← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

العلوم؛ فلا يخصُّ (١) منها واحدًا دون آخر، ويبدأ بالأهم فالأهم، حسب ما قرَّرناه في "قانون التأويل" (٢)، ويُصلح معاشه كما رتَّبناه له (٣)، فإذا فعل ذلك حصلت له الأسماء والصفات التي قرَّرناها هاهنا. والصَّحَابَةُ الذين كانوا على هذه الصفة التي قرَّرنا أحقُّ وأكثرُ من الصحابة الذين تجرَّدوا للخدمة، والتزموا الصَّوْمَ والصَّلاة. وتفضيلُ (٤) الأعمال بابٌ نَعْقِدُه في آخِرِ الكتاب، فَصْلًا نختمُه به إن شاء الله. فائدة: [في الموازنة بين علماء المشرق وعلماء الأندلس] ولقد شاهدتُ بتلك الديار الكريمة العلماءَ والمتبتِّلين لا يهدأُ لهم لسانٌ من الحركة بالقُرَبِ، والعلوم والمُلَح، والأمثال والنوادر، كلها مكتوبة في صحائف الحسنات، وأصحابكم يَرَوْنَ أن الزَّمَاتَةَ (٥) هي العبادة، والصمت هي الطاعة، وذلك لكثرة جهلهم، وقلة عِلْمِهم، فلو استرسلوا في الكلام لكَبَوا، ولو أعلنوا بالمقال لَلَغَوا (٦). نكتة: وقد قال الله: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥]، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩].

стр. 1612

وقد بيَّنَّا أنَّه العَدْلُ. وقال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ [يونس: ٤]، يعني: بالعدل. وهذا ممَّا يُشْكِلُ فإنَّ علماءنا من المتكلمين قالوا: "العَدْلُ وَضْعُ الشيء في موضعه، والجَوْرُ والظلْمُ وضعُه في غير موضعه" (١). وللباري سبحانه أن يُعَذِّبَ الخَلْقَ بحق مِلْكِه ولو أطاعوه بتوفيقه، ولكنه أخبر أنه لا يفعل بفَضْلِه. والقِسْطُ الذي أمَرَ به في الوزن هو الأخذُ والإعطاء في المعاملة على طريق المماثلة، ولو كان يَجْزِينَا بمِثْلِ ما عَمِلْنَا لهَلَكْنَا، بل أنعم علينا من فضله، وزادنا من رحمته، فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ولكن الآية محمولة المعنى على وجهين: أحدهما: أنه يرجع الجزاء بالقسط إلى الجملة، فإنه جزاءُ الخير بالخير، والشر بالشر، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] وقال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ١٠]. ومن يزرعِ الشوكَ لا يحصدْ به العِنَبَا (٢)

стр. 1613

ومن يغرس القَتَادَ لا يجني الورد، ومن (١) يُنبت الحشيش لا يقطف الثمار، ومن (٢) سلك سبيل الغَيِّ (٣) لم يُفْضِ إلى مَحَلِّ الرُّشْدِ. الثاني: وهو بَدِيعٌ قَوِيٌّ؛ أن القِسْطَ الذي يجزي به هو وَعْدُه، فالقِسْطُ صِدْقُ الوَعْدِ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. وقد قال ﷺ : "ينزل ابنُ مريم فيكم حَكَمًا مُقْسِطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويؤمكم منكم - وفي رواية: وإمامكم منكم - " (٤)، ويقتل الدجال، ويتزوج ويموت، ويدفن مع النبي ﷺ في قُبَّةٍ واحدة (٥). وذلك قَوْلُه سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، في أصح التأويلين، وهو قَوْلُ ابن عبَّاس (٦).

стр. 1614

وفي الثاني: أنه يؤمن به الكِتَابِيُّ عند قبض روحه؛ حين لا ينفعه الإيمان به (١). [الثالث]: وقال بعضهم: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: يعني: بمُحَمَّدٍ (٢). وهو بعيد، ودعوى من غير دليل. والمعنى في الحديث: أن مُحَمَّدًا بعثه الله بالقِسْطِ ليحكم بين الناس بما أراه الله، ثم وقع الخلل في الإيمان والأعمال، فيُنْزِلُ الله عيسى خليفةً لمُحَمَّدٍ ﷺ ؛ ليُعِيدَ الإيمان والأمان، ويَعُمَّ بالعدل الأرض، ويُصَدِّقَ مِيعَادَ النبي ﷺ في مُلْكِ أُمَّتِه للأرض كلها، حتى يكون عيسى من أصحابه، ومن أئمة دِينِه، ومن أنصاره، "فيقتل الخنزير"، ولا يرى ذَكَاتَه ولا أَكْلَه، "ويكسر الصليب"؛ لأنه كُفْرٌ، "ويضع الجزية"، معناه: لا يقبل الجزية؛ إمَّا الإيمان، وإما السيف، فإذا مات عيسى اخْتَلَّتِ الأرض ورُفِعَتِ الأمانة، وضلَّ الخَلْقُ اعتقادًا وعملًا، فلا يكون في الأرض من يقول: "الله" (٣)، معناه - في أحد التأويلين -: من يذكر الله. وقد كانت الأمانةُ ضائعةً حتى خَلَقَ الله مُحَمَّدًا ﷺ ، فجعلها فيه جِبِلَّةً، فكان اسمُه عند قريش في الجاهلية (٤) "الأمين" (٥).

стр. 1615

الأمينُ (١): وهو الاسمُ الثامن (٢) والستُّون حتَّى كانت قريش تُسَمِّيه في الجاهلية "الأمين". وقال ﷺ وقد نَسَبَ إليه الجاهلون ما لا يليق به في جهة المال -: "أَيَأْمَنُنِي على أهل الأرض ولا تَأْمَنُوني" (٣). ولمَّا صالح أَهْلَ نجران سألوه أن يبعث معهم أمينًا، فقال: "لأبعثنَّ معكم أمينًا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب النبي ﷺ ، فبعث معهم أبا عُبَيدة عامر بن الجرَّاح" (٤)، فسُمِّيَ أمينَ هذه الأمة. وقد اتفق الناس على أن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]؛ أنَّه من صفة جبريل (٥)، فجبريلُ أمين، ومُحَمَّدٌ أمين الأمين (٦)، وأبو عبيدة أَمِينُ الأَمِينِ (٧)

