل إنَّما يسأله عن مذهب رجل معيَّن قد اعتقد إمامته والتزم تقليده، فإذا سأله عن اعتقاده كان ما يُخْبِرُهُ به فِقْهًا، وكان هو بذلك الإخبار - إذا صدر عن اجتهاده (٥) من أهله في مَحَلِّه - "فقيهًا".

стр. 1577

ولمَّا قال الله سبحانه في بني إسرائيل: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]، نشأ عنه اسمان مرتبطان، ذَكَرَهما الله في "سورة فاطر" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. * * *

стр. 1578

المقتصد (١): وهو الاسمُ الثاني (٢) والستُّون السَّابق (٣): وهو الاسمُ الثالث (٤) والستُّون (٥) وقد كنَّا بالغنا في إيضاح معناهما واختلاف الناس فيهما في "مجالس أنوار الفجر"، بما قد حصَّله من حصَّله، وعند الله - إن شاء - أَجْرُه بفضله ورحمته. والآن؛ فالإشارة فيه مُحَرَّرَةً أن المفسرين اضطربوا فيها (٦) اضطرابًا كثيرًا، ونقلوا فيها أقوالًا عائرة، ونسبوها إلى أمة متقدمة وأخبار سابقة، ملؤوا منها القراطيس، وما قَرْطَسُوا منها غرضًا (٧). والمتحصل: أن الظالم لنفسه: العاصي.

стр. 1579

والمقتصد: الذي سار على قَصْدِ السبيل، ولم يضع النعمة في غير موضعها؛ لأن يستعمل ماله أو بدنه أو قلبه أو لسانه في غير طاعة الله. والسَّابق (١) على قَصْدِ السبيل على قسمين، مسرع ومتباطئ، فالمسرع هو الذي يسبق إلى المحل ويحصل على المراد. فهذه الثلاثة أصناف ممَّن (٢) اصطفى الله. والاصطفاءُ هو افتعال من الصَّفاء، وهو إزالة الكدورات، فيزيلها على الإطلاق في الاعتقاد والقول والعمل للأنبياء، فيصفو ظاهرهم وباطنهم، وفي كُلِّهم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، فهذا غاية الصفاء، وأَوَّلُ الصفاء التخليص من كُدورة الكفر بخَلْقِ الإيمان في القلوب، فإن كان هنالك رَيْنٌ (٣) بالغفلة أو كدورة بالمعصية؛ لا يذهب نور الإيمان، ولا تخلَق بُرْدَتُه، ولا يتكدَّر صفاء التوحيد، وإن تكدَّرت جوانبه واخْلَوْلَقَتْ حَوَاشِيهِ. فأورث الله كتابَه الذي هو القرآن أو سائر الكتب - وإنَّها لفي القرآن - عبادَه المصطفين من العباد، وهم أمة مُحَمَّد ﷺ ، فلقد اصطفى نبيَّها ﷺ على الأنبياء، ولقد اصطفاها بحُرْمَتِه على سائر الأمم، حتى خَطَّطها (٤) بالشهادة، وأمضى الحُكْمَ بقولها على سائر الأمم.

стр. 1580

ومنهم ظالم لنفسه، وهو العاصي في الأعمال، وعَقْدُه سالم، ولا يصح أن يكون المنافق ولا الجاحد ولا الشاكَّ، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. فقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ يعني: الكفر، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾؛ يعني: المعصية، ولا يصح قَوْلُ الناس: إن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾: ابتداء كلام، أَمَا إِنَّه ابتداءُ كلام في العربية، ولكنه مرتبط بما قبله، والضمير في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ راجع إلى ما (١) تقدَّم ضرورة، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وفيهم وقع التقسيم، ومن لم يَفْهَمْ هذا فليس من أهل العلم ولا التعليم، وفي هذه الآية بدائعُ كنَّا ذكرناها في "الأنوار"، منها: [الأولى]: أن الميراث يكون بوجهين؛ بسَبَبٍ ونَسَبٍ، ولا نَسَبَ هاهنا، فلم يبق إلَّا السَّبب، وهو الإيمان (٢). قال أهلُ الزهد: "والميراث يُستحَق بوجهين؛ بالفرض والتعصيب، ويُبدأ بذوي الفروض لأنهم أضعف سببًا، كذلك بُدئ هاهنا بالظالم لنفسه، وقُدِّم على السَّابق وهو دونه، والتقدُّم في الذِّكْرِ لا يقتضي التقدُّم (٣) في الرتبة، ولذلك نظائر كثيرة" (٤).

стр. 1581

الثانية: قَرَنَ بقوله: "الظالم" ذِكْرَ نفسه إِذْلَالًا، وقال في السَّابق: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إِجْلَالًا، وقد يقال بفضل الله: يا ظالم لنفسه ارفع رأسك، ويا سابق لا تَطُلْ، فما كان لك فبإذن الله (١). الثالثة: أن العزيز إذا رأى ظالمًا قصمه، والكريم إذا رأى مظلومًا نصره (٢)، والعاصى في حَدِّ المظلومين، وإنّما يكون الظالم عندهم من ظَلَمَ غيره وكَفَرَ (٣) بالله، فإن المعرفة أعظم من العبادة، ولذلك جازت النيابة في العبادة ولم تَجُزِ النيابة في المعرفة. الرابعة: أن الظالم من كثرت زلَّاته، والمقتصد من استوت حالاته، والسَّابق من زادت حسناته (٤). الخامسة: قال أهل الزهد: "الظالم لنفسه من ترك الزلة، والمقتصد من ترك الغفلة، والسابق من ترك العلاقة" (٥)، يعني: فلم يرتبط من الدنيا بشيء، ولا مَدَّ عينيه منها إلى عَيْنٍ. السَّادسة: "الظالم تارك الحرام، المقتصدُ تارك الشبهة، السَّابق تارك الفضل الزائد على الحاجة" (٦). السَّابعة: قالوا: "للظالم المغفرة، وللمقتصد الرحمة، وللسَّابق المحبة" (٧)، والكلُّ يدخل الجنة وتتفاوت درجاتهم.

