← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الأوَّل: أن من أوفى (١) بعَهْدِ الله إذا عاهد عليه أو عَهِدَ به إليه في دار المحنة بالخِدْمَةِ جُوزِيَ في بساط النعمة بدار الكرامة بالرضى والرؤية (٢). الثاني: من أوفى بعَهدِ الله في مجانبة الضلال رُفِعَ عنه الإِصَرُ (٣) والأغلال. الثالث: من أوفى (٦) بعَهْدِ الله في حِفْظِ السِّرِّ ضُوعِفَ أجرُه من البِرِّ (٤)، وبيانُه أنه لا تتطرَّق إليه خيانة، ولا تجري عليه مهانة. الرَّابع (٥): من أوفى (٦) بعَهْدِ الله فلم يُؤْثِرْ عليه غَيْرَه لم يمنعه خَيْرَه (٧)، فإن نَظَرَ إلى سواه وَكَلَه إليه. الخامس: من أوفى (٨) بعهد الله في عِرْفَانِه وَفَى له بإحسانه (٩). السَّادس: من أوفى (١٠) له بملازمة الحسنات جازاه بغُفران السيئات. السَّابع: من أوفى بعهده معه في شرائه ومعاملته وَفَى له بمواصلته في دار كرامته.

стр. 1647

الثَّامن: من أوفى (١) لله بالتبرِّي من الحَوْلِ والقوَّة وسلَّم الأَمْرَ كله له وَفَى له بالعصمة (٢)، وبلَّغه آماله (٣). التَّاسع: من أوفى (٤) لله بالتنصُّل أعطاه الله ما شاء من التفضُّل (٥). العاشر: من كان لله وفيًّا بالمحبة جازاه الله بالقُرْبَةِ (٦). الحادي عشر: من قام بحق الوفاء كان من أهل الاصطفاء. الثاني عشر: من وفَّى لله بترك الشهوات وفَّى الله له بإكمال العِدَات (٧). الثالث عشر: لا تقولوا لغيري: "ربي"، أقول لكل من فعل ذلك منكم: "عبدي"، ولا أجعل لأحد عليه سلطانا بعدي (٨). قال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١]، ولا قَبْلَ له ولا بعد، ولكن حقيقته إن أمسكهما أَحَدٌ غيره، ولمَّا كان القَبْلُ للشيء والبَعْدُ غَيْرَيْنِ له عبَّر به عنهما أو عن أحدهما.

стр. 1648

وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]، وهذا إنَّما يكون عن تَمَكُّنِ الغيرة من القلب، فلا يرضى أن يشارك مع الله في سلطانه سواه، ويه يُقال له: "الغَيُورُ". * * *

стр. 1649

الغَيُورُ (١). وهو الاسمُ المُوَفِّي سَبْعِينَ (٢) قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "أتعجبون من غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لأَنَا أغيرُ منه، والله أغير منِّي" (٣). وقال صلى الله عليه: "لا أَحَدَ أغير من الله" (٤). ومن غَيْرَتِه حرَّم الفواحش؛ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ. والغَيْرَةُ في لسان العرب: تَغَيُّرُ النفس عند سماع ما يكره عن العِرْضِ والمال أو رؤيتِه. وظاهره سماع ما يكره في العِرْضِ، وإذا تغيَّرتْ نفسه عند السماع أو الرؤية دَفَعَ عن نفسه، كما قال سعد: "لو وجدتُ مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مُصْفَحٍ (٥) به" (٦).

стр. 1650

فأُضيفتا الغَيْرَةُ إلى الله حين منع الفواحش بقوله في تحريمها، وبحدوده التي وَضَعَ في الزجر عنها، وبنِقْمَتِه من فاعلها، أو بعذابه له، وهي من الخصال الكريمة. يُروى أنَّ النبي ﷺ قال لعمر: "دخلتُ الجنة فإذا جارية توضَّأُ على باب قَصْرٍ، قلتُ: لمن هذا؟ قالت: لعمر بن الخطاب، فأردتُ أن أدخله فذكرتُ غَيْرَتَك، فبكى عمر، وقال: وعليك أغار يا رسول الله" (١). وإذا كانت الغيرة متمكنة فيك أيها العبد ذَبًّا عن (٢) حريمك؛ فالغيرةُ في الذَّبِّ على (٣) حُرمات الله أوكدُ عليك وأولى بك. وقد رُوي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إن امرأتي لا ترد يد لامس، قال له: طَلِّقْها، قال: إني أحبها، قال: فاستمتع بها" (٤).

стр. 1651

وتأوَّله قَوْمٌ، والحديثُ ضعيفٌ لا أصل له، فلا تشتغلوا به، وقد تكلَّمنا على وُجُوهِه في موضعه من كتاب "الأمد" (١) وغيره. وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ الله يغار، والمؤمن يغار" (٢). وأشدُّ ما تكون الغَيْرَةُ في المشاركة في المحبوب، والباري يحب الطاعة ويكره المعصية (٣)، ويحب منها التوبة والطهارة، ويحب التقوى، فلا ينبغي أن يشارك معه في ذلك سواه، ولتُجْعَلْ له خالصةً كما بيَّنَّاه في اسم "المخلص". ومن أفضل وجوه الغيرة ألَّا تنتهك لغيرك حُرمة، كما تكره ذلك لنفسك، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: "إني أُحب الزنا، فقال (٤) له (٥): أتحب أن يُزنى بأمك أو بأختك أو بنتك (٦)؟ قال: لا، قال: فلا تفعل ذلك بغيرك" (٧)، وهو حَدِيثٌ حَسَنُ السَّنَدِ، حَسَنُ المَعْنَى، وذلك من صفات "الكريم".

стр. 1652

الكَرِيمُ (١): وهو الاسمُ الحادي والسَّبْعُونَ (٢) وهو من الأسماء الشريفة، والخصال الكريمة، الجامعة لخصال الخير والشرف؛ دِينًا ودُنْيَا، العامة فيها (٣)، المتناولة من كل وجه بها (٤)، وقد بسطنا القَوْلَ فيه في "الأمد الأقصى" (٥)، في وصف الباري بالكريم سبحانه، فأمَّا الذي يختصّ بالعبد من ذلك فنأخذُ فيه هاهنا إن شاء الله. ويجب أن تعلموا - علَّمكم الله واستعملكم - أن أهل العربية متفقون على أن الكَرَمَ كما قُلْنَا: عبارة عن خصال الخير. تقول العرب: كَرُمَ فلان؛ إذا كان كريمًا، أي: جامعًا لها. وقد يُعبَّر به عمَّن كان فيه بعضها. كما تقول العرب (٦) للرجل الكثير الخَيْرِ عند الناس: كريم. وقد يكون الذي يتَّصل خيره.