стр. 1616

الأمِينِ، في الدرجة الثالثة من (١) الفضل، وناهيك بهذه جلالة، صلَّى الله عليهما، ورضي عنه. والأمِينُ حقيقةً: هو الذي أُمِنَ ضُرُّه، واؤتمن على غيره، فهو عنده أو معه على صفته، لا تخاف عليه آفة، ولا يُتوقَّع عليه تغيير. تقول: "أَمِنْتُ كذا، بأَلِفٍ واحدة"، إذا لم تخف جهته، "وآمَنْتُ فلانًا على كذا، بأَلِفين"، إذا جعلت عنده ما لا يتوقع (٢) عليه آفة، "وائتمنته - بتائين فِعْلًا مضاعفًا - ": إذا اعتقدتَه أمينًا، أو اتَّخذتَه أمينًا. [ما ورد من الآيات في شأن يوسف وإخوته]: وقد قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١]، أي: لا ترى أنه معنا في سلامة من الآفات، على ما هو عليه من الصفات، وكان هذا قَوْلَ حَسُودٍ. يُرِيكَ الرضى والغِلُّ حَشْوُ ضُلُوعِهِ … وقد يُسْتَسَرُّ الأمرُ تُخْشَى عواقبُهْ ولا ينفع المَرْءَ الحَذُورَ من القضا … حِذَارٌ فإنَّ القَدْرَ لا شك صاحبُهْ (٣) وقد كان يعقوبُ تَفَرَّسَ من إخوته الحَسَادَةَ، حتى قال ليوسف: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٨]، ولكن الباري لمَّا أراد أن يُنْفِذَ قضاءه أذهل يعقوب عمَّا كان خاف عليه (٤)، فأسلمه

стр. 1617

إليهم رغبة في راحة يوسف، وإن كان في عذاب يعقوب؛ لأنَّ من حُكْمِ المحبة إيثارَ رضى المحبوب على غرض المُحِبِّ (١). أنشدنا محمد بن عبد الملك (٢): أنشدنا أبو الفضل (٣): إذا أراد الله أمرًا بامرئ … وكان ذا عَقْلٍ وسَمْع وبَصَرْ وحيلة يُعملها في دفع ما … يأتي به مكروه أسباب القَدَرْ غطَّى عليه سَمْعَه وعَقْلَه … وسلَّه من ذهنه سَلَّ الشَّعَرْ حتى إذا أنفذ فيه حُكْمَه … ردَّ عليه عَقْلَه ليَعْتَبِرْ (٤) وقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين، وقد جمعناها ألف آية، وأمليناها عليكم في "أنوار الفجر" مجرَّدة، لمن يريد الاعتبار بها. وقد قال أيضًا لهم حين سألوه الولد الثاني ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤] وهذه من جملة الألف الآية (٥). قال علماؤنا: "لما عرفهم بالخيانة لاحظهم بغير (٦) الأمانة" (٧).

стр. 1618

وصوابه: لمَّا اتهمهم بالخيانة لاحظهم بغير الأمانة، وفيه كلام طويل بيانُه هنالك. ومنها: "أن يعقوب لم تسكن نفسه إلى ضمانهم لِمَا سَبَقَ من شأنهم" (١). ومنها: أنَّه قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾، فمنحته هذه الكلمة الصيانة عن الخيانة، وصانته عن المهانة إلى الكرامة، وبدَّلته بالفُرْقَةِ من أبيه (٢) لُقِيَّةً لأخيه، ولم يُصِبْهُ شيء من قِبَلِ القوم، وإنَّ في ذلك لآية للسَّائلين، وعبرة للمعتبرين، ما يُجْرِي الله على ألفاظ الآدميين من المقادير الكائنة، ويكشف به من الأغراض (٣) الكامنة. قالوا ليعقوب: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾، وهو ما كان يَحْبِسُهُ عنهم تُهْمَةً لهم، وإنما كان شَفَقَةً عليه، ولكنهم لمَّا (٤) كانوا قد تشاوروا فيه وائتمروا به من قَتْلِه أو نَفْيِه استشعروا الخيانة، فنفوا عن أنفسهم تَعَيُّنَ (٥) الأمانة، ألا ترى إلى يعقوب كيف صرَّح بالعِلَّةِ، فقال: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٣]، ثم جاءه (٦) بآية، فقال: "وأخاف منكم الغفلة، فربَّما أكله الذئب".

стр. 1619

قال بعضهم: كيف خاف الذئب والله منه قريب (١)؟ وقال آخرون: "أحوال الأنبياء ممنوعة عن الاعتراض، محروسة عن الانتقاض" (٢). ومنها: أنَّ ما أجرى الله على لسان يعقوب من خَوْفِ الذئب عُوتِبَ به في أن يُنبِّهَ الإخوة إلى وجه العُذْرِ منه، وحينئذ ﴿جَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، ولولا ذِكْرُ يعقوب للذئب ما كانوا (٣) ينتبهون (٤) لذلك (٥)، والله أعلم. ومنها: أنَّ بين قَوْلَي الإخوة في الحالين كثير: قالوا في الحالة الأولى كَبِيرَةً: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩]. وقالوا هاهنا: ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١]. ومنها: أن يوسف إنَّما كلَّفهم سَوْقَ أخيهم، لأنه عَلِمَ من حالهم أنهم باعوه للطمع بثَمَنٍ بَخْسٍ، فوعدهم بإيفاء الكَيْلِ، وبحُسْنِ (٦) النُّزُلِ (٧)، وهي الضيافة.

стр. 1620

ومنها: أن يوسف طلبهم بالإتيان بأخيه، والتفريق (١) بينه وبين أبيه، وقد عَلِمَ أنَّ ذلك له أفجع، وتَحَقَّقَ أنَّ نُكْأَ (٢) القَرْح بالقَرْحِ أوجع. وقد اختلف النَّاسُ في ذلك على أربعة أقوال: الأوَّل: أن ذلك فَعَلَه بإِذْنٍ، وكانت الحكمة فيه أن الله أراد مضاعفة البلاء بالفراق على يعقوب؛ ليكون لأجره أعظم. الثاني: قال بعضهم: ليكون إلى الفرَج أقرب، ومن أمثالهم: "اشْتَدِّي أزمة تَنْفَرِجِي" (٣). الثالث: تَعَارُضُ شوق الأب والأخ، وكان الأب قد استمتع به مدة، فأراد الأخ أيضًا أن يأخذ بحظه من لقائه، والتشفي برؤيته من رُوَائِه (٤). الرَّابع: أن يوسف تَلَطَّفَ في استحضار أخيه بوَجْهٍ من الترغيب فيما يعود بمَنْفَعَهٍ على أبيه (٥). والذي أعتقده أن ذلك كان بوَحْي من الله، أَذِنَ له في أخذه بالحِيلَةِ، وعَلِمَ أن عند يعقوب من الصَّبْرِ أضعاف ذلك، وأنه لا يدخل عليه بفَقْدِ الأخ ما دخل عليه بفَقْدِ يوسف، أَلَا ترى تحقيق ذلك في قوله حين رجعوا إليه دونه: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤].

