← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وعلى كل (١) حَالٍ؛ فهؤلاء أولادُه في مُلْكِهم وعلى درجتهم، حين لم يعدلوا عن سيرتهم، ولا عاجوا عن طريقتهم، وعَصَمُوا عن بؤسهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقد يحفظ الله الأولاد بصلاح الآباء إذا عَضَدُوا أنفسهم بتَرْكِ المخالفة والإباء، قال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، فذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنهم حُفِظُوا في حُرْمَةِ الأب السَّابع (٢). [التعريفُ بجُودِ أبي سعيد بن الحداد الأصفهاني]: ومن غريب الجُودِ: أنه حجَّ سنة تسعين (٣) أبو سعيد بن الحدَّاد الأصفهاني (٤)، أخو شيخنا (٥) إسماعيل (٦) البُنْدَار، نزيل بغداد، فدخل مدينة

стр. 1682

السَّلام؛ وحَمَلَ إلى الخليفة مالًا عظيمًا، وحمل الزَّادَ على ثلاثة آلاف جَمَلٍ، خرج من "النجمية" مُعَرَّسِ الحاج بالجانب الغربي منها (١)، وأَطْعَمَ الحاجَّ من يوم خروجه إلى رجوعه، كل يوم، لا يهتبل أَحَدٌ بزاد، ولا ينظر في معيشة، ودَفَعَ إلى أمير الحاج وجَيْشِه الذي يَسْرِي (٢) في البَذْرَقَةِ (٣) عشرة آلاف دينار، جَذْرُه (٤) الذي كان يُعطيه الملك العادل، فلمَّا فات كان يأخذه من الناس مُقَسَّطًا على الحاجِّ (٥)، ثم أعطى ابنَ أبي هاشم عشرة آلاف دينار كِسْوَتَه، وأعطى للأشراف مثلها، ولم ببق بمكة ساكن ولا مُجَاوِرٌ إلَّا وصلت إليه صِلَتُه، وعاد إلى بغداذَ؛ فكُتِبَ له كلُّ إمام (٦) بها وطالب، وإمام (٧) ومؤذن، وصُوفِيٍّ ومُرِيدٍ، فأعطى الرؤوس مائة دينار، مائة دينار (٨)، وأعطى الأتباع من دينارين إلى عشرين دينارًا، ومشيتُ إليه بعد انكفائه عن

стр. 1683

الحج مع أبي، صُحْبَةَ شيخنا أخيه إسماعيل، فدخلنا عليه؛ وبوَصِيَّةِ أبي حامد الغزالي بِنَا وتنبيهه علينا، لنراهُ ونطَّلع حاله، وقلنا: تكون معرفة، فربما دخلنا خراسان وعرَّجنا على أصفهان، فوصلنا إلى منزله بالكَرْخِ، وتقدَّم أخوه واستأذن لنا، فوصلنا إليه، وتلقَّانا ببِرٍّ وافر، وتكلَّم معنا بتُرْجُمَانٍ، ومَجْلِسُه غاصٌّ، وفي أثناء الكلام جاءت السُّفَرُ، ونُضِدَ عليها الأقراص والصحون بالألوان، فرأيتُها بأجمعها هَيْئَةَ فُولٍ مطبوخ، وهو الذي نُسَمِّيه "البَيْسَار" (١)، فقلتُ: هذه سيرة الزهاد، وإنه ليشبه ملبسَه؛ فإنه كان مُتَوَسِّطًا جدًّا، فلمَّا غسلنا أيدينا وأخذنا في الأكل إذا بالصحون اللَّوْنُ واحدُ، والأطعمةُ مختلفة، وقد أَتَوْنَا به مُتَشَابِهًا، فَوَالعَظِيم الكريم العزيز الرَّحيم العَلِيِّ الحكيم الذي ابتلاني بكم بعدهم، وجعلني بَدَلًا منهم معكم، ما انفصلتُ عن ذلك المجلس إلَّا والدنيا قد خَرَجَتْ من قلبي، فما دَخَلَتْهُ إلى اليوم؛ لأنِّي علمتُ أن تلك هي الدنيا والمُلْك، لا دُنْيَا المَلِكِ العادل ولا مُلْكه، ورأيتُ أنه أَمْرٌ لا يُدْرَكُ، فوَقَفْتُ حيثُ وَقَفَتْ بي المقاديرُ، وترَدَّدَتْ في أثناء التدبير، ولله الحُكْمُ العلي الكبير. ورَدَفَتْنا صِلَتُه في حُرْمَةِ أبي حامد الغزالي وأَخِيهِ (٢)، وكان ذلك الذي فَعَلَ برَأْيِ الغزالي وأَمْرِه، ورجع إلى أصبهان (٣) وقد أنفق بَيْتَ مال، وكان من تُنَّاهَا، لا اتصالَ له بسلطان (٤)، ولا تَصَرُّفَ له معه، وخَرَجَ راكبًا

стр. 1684

مُسْتَبْشِرًا (١)، والغلمانُ بين يديه بأطباق الدَّنانير، والخلق يتبعونه، وهي تُنْثَرُ عليهم، وهم يلتقطونها، حتى فرعت الأطباقُ، وتقطَّعت الثياب في لَقْطِها، وربما انفكت يَدٌ، وانكسر ساقٌ. [جُودُ ابن عمر البغدادي]: ولقد نزلنا أضيافًا على رجل من تُنَّاءَ بغداذ، وهو ابن عمر أبي (٢) حامد (٣)، فكنَّا في ضيافته من يوم دخلناها إلى يوم خروجنا عنها، مع إرسال الدنانير والثياب في أوقات، كأنه كان معنا في الحاجة إليها على ميقات. [جُودُ أهل بيت المقدس]: ولقد كنَّا نخرج مع أبي بكر الفِهْرِي الصُّوفِي شَيْخِنا، فنمشي في مشاهد الأنبياء ورباطات الأصفياء؛ الأيام والأشهر، في جَمْع (٤) الطلبة، نَقِيلُ بمَنْهِل، ونبيت على منزل، في تُحَفٍ كثيرة، وخيرات معدَّدة (٥) مردَّدة، ثم نعود إلى المسجد الأقصى، ثم نخرج إذا طاب الهواء (٦)، وغرَّد المُكاء، وانتهى جريان الماء في الأغصان إلى الاستواء.