стр. 1653

[أوصافُ شجرة الكرْم]: وقد يكون الذي يَسْهُلُ جانبُه ولا يخشن، ويَقْرُبُ تَنَاوُلُ ما عنده ولا يبعد، ومن ذلك سُمِّيَتْ شجرةُ الكَرْمِ كَرْمَةً؛ لأنها جمعت أوصافًا سبعة كلها ممدوحة (١): الأوَّل: لُطْفُ شجرتها. الثاني: طِيبُ ثمرتها. الثالث: عدم مضرتها، إذ لا شوك فيها. الرابع: قُرْبُ تناول جناها؛ فإنه قريب من اليد. الخامس: أنه سَهْلُ القطاف. السَّادس: أنه يؤكل أَخْضَرَ ويابسًا. السَّابع: أنه يُتَغَذَّى به طعامًا وشرابًا. ألا ترى أن النخلة وإن كانت كريمة فإنها بعيدة المتناول، لها شَوْكٌ، وفي قَطْعِها عُسْرٌ؛ لجفاء العِثْكَال. [من معاني الكريم]: ولهذا المعنى تَفَطَّنَتْ مَلِكَةُ (٢) سَبَأ حين قالت: ﴿أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩].

стр. 1654

فقيل: لكَرَمِ صاحبه (١). وقيل: لخَتْمِه (٢). وقيل: لأن الطير حملته، وما حملت قط كتابَ أَحَدٍ، فعلمت أن لصاحبه قَدْرًا عظيمًا (٣). وقيل: لحُسْنِ خَطِّه. وقيل: لفصاحته وبيانه؛ فإنه مختصر اللفظ، فصيح المعنى، مصيب الغرض (٤). وكذلك تقول العرب للحِصَانِ الذي تُحْمَدُ أخلاقه: طِرْفٌ كريم. وقد تُعَبِّرُ بالكريم عمَّن انتفت عنه المكاره والدناءات، ولا شك (٥) أنه لا يشرف [الإنسانُ] (٦) إلَّا بنفي الدناءات وبما فيه من المكرمات، وهذا بهذا، لأنهما متلازمان (٧). وقد تقول العرب: فلان كريم، بمعنى مُكْرِم، وذلك من خصال الشرف وكمال السُّؤْدَدِ أن يُكرم سواه.

стр. 1655

وقال النبي ﷺ : "لا تقولوا للعنب الكَرْم (١)، إنَّما الكَرْم (٢) الرجل المؤمن " (٣)، وفي رواية: "قلب المؤمن " (٤)، صَحِيحٌ صَحِيحٌ (٥). [خِصَالُ الكريم]: ثم رأيتُ جماعة من الصوفية قد رَكَّبُوا على القول بأنَّ الكريم: الشريف القَدْرِ، الحسن الذات والصفات، في نَحْوٍ من عشرين عبارة (٦): منها: أن الكريم هو الذي يُعْطِي على ألَّا يُعَاوَض، أو (٧) يعطي بغير سبب، أو الذي لا يحتاج معه إلى وسيلة. رُوي أن حاتمًا الطائيَّ جاء إليه رجل فقال له: "اعتَفَيْتُكَ، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسنتَ إليه في العام الماضي، قال: مرحبًا بمن تشفَّع إلينا بنا" (٨).

стр. 1656

ومنها: أن الكريم الذي لا يقتصر بعطائه على مستحقه، لا كما قال الطائي: إنَّ الصنيعة لا تكون صنيعةً … حتى يُصاب بها طريق المَصْنَعِ (١) بل كما قال الآخَر: "أَمْطِرِ المعروف مطرًا، فإن لم تصادف أهله كنت أنت (٢) من أهله" (٣). ومنها: أن يرى كلَّ من قَبِلَ منه ما أعطاه مُسْتَحِقًّا شكره عليه، حيث جعله أهلًا لأن يُعْطِيَه. ومنها: ألَّا يعطي ما يحتاج لمن يحتاج، بل يعطي مع الاستغناء عن عطائه، وهي حقيقة الهَدِيَّةِ. ومنها: ألَّا يقطع عطاءه عمن ذمَّه، أو لا يمتنع (٤) من ابتداء عَطيَّته بسبب مَذَمَّتِه له وكراهيته. ومنها: أن يُعطي قبل أن يُسأل، قال الشَّاعر: رأى خَلَّتِي من حيث يخفى مكانها … فكانت قَذَى عينيه حتى تَجَلَّتِ (٥)

стр. 1657

ومنها: أن يُعطي لمن لم يُصَرِّحْ بسؤاله، كما قال الشاعر في الكافر: أَأَذْكُرُ حاجتي أم قد كفاني … حيائي منك إنَّ شيمتك الحياءُ (١) إذا أثنى عليك المرءُ يومًّا … كفاه من تعرضه الثناءُ (٢) ومنها: أن الكريم هو الذي إذا قَدَرَ عفا. ومنها: أن الكريم هو الذي إذا وَعَدَ وفى. ومنها: أنه الذي لا يُضَيِّعُّ من قَصَدَه. ومنها: أنه الذي لا ينتقم. ومنها: أنه الذي لا يُعَاتِبُ على الذنب بل يَغْفِرُه غَفْرًا. وهذه المعاني تكثر، ولو تَتبَّعَ المَرْءُ خصال الجُودِ لجاءت منها بِحَارٌ من القول. [تكريمُ بني آدم (٣)]: ويا أيها المريد، ولم لا تكون كريمًا؟ وقد كرَّمك الله سبحانه جِنْسًا؛ بأن خَلَقَكَ آدَمِيًّا، حَيًّا، عالمًا، قادرًا، متَكَلِّمًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُرِيدًا (٤)، وأكرمك بأن سَخَّرَ لك البَرَّ والبحر، وسَخَّرَ لك المَحَالَّ التي تتصرَّف عليها فيه؛ من الفُلْكِ والأنعام.

стр. 1658

ومنها: أن جَعَلَكَ قائمًا لا تَنْكَبُّ، فكُنْ قائمًا بالحق غير مُكِبٍّ. ومنها: أن جَعَلَ تصرفك بيديك، حتى يصل إلى فمك (١) غداؤك كما يحبه قَلْبُك، وسائر الأَكَلَةِ يحاولونه بأفواههم. ومنها: أنه بَدَأَكَ بالنعمة قَبْلَ أن أَمَرَكَ بالخِدْمَةِ. وقالت طائفة من العلماء: "إن قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]: عَامٌّ في لفظه، خاصٌّ في معناه، ألا ترى إلى قوله تعالى في صفة الكفار: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، وإنَّما أهانه بأنه امتنع من السجود له، ولم يخلق له القدرة عليه، فالكرامة في الطاعة، وغايتُها في تَتْرِيبِ الوجه ووَضْعِه - وهو أرفع عُضْوٍ - على أهون موجود؛ وهو التُّراب" (٢). ولهذا قال النبيُّ ﷺ لمولاه أَفْلَحَ: "تَرِّبْ وجهك يا أفلح" (٣)، وانصرف هو ﷺ من الصلاة وفي وجهه الكَرِيمِ الطِّينُ (٤)، سِيمَاءٌ من السجود كريمة، على غُرَّةٍ كريمة. فإن قيل: فإن كان أراد بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ الخصوص - وهم المؤمنون - فلم أَطْلَقَ القول (٥)؟