стр. 1621

قال الأستاذ أبو علي الدقَّاق - شَيخُ الفقراء -: "انظروا (١) إلى قوله سبحانه مُخْبِرًا عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾، ولم يقل: "عَمِيَ"؛ لأنَّه لم يكن في الحقيقة عَمًى (٢)، وإنَّما كان حجابًا عن رؤية غير يوسف، رِفْقًا من الله سبحانه، حتى لا يحتاج إلى أن يرى غيره؛ لأنه لا شيء أشد على الأحباب من رؤية غير المحبوب في حال فراقه" (٣). وقل قال الحكيمُ: لمَّا تَحَقَّقتُ أني لا أشاهدكم … غَمَّضْتُ عيني فلم أنظر إلى أَحَدِ (٤) وقد كان يعقوب يَتَسَلَّى برؤية ابنه (٥) بِنْيَامِين (٦) في حال غيبته، فلمَّا زال عن رؤيته قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ لأنه لمَّا مُنِعَ من النظر إلى يوسف كان يتسلَّى بالأثر، وهو أخوه، فلمَّا زال عنه آخِرًا الأثرُ كما زال أوَّلًا النظرُ تأسَّف على النظر الأوَّل (٧)، وفي ذلك كله (٨) كلامٌ بديعٌ مذكورٌ في موضعه.

стр. 1622

[أحاديثُ الأمانة]: ومن أحسن أحاديث الأمانة ما روى حُذيفة قال: "حدَّثنا رسول الله حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جَذْرِ قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدَّثنا عن رَفْعِها فقال: ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْتِ، ثم ينام النومة فتُقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْلِ؛ كجَمْرٍ دحرجته على رِجْلِك فنَفِطَ، فتراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إنَّ في بني فلان لرجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! ما أظرفه! ما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمان لا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ليردَّنه عليَّ الإسلام، ولئن كان يهوديًا أو نصرانيًا ليردَّنه عليَّ ساعيه، فأمَّا اليوم فما كنت لأبايع إلَّا فلانًا وفلانًا" (١). وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال في خطبة (٢) يوم الوداع؛ من حديث جابر الطويل في وصف حَجَّةِ النبي ﷺ ، أنَّه قال: "اتقُّوا الله في النساء، فإنَّكم أخذتموهن بأمانة (٣) الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فرشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن

стр. 1623

ضربًا غير مبرح" (١)، وذكر الحديث، وقال: "قد تركتُ فيكم ما لن تضلوا ما اعتصمتم به، كتاب الله" (٢). وفي حديث عمرو بن الأحوص الصحيح: أنه شهد مع النبي حجة الوداع، فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، وذَكَرَ قصة فقال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنَّهنَّ عندكم عَوَانٌ، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، أَلَا إنَّ لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأمَّا حقكم على نسائكم؛ فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، أَلَا وحَقُّهُنَّ عليكم أن تُحْسِنُوا إليهن؛ في كِسْوَتِهنَّ وطعامهنَّ" (٣). فأخبر ﷺ أنهنَّ عندنا عَوَانٌ، بأمانٍ دائر بين حقين اثنين؛ حق لهنَّ، وحق عليهنَّ، مُبَيَّنَيْنِ لا ثالث لهما، وقد بيَّنَّا ذلك في "شرح الحديث" والكلام عليه. ومن الأمانة عندك عِرْضُ أخيك المُسْلِم؛ فلا تغتبه إذا عَرَفْتَ له معصية، وقد ضرب الله مَثَلًا للمغتاب أَكْلَ لَحْم الميت، تشبيهًا للغائب بالميت، وللأذاية باللسان بالإذاية بالمِقْرَاضِ، ومن الأمثال السائرة: وجُرْحُ اللسان كجُرْحِ اليَدِ (٤)

стр. 1624

وقد رُخِّصَ فيها في أربعة مواضع: منها: التظلم عند من تُرجى نُصرته بدعوة، أو يقضي لك عليه بفُتْيَا أو حُكْمٍ، كقول هند عند النبي ﷺ : "إن أبا سفيان رجل مِسِّيكٌ" (١). ومنها: تحذير المغتر به (٢) عند صحبة أو معاملة، وقد بيَّنَّاها في موضعها من "قانون التأويل" (٣) وغيره. وإذا رَأَيْتَه على معصية فعِظْهُ ما بينك وبينه، ولا تفضحه، فقد روى أبو داود والنسائي عن عُقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: "من رأى عَوْرَةً فسترها كان كمن أحيى موؤودة" (٤)، تفرَّد النسائي بقوله: "من قَبْرِها" (٥). ولا يحمله على فضيحة نفسه، فقد جاء مَاعِزٌ الأسلمي إلى هُزَّال الأسلمي فقال له: "يا هزَّال، إني زَنَيْتُ، فأمره أن يأتي رسول الله، فلمَّا جرى ما جرى عليه من الرَّجْم، جاء هزَّال إلى النبي ﷺ فقال له: هلَّا سترته بردائك" (٦)، خرَّجه أهلُ الصَّحيح (٧).

стр. 1625

وجاء في روايات: "أن أبا بكر وعمر نهياه أن يتظاهر عند رسول الله ﷺ وبه" (١). وفي الحديث الحسن (٢): "أن صفوان جاء بسَارِقِ ردائه إلى النبي ﷺ (٣)، فلمَّا أمر بقطعه قال: لم أُرِدْ هذا يا رسول الله، قال (٤): فهلَّا قبل أن تأتيني به" (٥). أَمَا إِنَّه إذا عاينت منه معصية لله فيها حَقٌّ (٦) جاز لك أن تقوم به حِسْبَةً، كما فعل أبو بكرة مع المغيرة، ولكن الأفضل تركها، إلَّا أن يتتايع (٧) الناس في الشَّرِّ، فحينئد يحوز رَفْعُها، أو يجب بحسب الحال في ذلك، وسيأتي بيانُه في باب الآمِرين بالمعروف والنَّاهِين عن المنكر. وكذلك الجارُ أمانة، والجارُ عليه أمين، يغض عنه بصره، ويُصِمُّ (٨) عنه أُذُنَيْه، ويكفُّ عنه أذاه، ويَسْدِلُ (٩) دونه حِجَابَه، فإن رأى عورة سترها، أو سيئة غفرها، أو حسنة نثاها (١٠) ونشرها.