стр. 1685

فانسِبُوا - يا معشر المريدين - بلادكم إلى تلك البلاد، أو ناسكم إلى أولئك الناس، أو أخلاقكم إلى أخلاق تلك الأمم، أو سِيَرَكُم إلى سِيَرِ تلك الطبقة، حتى تتحقَّقوا ما بينكم وبينهم من التفرفة، ومع هذا كله فقد استولت عليهم المِحَنُ، ومحقتهم الفِتَنُ (١)، فهل تنتظرون أنتم إلَّا أَشَدَّ من ذلك أو أَشَرَّ، أو السَّاعة؛ فالسَّاعة أدهى وأَمَرُّ؟ وبهذا وأمثاله حصل لهم السُّؤْدُدُ، وتَمَكَّنَ لهم المَجْدُ المُوَطَّدُ، وقال القائلُ: "إنَّك لا تلقى منهمُ إلَّا السَّيِّدَ بعد السَّيِّدِ".

стр. 1686

السَّيِّدُ (١): وهو الاسمُ الثالثُ (٢) والسَّبعون ومعناه في اللغة والحقيقة: الذي بلغ الغاية في الفضائل، وفاق الأقران والنُّظَراء في خصال الكمال (٣). والسَّيِّدُ بالحقيقة هو الله سبحانه الذي لا مِثْلَ له. والنبِيُّ سَيِّدُ وَلَدِ آدم؛ لأنَّه فوقهم في المراتب والفضائل، وقال (٤) ﷺ : "أنا سَيِّد الناس يوم القيامة" (٥)، خرَّجه مسلم (٦)، وهذا ظاهر، وقد بيَّنَّاه في غير موضع. ولمَّا نزلت قُرَيْظَةُ على حُكْم سعد بن معاذ أرسل إليه النبي، فجاء سعد، فلمَّا رآه النبي مُقْبِلًا قال للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" (٧)، فأثبت له

стр. 1687

المنزلة على جميعهم، وحَكَمَ له بأنه أفضلهم، فسَعْدُ بن معاذ في حياة رسول الله أفضلُ الأنصار، ولا عِلْمَ لأَحَدٍ بأفضلهم بعد موته. وخَيْرُ الناس بعد رسول الله أبو بكر. وفي التفضيل في حياته كلامٌ بيَّنَّاه في موضعه (١). وصار يُطْلَقُ (٢) - في العُرْفِ - على من يُرجع إليه في الآراء، ويَنْفُذُ قوله في الأمور على الجمهور، ولذلك (٣) قال الشَّاعر: أَلَا بَكَّرَ النَّاعي بخَيْرَيْ (٤) بني أَسَدْ … بعَمْرِو بن مَسْعُودٍ وبالسيِّد الصَّمَدْ (٥) وهو الذي يُصمد إليه في الأمور، ويُقصد فيها بكل معنى، كما تقدَّم. وقد كان بعضُ أصحابنا (٦) من المُتَعَبِّدِينَ يرى أن أهل هذا (٧) المغرب ليس فيهم فقيه، فإذا كَاتَبَ أحدًا منهم قال: "إلى سَيِّدِي أبي فُلَانٍ فُلَانِ بن فُلَانٍ"، فيَتَوَرَّعُ عن أن يكتب "فقيهًا"؛ لئلا يَكْذِبَ، فيكتبُ: "سَيِّدِي"، وهي كِذْبَةٌ عُظْمَى؛ لأنه ليس له بمَالِكٍ، ولا له عليه فضيلةٌ يتميَّز بها، بل ربما كان من أهل المعاصي والظُلَمِ (٨).

стр. 1688

وأيضًا فإنَّ التجاوز في أن يكتب له: "فقيهًا"، ويتأوَّل فيه فَهْمَ مسألة واحدة أخفُّ عليه من أن يكتب إليه (١): "يا سيِّدي"، ولم يَسُدْه بصفة من الصفات. وأيضًا فإن اسم "السَّيِّدِ" يَنْطَلِقُ على الله، واسم "الفقيه" لا ينطلق عليه، فكيف يَحْرِمُه اسمًا يشاركه فيه المخلوقون، ويُطلق عليه اسمًا يُسَمَّى بمثله الخالق؟ وهذا إنَّما أَوْجَبَهُ عليه أنه تَفَقَّه بنفسه، وعَوَّلَ على فهمه، ولم يَحُكَّ رُكْبَتَيْه برُكْبَةِ (٢) طالب، فَضْلًا عن عالم. وليته إذ تجوَّز فيه يكتب: "إلى فلان بن فلان سَيِّدِ قَوْمِه"، كما كتب النبي ﷺ إلى هرقل عظيم الروم (٣)، أي: تُعَظِّمُه الروم، وتعظيم الروم له باطل، ولكنه موجود حقيقة، فلذلك وَصَفَه النبي به. وقد روى بُرَيدة عن النبي ﷺ : "لا تقولوا للمنافق سيد؛ فإنه إن يَكُ سَيِّدَكم أسخطتم ربكم" (٤)، فكيف يكتب هذا إلى الظلمة وأهل الشقاق: سيِّد؟ ولو قال أَحَدٌ: "سيد"؛ لمن يستحق ذلك ولم يكن منه عن خُلُوصِ نِيَّةٍ؛ فإن ذلك مكروه منه.

