← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

[قانونُ التفسير]: وقد بيَّنَّا أنه لا يُفَسَّرُ القرآن إلَّا بالعربية التي نزل بها، أو بآية أخرى، أو بحديث النبي ﷺ ، وغير ذلك باطل، لا سبيل لأحد إليه، ولا يَتَمَكَّنُ ولا يُمَكَّنُ منه. [توَعُّدُ رسول الله على المداهنة]: وقد توعَّد النبي صلى الله عليه (١) في الحديث الصحيح على المداهنة؛ روى عامر الشَّعْبِي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ أنه قال: "مَثَلُ القائم على حدود الله والمُدْهِنِ فيها كمثل قَوْمٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذي أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم، فقالوا: نخرق خرفًا في جهتنا هذه، ولا نُؤْذُوا من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هَلَكُوا جميعًا، وإن أحذوا على أيديهم نَجَوْا جميعًا" (٢). وإذا أَدْهَنَ في حدود الله فقد تَرَكَ الأَمْرَ بالمعروف والنَّهْيَ عن المنكر، وهو الأصلُ في الدِّينِ، وفَرْضُ النَّبِيِّينَ، وخِلَافةُ المرسلين. * * *

стр. 1717

الآمِرُ بالمعروف والنَّاهِي عن المنكر (١): وهو الاسمُ السَّابع والثامن (٢) والسَّبعون قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣]. وقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]. وقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]. وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وقال مُخْبرًا عن الحكيم: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]. فأمَّا قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ قال أهل الزهد: "الربَّاني هو الذي ارتقى عن الحدود، والراهب ارتقى عن الآفات، وزاد في القربات" (٣).

стр. 1718

فخَصَّ العلماءَ بتغيير المنكر، واختلف الناسُ من هم على ثلاثة أقوال: فقيل: هم العاملون العالمون (١). وقيل؛ هم العالمون بالمنكر خاصَّة. وقال قوم: هم الولاة (٢). ولا خلاف أن من شَرْطِ تغيير المنكر العلم بأنه مُنْكَرٌ، وقد بيَّنَّا شروطَه في "كُتُبِ الأصول"، وكثيرًا من فصوله في كتاب "الأحكام" (٣). وأمَّا مَن شَرَطَ العمل؛ فإنَّ أهل السنة متفقون على أنه يجوز أن يُغَيِّرَ المنكر فَاعِلُه، وهي مسألة أصولية، ولكنه قلَّ (٤) أن يؤثر التغيير للمنكر من مُرْتَكِبه، وخاصَّة إذا كان التغيير بالقول، وقد قال الحكيم: يا أيها الرجل المُعَلِّمُ غيرَه … هلَّا لنفسك ذلك التعليمُ تصف الدواءَ لذي السَّقام من الضنى … ومن الضنى وجواه أنت سقيمُ ما زلت تُلقح بالرشاد عقولنا … قَوْلًا وأنت من الرشاد عديمُ فابدأ بنفسك فانْهَها عن غَيِّها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك ينفع إن وعظتَ ويُقتدى … بالقول منك وينفع التعليمُ (٥)

стр. 1719

وأمَّا قوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾؛ فهي آية مُحْكَمَةٌ، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائده: ٨٠ - ٨١]، فأخبر تعالى بأن اللعنة قد حقَّت عليهم بإتيانهم المناكير فيمن (١) أتاها، وبتَرْكِ النكير فيمن (٢) كان يأباها، وبيَّن أن الرضى (٣) بالمخالفة موافقة (٤) للمخالف، مخالفة لمن وقع له (٥) الخلاف من مرتكبه، فلم تَبْقَ موافقة بعد ذلك بين الراضي وبين من خُولفَ بعد تمييز (٦) الخلاف. وقال: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠]، ولا تَتِمُّ الصحبة إلَّا بمعاداة عدو الصَّاحب، ومن حكمة الجُهَّالِ قولهم: "إن الرجل من يكون صديق عَدُوَّيْنِ"، وكذبوا الحكمة - قولك -: "إن الرجل الذي لا يتولَّى عَدُوَّ صاحبه"، ألا ترى إلى تأكيد ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١]، فبيَّن أنهم لو كانوا أولياءَ له ما وَالَوا من عاداه (٧).