стр. 1626

[حكاية]: أخبرنا أبو بكر الصوفي (١): أخبرنا الرُّصافي (٢)، وأخبرنا جعفر بن أحمد المقرئ (٣)، قالَا: حدَّثنا (٤) الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ: أخبرنا علي بن أحمد الرزَّاز: أخبرنا أبو الليث نصر بن محمد الزاهد البخاري: حدَّثنا محمد بن محمد بن سهل النيسابوري: حدَّثنا أبو أحمد (٥) محمد بن أحمد الشُّعَيْبِي (٦): حدَّثنا أسد بن نوح، حدَّثنا محمد بن عبَّاد، قالَا (٧): حدَّثنا القاسم بن غسَّان: أخبرني أبي: حدَّثني عبد الله بن رجاء الغُدَانِي (٨)، قال: "كان لأبي حنيفة جارٌ بالكوفة إسكافٌ، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنَّه الليل رجع إلى منزله؛ وقد حَمَلَ لحمًا فطبخه، أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب، حتى إذا دبَّ الشرابُ فيه غَزِلَ (٩) بصَوْتٍ (١٠) وهو يقول:

стр. 1627

أضاعوني وأيَّ فتًى أضاعوا … ليوم كريهة وسِداد ثَغْرِ (١) فلا يزال يشرب ويُرَدِّدُ هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جَلَبَتَه كلَّ ليلة (٢)، وكان أبو حنيفة يصلي الليل كلَّه، ففقد أبو حنيفة ليلةً صوتَه فاستخبر عنه، فقيل: أخذه الحرس (٣)، وهو محبوس مُذْ ليالٍ، فلمَّا صلَّى أبو حنيفة الصُّبْحَ من غَدٍ رَكِبَ (٤) بغله (٥)، وجاء الأميرَ فاستأذن عليه؛ فأذِنَ له؛ وألَّا ينزل حتى يطأ البساط، ونزل، فلم يزل الأمير يُوَسِّعُ له في مجلسه حتى أنزله مساويًا له، فقال له: ما حاجتك؟ فقال: إِسْكَافٌ أخذه الحرس منذ لَيَالٍ، يأمر الأمير بتخليته، قال: نعم، وكلُّ من أُخِذَ في (٦) تلك الليلة، فخلَّى جميعهم، فرَكِبَ أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلمَّا نزل مضى إليه فقال: يا فتى، أضعناك؟ قال: لا، بل حفظتَ ورعيتَ، جزاك الله خيرًا عن حُرمة الجار ورعاية الحق، وتاب الرجلُ عمَّا كان فيه" (٧). [فضيلةُ السَّتْرِ]: وليَقْتَدِ في ذلك من السَّتْرِ، وليَهْتَدِ بسَتْرِ الله على العباد مع اطلاعه على عوراتهم، وما (٨) يرى ويعلم من مخالفاتهم، فهو يسترها في الدنيا

стр. 1628

عمومًا، ويغفرها في الآخرة خصوصًا، وهذا مندوب إليه شرعًا، محثوث عليه، مخصوص (١) فيه، بَيْدَ أنه في كل ذنب يختص بالعبد لا يتعدَّاه، فإن كان يلحق غيره منه ظُلْمٌ؛ فلا ينبغي له أن يُقِرَّه عليه، ولا يستره فيه (٢)، وليست هذه من الشهادات التي يلزم أداؤها، أو يقال فيها: "خَيْرُ الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها" (٣). [حقيقة الشَّهادة]: وقد (٤) تكرَّر، ولكن لتداخل معاني الأسماء ربَّما نُشير إلى شيء منه، ثم نُحِيلُ على البيان الشَّافي في مَوْضِعٍ غيره (٥). وحقيقةُ الشَّهادة: الإخبارُ بما عَلِمَ ليَنْبَنِي عليه عمل. وقد يُستعمل في غير هذا، وقد بيَّنَّاه في كتاب "الأمد الأقصى" (٦) وغيره. والشَّهَادَاتُ التي يلزم أداؤها هي كلُّ قَوْلٍ إذا سكت عنه فات وفي وجوده منفعة.

стр. 1629

"وخَيْرُ الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها (١) " (٢). معناه: أن يُخْبِرَ الذي عنده له شهادة بما عنده، ثم يكون أداؤها بحسب إرادة مَن له الحق، وإن كان لله أو لعامَّة المسلمين وجب عليه الابتداء بها قبل الطلب، ولا سيما في الوجهين إذا كان الحق لله. ومنه: شهادة عبد الرحمن بن عوف: أن النبي قال في الوباء: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" (٣). ومنها: شهادة المغيرة بن شعبة: "أن النبي أعطى الجَدَّةَ السُّدُسَ" (٤). ومنها: شهادة الرجل على زوجه في الزنا، ولذلك صورتان: إحداهما: أن يشهد على الرؤية. [الثانية]: أو على نَفْيِ الحمل. فأمَّا الشهادةُ على رؤيته لزناها فمكروهة. وأمَّا شهادتُه على نَفْي الحمل فواجبٌ؛ فإنَّه لا ينبغي أن يُلْحِقَ بنفسه من ليس منه، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف"، فإنه ليس من بابنا، وهي من باب الأمانة التي قلنا؛ فإنه إذا شهد عليها فلا يفيده ذلك أكثر من

стр. 1630

الفراق، والفراق مع الستر أفضل وأولى، وأوجب (١) وأحرى، وأمَّا مع إلحاق غَيْرِ وَلَدِه به فلا صبر عليه. وقد أخبرني أبي عن رجل قَاضٍ: أنَّ زوجه بَغَتْ فحملت، فكان يقول لها: "ماذا أصنع بك - قاتلك الله -؟ إن سَكَتُّ ألحقتُ بنفسي من ليس منِّي، وإن تكَّلمت فضحتُكِ وفضحتُ (٢) نفسي". وغلَّب السُّكُوتَ، فأنا رأيت أخاه وشِبْهَه لغير رِشْدَةٍ، وتذكَّرتُ قول النبي ﷺ للمرأة: "إن جاءت به كذا (٣)، وإن جاءت (٤) به كذا؛ فهو (٥) للَّذِي قُذِفَتْ به، فجاءت به على النعت المكروه" (٦)، فقال النبي ﷺ (٧): "لولا ما سبق لي (٨) من كتاب الله لكان لي ولها شأن" (٩). وفي رواية: "لو كنت راجمًا أحدًا بغير كتاب الله لرجمتها" (١٠).