стр. 1689

روى مُطَرِّفٌ عن أبيه وحُمَيد عن أنس: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وقال مُطَرِّفٌ: من بني عامر - في وفدهم، فقال له: "أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، أنت سَيِّدُ قريش، قال النبي: السَّيِّدُ الله، قال: أنت أفضلنا (١) قَوْلًا، وأفضلنا فِعْلًا، وأعظمنا فيها طَوْلًا، قال النبي: قولوا بقولكم - وفي رواية: ليقل أحدكم بقوله -، ولا يسجره (٢) - أو لا يَسْتَجِرُّه، أو لا يستجرينكم (٣)، أو لا يستهوينكم (٤) - الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أُحِبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أَنْزَلَنِيها الله" (٥)، وهذا كله قبل أن يُعْلِمَه الله سبحانه بمنزلته التي أَرْقَاهُ إليها. وقد كاد أبو هريرة جالسًا فجاء الحَسَنُ بن علي بن أبي طالب، فسلَّم فرَدَدْنا عليه، وأبو هريرة لا يعلم، فمشى فقلنا: "يا أبا هريرة هذا الحسن بن علي قد سلَّم علينا، فقام فلحقه (٦)، فقال: يا سيدي، قال: فقلنا: تقول له: يا سيدي؟ فقال (٧): سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه لسَيِّدٌ" (٨).

стр. 1690

وقال أبو بَكْرَةَ في حديثه: "ولعلَّ الله أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، أو بين أمَّتين (١) " (٢). وفي الصحيح: أن عمر قال: "أبو بكر سيدنا وخَيْرُنا (٣) " (٤). وإذا علمتم هذا وكان السَّيِّدُ هو الذي يُرجع إليه ويُصمد نحوه، وكان كذلك، وجب عليه أن يكون "نَصِيحًا".

стр. 1691

النَّصِيحُ (١): وهو الاسمُ الرَّابع (٢) والسَّبعون وحقيقته: إصلاح الفاسد (٣). ومنه: جَمْعُ المفترق، والمُحتاج (٤) إلى جمعه. والخياطة نُصْحٌ؛ لأنها (٥) تُصلح (٦) المخيط للمنفعة وتُهَيِّئُه (٧) للمراد، قال الأوَّل (٨): نَصَحْتُ بني عَوْفٍ فلم يتقبَّلوا … وَصَاتِي ولم تنجح لديهم وَسَائِلي (٩) وقال جرير: "بايعنا رسول الله على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنُّصْحِ لكل مُسْلِمٍ" (١٠).

стр. 1692

[تفسيرُ قول رسول الله: "الدين النصيحة"] ومن الحديث الحسن: عن تميم الداري (١) عن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة؛ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، ولعَامَّتِهم" (٢)، وهو صَحِيحٌ عند مسلم، سَقِيمٌ عند البخاري (٣)، وقد أمليناه عليكم في "شرح النَّيِّريْنِ" (٤). فأمَّا قوله: "لله"؛ ففيه قولان: أحدهما: أنه استفتاحُ كلام لا يتعلق بالمعنى، كقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، فقوله هاهنا: ﴿لِلَّهِ﴾: هو استفتاح كلام؛ لأنَّ الأرض كلها لله. الثاني: أن النصح لله توحيده بالاعتقاد، والمجادلةُ عنه لأهل الإلحاد، وإخلاصُ العمل له في الاجتهاد.

стр. 1693

وأمَّا النُّصْحُ لكتابه؛ فمن سبعة أوجه: الأوَّل: الإيمان به. الثاني: تَعَلُّمُه (١). الثالث: العمل بما فيه (٢). الرَّابع: الوقوف عند متشابهه، والنظر في مُحْكَمِه. الخامس: الذَّبُّ عنه. السَّادس: تَرْكُ المِرَاءِ فيه (٣). السَّابع: تَرْتِيلُه. والإيمان به على الجملة فَرْضٌ بالإجماع، وكذلك العمل بما فيه فَرْضٌ أيضًا بالإجماع، على أنواع العمل الخمسة؛ فيعمل بالواجب واجبًا، ويترك (٤) المحظور محظورًا، ويأتي المندوب فَضْلًا، ويَنْكَفُّ عن المكروه تنزيهًا، ويتخيَّر في المباح كيف شاء من فِعْلٍ وتَرْكٍ. وأما الوقوف عند متشابهه ففي ذلك كلام كثير بيَّنَّاه في "قانون التأويل" (٥)، وفي "المشكلين"، وفيه أقوال كثيرة، وكلام طويل عريض.

стр. 1694

والذي أَقْدَحُ لكم به في هذا "السِّرَاجِ" أن المتشابه على قسمين: منه ما تَكِعُّ (١) عنه العامَّة؛ ومنه ما يَكِعُّ (٢) عليه (٣) العلماء. فأمَّا العامَّة فحَظُّها الإيمانُ به؛ ومن كانت له قدرة فحَظُّه النظر فيه للعلم به. وأمَّا المُحْكَمُ فطَلَبُ عِلْمِه فريضة. وأمَّا الذبُّ عنه ففَرْضٌ على من قَدَرَ عليه. وأمَّا تَرْكُ المِرَاءَ فيه ففَرْضٌ على جميع الأمة؛ وهو المنازعة في معانيه وفي أصله لغير وجه الله، ولا لطلب الحق والفهم والعلم، وإنَّما هو للتشكيك والتضليل وللمباهاة. وأمَّا ترتيله ففضيلة. وأما نُصْحُ رَسُولِه فمن أربعة أوجه: الأوَّل (٤): تَصْدِيقُه، قال الله سبحانه: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٩]. الثاني: تَعْظِيمُه، لقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].

стр. 1695

الثالث: طَاعَتُه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. الرَّابع: الرِّضَى بحُكْمِه، لقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. وأمَّا النُّصْحُ لأئمة المسلمين؛ فالإمامُ نائبُ رسول الله، يَجِبُ له ما يجب للرسول (١) من الحُرْمَةِ والطاعة، لكن ما يَجِبُ للنبي أَعْظَمُ بأضعاف مضاعفة، ويزيدون على النبي بما (٢) لا يجب للنبي؛ لا لحرمة زائدة، ولكن لعِلَّة حادثة، من أربعة أوجه: الأوَّل: الصَّبْرُ على أذاهم إذا لم يَعْدِلُوا. الثاني: تَنْبِيهُهم إذا غَفَلُوا. الثالث: ترْكُ الثناء عليهم بما ليس فيهم. الرَّابع (٣): الدُّعَاءُ عند فسادهم بصلاحهم. وقد رُوي عن الفُضَيل بن عياض وعبد الله بن المبارك كلمة بَدِيعَةً من الجُودِ والإيثار على أنفسهم للأمة؛ لأنهما قَالَا: "لو كانت لنا دعوة مجابة لجعلناها في السلطان" (٤).