стр. 1720

وإنَّما هلكت بنو إسرائيل لأنهم كانوا إذا رأى أحدُهم صاحبَه على منكر لم يمنعه ذلك أن يكون خَلِيطَه وشَرِيبَه وأَكِيلَه. ومن الثابت الصحيح: أن أبا بكر الصديق قال: "أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقاب من عنده" (١). وثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: أنه ﷺ قال: "من رأى منكم منكرًا فليُغَيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢). ومن الحديث الحسن: أن النبي ﷺ (٣) قال لأبي ثعلبة الخُشَنِي في ذلك قولًا بديعًا، قال أبو أمَيَّةَ الشَّعْبَانِي: "أتيتُ أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ فقال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها (٤) رسول الله فقال (٥): ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودنيا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كل ذي

стр. 1721

رأي برأيه؛ فعليك بخاصَّة نفسك، وإِيَّاك وأمر العامة، فإن من ورائكم أيَّامًا الصبرُ فيهن كالقبض على الجمر، للعامل فيهن أَجْرُ خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم، وزاد غيره: فقال (١): بل أجر خمسين منهم (٢)، قال: بل منكم، مرتين أو ثلاثًا، قال في الآخِرَةِ: لأنكم تجدون على الخير أعوانًا، وهم (٣) لا يجدون عليه أعوانًا" (٤). وقوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، إخبارٌ عن دعاة الخلق إلى الحق، وتحذيرهم عن غير الله، وأوَّل ما يُغَيِّرُونَ على أنفسهم؛ فيأمرونها بالتقوى، وينهونها عن اتباع الهوى والاغترار بالمُنَى، فإذا أطاعتهم أنفسهم انتقلوا إلى سواها، واتخذوها سبيلًا (٥) إلى غيرها، وجعلوها قنطرة للعبور إلى مطلوبهم من جِنْسِ ذلك، ممَّا فيه الفوز والنعيم (٦). وأمَّا قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾؛ قال أهل الزهد: "بدأوا بأنفسهم، انظر (٧) إلى قوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، وذلك فِعْلُهم" (٨).

стр. 1722

ثم قال: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وذلك في أنفسهم أوَّلًا، حتى قالوا: "إنهم إذا التزموا ذلك في أنفسهم لم يتفرَّغوا لغيرهم" (١). وقال بعضهم: "لا يتم ذلك حتى يَحْفَظَ عن المعصية الحواس، وعن الغفلة الأنفاس" (٢)، ولم (٣) يتفق ذلك إلَّا لتميم الداري، وأبي الدرداء، وعُمَير بن هانئ، وأبي هريرة، وعامر بن عبد الله (٤) بن الزبير، ونظرائهم. قال علماؤنا: "هذه الآية نَصٌّ على أن مِن شَرْطِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العَلاء (٥) والتمكين، ولا يصح ذلك مع شيء من الخوف" (٦). حتى قالوا: "إنها نزلت في الخلفاء الأربعة، فإنه لم يُمَكَّنْ في الأرض إلَّا لهم، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ " (٧). وإن كان هذا قولًا، فالذي مُكِّنَ له أبو بكر وعمر وعثمان؛ فكان أوَّلُ حال أبى بكر شغبًا، ثم مُكِّنَ وتَمَكَّنَ. وكان حالُ عثمان في الأوَّل تمكينًا، وشُغِبَ عليه في الآخِرِ وقُتِلَ.

стр. 1723

وأمَّا عليٌّ فلم يُمَكَّنْ له (١)؛ لا في الأوَّل، ولا في الآخِر، إلَّا على الوجه المعلوم، وما حصل له من التمكين لم يَعْدُ فيه عن خلافة المرسلين، ولا زَهق عن قانون الدين، ولا كان له نظيرٌ في الباقين، ولا نازعه أَحَدٌ بحق مُبِينٍ، ولكنها تأويلات، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وأمَّا تمكين غيرهم فقد قيل: "إنَّها نزلت في أبي بكر، وعمر، وعمَّار، وسلمان، وصُهَيب، وأبي ذَرٍّ، وأبي الدَّرداء". والصَّحِيحُ أنها نزلت في كل مؤمن يَقْدِرُ أن يُغَيِّرَ؛ فَرْدًا أو مع غيره. والمعروفُ: كُلُّ مأمور به. والمنكر: كل مَنْهِيٍّ عنه؛ حتَّى: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وأمَّا الغيبة والنميمة والغش والخديعة والخِلابة ونظراؤها فلا كلام فيها. [شَرَفُ لقمان الحكيم]: وما (٢) ذَكَرَهُ تعالى عن لقمان؛ فلئن كان نبيًّا لقد يُشْبِهُ قولُه قولَهم، ولئن كان حكيمًا - وهو الصحيح - فلقد شَرَّفَ الله حكيمًا حَمَلَ الرحمنُ كلامَه إلى أكرم رُسُلِه، وأَمَرَ الأمَّة أن تقتدي به، ولقد شَرُفَ الوُعَّاظُ إذْ كان لقمانُ منهم. ومن أوَّل قَوْلِه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]؛ قالوا: الشِّرْكُ بالله إثباتُ غَيْرٍ مع شهود الغيب، ومنه الكَلَامُ بالقلب مع الغير في الصلاة، وأَتْبَعَها في