стр. 1631

ورُوي عن النبي ﷺ في شهادة الإنسان على نفسه: "أنه جاءه ماعز الأسلمي فاعترف بالزنا، قال: فلما شَهِدَ على نفسه أربع مرات دعاه النبي ﷺ فقال: أَبِكَ جنون؟ قال: لا، قال: فهل أُحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : اذهبوا به فارجموه" (١). وهذا ممَّا بيَّنه الله سبحانه في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]. وإذا قُبِلت عليه الشهادة وهي ظَنٌّ، فأَوْلَى وأَحْرَى أن يُقْبَل عليه قولُه، وهو يَقِينٌ عندنا. [شهادةُ المخلوقين لله بالإلهية]: وكل مخلوق يشهد لله سبحانه بالإلهية، وأنت أحقُّ بذلك لما جُعل فيك من الصفات العليَّة، فإذا كان الجماد يشهد لله (٢) ويسبح بحمده فأنت أولى بذلك، وأحرى من قَبْلِه ومِن بَعْدِه. فيا عجبًا كيف يعصي الإله … أم كيف يجحده جاحدُ (٣) ولله في كل تَحْرِيكَةٍ … وتَسْكِينَةٍ عَلَمٌ شاهدُ (٤) وفي كل شيء له آية … تدلُّ على أنه واحدُ (٥)

стр. 1632

وتشهدُ أنت بمثل شهادته وأفضل، وتشهد عليه أيضًا بما شَهِدَ به على نفسه كما يشهد عليك؛ فإنه مما يجب أن تتحقَّقوه - معشر المريدين - أَنَّ السماوات ومن فيها، والأرضين (١) ومن فيها وما فيهما جميعًا؛ كلُّ يشهد للمطيع بما أطاع، وللعاصي بما عصي، كما تشهد به عليه جوارحه، ويفرح الكلُّ بطاعته، ويبكي لمعصيته، ويأنس بعمله الصالح، ويتبرَّك به، ويستوحش من عمله السيء ويتشاءم (٢) به، وهذا كله منصوصٌ كتاب الله وعلى لسان رسوله. وللعلماء اختلافٌ في كيفيته، وقد بيَّنَّاه في "كتاب المشكلين"، فلينظر هنالك. [الحذرُ من شهادة الزُّورِ بنسبة الفعل لغير الله تعالى]: وليَحْذَرْ كلُّ أَحَدٍ من شهادة الزور، والكذب على الواحد والجمهور؛ فيكذب على موجودات الأرض ويكذب على السماء. فمن كَذِبِه على الأرض وما فيها شهادتُه على النار بأنها تُحرق، أو على الجمادات كلها بأنها تفعل شيئًا، وهذه شهادة زُور، وكذب كبير، ولا يَحِلُّ لأحد أن يشهد إلَّا بما أدرك بحواسِّه، أو حصل له به العِلْمُ ابتداءً في نفسه، والذي شَاهَدَ بحواسِّه ورأى بعينه أن شيئًا إذا جاور (٣) النَّار احترق. فإذا قال: شهدتُ أن الهشيم إذا اتَّصل بالنار احترق، كان هذا الكلام صِدْقًا، والشهادة حقًّا.

стр. 1633

وإذا قال: إنَّ النار أحرقته، كان كذبًا بَحْثًا؛ لأنَّ النار ليست بفاعلة، إنَّما هي جماد، والجماد لا يصح منه فِعْلٌ. فإن قال: خلق الله فيها قُوَّةً تُحرق بها. قلنا له: هذه شهادةٌ بما لم تَرَ ولا سَمِعْتَ؛ فإنَّ القوة لا تُرى ولا تُسمع، ولا أخبر بها (١) الله ولا الصادق من رسُلِه المبعوثين إلينا، الذين نراهم ويكلِّمُونَنا، فمن أين لك هذا؟ ثُمَّ قدرةٌ تخلق في جماد يَفعل بها فِعْلًا مُثَبَّجًا - فكيف مُتْقَنًا - مُحَالٌ. فقِفْ يا وقَّاف، وقم: إن الله يفعل ما يشاء، ويخلق ما أراد، وكما لا يَشِذُّ شيء عن علمه لا يَشِذُّ عن قدرته وخَلْقِه. ومن كَذِبِهم على السماء شهادتُهم بأنَّ الشمس والقمر يُنبتان الحشائش، ويُنتجان الثَّمَرَ من الشجر، وما لها من الفائدة إلَّا ما أخبر الله في كتابه من أنَّهما مخلوقان، مُنزلان مَنَازِلَهما لمعرفة عدد السِّنين والحساب، متعاقبان إلى الانتثار (٢) والسكون، وسوى ذلك لا كان ولا يكون. وأشدُّه كَذِبُهم على الله؛ كقولهم (٣): "إنه في السماء"، والسماء محصوره، جِسْمٌ مُقَدَّرٌ (٤)، ووعاء لمخلوق (٥) مُحَدَّدٌ، والباري يتقدَّس عن أن

стр. 1634

يَحِلَّ بمكان، أو يَحْوِيَه شيء، ولم يفهموا ما أرادت المرأة المسؤولة بذلك؛ من كونه عالي القَدْرِ، عن أن يكون كآلهة الأرض، كما نقول العرب: فلان في السماء رِفْعَةً، وفي النجم جَلَالَةً، وقد قال النبي ﷺ : "إنه بينكم وبين رؤوس رحالكم" (١)، ولا يصح كونه هنالك، ولكن ضرب ﷺ ذلك مَثَلًا للقُرْبِ بالعلم والإحاطة، وهؤلاء يكذبون على الله بما يُضِيفونه (٢) ممَّا لا يليق به. والذين يجعلون للنار فِعْلًا وللشَّمس (٣) والقمر، ممَّن يجعلُ لله ﴿شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. وكذلك شهادتُه على السماوات؛ فإن الشيطان أطمعه أن يرقى إليها بالعِلْم، إذ لم يستطع أن يرقى إليها بالرؤية، فأنشد قَوْلَ المُوسَوِي (٤): عَزَّنِي أن أرى الديار بطَرْفِي … فلعلِّي أرى الديار بسَمْعِي (٥) فسوَّل لهم وصوَّر عندهم أن يُعَرِّفَهم هيئَتها، ويُرِيَهم بالنظر والبصيرة؛ إذ فاتهم بالبصر كيفيتُها، وهيهات هيهات لما توعدون، إن هي إلَّا جهالتكم البُهْمَى، وما أنتم عنها بمُخرجين، ولا تكونوا فيها أبدًا مهتدين، وهذا ممَّا لا يَحِلُّ لمسلم أن يتكلم فيه ولا أن يشهد به.