стр. 1696

يعنيان: لما فيه من صلاح العامة، واستقامة الأمور، وسلامة ذات البَيْنِ. ويجب ذلك للعامة، كما قال: "ولعامَّتهم"، والعامَّة على قسمين: داخلون في جملة الحُكَّام بفتواهم، وهم حَمَلَةُ العِلْم، وعلى الخلق تصديقهم فيما رَوَوا، وتقليدهم (١)، والدعاء لهم، وتعظيمهم. وأمَّا من عَدَاهُمْ فحقوقهم كثيرة، وهي (٢) متفصلة (٣) ومتنوعة، غايتها تعليمهم إذا جهلوا، وتقويمهم إذا عاجوا، ومقصودها إصلاح الظاهر والباطن، وتقويمها إذا احتاجوا. [المُشَاوَرَةُ (٤)]: وعلى العامة من الخليفة حَقُّ المشاورة؛ من الرسول إلى أقل خَلْقٍ بعده في درجاتهم، والمُشَاوَرَةُ أَصْلُ الدين، وسُنَّة الله في العالمين، ومُحَمَّدٌ أَوَّلُ مستشير، وجبريل أوَّل ناصح، صلَّى الله عليهما. نزل جبريل على النبي فقال له (٥): "إنَّ الله خيَّرك بين أن تكون نَبِيًّا مَلِكًا، أو نبيًّا عبدًا، فنظر النبي إلى جبريل كالمستشير، فأشار إليه جبريل أن تواضع، فقال النبي: أختار أن أكون عبدًا نبيًّا" (٦).

стр. 1697

وفي الصحيح: "دعا رسول الله عَلِيَّ بن أبي طالب وأسامة يستشيرهما في فراق أهله، فأمَّا أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله، وأمَّا علي فقال: لم يُضَيِّقِ الله عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تصدقك، فسأل بَرِيرَةَ فقال: هل رَأَيْتِ من شيء يُريبك (١)؟ قالت: ما رأيتُ أمرًا أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين (٢) أهلها؛ فتأتي الداجن فتأكله" (٣). وخطب النَّبِيُّ على المنبر في شأن عائشة فقال: "أَشِيرُوا عليَّ في أناس أَبَنُوا أهلي، وما علمتُ على أهلي من سوء" (٤)، وذكر الحديث. وتشاور أبو بكر مع عمر والصحابة في أمر مَنْعِ الزكاة، فلم يسمع أبو بكر منهم حين كان عنده دَلِيلُ الحق نصًّا. حتى غالى في ذلك بعضهم فقال: "إنَّ قولَه تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٥) سُنَّةٌ في المشاورة، ولولا ذلك ما استجرأ أحدٌ منهم على المجاوبة بما قالوه، ولكنهم فهموا أن الجواب منهم مطلوب فقالوا ما قالوه".

стр. 1698

وقال الله لرسوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أَمَرَ بذلك تَطْيِيبًا لأنفسهم، وتنبيهًا لنا (١)، وذلك في الحرب خاصَّة، لا في مسائل الدين. قال الله لنَبِيِّه: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما قصروا، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما أذنبوا، ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ ليُثْبِتَ لهم مَحَلًّا ومنزلة، وليرفع الخَجْلَةَ (٢) عن قلوبهم وظواهرهم، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ بعد ذلك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فشَاوَرَ صلَّى الله عليه، وتَشَاوَرَ أصحابُه في مقامات كثيرة، بيَّنَّاها (٣) في "أنوار الفجر". وقد مَدَحَ اللذين يتشاورون فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، في الآيات الجامعة، وفيها أَحَدَ عَشَرَ مَعْنًى وخَصْلَةً (٤): الأول: الإيمان، وقد تقدَّم بيانُه. الثاني: التوكل، وقد تقدَّم شَرْحُه. الثالث: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى: ٣٧]، كُلُّ ذلك وما يأتي بعده مبنيٌّ (٥) على قاعدة قد (٦) بيَّنَها ونبَّه سبحانه عليها،

стр. 1699

فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في بدن أو مال، ﴿فَـ﴾ كله ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ لأنه لا بد له أن يفنى، وكلُّ ما تعتقد من الراحات لا يصفو من الشوائب، وكُلُّ ذلك سريع الزوال، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]، ولكنه لا يُعطي لأحد ابتداءً دون أن يتقدَّمه عَمَلٌ في جُمَلٍ؛ منها: الإيمان والتوكل في قِسْمِ الأوامر، ومنها: الرَّابع: وهو اجتناب الكبائر، وهو الشِّرْكُ بأنواعه، والفواحش، وهي قبائح المعاصي؛ كالزنا، والخمر، والسرقة، والغصب، والكذب، والقذف، وأكل مال الربا، وأكل مال اليتيم، وفي القتل خلاف (١)؛ هل هو من نوع الكفر الموجب للتخليد أم من المعاصي الداخلة في المشيئة؟ الخامس: تَجَرُّعُ كأسات (٢) الغضب، وتَسْكِينُ سَوْرَةِ النفس عند الطيش؛ بفَوْتِ أَمَلٍ، أو سماع مكروه، بل يقابلونه بالمغفرة، ويقبلون معه المعذرة، فإن غلبهم اضطجعوا، أو اغتسلوا، كما جاء في الحديث، وقد رُوي أن النبي قال له رجل: "أوصني، قال: لا تغضب" (٣). السَّادس: أنه يستجيب لربه في كل ما دعاه إليه؛ من امتثال واجتناب (٤).