стр. 1582

الثامنة: قال بعضهم: "الظالم طالب الدنيا، والمقتصد طالب العُقْبَى، والسَّابق طالب المولى" (١)، وكثير من الخلق قالوا: لا تُحَبُّ (٢) الجنة إلَّا لرؤية الله ، وعبَّر عن هذا بَعْضُهم في: المنزلة التاسعة: فقال: "الظالم طالب النجاة، والمقتصد طالب الدرجات، والسَّابق طالب المناجاة" (٣)، وإلى الذي قبله تعودُ: العاشرة: من "فوائد الشَّهِيدِ": "إنَّ الظالم آمِنٌ من العقوبة، والمقتصد حائز (٤) المثوبة (٥)، والسَّابق فائز بالقُرْبَة" (٦). قال الإمام الحافظ (٧) ﵁: إن كان أراد بالعقوبة الخلود فصَدَقَ، وأمَّا غير ذلك فلا يصح؛ لأنه رَأْيُ المرجئة، وقد بيَّنَّا فساده في غير موضع. الحادية عشرة: قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]، وأيُّ فَضْلٍ - يا معشر المريدين - أعظمُ من مَوْلًى ذَكَرَ برحمته الظالم مع السَّابق (٨)، وكل ذلك برحمته لا باستحقاق، أمَّا الظالم فحَقِيقٌ بالعقوبة، وأمَّا المقتصد فيا لَيْتَها كانت سَلَامَةً، وأمَّا السَّابق فغيرُ آمِنٍ من المَلَامَةِ؛ لما عسى أن يكون ممَّا لم يَحْتَسِبْه.

стр. 1583

يُحَقِّقُ ذلك كله قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، فبيَّن حال الكفَّار؛ بعد حال الظالم والمقتصد والسَّابق، فدلَّ (١) على أنَّ الظالم لنفسه لا يكون منافقًا، ولا جاحدًا، ولا مُرْتَابًا؛ لأن كل هؤلاء كافر، وهذا بَيِّنٌ، والله أعلم. السَّابق: وقد بيَّن الله حالَ السَّابقين مُفْرَدِينَ، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] بعد أن قدَّم عليهم غيرهم، كما قلنا: إنَّ ذلك لا يُصَيِّرُ في المرتبة، ولا يُوجِبُ عليهم سَبْقَ المنزلة، ووجوهُ السَّبْقِ لا تُحصى في الشريعة، جُمْلَتُها: التقدُّم بكل عمل، قبل كل أمل، اغتنامًا للمُهَلِ، فمنها: الأوَّل: السَّبْقُ بالإيمان، فهم السَّابقون إلى الجنان، ومُحَمَّد أوَّلُ المسلمين، وأوَّلُ من يدخل الجنة؛ قال ﷺ : "آتي الجنة فآخُذُ بحلقة الباب فأُقَعْقِعُ، فيقول الخازن: من؟ فأقول: مُحَمَّدٌ، فيقول: بك أُمِرْتُ، أن لا أفتح لأَحَدٍ قبلك" (٢). الثاني: السَّابقون بالهجرة (٣). الثالث: السَّابقون بالنصرة. الرَّابع: السَّابقون بالبيعة.

стр. 1584

الخامس: السَّابقون إلى الخيرات (١). السَّادس: السَّابقون إلى التوبة (٢). السَّابع: من سبقت له الحُسنى؛ كما قال تعالى، فسبقوا إلى ما سبق لهم (٣). الثَّامن: قال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٣]، ولم يقل: "المتقربون"؛ لأنَّهم لم يكن ذلك منهم، وإنَّما كان - بفضل الله لهم وبرحمته (٤)، وقد بيَّن النبي ﷺ الحقيقة في الطريقة، فقال: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلَّا أن يتغمَّدني الله برحمته" (٥). التَّاسع: قال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١١ - ١٢]، ولم يقل: "من جنَّات النعيم"، وهذا يدلُّ على أنهم في الجنة مقرَّبون من أفضل مَن في (٦) الجنة (٧)، وذلك هو رضى الله، كما قدَّمنا في الحديث الصحيح من قوله تعالى لأهل الجنة: "أَلَا أعطيكم أفضل منها؟ رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" (٨).

стр. 1585

وقد أَفْرَدَ السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار بالذِّكْرِ، واختلف الناسُ فيهم على أقوال يَكثُرُ إيرادُها، ذَكَرْنَا جُمْلَتَها في "أنوار الفجر"، وأشرنا إليها في كتاب "أحكام القرآن" (١) - القسم الثالث - قبل هذا، فليُنظر فيه. ويُحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]: من تقدَّم في الهجرة؛ كالمهاجرين إلى الحبشة، ومن تقدَّم في النصْرَةِ؛ كالمُبايِعِينَ لَيْلَتَي (٢) العَقَبة، والتابعون لهم بإحسان: من جاء بعدهم، وكلُّ ذلك مُتَقَصًّى في موضعه (٣)، وهذا "سِرَاجٌ" يَدُلُّ عليه. قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: وباجتماع هذه الأسماء في العبد إلى بلوغه إلى هذا المقام يكون "مَلِكًا". * * *

стр. 1586

المَلِكُ (١): وهو الاسمُ الرَّابع (٢) والستُّون وهو من الأسماء العظيمة القَدْرِ، وقد بيَّنَّاه في كتاب "الأمد الأقصى" (٣). وحقيقتُه: القدرة على الإنشاء والإيجاد. وفائدته: جواز التصرف على الإطلاق من غير قاطع ولا مانع. فبالمقدار الذي مَكَّنَ له عنده من التصرُّف، وأجرى على يديه من الإنشاء، وجعله مَحَلًّا لأفعاله ومقاديره؛ سمَّاه "مَلِكًا"، ومعنى قدرته وتصرفه جريانُ أفعاله بين الجلب والدفع، وقطع الضر (٤) ووَصْلِ النفع. وخاصيتُه: الأمر والنهي، وإيقاع الفعل بالغير (٥)، وذلك هو لله بالحقيقة، ولنا بالمجاز. ومن شَرْطِ كَوْنِ المَرْءَ مَلِكًا (٦) "الحُرِّيَّةُ".

стр. 1587

الحُرُّ (١): وهو الاسمُ الخامس (٢) والستُّون وحقيقتُه: ألَّا يكون لأحد عليه رِقٌّ ولا مِلْكٌ إلَّا لله وحده؛ فلا يكون عبدًا لأرباب الدنيا، ولا لزُخْرُفِها (٣)، ولا لزَهْرَتِها، ولا نعيمها، ولا لباسها، ولا دينارها، ولا درهمها، فإنَّ الكل من هذه الأعيان بَلِيَّةٌ، فإذا ربط بها نفسه انتكس، وفيه قال النبي ﷺ : "تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفَةِ، تعس عبد الخَمِيصَةِ" (٤)، حسب ما تقدَّم ذِكْرُنا له. فإذا لم يَذِلَّ، ولا تعلَّق (٥) قلبُه بأحد، ولا استخدم لسانه في الثناء على أحد، ولا استعمل جوارحه في خدمة أحد، إلَّا بالله، ولله، وفي الله، كان عبدًا لله، وصحَّت له الحرية عند الله، والعِتْقُ من النار، والنجاة من العذاب، وصار من خِيَارِ الخَلْقِ، وإن كان عبدًا لعَبْد كان شَرَّ العبيد. فإذا خَلَّصَ نفسه - كما قال يحيى بن زكرياء في الحديث المتقدم - تَرَقَّى (٦) بعد ذلك إلى التَّمَلكِ، فأوَّلُ درجات المُلْكِ مِلْكُه لرعيته المختصة