стр. 1635

ومِنَ السماوات مَرْئِيٌّ، وهو الكوكب، وذاتُ السماء لا يراها أحد، وإنَّما الذي يُرى هو مُنْقَطَعُ البَصَرِ، وما وراءها غير معلوم، أكثر من أن الأنبياء أخبرت عن الله أن الشمس والقمر والنجوم في أفلاك تَجْرِي بأمر الله، فما رأيناه حق، وما أُخبرنا به صدوا، وما وراءه: تخَرُّصًا وأحاديثًا (١) مُلَفَّقَةً … ليست بنَبْعٍ إذا عُدَّتْ ولا غَرْبِ (٢) فرَأَوا من رأيهم الشَّطير وعقلهم الفَطِير أن يَرْكَبُوا أفلاك الدراري السبعة باختيارهم، فأجمعوا على أن القمر أقربُها إلينا، وأن زُحَلًا أبعدُها عنَّا، وسائرهما (٣) بينهما، واحدٌ فوق آخَر، وقد بيَّنَّا فساد الترتيب على هذا النظام للموجودات في كتاب "العواصم" (٤). ويحتمل أن يكون ما قالوا، ولكن الذي تصوَّروا فيه من غير ظن، لا نقول من غير برهان؛ فإنه لم يكن معهم قطُّ - لحظةً من الدهر - أمران: أحدهما: قولهم: "إنَّ السماوات هي الأفلاك"، وهذه دعوى لا سبيل أبدًا إلى إثباتها بخبر ولا نظر، لا على رأيهم وطريقتهم، ولا من غَيْرِ ذلك. الثاني: ترتيب هذه الأفلاك واحدًا بعد آخَرَ، حتَّى يكون فَلَكُ القمر في حَيِّزٍ أقرب إلى رؤوسنا، وزُحَل أبعد من سواه منَّا، فهذا وإن كان كلٌّ منهم قد تعرَّض له.

стр. 1636

ورتَّب صاحب "المَجسْطِي" (١) كتابه على هذا، وعوَّل على الحساب الذي يؤديه إلى معرفة كسوف الشمس والقمر، فإنَّ ما وراءه لم يقدر عليه أبدًا، ورتَّب مقدمات ونتائج على سبيل البرهان، ثم لمَّا عجز قال: "رصدتُ فوجدتُ، ورصد فلانٌ فوجد" (٢)، فخلَّط برهانًا حسابيًا بدَعْوَى رَصْدٍ، تَرِكَّبَ على غير سَنَدٍ، وأقام (٣) دون عَمَدٍ، وهذا لا يصل المرء إلى إبطاله أو إلى صحته أو إلى الشك فيه إلَّا بعد عُمْرٍ طويل في النظر فيه، ولأيِّ معنى بفعل الحازم ذلك؟ وأي فائدة له فيه؟ وحكمة الله بعد الإحاطة بذلك كله لا تُدرك، وما ظهر إلينا وعاينَّاه من آياته وآثَارِ قدرته فيها أوضح مسلك، فما وراءها إلَّا كل مَغْوَاة، مَهْلَكٌ له موعد، وليس دون الله مُلْتَحَدٌ. وممَّا يتعيَّن على كل مسلم أن يشهد به - ما يُكَذِّبُونَه بأجمعهم - ما ثبت في الصحيح سَنَدًا، وهو متواتر نقلًا؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، قال عبد الله بن مسعود: "انشق القمر؛ وذلك حين سألت كفار قريش رسول الله ﷺ آية، حتى رأيتُ حِرَاءَ من بين فِلْقتَي القمر، فقال النبي ﷺ : اشهدوا" (٤)، وهذا ممَّا يستحيل عند أرباب الهندسة قولًا، ويَرَوْنَ أن هذا - إن صحَّ - كان تَخْيِيلًا؛ إذ الهيئة لا تتبدَّل أبدًا، وهذا هو الحاجز بين الإلحاد والإيمان، وقد أقمنا عليه في كتاب

стр. 1637

"العواصم من القواصم" (١) البرهانَ، وهو موجود في "كتب الأصول"، ونحن من الشهداء على ذلك، وعلى كل ما أخبرنا به نَبِيُّنا، حسب ما فعل خُزَيمة، فَبِه (٢) سُمِّيَ ذا الشهادتين (٣)، وسيتكرَّر القَوْلُ في هذا المعنى إن شاء الله. وإذا أقام هذه الشهادات وأوصافها (٤) كان موصوفًا بالوفاء (٥). * * *

стр. 1638

وهو الاسمُ التَّاسع (١) والستُّون: الوَفِيُّ (٢) وهو (٣) عند العرب: عبارة عن كل من أكمل ما وَجَبَ عليه. قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]. والعَهْدُ في لسان العرب: الإعلامُ بالشيء. والعَقْدُ: هو ربطه واستيثاقه. والباري تعالى قد أعلم الخلق بما ألزم، وربطهم إلى ما أمر به ونهى عنه وأحكم، فهو راجع إلى كل مأمور به ومني عنه في الامتثال والاجتناب؛ من واجب أو مندوب، ومحظور أو مكروه، ولكن أصوله معلومة.

стр. 1639

[أنواعُ العهد]: فمنها: العهد الأوَّل في صُلْبِ آدم، فإن الخلق التزموا أنه الربُّ الواحد، فالوفاء بالعرفان أصلُ العهود والأيمان، ثم الوفاء بالإحسان - وقد تقدَّم بيانه -: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). ومنها: الانكفاف عن العصيان، ولا أقلَّ من اجتناب الكبائر، فإن اجتنب الصغائر فهو الوفاء (٢). ومنها: الوفاء للرسل بتصديقهم (٣) وبالكتب، وبالمراعاة (٤) للوَصاة بها (٥)، والوقوف عند حدودها. ومنها: التبليغ؛ فإن من سمعه لَزِمَه أن يكون ممن يبلغ. ويلزم الوفاءُ بعهد الآدمي كما يلزم الوفاء بعهد الله؛ فإنَّه من عهود الله، من حيث أمره بحفظه والوفاء به، حتى لو كان لكافر، قال الله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. ومن أعظم الخلق عند الله إثمًا من غَدَرَ بما عاهد عليه الله ولم يَفِ بما أُلزم (٦) بأمر الله، وهو ثُلُثُ النفاق أو رُبُعُه، كما قال النبي في علامات المنافق "إذا عاهد غَدَرَ" (٧).