стр. 1700

السَّابع: قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، أي لا يستبد بأمر (١)، ويَتَّهِمُ رأيه أبدًا، حتى يستعين فيه بغيره؛ ممَّن يَظُنُّ به (٢) أن عنده مَدْرَكًا لغرصه، وهذه سيرة أوَّلية، وسُنَّةٌ نبوية، وخَصْلَةٌ عند جميع الأمم مَرْضِيَّةٌ (٣). هذا إبراهيمُ الخليل لمَّا أمره الله بذَبْح ولده أعلمه به، وقال له: ماذا ترى فيه؟ قال له ابنه: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فسَنَّ (٤) سُنَّةً، واختبر سريره، ورَازَ (٥) دِينًا، واستبرأ عقلًا، واستدعى طاعة، فوجد كلَّ ذلك كما أراد. وقد قال بعضُ الحكماء: "إنفاذُ الأمر بغير رَوِيَّةٍ كالعبادة بغير نِيَّةٍ" (٦). وهذا ممَّا يغترُّ به كثير من المُقَصِّرِينَ، وليس بشيء؛ فإنَّ العبادة بغير نية لا شيء في كل حال، والرأي بعير رويَّة قد لا يخيب (٧)، ويُفضي إلى المطلوب. وقال بعضُ المؤلفين: "لا تُشَاوِرِ الجماعة، وشَاوِرْ كل واحد على حِدتِه" (٨).

стр. 1701

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: هذا خطأ على الإطلاق، الغالب أن يُشَاوَرَ الكُلُّ في الجماعة، وهنالك أمور حُكْمُها أن يقع السؤال عنها والمشاورة فيها سِرًّا؛ تكشفها التجربة (٢). وأنشد الحكماء: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن … برأي لبيب أو مشورة حَازِمٍ ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … مكان الخوافي نافعٌ (٣) للقوادمِ (٤) والرَّأْيُ في الحرب هو رُوحُ المكيدة، وقوة النصر، وحظ (٥) السَّلامة، وفاتحة الظَّفَرِ، ولقد أصاب بعضُ الأحداث فقال: الرَّأْيُ قبل شجاعة الشجعان … هي أُولى وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفس حُرَّةٍ … بلغت من العَلْيَا كلَّ مكانِ ولربما طعن الفتى أقرانَه … بالرأي قبل تَطَاعُنِ الأقرانِ (٦) والكَيْدُ: المكر (٧)؛ وهو العمل في الظاهر بما لا يقصد في الباطن، هو أصل الآراء.

стр. 1702

وقال (١) النبي: "الحرب خَدْعَةٌ" (٢)؛ بفتح الخاء وإسكان الدال. قيل: معناه: يكون بالخداع، كما تقول: الموت ضربة بالسيف، أي: تكون بها. ورُوي بضم الخاء وفتح الدال (٣)، معناه: تخدع صاحبها، فنُسِبَ الفعل إليها، كما قالوا: ليل نائم. وقد بيَّن الله حكمة مشاورة النبي لأصحابه، وأَعْلَمَ أن ذلك برحمته في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، بل كان رؤوفًا رحيمًا، فرَزَقَهُ القوة على صحبتهم مع جَفْوَتِهم، وتبليغ الرسالة إليهم مع ما قاسى منهم، فلولا قُوَّةٌ إلَهية وضعها الله فيه وخَلَقَها له ما أطاق صُحْبَتهم، ولا احتمل أذاهم، ألا ترى إلى موسى ﷺ قال علماؤنا: - "كيف لم يصبر عند مخاطبة أخيه، وأَخَذَ برأسه يَجُرُّه إليه" (٤). الثَّامن: قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. قال أَهْلُ التفسير: "يعني: إذا ظَلَمُوا أباح الله لهم الانتصار من الظالم بمثل فِعْلِه، لا بزيادة عليه، كما قال في موضع آخر: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] " (٥).

стр. 1703

وقال أَهْلُ الزهد: "انتصَرُوا لأنفسهم من أنفسهم" (١). فيكبح نفسه عن هواها، ويَرُدُّها عن شهوتها إلى طاعة مولاها، ويَقِفُها عن الركض في ميدان البطالة على خَيْلِ المخالفة. التاسع: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ [البقرة: ١٧٨]، يعني: عن الجاني.

стр. 1704

العَفُوُّ (١): وهو الاسمُ الخامس (٢) والسَّبعون وهي خصلة عظيمة، واسم كَرِيمٌ، أثبته الله لنَفْسِهِ بكلامه وفِعْلِه، فنَدَبَ عَبْدَه إلى أن يكون من وَصْفِه قرآنًا وسنةً. وهو مأخوذٌ من معاني كثيرة، بيَّنَّاها في اسم "العَفُوِّ" من كتاب "الأمد الأقصى" (٣)، وفي كتاب "الأحكام" (٤)، في آية القصاص. والمُرَادُ (٥) به هاهنا الإسقاطُ (٦)، فكُلُّ من تَرَكَ ما وَجَبَ له وأَسْقَطَ ما ثبت له فهو عَافِي، وإذا كَثُرَ دلك منه فهو عَفُوٌّ، على وَزْنِ فَعُولٍ. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الآية. وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].

стр. 1705

وقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]. ورَوَتْ عائشة: "أن النبي ﷺ ما انتقم لنفسه قَطُّ؛ إلَّا أن يُنتهك (١) حُرْمَةٌ من حُرمات الله، فيكون أشدَّ النَّاس غضبًا، حتى ينتقم لله" (٢). وفي الحديث الحسن: "يُنادي منادي يوم القيامة: أَلَا لِيَقُمْ من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلَّا من عَفَا" (٣). فامَّا قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: فإنَّ البخاري روى عن عبد الله بن الزبير في تفسير الآية: "أن الله أَمَرَ نبيَّه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس" (٤). وروى غيره أن النبي ﷺ سأل جبريل عنها، فقال له: "إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عن من ظلمك" (٥). والثابت أن عُيَينة بن حُصَين (٦) دخل على عمر فقال له (٧): "إنك لا تُعطي الجَزْلَ، ولا ئحكم بالعدل، فغضب عُمَرُ وهَمَّ أن يُوقِعَ به، فقال له