стр. 1588

به، وهي جوارحه وحواسُّه، وضَمُّ نَشَرِ جُنْدِه، وهم غضبُه وشهوتُه وهواهُ، فإذا صرَّف هذه الأجناد في هذه الرعيَّة بحُكْم الشَّرْعِ ونُورِ العَقْلِ، وأطاعته الرعيَّة، وتصرفت الأجناد على مقتضى أَمْرِه ولم تَمْلِكْه، واستولى عليها ولم تغلبه؛ فهو مَلِكُ ذَاتِه. فإذا مَلَكَ نفسَه طلب بعد ذلك النظر في مِلْكِ غير نفسه وتصريفها كما يجب (١)، وإلى هذا المعنى وقعت (٢) الإشارة بقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١]. [من محامد يوسف ﵇]: قال علماؤنا: "فذَكَرَه بلفظ ﴿مِنَ﴾؛ التي هي للتبعيض في رأي الضعفاء، ولابتداء الغاية في رأي الأقوياء، فيُوسُفُ أُوتِيَ بعض المُلْكِ على رَأْيِ أولئك، وأوتِيَ ابتداءَه على رأي الآخرين" (٣). ليدُلَّ بذلك على أن المُلْكَ بالكمال لله، والمُلْكُ الذي أَعطى للعباد سبحانه قسمان: ظاهر، وباطن. فالمُلْكُ الظاهر: الولاية. والمُلْكُ الباطن: مِلْكُه لنفسه (٤). حين راودته امرأة العزيز وهي مَلِكَة، مَالِكَتُه سيدة جميلة عَطِرَةٌ، في خَلْوَةٍ وأَمْنٍ، ففَرَّ منها ولم يلتفت إليها، ولا داناها ولا قاربها، وخرج

стр. 1589

مُعْرِضًا ناظرًا لنفسه في الخلاص من الإثم والخيانة لله وللصَّاحب، وخَوْفًا من سوء العاقبة في ارتكاب ذلك، ولم يُبَالِ بمعاقبتها على خلافه لها ما كانت، ألا ترى إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، فرَضِيَ بالسجن، ولم يرض بدناءة الزنى والخيانة؛ وهذا هو المُلْكُ بالحقيقة. وقد قال بعض المريدين لبعض العارفين: "أوصني، فقال له: كُنْ (١) مَلِكًا في الدنيا، مَلِكًا في الآخرة". والمعنى في مُلْكِ الدنيا ما شرحناه، وإذا كان كذلك تَنَقَّلَ (٢) إلى مُلْكِ الآخرة، الذي قال الله فيه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. وكان قَوْلُ يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ بعد أن ألقى إليه المَلِكُ أَمْرَ مصر حين قال له: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وإنَّما سأله في ذلك لوجهين: أحدهما: أنه قد كان قال المَلِكُ: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤]. الثاني: أنه سأله في ذلك ليضع الحق موضعه، ويُوصِلَ إلى كل أحد حقَّه المحبوس عنه (٣).

стр. 1590

ولم يطلب ذلك لنفسه، وقال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، ولم يقل: "جميل صَبِيح"؛ ليُعْلِمَ أن الفضل في المعاني لا في الصُّوَرِ (١)، قال النبي ﷺ : "إنَّ الله لا ينظر إلى صُوَركم وأموالكم، وإنَّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٢). الفائدة العظمى: إنَّ الله سبحانه استخلف الخلق كلهم من آدم وذريته في الأرض بنَصِّ القرآن والسنة، قال النبي ﷺ : "إنَّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون" (٣)، فكل أحد من هذه الذرية - بيده ناقة تُقِلُّ (٤) أو مُلْكُ الأرض - خليفةٌ على ما في يده، ينظر الله إليه (٥) كيف عمله فيها؛ بما أمره به أو نهاه عنه، ولذلك قال النبي ﷺ : "كُلكُمْ رَاعٍ، وكلكم مسؤول عن رَعِيَّتِه" (٦). والخَلْقُ على قسمين: رُعاة، ورَعيَّة، فالعلماء رُعاة، والجهَّال رعية. والعلماءُ خلفاءُ؛ آتاهم الله عِلْمَه، وردَّ الخلق إليهم فيما علموه ليسألوهم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال النبي ﷺ : "إنَّما شفاء العِيِّ السؤال" (٧)، والغباوة تنكشف بالجواب.

стр. 1591

والأنبياءُ ينابيعُ العلم وأصولُ الخلافة، والعلماء بعدهم ورثتهم، ينزلون منزلتهم، ويتكلَّمون بألسنتهم، ويُبَلِّغُونَ ما أَلْقوا إليهم ممَّا أنزله ربُّهم عليهم. ومَلِكُ مِصْرَ كان قد استأثر على الخلق، وعَدَلَ عن الحق، ولم يُطْلِقِ الله يوسفَ عليه، بل جعله في سجنه لما عَلِمَ من حُكْمِه، فلمَّا أخرجه من السجن وتخلَّى له عن الأمر رجع الحقُّ في نصابه، واستقرَّت الولاية في دَسْتِها بتخلِّي الغاصب لها عنها، فرجعت إلى مستحقها. [السببُ الذي جعل العلماء يقبلون الولايات]: ولهذا قَبِلَ العلماءُ الولايات من الولاة الذين لا يعدلون، لا على معنى النيابة عنهم، ولكن لأنَّ الله ولَّاهم الفُتْيَا والقضاء بينهم، والهداية والإرشاد لهم، فإذا منعهم وَالٍ أو تعدَّى عليهم آمِرٌ قَبَضُوا أنفسهم، وسمعوا وأطاعوا، حتى إذا تخلَّى لهم وتمكَّنوا لم يكن لهم عُذْرٌ إن لم يقبلوا، وليعدلوا فليُعْزَلُوا؛ فيكونوا قد وَفَّوا بعهد الله، وعملوا بولاية الله، ويَنْفُذُ بعد ذلك من القَدَرِ ما شاء الله، فأَفتوا بخلافة الله، وقَضَوا بولايته. [المُوفُون بالعهد]: وممَّن وَفَى بما عاهد (١) عليه الله من المتقدمين أَنَسُ بن النَّضْرِ؛ عَمُّ أَنَسِ بن مالك، غاب عن بَدْرٍ فقال: "غِبْتُ عن أوَّل قتال النبي ﷺ ، لئن أشهدني الله مع النبي ليَرَيَنَّ الله ما أصنع أو ما أجد (٢)، فَلَقِيَ يوم أُحُدٍ؛ فهُزِمَ الناس، فقال: اللهم إنِّي أعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء - يعني: المسلمين -،