стр. 1640

وأَصْلُ الوفاء بالعهد والالتزام للعقد عَقْدُ "لا إله إلا الله"؛ فإنها للمعرفة به، والتصديق برسوله (١)، والامتثال لحدوده، حتى أَمَرَ النبيُّ ﷺ بالوفاء بعهود الجاهلية والقيام بحقوقها، إلَّا ما نُسِخَ من الميراث. وكذلك الوفاء بعقود المعاملات؛ بما فيها من الوظائف والشروط، ويتبعها من الأحكام والحقوق، كالبيع ونوعه، والنكاح في أصله، والنذور والأيمان والوعد، وذلك كله مُبَيَّنٌ في موضعه. [حِفْظُ الأسرار]: وقد يكون العَهْدُ بالقول، وقد يكون بالفعل، مثل أن يُحَدِّثَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بالشيء وهو يلتفت، فيكون ذلك عهدًا في الحديث بالكتمان، فإذا أظهره فقد غَدَرَ به. وقد يكون ما يطَّلع عليه المَرْءُ من غيره ممَّا يعلم أنه يضرُّه إظهارُه، فعَهْدُه عليه ألَّا يُطْلِعَ أحدًا عليه، وهو الذي قال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جارُه بوائقَه" (٢)، وقال: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" (٣)، إلَّا أن يَتَوَجَّهَ فيما سَمعَ منه حَقٌّ لغيره عليه، فإنه تلزمه الشهادة به عليه. وتتعارض حينئذ الحقوق، فهذا له عَهْدٌ فيما حدَّث به، وذلك له عَهْدٌ فيما وجب له، فاتَّفقت الأمَّة على أن عَهْدَ الذي وجب له الحق أَوْكَدُ من عهد الذي حدَّث بالقول، وسواء كان في إظهار السِّرِّ ضَرَرٌ أو لم يكن إذا جعله عندك سرًّا فإنه لا يجوز لك أن تُحَدِّثَ به.

стр. 1641

والأَصْلُ فيه أن النبي ﷺ دعا ابنته (١) فاطمة في مَرَضِه، فأسرَّ إليها بشيء فبكت، ثم دعاها فأسرَّ إليها شيئًا فضحكت، فسألتها عائشة، فقالت: "ما كنت لأُفْشِي سِرَّ رسول الله، فلمَّا مات رسول الله سَألتها، فقالت: أخبرني أنه مَيِّتٌ من وجعه ذلك فبَكَيْتُ، ثم أخبرني أنِّي أوَّل أَهْلِه لحوقًا به فضحكت" (٢). ومن كتمان السِّرِّ أُتِيَ يوسف؛ فإنه قال له يعقوب: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، فكان هنالك من نَقَلَ ذلك إلى الإخوة - على ما روى أهل التفسير (٣) - فسَعَوا له في المكيدة. ومن الأمثال السائرة على ألسنة العلماء: "صُدُورُ الأحرار قُبُورُ الأسرار" (٤). كما أن من الأحاديث الموضوعة الباطلة: "النهي عن إفشاء سِرِّ القَدَرِ" (٥)، فما له سِرٌّ، وإنَّما هو كله جَهْر، القضاء من الله، والأمر كله لله، لا (٦) يُسأل عمَّا يفعل (٧).

стр. 1642

ومن الأمثال السائرة ولا يصح إسنادها: "القلوب عِيَابٌ، والشِّفَاهُ أقفالها، والألسنة (١) مفاتيحها" (٢). وقد كانت هذه الخَصْلَةُ كريمةً مُتَّفَقًا عليها في الجاهلية، قال قيس بن الخَطِيم: أَجُودُ بمضنون التِّلَادِ وإنَّني … بسِرِّي (٣) عمَّن سَألَنِي لضَنِينُ إذا جاوزَ الإثنين سِرٌّ فإنَّه … ببَثِّ وتكثير الوُشاة قَمِينُ وإن ضيَّع الأقوامُ سرًّا فإنَّني … كَتُومٌ لأسرار العَشِيرِ أمينُ يكون له عندي إذا ما ضَمِنْتُه … مكان سُوَيْد (٤) الفؤاد كَمِينُ (٥) واختلف الناس في قوله: "إذا جاوز الإثنين": فقيل: هما المتحدثان به؛ قائله وسامعه (٦). وقيل: أراد الشفتين (٧). والأوَّل أصحُّ.

стр. 1643

وقد قال الشَّاعر: ألم تر أنَّ غُواة الرجالِ … لا يتركون أديمًا صَحِيحَا فلا تُفْشِ سِرَّكَ إلَّا إليكَ … فإنَّ لكُلِّ نَصِيحٍ نَصِيحَا (١) وقال آخَرُ: ما كلُّ معلوم يباح بِهِ … احْذَرْ لسانك من جَوَانبِهِ فمرارة الكتمان أعذب من … بث تُحَاذِرُ من عواقبِهِ ليس الزمان كما مضى … أيَّامَ (٢) تَكْرَعُ في مَشَارِبِهِ هذا زمانٌ لو ذُكِرْتَ بِهِ … ضَحِكَ (٣) الحُسَامُ إلى مَضَارِبِهِ (٤) وقد ثبت أن حفصة بنت عمر لمَّا تَأَيَّمَتْ عَرَضَها على أبي بكر، فقال: "ليس لي اليوم رغبة في ذلك، ثم عرضها على عثمان فلم يراجعه في قال: كنتُ أَوْجَدَ عليه مِنِّي على أبي بكر، ثم خطبها النبي ﷺ فلَقِيَه عثمان فقال له: ما منعني من أن أرجع إليك في شأن حفصة حين كلَّمتني فيه إلَّا أني قد كنتُ سمعتُ رسول الله ﷺ يذكرها، فما كنت لأُفْشِي سِرَّ رسول الله" (٥).

стр. 1644

وثبت من كل طريق وعند كل فريق أن النبي كان يُسِرُّ إلى حُذَيفة بن اليمان في الفتن وشأنها، والمنافقين وأعيانها، وكان مخصوصًا بذلك عنده (١). ولقد جَهِدْتُ منذ (٢) زمان الطَّلَبِ للعلم إلى اليوم في أن أطَّلع على وجه اصطفائه حذيفة لذلك فما قدرتُ عليه، إلَّا أنه قد ثبت أنه قال: "كان الناس يسألون رسول الله؛ يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر" (٣)، ورسول الله ﷺ يُجِيبُه عليه، فالله أعلم كيف كان سَمْحُه له في الجواب (٤) عن تلك السرائر. وقد كان عند أبي هريرة من ذلك شيء، وما أُراه إلَّا من كثرة حِفْظِه لما كان يسمعه، لا من جهة أنه خُصَّ في ذلك بشيء، فإنه قال: "حفظتُ عن رسول الله ﷺ وِعَاءَيْنِ؛ أمَّا أحدهما فقد بَثَثْتُه، وأمَّا الآخَرُ فلو بَثَثْتُه لقُطِعَ منِّي هذا البُلْعُوم" (٥).