стр. 1706

ابن أخيه الحُرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، قال: فما تجاوزها عمر، وكان وَقَّافًا عند كتاب الله". وليس يمتنع أن يكون (١) معاني العَفْوِ من الإِسْقَاطِ والعطاء مرادة بالآية، على ما بيَّنَّاه في "أصول الفقه"، ويكون الله قد أمره بأن يُسْقِطَ حقَّه، ويُعطي فَضْلَه. وأمَّا قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾؛ فيعني به: المعروف (٢)، أَمَرَه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. وأمَّا إِعْرَاضُه عن الجاهلين فقد بيَّنَّا أن بعضه منسوخ، وهو في حق الكفار، وبَعْضُه مُحْكَمٌ في حق المؤمنين (٣). وأمَّا قوله: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾؛ فهم الذين إذا فَارَ غَيْظُهم رَدُّوه عن سبيله وحبسوه، وقطعوه عن اتصاله. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ قد بيَّنَّا أن الإحسان مع الله أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسانُ مع الناس أن تدع حقَّك كلَّه، كم كان مع من كان. وأمَّا قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ يؤكد (٤) هذا لأنه جعله من العَزْم، وهو جَزْمُ الإرادة على (٥) ثبات القلب في مخالفة الشهوة والهوى، والعمل بمقتضى العقل والمروءة.

стр. 1707

وقد قال الله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. قيل: معناه: لم نجد له عزمًا على امتثال الأمر (١). وقيل: لم نجد له عزمًا على ترك المخالفة (٢)، يُحَقِّقُه قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾، فأخبر الله تعالى (٣) أن ذلك إنما واقعه نسيانًا (٤)، ولم يجد له على تَرْكِ المخالفة عزمًا ولا تعمدًا (٥)، ولم يكن النسيان في تلك الشريعة مرفوعًا عن الخلق، وإنَّما هو أَمْرٌ خُصَّتْ به هذه الأمة، وقد بيَّنَّا شَرْحَ الآية في "كتاب المشكلين" بما فيه كفاية. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]؛ كلمة لا يوازنها شيء، لأنَّ الذي للعبد عند الله ومن الله وبالله خَيْرٌ له ممَّا يأخذه لنفسه بإرادته ويفعله باختياره. العاشر: إن الانتصار جائز؛ لأنَّ الله عَلِمَ من عباده أن منهم من لا يملك نفسه، ولا يبلغ حَزْمُه إلى هذه الخصلة، فأَذِنَ له في النِّقْمَةِ، ورخَّص له في المكافأة، على سبيل العدل والقِسْطِ.

стр. 1708

الحادي عشر: قال علماؤنا: "وقد يكون العَفْوُ لاحتقار حال الجاني أو قَدْرِ المَعْفُوِّ عنه، فهذا هو الصَّفْحُ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] (١). وقيل: معناه: أَسْقِطْهُ ولا تذكره، وهو الصَّفْحُ الجميل الذي أَمَرَ الله به رسوله. وقيل: الصَّفْحُ الجميل هو الاعتذار عن الذنب، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾، وهذا من فضل الله سبحانه، وهذا كله يرجع إلى الإحسان، وهو يتناوله ويتضمَّنه. فإن تَعَذَّرَتْ عليه النصائح فليُدَارِ ما استطاع، ولا يُدَاهِنْ.

стр. 1709

المُدَارِي (١): وهو الاسمُ السَّادسُ (٢) والسَّبْعُونَ فإنَّ المُدَارَاةَ (٣) سُنَّةٌ. قد رُوي عن أبي الدرداء أنه قال: "إنَّا لنَكْشِرُ في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم" (٤)، هذا على زهده وصرامته في الحق. وقالت عائشة: "استأذن على النبي رجل فقال: ائذنوا له، فبئس أخو العشيرة، فلمَّا دخل أَلَانَ له القول، فقلت: يا رسول الله: قُلْتَ ما قُلْتَ ثم أَلنْتَ له القول (٥)؟ قال: يا عائشة، إنَّ شَر الناس منزلة من وَدَعَه الناس اتِّقاء فُحْشِه فقال ذلك" (٦). ولم تكن غِيبَةً لأنه كافر، وأَلَانَ له القول دَفْعًا لشَرِّه عن الدين، وصارت سُنَّةً في المدافعة.

стр. 1710

والمداهنة معصية، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه (١): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. قال المفسرون: فيه سَبْعُ (٢) تأويلات (٣): الأوَّل: وَدُّوا لو تَكْفُرُ فيكفرون (٤). الثاني: وَدُّوا لو تُصْعَقُ فيصعقون (٥). الثالث: لو تَلِينُ فيَلِينُونَ، قاله الفرَّاء (٦). الرَّابع: لو تَكْذِبُ فيكذبون (٧)، قاله ابن عباس. الخامس: لو تُرَخِّصُ فيُرَخِّصُونَ (٨). السَّادس: لو تُدَاهِنُ فيداهنون معك في دينهم (٩). فهذا مُنْتَهَى قَوْلِ (١٠) جَمِيع (١١) المفسرين، وقد بيَّنَّا لكم في "قانون التأويل" (١٢) كيف تتبع (١٣) هذا وأمثاله بالدليل.

стр. 1711

أمَّا من قال: "وَدُّوا لو تكفر فيكفرون"، أو "تكذب فيكذبون"، أو "تُرَخِّصُ فيُرَخِّصُون"، فله وجه، ولكنه قصَّر فيه. وأمَّا من قال: "لو تصعق فيصعقون"، فجزاؤه القلب والتصحيف بالسَّوْطِ لا باليد. وفي هذه الآية غرائبُ من التفسير ومن استخراج المعاني من الألفاظ، تسمعونها - إن شاء الله -: وذلك أن حقيقة "دَرَأَ": دَفَعَ، وحقيقة "دَهَنَ": لَانَ، من الدُّهْنِ، وهو اللَّيِّنُ من المائع (١) وقد جاء لفظُ "دَرَأَ" محمودًا في الشريعة، ولم يأت لفظُ "دَهَنَ" إلَّا مذمومًا. قال النبي ﷺ : "فليدرأه ما استطاع" (٢). ومن كلام السَّلَفِ الأوَّل: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (٣). وقال عمر في أبي بكر: "كنت أداري منه بعض الحَدِّ" (٤). وحيث جاء "دَهَنَ" جاء مذمومًا، قال الله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤]، وقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.