стр. 1659

قلنا: عنه ثلاثة أجوبة (١): الأوَّل: ما قدَّمنا من أنه عامٌّ، فما من أحد من بني آدم إلَّا وهو تحت نعمة الله وكرامتِه في الظاهر وتَعْظِيمِه، وقد يكون حقيقةً إذا كان معه الإيمان، وقد يكون استدراجًا إذا عَرِيَ عن الإيمان. الجواب الثاني: أنه لا يُستنكَر أن يكون اللفظ عامًّا والقصد خاصًّا، وذلك في القرآن والسنة والعربية كَثِيرٌ. الثالث: أن الله أَطْلَقَ القَوْلَ بالكرامة على صفة الآدَمِيَّةِ حتى يكون الكَرَمُ ابتداءً منه لا يُقابِله عِوَضٌ. [وُجُوه كرامة الله لعباده]: قال الإمام الحافظ (٢) ﵁: وكذلك هو حقيقةً، فإنَّ خيرًا يسيرًا من كرامة الله ونِعْمَتِه لا يقابله شُكْرُ الدنيا، وكَرَامَةُ الله للعبد من وجوه (٣): أحدها: أَنْ خَلَقَ له معرفتَه. الثاني: أن يسَّر له عبادتَه. الثالث: أَنْ مَنَحَه مناجاته، فيُقَالُ: مع من هو فلان؟ فيقال: يناجي الله، إذا كان يصلي، وأيُّ كرامة تُماثل هذه الكرامة؟

стр. 1660

الرابع: أنه إن نَقَضَ التوبة لم يُمْنَعْ (١) من قَبُولِها بعد النقض إذا أعادها. الخامس: أنه يغفر عَشَرَةً من الذنوب بطاعة واحدة. السَّادس - أعظمها -: أنه يفرح بتوبته؛ فالله أفرح بتوبة العبد من رجل طلب (٢) ناقته في دَوِيَّة مهلكة، فلمَّا يئس منها وأيقن بالهَلَكَةِ ونام في أصل شجرة استيقظ فوجدها (٣). السَّابع: أنه إِنْ ذَكَرُوهُ ذَكَرَهُمْ، وإن استغفروه غَفَرَ لهم، وإن سألوه أعطاهم، وإن استقربوه وجدوه "قريبًا"، وإن دعوه أَلْفَوْهُ "مجيبًا"، وإن اضطروا إليه (٤) أَلْفَوْهُ "مختارًا"، لما يوافقهم "وهَّابًا"، وهو: الثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر. الثَّاني عشر: أنَّهم قيل لهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٦]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٦٤]، وهو: الثالث عشر، والرابع عشر. الخامس عشر: "أنه يرفع الحجاب بينه وبينهم - وهو رِدَاءُ الكبرياء على وجهه - في جنة عَدْنٍ فيرونه" (٥)، ولا منزلة فوقها، ولا مطلب بعدها.

стр. 1661

وإذا تحقَّقتم أن الكريم من جَمَعَ خصال الخير؛ فحَصِّلُوها اعتقادًا وقَوْلًا وعَمَلًا؛ تَتَحَقَّقُ لكم الصفة، ويَعْرِفُها فيكم أَهْلُ المعرفة. [آثارٌ في الجُودِ بالمال]: ومن أوصاف المُرِيدِ الكريمة التي بها يكون كريمًا في أفعاله ألَّا يَعْتَدَّ بماله، بل ألَّا يدَّخره عن أصحابه، إذ لا يَتِمُّ الكَرَمُ في الذات إلَّا بأن يَتْبَعَهُ الكَرَمُ في الفعل. وأَوَّلُه: المواساة؛ وثانيه: الإيثار بالمال؛ وثالثه: الإيثار بالأهل؛ ورابعه: الإيثار بالنفس. فأمَّا المواساة فهي معلومة وكثيرة في الخلق؛ قديما وحديثًا، على اختلاف مراتبهم، وتباين أزمنتهم، وذلك ينشأ من المعرفة بالله وبالدنيا وبمكارم الأخلاق؛ فتَسْخُو النفس بما تعلم أن لا قَدْرَ له، وأنَّ قَدْرَه حقير. ولم يكن في هذه المرتبة العالية أَحَدٌ إلَّا رسول الله، كان أجود الناس، "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان إذا لَقِيَهُ جبريل، فلَرَسُولُ الله حينئذ أجود بالخير من الريح المرسلة" (١). وسأله رجل فأعطاه غَنَمًا بين جبلين، فأدرك قومه وقد أسلم، وقال: "أسلموا، فإني رأيت مُحَمَّدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر" (٢).

стр. 1662

وقال ﷺ : "لا تجدوني بَخِيلًا، ولا جَبَانًا، ولا كَذَّابًا" (١). وكان لا يَرُدُّ أحدًا سأله شيئًا، وما سُئِلَ شيئًا (٢) قطُّ فقال: لا (٣). وقال صفوان: "أعطاني رسول الله وإنَّه لأبغض الناس إليَّ، فما زال يُعطيني حتى إنَّه لأحبُّ الناس إليَّ" (٤). وجاءه أبو بكر بماله كله (٥)، وعمر وعبد الرحمن بن عوف بنصف مالهما (٦). ووَاسَتِ الأنصارُ المهاجرين بأموالهم، فلمَّا فتح الله الفُتُوحَ رُدَّ إلى كل أَحَدٍ مالُه، وفيه روايات. وأمَّا الإيثارُ فقد آثَرَهُ أبو بكر بجميع ماله وبنفسه؛ خرجت حَيَّةٌ من جُحْرٍ (٧) في الغار فسَدَّ أبو بكر عنه (٨) الغار برجْله، فنهشته فرقاه رسول الله (٩).