стр. 1645

[شكوى ابن العربي من أهل بلده]: وكم عندنا من العلوم، وماذا جمعنا من الفوائد، ولم نَجِدْ لها في هذه الأقطار مَحَلًّا، ولا رأينا لها أهلًا، فخَزَنَّاها فيما بيننا وبين ربنا، واذَّخرناها ذخيرة لمُوازنة ذَنْبِنَا. ومن أعظم السِّرِّ السِّرُّ الذي بين العبد وبين الربِّ، وذلك فِعْلُ طاعة لا يعلمها إلَّا هو، وسِرُّ معصية لم يطَّلع عليها غيره. فأمَّا سِرُّ الطاعة فخَزْنُه أفضل، وإفشاؤه جائز إذا أُمنت منه الغوائل، وقد تقدم بيانه. وأمَّا سِرُّ المعصية فإفشاؤه معصية أخرى، ولا يزال العبدُ في رجاء من المغفرة ما لم يُحَدِّثْ بمعصيته، فإذا حدَّث بها كان الرجاء أضعف، وقد تقدَّم حديث ابن عمر في مناجاة الرب للعبد المذنب، وقوله: "أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (١). وأمَّا إذا تاب الرجلُ من الذنب (٢) الذي لم يطَّلع عليه غيره؛ فقد بيَّنَّا أن الأفضل كَتْمُه، وإفشاؤه جائز إذا صحَّت فيه نية التوبة. موعظة: [في متعلَّقات الوفاء وثوابه] في هذا الباب تنبيه على فُصُولٍ من متعلقات الوفاء وثوابه في باب الاعتقاد والعمل:

стр. 1646

الأوَّل: أن من أوفى (١) بعَهْدِ الله إذا عاهد عليه أو عَهِدَ به إليه في دار المحنة بالخِدْمَةِ جُوزِيَ في بساط النعمة بدار الكرامة بالرضى والرؤية (٢). الثاني: من أوفى بعَهدِ الله في مجانبة الضلال رُفِعَ عنه الإِصَرُ (٣) والأغلال. الثالث: من أوفى (٦) بعَهْدِ الله في حِفْظِ السِّرِّ ضُوعِفَ أجرُه من البِرِّ (٤)، وبيانُه أنه لا تتطرَّق إليه خيانة، ولا تجري عليه مهانة. الرَّابع (٥): من أوفى (٦) بعَهْدِ الله فلم يُؤْثِرْ عليه غَيْرَه لم يمنعه خَيْرَه (٧)، فإن نَظَرَ إلى سواه وَكَلَه إليه. الخامس: من أوفى (٨) بعهد الله في عِرْفَانِه وَفَى له بإحسانه (٩). السَّادس: من أوفى (١٠) له بملازمة الحسنات جازاه بغُفران السيئات. السَّابع: من أوفى بعهده معه في شرائه ومعاملته وَفَى له بمواصلته في دار كرامته.

стр. 1647

الثَّامن: من أوفى (١) لله بالتبرِّي من الحَوْلِ والقوَّة وسلَّم الأَمْرَ كله له وَفَى له بالعصمة (٢)، وبلَّغه آماله (٣). التَّاسع: من أوفى (٤) لله بالتنصُّل أعطاه الله ما شاء من التفضُّل (٥). العاشر: من كان لله وفيًّا بالمحبة جازاه الله بالقُرْبَةِ (٦). الحادي عشر: من قام بحق الوفاء كان من أهل الاصطفاء. الثاني عشر: من وفَّى لله بترك الشهوات وفَّى الله له بإكمال العِدَات (٧). الثالث عشر: لا تقولوا لغيري: "ربي"، أقول لكل من فعل ذلك منكم: "عبدي"، ولا أجعل لأحد عليه سلطانا بعدي (٨). قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، ولا قَبْلَ له ولا بعد، ولكن حقيقته إن أمسكهما أَحَدٌ غيره، ولمَّا كان القَبْلُ للشيء والبَعْدُ غَيْرَيْنِ له عبَّر به عنهما أو عن أحدهما.

стр. 1648

وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وهذا إنَّما يكون عن تَمَكُّنِ الغيرة من القلب، فلا يرضى أن يشارك مع الله في سلطانه سواه، ويه يُقال له: "الغَيُورُ". * * *

стр. 1649

الغَيُورُ (١). وهو الاسمُ المُوَفِّي سَبْعِينَ (٢) قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "أتعجبون من غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنَا أغيرُ منه، والله أغير منِّي" (٣). وقال صلى الله عليه: "لا أَحَدَ أغير من الله" (٤). ومن غَيْرَتِه حرَّم الفواحش؛ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ. والغَيْرَةُ في لسان العرب: تَغَيُّرُ النفس عند سماع ما يكره عن العِرْضِ والمال أو رؤيتِه. وظاهره سماع ما يكره في العِرْضِ، وإذا تغيَّرتْ نفسه عند السماع أو الرؤية دَفَعَ عن نفسه، كما قال سعد: "لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مُصْفَحٍ (٥) به" (٦).

стр. 1650

فأُضيفتا الغَيْرَةُ إلى الله حين منع الفواحش بقوله في تحريمها، وبحدوده التي وَضَعَ في الزجر عنها، وبنِقْمَتِه من فاعلها، أو بعذابه له، وهي من الخصال الكريمة. يُروى أنَّ النبي ﷺ قال لعمر: "دخلتُ الجنة فإذا جارية توضَّأُ على باب قَصْرٍ، قلتُ: لمن هذا؟ قالت: لعمر بن الخطاب، فأردتُ أن أدخله فذكرتُ غَيْرَتَك، فبكى عمر، وقال: وعليك أغار يا رسول الله" (١). وإذا كانت الغيرة متمكنة فيك أيها العبد ذَبًّا عن (٢) حريمك؛ فالغيرةُ في الذَّبِّ على (٣) حُرمات الله أوكدُ عليك وأولى بك. وقد رُوي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال له: طَلِّقْها، قال: إني أحبها، قال: فاستمتع بها" (٤).
следующие страницы →