стр. 1712

وقال النبي صلوات الله عليه: "مَثَلُ القائم بحدود الله والمُدَّهِنِ فيها كمثل قَوْمٍ استهموا (١) سفينةً" (٢)، الحديث. وتَنَخَّلَ (٣) لكم من هذا أن المداراة هي دَفْعُ الشيء بحق، والمداهنة اللِّينُ الذي يكون في موضع الدَّرْءَ الواجب، فإذا لم يجب الدَّرْءُ ولنْتَ لم تكن مُدْهِنًا (٤). وقد كانت قريش تَوَدُّ أن بَلِينَ لهم النبي ﷺ فيما كان يشدهم فيه، وتحاول (٥) ذلك بوجوه (٦)، والنبي لا يقبل منهم، بل يمضي على أمر الله كما ألزمه، لا يَرُدُّه عن ذلك شيء، ولا يمنعه منه خوف، وقد بيَّن الله ذلك في قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٤]. وقد تَكَلَّمَ المفسرون على هذه الآية بجَهَالَةٍ، وقد بيَّنَّاها في "المشكلين". لُبَابُه: قالوا: "إن المشركين منعوا النبي ﷺ من لَمْسِ الحَجَرِ حتَّى يلمس الآلهة، فحدَّث النبيُّ بذلك نفسَه، وقال: ما عليَّ، والله يعلم أني كَارِهٌ" (٧).

стр. 1713

وقالوا: "إنَّ ثَقِيفًا طلبت منه أن يؤخرهم بالإسلام سنة، حتى يجمعوا ما كانت العادة أن يقبضوه لآلهتهم، فهَمَّ النبي بذلك، فمنعه الله" (١). وهذا كله باطل، وبعضُه أشدُّ من بعض. أمَّا قولهم: إنه هَمَّ بلَمْسِ الآلهة؛ فما كان هذا قطٌّ، ولا يجوز أن يكون؛ لا عادة ولا ديانة، أمَّا من (٢) طريق العادة فقد عَلِمَتْ قريش والخلق أنه ما ألمَّ بها قطُّ قبل أن يُبْعَثَ ولا نَظَرَ إلى جهتها، فكيف يلمسها بعد النبوة؟ الثاني: أن لَمْسَ الأصنام كُفْرٌ، فكيف يخفى على النبي أنه كفر؟ أم كيف يسامح فيه؟ ولا يجوز أن يُمْهِلَ حتى يجمعوا مال الأصنام، فإنَّ الأوَّل كُفْرٌ، والثاني معصيةٌ، وكلاهما لا يجوز على النبي. وقد نفى الله عنه أن يَهُمَّ أو يُقَارِبَ، وبيَّن براءته في القرآن نَصًّا، حيثُ قال: "إنهم قاربوا (٣) أن يفتنوك"، يعني: بسؤالهم وطلبهم، وثبَّتَهُ الله عن أن يقاربهم، ونفى عنه مقاربتهم بقوله: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾، فمنع الله نبيَّه بتثبيته أن يقاربهم، فإنَّ كلمة "لولا" تدل على امتناع الشيء لوجوب (٤) غيره، والذي وجب التثبيت، والذي امتنع مقاربة الركون، فأين (٥) هذا عن هؤلاء (٦) الذين لا يعقلون؟ ويتسلَّطون على كتاب الله وهم لا يعلمون، ويبسطون ألسنتهم في الرُّسُلِ بما لا يجوز وهم لا يشعرون.

стр. 1714

ولذلك قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾، أي: تَلِينُ فيَلِينُونَ، وهذا بدل على أنه لم يَكُنْ لِيَهُمَّ (١)، ولَوْ هَمَّ لَلَانَ، ولو رَكَنَ لَلَانَ، وذلك مَنْفِيٌّ عنه عقلًا وقرآنًا. وقد تبيَّن لكم بهذا أن الدَّفع إذا كان بما يجوز بَقِيَ على أصله اسمًا، فيقال له: الدَّرْءُ، ولفَاعِلِه: "المُدَارِي"، ويبقى أيضًا حُكْمًا فيكون جائزًا، فإذا كان بما لا يجوز كان إِدْهَانًا. فركب المفسرون على الحقيقة إن كانوا علموها. فمن قال: إن معناه: "وَدُّوا لو تكفر فيكفرون، أو تكذب فيكذبون" (٢)، فإنه فسَّره على المآل، بأنه لو فَعَلَ ذلك أو قاله كان كُفْرًا وكَذِبًا. وكذلك من قال: "ترخَّص"، فإنَّ الرُّخْصَةَ هي تَرْكُ الواجب، مأخوذ من شيء رَحْصٍ، وهو النازل عن الشدة. وأمَّا من قال: "تَلِينُ"؛ فهو الحقيقة في اللفظ واللغة. فأمَّا السَّادس فهو اللفظ بعينه، فلم يُفِدْ شيئًا زائدًا. وأمَّا من قال: "تلين"؛ فقد فسَّر اللفظ بمعناه عربية. وأمَّا من قال: "ترخَّص"؛ فهو تفسير اللِّينِ، فلم يخرج عن طريق العربية. وأما من فسَّره بالكذب والكفر؛ ففسَّره بمُتَعَلَّقِه الذي كانوا أرادوا منه، فهو تفسير مُتَعَلَّق اللفظ، لا نفس اللفظ، وهذا ممَّا لا يُدْرَى من الكلمة، وإنَّما يُدرى من دليل آخر.