стр. 1592

وأبرأُ إليك ممَّا جاء به المشركون، فتقدم بسيفه، فلَقِيَ سعدَ بن معاذ فقال: أي سعد؛ إني أجد ريح الجنة دون أُحُدٍ، فمضى فقُتِلَ، فما عُرِفَ حتى عرفته أخته ببنانه أو بشَامَةٍ، وبه بِضْعٌ وثمانون؛ من طعنة، وضربة، ورمية بسَهْمٍ" (١)، صحيحٌ صحيحٌ. وممن أَوْفَى بعهده من المتأخرين أبو حمزة الخراساني، من شيوخ الصوفية، سمع أن ناسًا بايعوا رسول الله ﷺ على أن لا يسألوا أَحَدًا شيئًا، فكان أحدُهم إذا وقع سوطه لا يسأل أحدًا رَفْعَه إليه، فقال أبو حمزة: "ربِّ (٢) إنَّ هؤلاء عاهدوا نَبِيَّك إذ رَأَوْه، وأنا أعاهدك ألَّا أسأل أحدًا شيئًا أبدًا، قال: فخرج من الشام يريد مكة، فبينما (٣) هو يمشي في الطريق بالليل إذ بقي عن أصحابه لعُذْرٍ ثم اتَّبعهم، فبينما (٤) هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق، فلمَّا حصل في قعره قال: أستغيث لعلَّ أحدًا يسمعني فيُخرجني، ثم قال: إنَّ الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله لا تكلَّمت بحَرْفٍ لبَشَرٍ، ثمَّ لم يلبث إلَّا يسيرًا إذ مرَّ بذلك البئر نَفَرٌ، فلمَّا رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سَدُّ هذا البئر، ثم قطعوا خشبًا ونصبوها على فَم البئر، وغَطَّوها بالتراب، فلمَّا رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، فأراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله لا أخرج منها أبدًا، ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس الذي عاهدتُ يرى ذلك كله؟ فسكت وتوكَّل، ثم أسند في قعر البئر مُفَكِّرًا في أمره، فإذا بالتراب يقع عليه، والخشب

стр. 1593

تُرفع، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات يدك، قال: فأعطيته يدي، فأقلعني (١) في مرة واحدة إلى فَم البئر، فخرجتُ ولم أر أحدًا، ثم سمعتُ هاتفًا يقول: كيف (٢) رأيت ثمرة التوكل؟ " (٣)، وأنشد: نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى … وأغنيتني بالعلم منك عن الكَشْفِ تَلَطَّفْتَ في أمري فأبديتَ شاهدي … إلى غائبي واللُّطْفُ يُدرك باللُّطْفِ تَرَاأَيْتَ لي بالعلم حتى كأنَّما … تُخَبِّرُني بالغيب أَنَّك في كَفِّ أراني وبي من هيبتي (٤) لك وحشة … فتؤنسني باللطف منك وبالعَطْفِ وتُحْيِي مُحِبًّا أنت في الحبِّ حتفُه … وذا عَجَبٍ كَوْنُ الحياة مع الحَتْفِ (٥) فهذا رجلٌ عاهد الله؛ فوجد الوفاء على التمام والكمال فيه، فاقتدُوا - إن شاء الله - تهتدُوا. وكما أن المَلِكَ لا يقدر على التصرف في جميع الأمور إلَّا بنائب، وعليه أن يختار من ينوب عنه، فعلى العبد ألَّا يستخدم بجارحة إلَّا أن تكون صالحة للنيابة، فإن لم تعن صالحة فلا يَسْتَنِبْها في خدمة. وقد غلا بعضُ الصوفية في ذلك، حتى قيل له - حين أطال الصمت -: "اذكر الله، فقال: ومثلي يذكره؛ ولم أغسل فمي بألف توبة متقبلة" (٦).

стр. 1594

وكأنه رأى أن الفرض لا بد له منه، وإنَّما هرب من نَفْلِ الذِّكْرِ لِمَا كان يَعْلَمُ من نفسه من التقصير في الغفلة أو في المخالفة. وغلا آخرون في الطَّرَفِ الآخر، فقيل له: اذكر الله، فقال: الله يعلم أني لست أذكره … وكيف يذكره من ليس ينساهُ (١) واعتذر الآخَرُ فقال: ما إن ذكرتُك - إِلَاهُمَّ - يلعنني … قلبي وسِرِّي وروحي (٢) عند ذكراكَا حتى كأنَّ رقيبًا منك يهتف بي … إيَّاك - وَيْحَك - والتَّذْكار إيَّاكَا (٣) وقال بعضُهم: عجبتُ بأن يقول: ذكرتُ ربي … وهل أنسى فأذكر ما نسيتُ أموت إذا ذكرتك ثم أحيى … ولولا حُسن ظني ما حييتُ فأحيى بالمُنى وأموت شوقًا … فكم أحيى عليك وكم أموتُ شربت الحُبَّ كأسًا بعد كأس … فما نَفِدَ الشرابُ ولا رَوِيتُ فليت خيالكم نَصْبٌ لعيني … فإن أبصرتُ غيركم عَمِيتُ (٤) ولو كان لمُلْكِ الدنيا رَسْمُ الجلالة على الإطلاق ما خَطَّطَ الله به الكافر، ولا سمَّى به المشرك الجاحد، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، إلَّا أنه قد قال قَوْمٌ: "إنَّ

стр. 1595

المراد بقوله: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾: إبراهيم؛ لأنه أعطي النبوة والخُلَّةَ، وهي: المُلْكُ الحقيقي". وهذا لا يشهدُ له ظاهر الكلام، ألا ترى كيف فسَّر المُحَاجَّةَ التي أخبر عنه بها بقوله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، فادَّعى ذلك لنفسه ابتداءً، ولم يقل: "وأنا أحيي وأميت"، بل ابتدأ ذلك لنفسه، وكأن هذا القائل فَرَّ من تسمية الكافر بالمَلِكِ، والله قد سمَّاه به نصًّا في "سورة يوسف" كما قدَّمنا. كما أخبر عنه باسم "العزيز"، وهو من أسماء الله سبحانه، ولكنه سبحانه ذو العِزَّتَيْنِ؛ الإلهية التي بها كان عزيزًا، والعزة المخلوقة، ولله العزة جميعًا: الأولى: بحُكْمِ الصفة (١). والثانية: بحُكْمِ الخِلْقَةِ (٢). كما أنَّه سبحانه ذو الرحمتين: [الأولى]: رحمة هي صفة ذاتية أوَّلية (٣). [والثانية]: ورحمة أخرى خَلَقَها وجعلها مائة جُزْءٍ؛ بثَّ منها في الخلق واحدة، فبها يتراحمون، وبها ترفع البهيمةُ حافرها عن ولدها (٤)،