стр. 1663

وآثَرَهُ عَلِيٌّ بنفسه؛ تَسَجَّى ببُرْدِه (١) الحَضْرَمِيِّ ونام على فراشه (٢)، وخرج رسول الله فارًّا بنفسه، مهاجرًا إلى ربه. ووَقَاهُ طَلْحَةُ بيده فضُرِبَ فيها (٣) فشَلَّتْ (٤). ونزل سَعْدُ بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف عن شَطْرِ ماله وإحدى زوجتيه فلم يَقْبَلْ (٥). وقد كان المواساةُ والإيثارُ في الجاهلية من أكرم الخصال، وقِصَّةُ كعب بن مَامَةَ في إيثاره لأخيه النَّمَرِي بالماء حتى مات عَطشًا مشهورة (٦). ولإيثار الأنصار مَدَحَهُم الله في كتابه وأثنى عليهم، فإنَّ صِلاتهم تكاثرت، ومواساتهم تظاهرت، وإيثارهم توالى، حتَّى رُوي - واللفظ للبخاري -: "أن رجلًا جاء النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجَهْدُ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلَّا الماء، قال رسول الله: من يُضِيفُ هذا الليلة يرحمه الله؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق إلى امرأته فقال: أَكْرِمِي ضَيْفَ رسول الله؛ لا تدَّخريه شيئا، فقالت: ما عندنا إلَّا قُوتُ الصِّبْيَانِ، فقال: هَيِّئِي طعامك، وأَصْبِحِي (٧) سِرَاحَك، ونَوِّمِي صبيانك إذا

стр. 1664

أرادوا عَشَاءً، ونَطْوِي بطوننا الليلة، فهيَّأت طعامها، وأصبحت (١) سِرَاجَها، ونَوَّمَتْ صبيانها، ثم قامت كأنَّها تُصْلحُ سراجها فاطفأته، فجعلا يُرِيَانِه أنهما يأكلان، فباتا طَاوِيَيْنِ، فلمَّا أصبح غَدَا إلى النبي ﷺ فقال: ضحك الله الليلة - أو عجب - من فعالكما، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] " (٢). وكان قَيْسُ بن سعد الأنصاري من الكرام (٣). وطلحة بن عبد الله بن خَلَف الخُزاعي المعروف بطَلْحة الطَّلَحات، كان يبتاع الرقاب ويعتقها، فإذا وُلدَ لأحد منهم وَلَدٌ سُمِّيَ بطلحة (٤)، وفيه بقول الشاعر: رَحِمَ الله أَعْظُمًا دفنوها … بسجسْتان طلحة الطَّلْحَاتِ (٥) وكانت عائشةُ من الأجواد، رُوِيَ: "أنها (٦) جاءتها أربعون ألف درهم، فما برحت من مكانها حتى فرَّقت جميعها، وحان (٧) الفِطْرُ فقالت

стр. 1665

لخادمها: جيئي (١) بفَطوري: قالت: لا فطور لك، وهلَّا أخذت ممَّا كان بين يَدَيْكِ فَطُورًا؟ قالت لها: لو ذكَّرْتني لفعلت (٢) " (٣). ورَوى مالك في "الموطأ": "أن مسكينًا سال عائشة وهي صائمة، وليس في بيتها إلَّا رَغِيفٌ، فقالت لمولاة لها: أعطه إيَّاه، فقالت: ليس لك ما تُفطرين عليه، فقالت: أعطه إيَّاه، ففعلت، فلمَّا أمسى (٤) أهدى لنا أهلُ بَيْتٍ شَاةً وكَفَنَها (٥)، فقالت عائشة ﵂: هذا خير من قُرْصِك" (٦). [مُواسَاةُ ابن العربي لصاحبه أبي المعالي]: قال الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله ﵁ (٧): كُنْتُ مع أبي بمدينة السَّلَامِ؛ فخَرَجَتْ عَنَّا النَّفقَةُ في بعض الأيَّام، فقال لي: خُذْ هذه الثلاثة الأرباع الدينار، ادفعها إلى الخبَّاز، وأَجْرِ (٨) الصَّرْفَ منها، حتى يأتينا من رِزْقِ الله ما وَعَدَنَاهُ، إذ التجارة عندهم بالخبز، فخرجتُ بها؛

стр. 1666

فلقيني في الطريق من أخبرني أن صاحبَنا أبا المعالي المَيَّافَارِقِي وَجِعٌ (١)، فقلتُ: أَعُودُه في طريقي، فدَخَلْتُ عليه فأَلْقَيْتُه مُضْطَجِعًا على نِطْعٍ، تحت رأسه حَجَرٌ، وهو في نِهَايَةٍ من الضعف، وثِيَابُه التي يختلف (٢) بها إلى المجلس موضوعة في طَاقٍ، فسألتُه عن حالته، فكَشَفَ لي عَوْرَةً من الفَقْرِ والألم ما سمعتُ من أَحَدٍ بأعظم منها، فقلت: لا أَطْلُبُ أَثَرًا بعد عَيْنٍ، فخرجتُ إلى الطبيب؛ وأَعْلَمْتُه بحاله وضعفه، فذَكَرَ دواء وغذاءً، وابتعتُ له فَرُّوجًا، وجئته بالدواء فاستعمله، ثم جئته بالفرُّوج وتَكَلَّفْتُه له، وتناول منه، ودَفَعْتُ إليه بَقِيَّةَ الذهب، وجئتُ إلى داري بغير شيء، وأَزْمَعْتُ على إعلام أبي بالحال، وقلت: عندنا كُتُبٌ (٣) وثِيَابٌ (٤)، وننتظر خَيْرًا، ورَأَيْتُ رَجُلًا لا ملجأ له، وتعيَّن عليَّ فَرْضُه، فلم يكن بُدٌّ من أدائه، فلمَّا جِئْتُ بابَ داري إذا عليه أبو القاسم بن أبي حامد بن عمر؛ فتًى من أبناء (٥) البلد، ومن أصحاب الخليفة، كان يقرأ معي، وكان مُخْلِصًا لي، فسَلَّمْتُ عليه ورَحَّبْتُ به، وقلت له: ما جاء بك وهذا افتراقُنا في المجلس؟ فقال: أردتُ تجديد العهد بك، فدخلنا وجلس في العَرْصِ (٦) معي؛ حيث كانت

стр. 1667

كُتُبِي ومجلسي، وكان أبي بكُتُبِه في الإيوان، وتحدَّثنا مَلِيًّا، ثم تذاكرنا مسائل، وتواعدنا للاجتماع عَشِيَّةً على ما جرى من العلم، ثم قام فشيَّعته إلى باب الدار، ثم عُدْتُ إلى موضعي، وخَلَعْتُ ثيابي لأمشي إلى أبي وأُعْلِمَه بما جرى، وجَمَعْتُ الكُتُبَ التي كنَّا فرَّقناها للنظر في الأحاديث التي تذاكرناها، فإذا بجُزْءً منها مضطرب الهيئة؛ فَفَتَحْتُه، فإذا فيه (١) صُرَّةٌ مشدودة، فحللتها فإذا فيها ثلاثون دينارًا، فقبضتُ عليها وجئت أبي، فقال لي: أبطأتَ، ومضى النهار وفات النظر، فقلتُ: إنَّما أبطأتُ عليك لأنه كان يوم تجارة، قال لي: وكيف؟ قلتُ: أخذتُ الثلاثة الأرباع (٢) الدينار وتَجَرْتُ بها إلى الآن، فلمَّا خَلَصَتْ (٣) إليَّ ثلاثين دينارًا جِئْتُكَ بها، ورميتُ بالدنانير بين يديه، فلمَّا رآها خَجِلَ، قال: ما هذا من تجارة؟ قلت: إي والله منها، مِن عند (٤) غَنِيٍّ وَفِيٍّ، قال: بالله، قُلِ الأَمْرَ على وجهه، فبَقَرْتُ له الحديث؛ فعَجِبَ منه، وحَمِدَ الله عليه. فهذه كلها وجوه من الكَرَم؛ أوَّلها المواساة، وآخِرُها الإيثار، وأوَّلها إعطاء الحبة، وآخرها إعطاء المال، بل إعطاء النفس: فالجودُ بالنفس أقصى غاية الجودِ (٥)