стр. 1715

فإن قيل: فقد قال الله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، معناه: مُكَذِّبُونَ. قلنا: هذه الآية ممَّا لم يَفْهَمِ المفسرون، قد (١) قال بعضهم فيه: "إنه النفاق" (٢)، وإنما هرب إليه لأنه رأى أن الكافر المعاند لم يُلَايِنْ، فلم يتمكَّن له أن يجعله فيه، فلجأ إلى المنافق الذي لَانَ ظاهرًا وخَشُنَ باطنًا، ولكنه أخطأ؛ فإنَّ المُخاطَب بهذه الآية أوَّلًا الكفار، لأن سورة "الواقعة" كلها مَكِّيَّةٌ بإجماع، فتفسيرُ من فسَّره بالكذب (٣) مطلقًا أَخْلَصُ (٤). وأدخلهم - أيضًا - في هذا الباب حَرْفُ الباء، وهو يليق بكذب، يقال: كذَّب فلان بكذا، فلما رَأَوُا الحديث (٥) وحَرْفَ الباء ركَّبوا أحدهما على الآخر، فإن كانوا طلبوا منه كفرًا صحَّ أن يقال فيه: لو تكفر (٦)، وإن كانوا طلبوا منه معصية؛ قيل: معناه: لو (٧) تَعْصي. فأمَّا أن يقتحم على تفسير الإِدْهَانِ بأنه الكفر أو الكذب دون حَبَرٍ يَرِدُ بذلك فهذا هو القول في كتاب الله بالتَّشَهِّي.

стр. 1716

[قانونُ التفسير]: وقد بيَّنَّا أنه لا يُفَسَّرُ القرآن إلَّا بالعربية التي نزل بها، أو بآية أخرى، أو بحديث النبي ﷺ ، وغير ذلك باطل، لا سبيل لأحد إليه، ولا يَتَمَكَّنُ ولا يُمَكَّنُ منه. [توَعُّدُ رسول الله على المداهنة]: وقد توعَّد النبي صلى الله عليه (١) في الحديث الصحيح على المداهنة؛ روى عامر الشَّعْبِي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ القائم على حدود الله والمُدْهِنِ فيها كمثل قَوْمٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذي أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم، فقالوا: نخرق خرفًا في جهتنا هذه، ولا نُؤْذُوا من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هَلَكُوا جميعًا، وإن أحذوا على أيديهم نَجَوْا جميعًا" (٢). وإذا أَدْهَنَ في حدود الله فقد تَرَكَ الأَمْرَ بالمعروف والنَّهْيَ عن المنكر، وهو الأصلُ في الدِّينِ، وفَرْضُ النَّبِيِّينَ، وخِلَافةُ المرسلين. * * *

стр. 1717

الآمِرُ بالمعروف والنَّاهِي عن المنكر (١): وهو الاسمُ السَّابع والثامن (٢) والسَّبعون قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]. وقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]. وقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وقال مُخْبرًا عن الحكيم: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]. فأمَّا قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ قال أهل الزهد: "الربَّاني هو الذي ارتقى عن الحدود، والراهب ارتقى عن الآفات، وزاد في القربات" (٣).

стр. 1718

فخَصَّ العلماءَ بتغيير المنكر، واختلف الناسُ من هم على ثلاثة أقوال: فقيل: هم العاملون العالمون (١). وقيل؛ هم العالمون بالمنكر خاصَّة. وقال قوم: هم الولاة (٢). ولا خلاف أن من شَرْطِ تغيير المنكر العلم بأنه مُنْكَرٌ، وقد بيَّنَّا شروطَه في "كُتُبِ الأصول"، وكثيرًا من فصوله في كتاب "الأحكام" (٣). وأمَّا مَن شَرَطَ العمل؛ فإنَّ أهل السنة متفقون على أنه يجوز أن يُغَيِّرَ المنكر فَاعِلُه، وهي مسألة أصولية، ولكنه قلَّ (٤) أن يؤثر التغيير للمنكر من مُرْتَكِبه، وخاصَّة إذا كان التغيير بالقول، وقد قال الحكيم: يا أيها الرجل المُعَلِّمُ غيرَه … هلَّا لنفسك ذلك التعليمُ تصف الدواءَ لذي السَّقام من الضنى … ومن الضنى وجواه أنت سقيمُ ما زلت تُلقح بالرشاد عقولنا … قَوْلًا وأنت من الرشاد عديمُ فابدأ بنفسك فانْهَها عن غَيِّها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك ينفع إن وعظتَ ويُقتدى … بالقول منك وينفع التعليمُ (٥)

стр. 1719

وأمَّا قوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾؛ فهي آية مُحْكَمَةٌ، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائده: ٨٠ - ٨١]، فأخبر تعالى بأن اللعنة قد حقَّت عليهم بإتيانهم المناكير فيمن (١) أتاها، وبتَرْكِ النكير فيمن (٢) كان يأباها، وبيَّن أن الرضى (٣) بالمخالفة موافقة (٤) للمخالف، مخالفة لمن وقع له (٥) الخلاف من مرتكبه، فلم تَبْقَ موافقة بعد ذلك بين الراضي وبين من خُولفَ بعد تمييز (٦) الخلاف. وقال: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]، ولا تَتِمُّ الصحبة إلَّا بمعاداة عدو الصَّاحب، ومن حكمة الجُهَّالِ قولهم: "إن الرجل من يكون صديق عَدُوَّيْنِ"، وكذبوا الحكمة - قولك -: "إن الرجل الذي لا يتولَّى عَدُوَّ صاحبه"، ألا ترى إلى تأكيد ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]، فبيَّن أنهم لو كانوا أولياءَ له ما وَالَوا من عاداه (٧).

стр. 1720

وإنَّما هلكت بنو إسرائيل لأنهم كانوا إذا رأى أحدُهم صاحبَه على منكر لم يمنعه ذلك أن يكون خَلِيطَه وشَرِيبَه وأَكِيلَه. ومن الثابت الصحيح: أن أبا بكر الصديق قال: "أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقاب من عنده" (١). وثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: أنه ﷺ قال: "من رأى منكم منكرًا فليُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢). ومن الحديث الحسن: أن النبي ﷺ (٣) قال لأبي ثعلبة الخُشَنِي في ذلك قولًا بديعًا، قال أبو أمَيَّةَ الشَّعْبَانِي: "أتيتُ أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ فقال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها (٤) رسول الله فقال (٥): ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودنيا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كل ذي
следующие страницы →