стр. 1596

والتسعة والتسعون عنده، فإذا كان يوم القيامة أخذ الرحمة من الخلق وأضافها إلى التسعة والتسعين؛ وبثَّها في الناس (١). [أعظمُ اسم لله هو "الله"] والذي توَحَّدَ به الباري سبحانه اسمُ "الله"؛ فإنه انفرد به ذِكْرًا، وقَبَضَ عنه ألسنة الخَلْقِ تعجيزًا؛ بما (٢) استوجبه وأوجبه من التقديس والتنزيه (٣). فأعظمُ اسم (٤) لله هو "الله"، وأعظمُ اسم المخلوق هو العَبْدُ، وإذا استخلص الله عبدًا لم يُبْقِ للحظوظ فيه البتة شيئًا، والمَلِكُ يكون مَلِكًا جَارَ أو عَدَلَ، لا تذهب الاسمية عنه لوجود معناها فيه؛ من التصرف في الخلق، والحُكْم بالأمر، ولكنه يكون اسمه في الدنيا مع الجور وَبَالًا، ويكون مع العدل إحسانًا وإفضالًا، وتماديًا لا يخاف عليه زوالًا. [طاعةُ الأمير]: قال النبي ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا، ولو أُمِّرَ عليكم عبد حبشي له زبيبتان" (٥).

стр. 1597

وقال: "سَتَلِيكُمْ أُمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: صلُّوا في بيوتكم لوقتها، وصلُّوها معهم" (١). وقال: "إنهم يحرمونكم حقوقكم، فأدُّوا الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم" (٢). فلم ير ﷺ (٣) خَلْعَ يَدٍ من طاعة؛ ولو ظلموا وخالفوا السُّنَّةَ. وقال ﷺ : "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله" (٤). * * *

стр. 1598

الأَمِيرُ (١): وهو الاسم السَّادس (٢) والستُّون وهو: فَعِيلٌ من أَمَرَ، على معنى المبالغة في أَمَرَ، وهو الذي يأمر وينهى فتلزم طاعته، وسُمِّي بالأمير ولم يسَمَّ بالنَّاهي لأنَّ (٣) الأَمْرَ سَبَقَ فينا قبل النهي؛ فإن الله أمر إبليس بالسُّجُودِ لآدم قبل أن يَنْهَى آدمَ عن الشجرة، فوقع الابتلاءُ بالأمر قبل النهي؛ فلأجل ذلك قُدِّمَ عليه في الذكْرِ. [الأمراءُ هم العلماء]: وقد كان الأمراءُ قَبْلَ اليوم وفي صَدْرِ الإسلام هم العلماء، والرعيَّة هم الجند، فاطَّرَدَ النِّظَامُ وظهر دين الإسلام، وكان القوام والقِوام، ثم فَصَلَ الله الأمر لحِكْمَتِه (٤) البالغة وقضائه السَّابق، فصار العلماءُ فريقًا، والأمراءُ آخَرَ، وصارت الرعية صِنْفًا (٥)، وصار الجندُ آخَرَ، فتعارضت الأمور، ولم ينتظم حال الجمهور، وخرج الناس عن الطريق، ثم أرادوا الاستقامة - بزعمهم - فلم يجدوها، ولن يجدوها أبدًا؛ فإنَّ (٦) من المُحال أن يبلغ المَقْصَدَ من حاد عنه، وإن عُمِّرْنَا فسَنُبَيِّنُ ذلك إن شاء الله (٧).

стр. 1599

[افتقارُ الأمير إلى العدل والبطانة الصالحة]: وقد فاتَ الأميرَ اليوم (١) العَدْلُ، وفاتته الوسائط والبطائن؛ التي قال النبي ﷺ : "ما بعث الله نبيًّا ولا استخلف من خليفة إلَّا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم من عَصَمَ الله" (٢). وروى البخاري عن أبي هريرة: "أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ : متى الساعة؟ قال: إذا ضُيِّعَتِ الأمانة فانتظر السَّاعة، قال: وما إضاعتها؟ قال: إذا أُسْنِدَ الأمر إلى غير أهله" (٣). وذلك أن الخَلْقَ والدِّينَ أمانةُ الله، فإذا قُدِّمَ من لا يكون أهلًا للقيام عليها والنظر فيها فقد ضُيِّعَتْ. وقال النبي ﷺ : "وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائل، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر" (٤). ورَوَتْ عائشةُ أن النبي قال: "من وَلِيَ عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا؛ إن نَسِيَ (٥) ذكَّره، وإن ذكر أعانه" (٦)، خرَّجه النسائي (٧).

стр. 1600

ووزيرُ القلب العَقْلُ، وهي إحدى بطانتَيه، والبطانة الأخرى الشهوة. وقيل: "إن بعض الملوك قال لبعض الصِّدِّيقِين: ألك حاجة؟ قال: ولي تقول ذلك؟ ولي عبدان هما سَيِّدَاكَ، الحرص والهوى" (١). [أبو الطيِّب اليمني الزاهد]: وما رأيتُ في رحلتي مَلِكًا إلَّا أبا الطيِّب اليَمَنِيَّ (٢) الزَّاهد؛ فإنه كان مَلِكًا؛ اعتزل الناس كافَّة، واعتكف دائمًا، وتجرَّد عن الدنيا، وقطع العلائق، واقتصر على جِلَفِ الخبز والماء، يأتدمُ بالزيت، لا يأكل شيئا مَرَّتْ عليه يَدٌ، ولا استولى عليه أَحَدٌ بمِلْكٍ، إنَّما كان في أيام القيظ (٣) يخرج إلى "الفَحْصِ" (٤) في الأرض التي لا مِلْكَ لأَحَدٍ عليها، فيجمع الخِطْمِيَّ ثم يدرسه، ويستخرج بَزْرَه (٥) ويدَّخره، ويطحنه ويصنع منه خُبْزًا ويأكله، ويبتاع من تُجَّارِ الرُّوم الزيت يأتدمُ به، وكان يتوخَّى ذلك كله لغلبة الحرام وعمومه لما في أيدي الناس، فكنتَ تراه شَعِثًا قَضِفًا (٦) نَيِّرًا.

стр. 1601

[الأميرُ أمينٌ]: وروى الحُفَّاظُ عن أم هانئ: "أن النبي ﷺ قال: الصائم المتطوع أميرُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر" (١). وقد رُوي: "أمين نفسه" (٢)، رُوِّينَاهُ من طريق الدارقطني وغيره. وإنَّما جعله أمينًا لأنَّ الشَّرْعَ فوَّض إليه ذلك، ولم يُلْزِمْهُ إيَّاه إلزاما، وهو مذهبُ أكثر العلماء. [الامتنانُ بالمُلْكِ]: وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، فذكَّرهم نِعَمَه، وقرَّرهم على ما أسدى إليهم من مِنَّتِه (٣)، ومن جملتها: أنه جعلهم مُلوكًا بعد أن كانوا مملوكين، قادرين بعد أن كانوا مستضعفين عاجزين، لمَّا صبروا على البلاء أُتِيحَتْ (٤) لهم النعماء.