стр. 1668

وأمَّا أنا؛ فما أَعْطَيْتُ (١) تلك الثلاثة الأرباع الدينار لصاحبي من كَرَمٍ، إنَّما رَأَيْتُ رجلًا غريبًا، وَجِعًا فقيرًا تَالِفًا (٢)، فتوهَّمْتُ حالَه، وتَوَقَّعْتُ أنْ يكون مآلِي (٣) مآلَه، فبادرتُ بذلك الذي فَعَلْتُ شَفَقَةً لا تَكَرُّمًا (٤). وأمَّا المعنى في تسميته بالجَوَادِ (٥):

стр. 1669

الجَوَادُ (١): وهو الاسمُ الثاني والسَّبعون (٢) فإنَّه من السَّيَلَانِ؛ يقال: جاد المطر يَجُودُ جودًا، وبه يقال: جاد الكريم. وفي الأحاديث الحِسَانِ في وصف الله بأنه "جواد" (٣) لكثرة عطائه، وهو من صفات الفِعْلِ (٤). قال الإمام الحافظ (٥) ﵁: ولا تكمل صفات المؤمن وإيمانه إلَّا به، ولا ينتهي إلى درجة الصِّدْقِ (٦) إلَّا بالإيثار على النَّفْسِ بالنفس. قال سفيان الثوري: "إذا كَمُلَ صِدْقُ الصادق لم يُخَلِّفْ ما في يَدَيْه" (٧).

стр. 1670

[جُودُ أبي سهل الصعلوكي]: وقال السُّلَمِي: "كان الأستاذ أبو سهل الصُّعْلُوكِي محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان (١) الحنفي (٢) من الأجواد، وكان ابنه أبو الطيب سَهْلٌ جمع رياسة الدين والدنيا، وأخذ عنه فقهاء نيسابور، وكان أبو سهل لا يُنَاوِلُ أحدا شيئًا، إنَّما يضعه على الأرض ويقول: الدنيا أقل من أن تُرى من أجلها يَدَيَّ على يَدَيْ (٣) غيري" (٤). [جُودُ النُّورِي]: ولمَّا سعى غُلَامُ خَلِيلِ بالصوفية إلى الخليفة ورُفع إليه أنهم زناديق أَمَرَ بضرب أعناقهم، فأمَّا الجُنَيْدُ فاستعاذ بالفقه، وكان على مذهب أبي ثَوْرٍ، وأمَّا الشَّحَّام والرَّقَّام وأبو الحُسَين (٥) النُورِي وغيرهم فَقُبِضَ عليهم، وبُسط النِّطْعُ لضرب أعناقتهم، فتقدَّم النُّورِي، فقال له السَّيَّافُ: "تدري لما تتقدَّم؟ قال: نعم، قال: وما يُعْجِلُكَ؟ قال: أُوثِرُ أصحابي بحياة ساعة، فتحيَّر السَّيَّافُ، وأنهى الخبر إلى الخليفة فردَّهم إلى القاضي ليتعرف حالهم، فألقى القاضي على أبي الحُسين النُّورِي مسائل فقهية، فأجاب عن الكل، ثم أخذ يقول: وبَعْدُ، فإنَّ لله عبادًا إذا قاموا قاموا بالله، وإذا تكلَّموا تكلَّمُوا بالله، وإذا فعلُوا فعلُوا لله، وسرد كلامًا بالغًا، حتى أبكى القاضي،

стр. 1671

وقال: إِنْ كان هؤلاء زنادقة فما على الأرض مُسْلِمٌ، وأرسل إلى الخليفة فأمَرَ بالتخلِّي عنهم" (١). [الإيثارُ من علامات المحبة]: وقالت الصوفية: "الإيثارُ من علامات المحبة" (٢)، كما تقدَّم. ألا ترى إلى امرأة العزيز لما تَنَاهَى حُبُّها في يوسف قالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٣) [يوسف: ٥١]. وقد ذَكَرَ بعضُ المفسرين خبرًا باطلًا: "في أنَّها لمَّا عَمِيَتْ وافتقرت لَقِيَتْ يوسف، فجرى بينهما (٤) كلام، وتزوَّجها في آخره" (٥). ولا أصل لذلك، فلا تلتفتوا إليه. [الجُودُ بالثواب]: وأَعْظَمُ الكَرَم والجُودِ الكَرَمُ بالثواب، وبما يُعطي الله من المراتب والمنازل في دار المآب، وهذا فَصْلٌ لم أُسْبَقْ إلى بيانه، ولم أُزْحَمْ على ذِكْرِه. وأَكْرَمُ الخَلْقِ (٦) محمد رسول الله؛ قال ﷺ : "لكل نبي دعوة، وإنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٧).

стр. 1672

فأخبر أن كل نَبِيٍّ لمَّا أُعْطِيَ دَعْوَتَه عاد بها على ذاته، وسألها في منفعته، ومُحَمَّدٌ ﷺ جَادَ بها على أُمَّتِه، وبذلك كان أجود الخلق، وصار ذلك أصلًا في الإيثار بالثواب. فأمَّا الدعاء فلا خلاف فيه، وكذلك ثواب المال في الصدقة. وأمَّا ثوابُ الصلاة والصيام فلم يَقُلْ به مالك (١)، وقد ثبت عن النبي أنه قال: "من مات وعليه صَوْمٌ صام عنه وَلِيُّه" (٢)، ولم يَرِدْ في الصلاة أَثَرٌ، وكان (٣) الصيامُ قد (٤) دخله (٥) الفِدَاءُ بالمال (٦) فدخلته النِّيَابَةُ (٧). وأمَّا الصلاة فلم أر فيها لا صحيحا ولا سقيمًا أكثر من أن جواز الحج عن الغير باتفاق يقتضي أن يركع عنه ركعتي الطواف، فتكون هذه نيابة في الصلاة على طريق التَّبَعِ (٨) لأفعال الحج، فأمَّا ابتداءً فلا أعلمه مَرْوِيًّا ولا مَقُولًا.

стр. 1673

[نكتة]: وهاهنا نكتة؛ وهي أن الذي ذكرناه هو فيما إذا نوى بالعمل الغير، فأمَّا إذا نوى العمل عن نفسه فلمَّا كَمُلَ وهب ثوابَه للغير؛ فلم أَرَ فيه نَصًّا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه إلى الآن، ولكن حَفِظْتُ منه كثيرًا عن الزهَّاد. لقد حجَّ بعضُهم سبعين حجة، فلمَّا كان في آخرها وظنَّ أنه لا يعود قال في الموقف: "ربِّ إن كنت قَبِلْتَها فقد تصدَّقتُ بها على المذنبين من أهل الموقف، فرأى الباري تعالى في المنام، فقال له تعالى (١): علينا تَتَسَخَّى؟ قد غفرتُ لهم ولك" (٢). وتكلَّم الناسُ على جُودِ الفقير على الغني فقالوا: "إنَّه أفضل من جود الغني على الفقير"، وهو صحيح، لأنَّه رُوي في الأثر: "سَبَقَ درهم مائة ألف درهم" (٣)، وهو وإن لم يصحَّ سَنَدُه فإنَّ معناه صحيح. مثالُه: فقير معه درهم تصدَّق به، وآخَرُ معه مائتا ألف درهم تصدَّق بمائة ألف، فيكون الأوَّل قد تصدَّق بجميع ماله، والثاني قد تصدَّق بنِصْفِ ماله.

стр. 1674

ومن أبدع أمثال العرب: ذَرِيني أكن للمال ربًّا ولا يكن … ليَ المال ربًّا تَحْمَدِي غِبَّه غدَا أَرِينِي جوادًا مالت هُزْلًا لعلَّني … أرى ما تَرَيْنَ أو بَخِيلًا مُخَلَّدَا (١) قال أحمد بن حنبل عنْ شُعيب بن حرب: "ليس السَّخِيُّ من أخذ المال من غير حِلِّه فبَذَّره، ولكن السخي من عُرِضَ عليه ذلك المال فتركه". [التعريفُ بالإمام الحافظ عطيَّة الأندلسي]: وقرأتُ على أبي بكر محمد بن طَرْخَان (٢) الصُّوفِي بدرب نُصَيْرٍ من مدينة السَّلام: أخبركم أبو عبد الله محمد بن فتُّوح: أخبرني عبد العزيز بن بُندار الشِّيرَازِي قال: "لَقِيتُ عَطِيَّةَ الأندلسي (٣) ببغداد وصَحِبْتُه، وكان من الإيثار والسخاء والجود بما معه على أمر عظيم، إنما يقتصر من لباسه على فُوطَةٍ ومُرَقَّعَةٍ، ويؤثر بما سوى ذلك، وكان قد جمع كُتُبًا حملها على بَخَاتِيَّ

стр. 1675

كثيرة، فرافقته (١)، وخرجنا معه (٢) جميعًا إلى الياسرية، وليس معه إلَّا وَطاؤه ورَكْوَتُه، ومُرَفَّعَتُه عليه، قال: فعجبت من حاله ولم أعارضه، فبلغنا إلى المنزل الذي نزل فيه الناس، وذهبنا نتخَلَّلُ الرِّفَاقَ، ونمرُّ على النازلين، فإذا أنا بشيخ خُراساني له أُبَّهَةٌ، وهو جالس في ظِلٍّ له، وحوله حَشَمٌ كثير، قال: فدعانا وكلَّمنا بالعَجَمِيَّةِ، وقال لنا: انزلوا، فنزلنا وجلسنا عنده، فما أَطَلْنَا الجلوس حتى كلَّم بعض غلمانه، وأَتَى بالسُّفْرَةِ (٣) فوضعها بين أيدينا وفتحها، وأقسم علينا، فإذا فيها طعام كثير وحلاوة (٤) حسنة، فأكلنا وقمنا. قال عبد العزيز: فلم نَزَلْ على هذه الحال؛ يَتَّفِقُ لنا كلَّ يوم من بدعونا ويُطعمنا ويسقينا إلى أن وصلنا مكَّة، وما رأيتُه حَمَلَ من الزَّادِ قليلًا ولا كثيرًا. وقُرئ عليه بمكَّة "الصحيح" للبخاري؛ روايته عن إسماعيل بن محمد الحاجبي عن الفِرَبْرِي عن البخاري (٥). سمعتُ أبا بكر بن طَرْخَانَ يقول: سمعتُ محمد بن فتُّوح يقول: سمعت أبا غالب محمد بن أحمد بن سهل النحوي المعروف بابن بِشْرَان يقول: سمعت عطية بن سعيد يقول: سمعت القاسم بن علقمة الأبهري يقول: سمعت أحمد بن الحُسين الرازي يقول: سمعت محمد بن هارون يقول: سمعت أبا دجانة يقول (٦): سَمِعْتُ ذا النُّون المصري يقول:

стр. 1676

أُقَلِّلُ ما بي فيك وهْوَ كثيرُ … وأزجرُ دَمْعَ العين (١) وهو غزيرُ وعندي دُمُوعٌ لو بَكَيْتُ ببعضها … لفاضتْ بُحُورٌ بعدهنَّ بُحُورُ قبورُ الورى تحت التراب وللهوى … رجال لهم تحت الثياب قبورُ سأبكي بأجْفَانٍ عليك قريحة … وأرنو بألحاظٍ إليك تشيرُ (٢) قال القاضي أبو بكر (٣): رأيتُ سماعَ عطية بن سعيد بن عبد الله هذا بالمشرق في الأصول، والصوفية تُعَظِّمُه، والمحدثون يُثنون عليه، والخطيب أبو بكر حافظُ بغداد يُقَدِّمُه، وله أمثال وما لهم مِثَالٌ. وكان عطيَّةُ هذا لا ينام على الأرض إلَّا مُحْتَبِيًا، مات سنة ثلاث وأربع مائة (٤). وهذا الخبرُ يدخل في الجُود، والتوكل، والتخلي عن الدنيا، وفصول من الأسماء والحالات. وكان عُبيد الله بن أبي بَكْرَةَ من الأجواد، ينفق على جيرانه من الجهات الأربعة (٥)، من كل جهة أربعين دارًا، فيعطي لكل مائة وستين دارًا ما يكفي أهلها من قُوتٍ وكسوة، لما رُوِي في الصحيح من الوَصاة بالجار، وجاء في الآثار من تحديد الجوار بأربعين دارًا (٦).