стр. 1602

وقد بيَّن ذلك تعالى بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦]، فمَنَّ عليهم بالتخليص من أيديهم، وجعلهم أئمة يهتدي بهم الخلق، وبارك في أعمارهم فجعلهم وارثين، ومكن لهم في الأرض بأن بدَّلهم من الخوف أَمْنًا، وأَرَى فرعون وقومه ما كانوا يحذرون (١). والباري لا بدَّ أن يُعطي، والخلق بجهلهم يعتقدون أنه يُبطئ، وهو يُمهل ولا يُهمل، ويكون الذي يريد في وقته، إبطاءً أو تعجُّلًا (٢)، وأعطاهم ما لم يُعط أحدًا من العالمين (٣). ومن فوائد "أبي سَعْدٍ (٤) الشهيد": [الأوَّل]: قال: إنَّ الأمر لبني إسرائيل بالذِّكْرِ للنِّعَم كان (٥) على لسان نبيهم، وكان الأمرُ لهذه الأمة بخطاب الله لهم لا على لسان مخلوق، فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٦) [البقرة: ١٥٢]. الثاني: أن الله أمر بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله (٧)، وأمرنا أن نذكره، وشتَّان بين المَذْكُورَيْنِ، وإن كانت النِّعَمُ منه (٨).

стр. 1603

﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾؛ وقد بيَّنَّا لكم أن المَلِكَ من مَلَكَ هواه، والعبد من هو في رِقِّ شهواته وأَسْرِ لذَّاته (١). وقيل: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: لم يُحوجكم إلى أمثالكم، ولم يَحْبِسْكُمْ عنه بأشغالكم، وسهَّل سبيلكم إليه في عموم أحوالكم (٢)، وهي: الثالثة. الرَّابعة: أنه قال: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ إذا نظرتم كل ما آتاهم فأضعافَه آتاكم. ومن ذلك قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، وهي: الخامسة. فإن كان أورثهم الأرض المقدَّسة ومصر؛ فقد أَوْرَثَنا الأرضَ كلَّها، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، فعَلِمَ الله وقدَّر وأراد، وتكلَّم وكتب (٣). فأمَّا العِلْمُ والقدرة والإرادة والكلام، فذلك واجبٌ له كسائر صفاته العُلَى الذاتية. وأمَّا الكتابة فهو الغني عنها، وله الحكمة البالغة فيها، وكلُّ ذلك علَّمه بفضله لنا، وأَلْقَى أُنْمُوذَجًا منه عندنا، وخصَّ هذه الأمة بالأرض، وقال النبي ﷺ : "زُوِيَتْ لي الأرض فأُرِيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْكُ أمَّتي ما زُوِيَ لي منها" (٤).

стр. 1604

وقال تعالى لنا - رأفة وامتنانًا، ورحمة وإحسانًا -: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، فسهَّل لنا وذلَّل، وبنُو إسرائيل صعَّب عليهم وعلَّل (١). [حديثُ ابن العربي عن رحلته وما لَقِيَه من أهل بلده]: وقد قال الله سبحانه للنبي ﷺ (٢): ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وأنا أحمدُ الله إليكم، وأشكره لديكم، وأُثني بآلائه عليَّ عندكم، وأُحَدِّثُ بنِعَمِه عندي بين ظَهْرَانَيْكُمْ: خرجتُ سنة خمس وثمانين وأربع مائة في طلب العِلْمِ؛ وبُرْدُ الشَّباب قَشِيب، وكأس الفتوة قَطِيب، وغصن الأماني رَطِيب، ودَوَّخْتُ من الأندلس إلى العراق، فِعْلَ الصفَّاق الأفَّاق، وأَنخْتُ بكل (٣) حضرة، في عيشة نَضِرة؛ دين قائم، وبؤس نائم، وأُكْلٌ دائم، وأمن مُتَّصِل، وبِرٌّ وإكرام غير منفصل، وعِلْمٌ جَمٌّ، وإقبال عَمٌّ، وعلماء رُفَعاء؛ بُحُورٌ زاخرة، وأنجم زاهرة، وملوك جَمَعَ الله فيهم الدين والدنيا، وأطاب بحراهم (٤) الممات والمحيا، تفيض أيمانُهم (٥) على الضيف، ويأمن جارُهم من الحيف، أبصارهم عن المعايب مغضوضة، والمحاسنُ بعين المَبَرَّةِ لديهم ملحوظة، فأَقَمْنَا مع كلا الطائفتين في دَوْحٍ وارفة الظلال، وقَطَفْنا ثَمَرَ الأماني متصلة

стр. 1605

الإقبال، وقطعنا الزمان بالنظر في العلم، فجمعنا فنونه، وانتقينا عيونه (١)، ونثلنا مكنونه، وفضضنا خِتامه، ومَلَكْنا زِمامه، فصرَّفناه تصريف الأفعال، ودفعنا به في نَحْرِ المُحال، وشددنا عليه يد المِحال، ورجعنا منه بملْء الحقائب، ومُنْيَةِ الراغب، وحسرة الخائب، وغُصَّة المُجانب، ونحن نسأل الله أن يرزقنا العَمَل، ويبلِّغَنَا فيه الأَمَل: برحمته. ثم عُدْنَا نَنْوِي الحقَّ الذي حصَّلنا، ونعتقدُ القيام بالقِسْطِ الذي فصَّلنا، فألفينا قلوبًا متناكرة، وأخلاقا متنافرة، وأرواحًا لم تلتق في سبيل المعرفة، فتأتلف على أكرم خُلُقٍ وأحسن صفة، بل هي أمة أكثرُها عن الواضحة ناكبة، تَقْسِطُ (٢) فيما فَرْضُها أن تُقْسِطَ (٣)، وتَعْدِلُ (٤) عمَّا يلزمها فيه أن تَعْدِلَ، في جميع أحوالها؛ عقائدها، وأقوالها، وأفعالها، وهو: * * *

стр. 1606

الاسمُ السَّابع (١) والستُّون: المُقْسِطُ (٢) وهو العادل، وقد تقدَّم تفسيره (٣). تقول العرب: قَسَطَ: جار. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. وتقول العرب - أيضًا -: أَقْسَطَ: عدل. قال النبي ﷺ : "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين" (٤). [قولُه تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾] وقد قال الله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]. ومعنى قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾؛ أي: عَلِمَ الله وأخبر، وذلك في الأزل (٥) من غير أمد، وأبلغه إلينا على لسان رسوله، ونَصَبَ عليه البراهين، ووضع الأدلة المفضية إلى اليقين، وأوضح الآيات، وأبدى البينات، وأيَّد

стр. 1607

بالواضحات المعجزات، فكلُّ جُزْءٍ خَلَقَ وفَطَرَ، وأخرج من العدم وأظهر، وكان على ما أراد من الصفات من أغيار (١) مُستقبِلة، وآثار مُذَلِّلَةٍ، وأعيان (٢) قائمة ومضمحلَّة، وذوات متلاقية (٣)، وصفات في المحال متعاقبة، فذلك كله بوجوده مُفْصِحٌ، ولربوبيته (٤) مُوَضِّحٌ، وعلى عَدَم أوَّليته شاهد، ومُخْبِرٌ للعقول بأنه واحد، عزيز ماجد، شَهِدَ الكُلُّ بجلال (٥) قَدْرِه، وكمال عِزِّه، حتَّى جَحْدَ ولا جَهْلَ، ولا عرفان لمخلوق ولا عقل، ولا وفاق ولا خلاف، ولا كفر ولا إيمان، ولا فَهْمَ ولا فَدْمَ، ولا سماء ولا فضاء، ولا ظلام ولا ضياء، ولا فصول المزدوجات والمفردات، بالاتفاق والاختلاف في الأوقات، إلَّا وهو له شاهد بأنَّه واحد (٦). وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: لم يقل ذلك تعالى اعتضادًا (٧)؛ فإنَّه مقدس (٨)، وإنَّما أخبر ذلك عبادَه مُعْلِمًا لهم بأنه أسعدهم وأيَّدهم، ووفَّقهم وهداهم، وسدَّدهم لمعرفته وأرشدهم (٩). وقال: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، يعني: من بني آدم، إذا تفطَّنوا للأدلة، وتحقَّقوا الإلهية، وأخبروا بما وصل إليهم من ذلك، فهذا

стр. 1608

تَشْرِيفٌ لهم حيث قَرَنَ بشهادته شهادَتهم، فشدوا عن يقين، ولم يُخبروا عن ظنون وتخمين، فهم وإن لمُ يدركوه حِسًّا، فلم يعلموه حَدْسًا، بل رأوه ببصائرهم، وسيعاينونه بأبصارهم، وأشهدهم فعَلِمُوا، واستشهدهم فشَهِدُوا (١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. ولو لم يُعَرِّفْهُمْ ما عرفوا، ولو لم يُشْهِدْهُمْ ما شَهِدُوا، وقد بيَّنَّا تفسير قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾، وقول النبي ﷺ : "إنَّ الله مسح ظهر آدم بيمينه، فاستخرج منه ذريته أمثال الذَّرِّ، وقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى" (٢)، فأخبرنا الله عمَّا كان له فينا من سابق عهده، وصادق وَعْدِه، وتصريف الحال؛ كيف عُلِّمَ أثر ذلك ومن بَعْدَه (٣). مراتبُ أولي العلم (٤): وأُولو العلم على مراتب؛ فمن عالم يعرف ذاته، ومن عالم يعرف صفاته، ومن عالم بأحكامه، وحلاله وحرامه، ومن عالم لسنته وآثاره، وعالم يستظهر كتابه، ويعرف تأويله وتفسيره، ومُحْكَمَه وتنزيله (٥).

стр. 1609

وأَهْلُ العلم هم أركان الملة، ودعائم الدين، ورُفَعَاءُ الإسلام، والهادون لعباد الله، الناصحون لهم، المرشدون لمن استرشدهم، المفتون لمن سألهم، فإن كان خَلَلٌ من وَالٍ فإنَّما يعود خَلَلُه إلى الدنيا، فأمَّا الدِّينُ فلا يتعلق به من خَلَلِهم شيء، وذلك من حُكْمِ الله البديع. والنَّاصحون من العلماء - كما قدَّمنا - أصناف (١): فقَوْمٌ هم دَرَسَةُ القرآن وحُفَّاظُ حديث النبي ﷺ ، وهم بمنزلة الخَدَمَةِ. وصِنْفٌ هم المَخْصُوصُونَ بالردِّ على الملحدين بالأدلة، وهم شجعان الإسلام وجُنْدُه. وقَوْمٌ هم الذين رتَّبوا قانون العبادات (٢)، وشروط المعاملات، وأحكام الجراحات والمناكحات، ومقادير الجزية والدِّيَّات، والفرائض من الأموات، والأيمان والمنذورات (٣)، وفَصْلِ الحُكْمِ في المنازعات، وهم وُكلاء المَلِكِ المتصرفون في مُلْكِه. وصِنْفٌ هم الذين اختصوا بخدمة المَوْلَى والعُكوف على بابه. [الموازنةُ بين العلوم]: وتنازع النَّاسُ في تفضيل بعضهم على بعض؛ بعد الاتفاق على أن كل واحد منهم مُقْسِطٌ، "على منابر من نُورٍ، عن يمين الرحمن" (٤)، كما أخبر تعالى، وهذه النازلة تفتقر إلى تفصيل في تحصيل التفضيل:

стр. 1610

فإن هذه العلوم مرتبطة بعضها ببعض، ومنها ما لا يصحُّ أن ينفرد عن الآخر، فإنَّ الذي يحمي الشريعة عن البدع بالأدلَّة، ويَفْصِلُ النزاع بين المختلفين في المعاملات؛ لا بدَّ له من القرآن والحديث، بَيْدَ أنه لا يفتقر إلى أن يعلم الكل، بل يكفي المتعلق بالأدلة في الذَّبِّ عن المِلَّةِ أن يَعْلَمَ آيات التوحيد، وهي نَحْوُ العشرة آلاف (١)، ويكفي المتعلق بالأحكام أن يَعْلَمَ الثماني مائة الآية التي جمعناها (٢) نحن في "الأحكام"، ويكفيه من الحديث نحو أَلْفَيْ حديث التي صحَّت عن النبي ﷺ باتفاق. وإذا تجرَّد العاملُ للعمل من غير معرفة بهذه الأحكام كلها والدلائل؛ لم نَقُلْ: إنه أفضل من المتجرد للعِلْمِ. ولا نقول: إنَّ الصحابة الذين تجرَّدوا للخدمة بأفضل من الذين تجرَّدوا لإصلاح الخَلْقِ. ووَجْهُ التحقيق في ذلك تسمعونه إن شاء الله، وهو: إنَّ العبادة ممَّا خَفِيَ على الناس تحقيقُها، وتحقيقُ العبادة - عندي -: أن يقوم المرءُ بالقِسْطِ في جميع أقواله وأفعاله، فأَصْلُه ألَّا يعصي، وفَرْعُه ألَّا يخالف السنة في المندوبات وسائر التصرفات، وأن يكون قولُه كلُّه وفعلُه جاريًا على السُّنَّةِ، فلا يتكلم إلَّا بسنة، ولا يعمل إلا بسنة، ويصلي ركعتي الضحى، وأربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين قبل العصر، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء، ويُوتِرُ بثلاث؛ أوَّل الليل أو آخره، ويصلي ركعتين بعد الجمعة في بيته، ويُقبل على أنواع