стр. 1677

وأَحْسَنُ الكَرَمِ ما يكون من قِبَلِ الوُلَاةِ؛ فإنَّهم خُزَّانُ أموال جماعة المسلمين، وما من أحد إلَّا له عندهم حَقٌّ، أَعْطَوْهُ أو مَنَعُوهُ، فإذا جاؤوا به لأربابه كَرُمَتْ ذواتهم، وطابت صفاتهم، وصَفَتْ حالاتهم، وعلت درجاتهم، وتضاعفت بركاتهم. [جُودُ أبي الفتح مَلِكْشَاه]: وما رأيتُ في رحلتي، نعم؛ ولا في مُدَّتِي، واليًا جوادًا، بل رأيتُ وعاينتُ من المسرفين جُمْلَةً، ومن المُنْفِقِينَ في غير وجهه عِدَّةً، حاشا أبو الفتح (١) بن مَلِكِ خراسان البَارَسْلَان (٢). [التعريف بخواجا بُزُرْك ومكارمه]: ووزيرُه أبو علي خَوَاجَا بُزُرْك (٣)، كان قَبْلَ أن يَزِرَ صُوفِيًّا ففيرًا، يمشي على قدميه من مسجد الأقدام بمصر إلى أرض تُرْكُسْتان وما وَرَاءَ جَيْحَان في

стр. 1678

صحبة الزهاد، والتنقل من رِبَاطٍ إلى رباط، أربعين عامًا، ثم وَزَرَ أربعين عامًا، وأَمْرُه ترونه في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" إن شاء الله. وهو الصاحب الأجل السيِّد، غِيَاثُ الدولة، سيد الوزراء، رَضِيُّ أمير المؤمنين؛ أبو علي حسن الخراساني، خواجا بُزُرْك، يعني: السيِّد الكبير، فلمَّا انتهى إلى منزلة الوِزَارَةِ (١) - بصورة طويلة - رَعَى ما كان فيه من الفقر والحاجة، واشتمل على الفقهاء والصوفية، وجذب بضَبْع الكُلِّ إلى الدولة، وقام على تربية المُلْكِ بأحسن السياسة، وأَوْسَعَ عَدْلًا الرياسة، حتَّى قال الناس: إنه لم يَزِرْ بَعْدَ بني بَرْمَكَ مِثْلُه. وكان (٢) عالمًا مُوَحِّدًا، وبَنُو بَرْمَك ملحدون، وكان هذا يسمع الحديث؛ فإنه كانت له رواية عالية، ولم يَبْقَ بَلَدٌ (٣) حَاضِرٌ بخراسان ولا بالعراق إلَّا بنى فيه المدارس للفقهاء، والرِّبَاطَاتِ للصُّوفية، ورتَّب لهم، وأَدَرَّ الأرزاق عليهم، واشترى لهم الدواوين في كل بلد، وحبَّسها على الطلبة (٤)، ووظَّف لهم الوَرَقَ للنَّسْخِ، وأثبت في ديوان كل بلد عَدَدَ من فيه من عالم وطالب، أو شيخ للصوفية أو مُرِيدٍ، وفَرَضَ لكل أحد ما يليق به ويصلح له؛ بالشام، والعراق، وخراسان، وما وراء النهر جَيْحُون، فتألَّف من ذلك سِتُّ مائة ألف دينار في العام، سوى ما يَخُصُّ الأعيانَ منهم؛ من الصِّلات الوافرة، والكُسَا الظاهرة، ويتلقَّى به الوافدين، فيَذْكُرُ جميعُهم

стр. 1679

أنه كان يُخْرِجُ في ذلك بَيْتَ مال في كل عام، فائتلفت القلوبُ على محبتهم (١)، وعمِرَتِ المساجد والرِّباطات بالدعاء لهم والثَّناء عليهم. وسَارَ ذِكْرُ الوزير والأمير مسيرة (٢) الشمس والقمر، وصاب على الآفاق صَوْبَ المطر، وتَأَرَّجَتْ به الدنيا تَأَرُّجَ الإِنَابِ والقُطَرِ، وارتاحت إليهما النفوس ارتياحها بنَسِيم السَّحَر، فألقى الحُسَّادُ في أُمْنِيَةِ المَلِكِ أن الوزير يُفْسِدُ عليه في كل عام بيت مال، على قَوْم لا تنتفع بهم الدولة، ولا يعتضد بهم المُلْكُ، وأنَّ هذا المال لو عاد به المَلِكُ على جُنْدِه أو على ثُغُورِه لكان ذلك أنجع، وأَعْوَدَ على المُلْكِ بالعائدة وأنفع، وأَصْوَبَ في مدارك الرأي وأوقع، فاستدعاه وشافهه، فبكى نِظَامُ المُلْكِ وقال له: أيُّها المَلِكُ عَلِمْتَ ظُؤُورَتِي (٣) لك، وتَحَقَّقْتَ خِدْمَتِي لأبيك، وتيقَّنت تَرْبِيَتِي (٤) لمُلْكِك؛ جَلْبًا ودَفْعًا، وعائدتي بصحيح النظر له؛ فيما وقى ضُرًّا، أو جَلَبَ نَفْعًا، وأنا شيخ فَارِسِيٌّ؛ لو نُودي عليَّ فيمَنْ يَزِيدُ ما بَلَغْتُ خمسة دنانير، وأنت غلام تُرْكِيٌّ؛ لو نُودِيَ عليك ربَّما بَلَغْتَ عشرين دينارًا، أو الغاية ثلاثين، وليس لنا عَمَلٌ يصعد إلى الله بصلاحه، بكَلِم (٥) طَيِّبٍ يرفعه، وإنَّما نحن أبناء الدنيا؛ أعددنا أمدادًا، وحشدنا أجنادًا، بسلاح (٦) قصيرة، لها آماد محصورة، ولم تصحبهم تقوى، ولا تفكَّروا في العُقْبَى، وهذا الجَيْشُ (٧) الذي أَقَمْتُ لك يَسْرِي إذا هَجَعَ النَّاسُ، ويمشي إذا وقفوا،

стр. 1680

ويصعد إذا أَسْهَلُوا (١)، يجأرون بالدعاء لك، ولجيوشك ليلًا ونهارًا، تَرْقَى سِهَامُ أدعيتهم إلى السماء السَّابعة، وتتصل بالرحمن في أعز مكان (٢)، وأشرف زمان (٣)، وهو قد استدعاها (٤) منهم، وأمرهم برفعها إليه، ووعدهم بإجابة الدُّعاء، وإعطاء السُّؤْلِ، ونيل المأمول، وإنَّما يُحمى المُلْكُ ويُقاتل الأعداء بالعمل الصالح والدعاء المجاب، قبل الرجال والأجناد، فبكى أبو الفتح، وكان مَلِكًا رفيقًا عادلًا، وقال له: "شا باش (٥) " (٦). وممَّا يزيد من فضل هذا (٧) المَلِكِ على وزيره أنَّك كنت تمشي في مُلْكِه مسيرة ستة أشهر - مشيتُ فيها أربعين يومًا -؛ لا تخاف فيها إلا الله والذئب على الغنم، أو الأسد على الرجال والدواب، لا وَكس ولا شطط، ولا مكس ولا ضَغط، بلاد راخية، وعيشة راضية، وأمم هادنة، وسِيَرٌ هادية، حتَّى مات؛ فاضطرمت الأرض نارًا، واضطربت بأهلها تَدْوَارًا، وانقلبت أعاليها أسافلها دفارًا، وقد بَيَّنْتُ عجائب من أمره وحاله في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة (٨) ".

стр. 1681

وعلى كل (١) حَالٍ؛ فهؤلاء أولادُه في مُلْكِهم وعلى درجتهم، حين لم يعدلوا عن سيرتهم، ولا عاجوا عن طريقتهم، وعَصَمُوا عن بؤسهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقد يحفظ الله الأولاد بصلاح الآباء إذا عَضَدُوا أنفسهم بتَرْكِ المخالفة والإباء، قال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، فذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنهم حُفِظُوا في حُرْمَةِ الأب السَّابع (٢). [التعريفُ بجُودِ أبي سعيد بن الحداد الأصفهاني]: ومن غريب الجُودِ: أنه حجَّ سنة تسعين (٣) أبو سعيد بن الحدَّاد الأصفهاني (٤)، أخو شيخنا (٥) إسماعيل (٦) البُنْدَار، نزيل بغداد، فدخل مدينة

стр. 1682

السَّلام؛ وحَمَلَ إلى الخليفة مالًا عظيمًا، وحمل الزَّادَ على ثلاثة آلاف جَمَلٍ، خرج من "النجمية" مُعَرَّسِ الحاج بالجانب الغربي منها (١)، وأَطْعَمَ الحاجَّ من يوم خروجه إلى رجوعه، كل يوم، لا يهتبل أَحَدٌ بزاد، ولا ينظر في معيشة، ودَفَعَ إلى أمير الحاج وجَيْشِه الذي يَسْرِي (٢) في البَذْرَقَةِ (٣) عشرة آلاف دينار، جَذْرُه (٤) الذي كان يُعطيه الملك العادل، فلمَّا فات كان يأخذه من الناس مُقَسَّطًا على الحاجِّ (٥)، ثم أعطى ابنَ أبي هاشم عشرة آلاف دينار كِسْوَتَه، وأعطى للأشراف مثلها، ولم ببق بمكة ساكن ولا مُجَاوِرٌ إلَّا وصلت إليه صِلَتُه، وعاد إلى بغداذَ؛ فكُتِبَ له كلُّ إمام (٦) بها وطالب، وإمام (٧) ومؤذن، وصُوفِيٍّ ومُرِيدٍ، فأعطى الرؤوس مائة دينار، مائة دينار (٨)، وأعطى الأتباع من دينارين إلى عشرين دينارًا، ومشيتُ إليه بعد انكفائه عن

стр. 1683

الحج مع أبي، صُحْبَةَ شيخنا أخيه إسماعيل، فدخلنا عليه؛ وبوَصِيَّةِ أبي حامد الغزالي بِنَا وتنبيهه علينا، لنراهُ ونطَّلع حاله، وقلنا: تكون معرفة، فربما دخلنا خراسان وعرَّجنا على أصفهان، فوصلنا إلى منزله بالكَرْخِ، وتقدَّم أخوه واستأذن لنا، فوصلنا إليه، وتلقَّانا ببِرٍّ وافر، وتكلَّم معنا بتُرْجُمَانٍ، ومَجْلِسُه غاصٌّ، وفي أثناء الكلام جاءت السُّفَرُ، ونُضِدَ عليها الأقراص والصحون بالألوان، فرأيتُها بأجمعها هَيْئَةَ فُولٍ مطبوخ، وهو الذي نُسَمِّيه "البَيْسَار" (١)، فقلتُ: هذه سيرة الزهاد، وإنه ليشبه ملبسَه؛ فإنه كان مُتَوَسِّطًا جدًّا، فلمَّا غسلنا أيدينا وأخذنا في الأكل إذا بالصحون اللَّوْنُ واحدُ، والأطعمةُ مختلفة، وقد أَتَوْنَا به مُتَشَابِهًا، فَوَالعَظِيم الكريم العزيز الرَّحيم العَلِيِّ الحكيم الذي ابتلاني بكم بعدهم، وجعلني بَدَلًا منهم معكم، ما انفصلتُ عن ذلك المجلس إلَّا والدنيا قد خَرَجَتْ من قلبي، فما دَخَلَتْهُ إلى اليوم؛ لأنِّي علمتُ أن تلك هي الدنيا والمُلْك، لا دُنْيَا المَلِكِ العادل ولا مُلْكه، ورأيتُ أنه أَمْرٌ لا يُدْرَكُ، فوَقَفْتُ حيثُ وَقَفَتْ بي المقاديرُ، وترَدَّدَتْ في أثناء التدبير، ولله الحُكْمُ العلي الكبير. ورَدَفَتْنا صِلَتُه في حُرْمَةِ أبي حامد الغزالي وأَخِيهِ (٢)، وكان ذلك الذي فَعَلَ برَأْيِ الغزالي وأَمْرِه، ورجع إلى أصبهان (٣) وقد أنفق بَيْتَ مال، وكان من تُنَّاهَا، لا اتصالَ له بسلطان (٤)، ولا تَصَرُّفَ له معه، وخَرَجَ راكبًا

стр. 1684

مُسْتَبْشِرًا (١)، والغلمانُ بين يديه بأطباق الدَّنانير، والخلق يتبعونه، وهي تُنْثَرُ عليهم، وهم يلتقطونها، حتى فرعت الأطباقُ، وتقطَّعت الثياب في لَقْطِها، وربما انفكت يَدٌ، وانكسر ساقٌ. [جُودُ ابن عمر البغدادي]: ولقد نزلنا أضيافًا على رجل من تُنَّاءَ بغداذ، وهو ابن عمر أبي (٢) حامد (٣)، فكنَّا في ضيافته من يوم دخلناها إلى يوم خروجنا عنها، مع إرسال الدنانير والثياب في أوقات، كأنه كان معنا في الحاجة إليها على ميقات. [جُودُ أهل بيت المقدس]: ولقد كنَّا نخرج مع أبي بكر الفِهْرِي الصُّوفِي شَيْخِنا، فنمشي في مشاهد الأنبياء ورباطات الأصفياء؛ الأيام والأشهر، في جَمْع (٤) الطلبة، نَقِيلُ بمَنْهِل، ونبيت على منزل، في تُحَفٍ كثيرة، وخيرات معدَّدة (٥) مردَّدة، ثم نعود إلى المسجد الأقصى، ثم نخرج إذا طاب الهواء (٦)، وغرَّد المُكاء، وانتهى جريان الماء في الأغصان إلى الاستواء.

стр. 1685

فانسِبُوا - يا معشر المريدين - بلادكم إلى تلك البلاد، أو ناسكم إلى أولئك الناس، أو أخلاقكم إلى أخلاق تلك الأمم، أو سِيَرَكُم إلى سِيَرِ تلك الطبقة، حتى تتحقَّقوا ما بينكم وبينهم من التفرفة، ومع هذا كله فقد استولت عليهم المِحَنُ، ومحقتهم الفِتَنُ (١)، فهل تنتظرون أنتم إلَّا أَشَدَّ من ذلك أو أَشَرَّ، أو السَّاعة؛ فالسَّاعة أدهى وأَمَرُّ؟ وبهذا وأمثاله حصل لهم السُّؤْدُدُ، وتَمَكَّنَ لهم المَجْدُ المُوَطَّدُ، وقال القائلُ: "إنَّك لا تلقى منهمُ إلَّا السَّيِّدَ بعد السَّيِّدِ".
следующие страницы →