стр. 1611

العلوم؛ فلا يخصُّ (١) منها واحدًا دون آخر، ويبدأ بالأهم فالأهم، حسب ما قرَّرناه في "قانون التأويل" (٢)، ويُصلح معاشه كما رتَّبناه له (٣)، فإذا فعل ذلك حصلت له الأسماء والصفات التي قرَّرناها هاهنا. والصَّحَابَةُ الذين كانوا على هذه الصفة التي قرَّرنا أحقُّ وأكثرُ من الصحابة الذين تجرَّدوا للخدمة، والتزموا الصَّوْمَ والصَّلاة. وتفضيلُ (٤) الأعمال بابٌ نَعْقِدُه في آخِرِ الكتاب، فَصْلًا نختمُه به إن شاء الله. فائدة: [في الموازنة بين علماء المشرق وعلماء الأندلس] ولقد شاهدتُ بتلك الديار الكريمة العلماءَ والمتبتِّلين لا يهدأُ لهم لسانٌ من الحركة بالقُرَبِ، والعلوم والمُلَح، والأمثال والنوادر، كلها مكتوبة في صحائف الحسنات، وأصحابكم يَرَوْنَ أن الزَّمَاتَةَ (٥) هي العبادة، والصمت هي الطاعة، وذلك لكثرة جهلهم، وقلة عِلْمِهم، فلو استرسلوا في الكلام لكَبَوا، ولو أعلنوا بالمقال لَلَغَوا (٦). نكتة: وقد قال الله: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥]، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩].

стр. 1612

وقد بيَّنَّا أنَّه العَدْلُ. وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤]، يعني: بالعدل. وهذا ممَّا يُشْكِلُ فإنَّ علماءنا من المتكلمين قالوا: "العَدْلُ وَضْعُ الشيء في موضعه، والجَوْرُ والظلْمُ وضعُه في غير موضعه" (١). وللباري سبحانه أن يُعَذِّبَ الخَلْقَ بحق مِلْكِه ولو أطاعوه بتوفيقه، ولكنه أخبر أنه لا يفعل بفَضْلِه. والقِسْطُ الذي أمَرَ به في الوزن هو الأخذُ والإعطاء في المعاملة على طريق المماثلة، ولو كان يَجْزِينَا بمِثْلِ ما عَمِلْنَا لهَلَكْنَا، بل أنعم علينا من فضله، وزادنا من رحمته، فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ولكن الآية محمولة المعنى على وجهين: أحدهما: أنه يرجع الجزاء بالقسط إلى الجملة، فإنه جزاءُ الخير بالخير، والشر بالشر، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠]. ومن يزرعِ الشوكَ لا يحصدْ به العِنَبَا (٢)

стр. 1613

ومن يغرس القَتَادَ لا يجني الورد، ومن (١) يُنبت الحشيش لا يقطف الثمار، ومن (٢) سلك سبيل الغَيِّ (٣) لم يُفْضِ إلى مَحَلِّ الرُّشْدِ. الثاني: وهو بَدِيعٌ قَوِيٌّ؛ أن القِسْطَ الذي يجزي به هو وَعْدُه، فالقِسْطُ صِدْقُ الوَعْدِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. وقد قال ﷺ : "ينزل ابنُ مريم فيكم حَكَمًا مُقْسِطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويؤمكم منكم - وفي رواية: وإمامكم منكم - " (٤)، ويقتل الدجال، ويتزوج ويموت، ويدفن مع النبي ﷺ في قُبَّةٍ واحدة (٥). وذلك قَوْلُه سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، في أصح التأويلين، وهو قَوْلُ ابن عبَّاس (٦).

стр. 1614

وفي الثاني: أنه يؤمن به الكِتَابِيُّ عند قبض روحه؛ حين لا ينفعه الإيمان به (١). [الثالث]: وقال بعضهم: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: يعني: بمُحَمَّدٍ (٢). وهو بعيد، ودعوى من غير دليل. والمعنى في الحديث: أن مُحَمَّدًا بعثه الله بالقِسْطِ ليحكم بين الناس بما أراه الله، ثم وقع الخلل في الإيمان والأعمال، فيُنْزِلُ الله عيسى خليفةً لمُحَمَّدٍ ﷺ ؛ ليُعِيدَ الإيمان والأمان، ويَعُمَّ بالعدل الأرض، ويُصَدِّقَ مِيعَادَ النبي ﷺ في مُلْكِ أُمَّتِه للأرض كلها، حتى يكون عيسى من أصحابه، ومن أئمة دِينِه، ومن أنصاره، "فيقتل الخنزير"، ولا يرى ذَكَاتَه ولا أَكْلَه، "ويكسر الصليب"؛ لأنه كُفْرٌ، "ويضع الجزية"، معناه: لا يقبل الجزية؛ إمَّا الإيمان، وإما السيف، فإذا مات عيسى اخْتَلَّتِ الأرض ورُفِعَتِ الأمانة، وضلَّ الخَلْقُ اعتقادًا وعملًا، فلا يكون في الأرض من يقول: "الله" (٣)، معناه - في أحد التأويلين -: من يذكر الله. وقد كانت الأمانةُ ضائعةً حتى خَلَقَ الله مُحَمَّدًا ﷺ ، فجعلها فيه جِبِلَّةً، فكان اسمُه عند قريش في الجاهلية (٤) "الأمين" (٥).

стр. 1615

الأمينُ (١): وهو الاسمُ الثامن (٢) والستُّون حتَّى كانت قريش تُسَمِّيه في الجاهلية "الأمين". وقال ﷺ وقد نَسَبَ إليه الجاهلون ما لا يليق به في جهة المال -: "أَيَأْمَنُنِي على أهل الأرض ولا تَأْمَنُوني" (٣). ولمَّا صالح أَهْلَ نجران سألوه أن يبعث معهم أمينًا، فقال: "لأبعثنَّ معكم أمينًا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ ، فبعث معهم أبا عُبَيدة عامر بن الجرَّاح" (٤)، فسُمِّيَ أمينَ هذه الأمة. وقد اتفق الناس على أن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]؛ أنَّه من صفة جبريل (٥)، فجبريلُ أمين، ومُحَمَّدٌ أمين الأمين (٦)، وأبو عبيدة أَمِينُ الأَمِينِ (٧)
следующие страницы →