стр. 1724

قصة لقمان، لا أنه من قَوْله، ولكن لأنَّ (١) لمَّا ذَكَرَ من حال بِرِّ الوالدين تَعَلُّقًا بالشرك في قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، فقَرَنَ شُكْرَهما بشُكْرِه ثم قال: "وإن سألاك بجِدٍّ أن تُشرك بي فليس ذلك مما أَلْزَمْتُكَهُ في جملة ما فَرَضْتُه في اقتران شُكْرِهما بشُكْرِي". ومن "فوائد الشهيد أبي سَعْدٍ" في قَوْله: " ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ هو كلُّ ما يُوَصِّلُ العَبْدَ إلى الله، والمنكر: هو ما يشغل العَبْدَ عن الله" (٢). قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: ووَجْهُ هذا أن المُنْكَر على قسمين؛ من جهة النهي والعقاب قِسْمٌ، ومن جهة بَخْسِ الحظ ونقصان الأجر قِسْمٌ، فرجع فائدة أبي سعد إلى هذا الحَدِّ. ثم قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾، وهذا يدلُّ على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن نال العَبْدَ فيه مكروهٌ، ولا يلزم ذلك فرضًا، ولكنه إذا فعَلَه لم يَخْسَرْ مع الله. ثم قال له: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، يعني: لا تتكبَّر عليهم، وأَصْلُ الصَّعَرِ المَيْلُ في اللغة، والمتكبر يُعْرِضُ عن الخلق تعاظمًا بنفسه عليهم، واستحقارًا لهم، حتى يعتقد فيها أنه فوقهم، وإذا اعتقد ذلك فهو تحتهم، وقد ذمَّ الله التكبر في كتابه وعلى لسان رسوله في عدة مواضع.

стр. 1725

ومن الحديث في مثلها: قال النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّة من كِبْرٍ" (١)، يعني: من كُفْرٍ، وقد تقدَّم بيانُه. [رؤوس المُتَكَبِّرِينَ]: وقد تكبَّر إبليسُ على آدَمَ فهَلَكَ إلى الأبد، وكان ذلك لأنه اعتقد أنه أكبر من آدم، وقد أَمَرَهُ الله أن يُعَظِّمَه حتى يكون أكبر منه عَمَلًا، كما كان أكبر منه عِلْمًا، واعترض على أَمْرِ الله برأيه السخيف وعقله الناقص، فكان هذا رَدْعًا لكل من اعتقد في نفسه ما لم يجعله الله فيه، وكان إبليسُ كما قيل: فبات بخَيْرٍ والزمانُ مسالم … وأصبح يومًا والزمان محاربُ (٢) وقلتُ أنا (٣): وغَالَبَ أَمْرَ الله فيما يظنه … وإن طاك الأيامُ فالله غالبُ (٤) وآدمُ وإبليسُ في أمرهما غريبة؛ كانت من آدم هفوة بشرية، تداركتها رحمة أوَّلية، وكانت من إبليس كلمة جاهلية، فنفذت فيها نقمةٌ عَصَوِيَّةٌ (٥)، أنزلته ببقعة غَضَوِيَّةٍ (٦).

стр. 1726

وإذا الحبيبُ أتى بذنب واحدٍ … جاءت محاسنُه بألف شفيعِ (١) وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]؛ لمَّا تعاظموا لم يُرفع لهم عمل ولا رُوح إلى السماء، وأُخِذَ بهم أسفل سافلين، ولا يُسمع لهم دعاء ولا نداء، بل يكون ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، سَدَّتِ الذنوبُ عليهم الطرق، وأحاطت بهم الخطيئات، فأحاط بهم العداب، صُرِفُوا عن دار السعادة، واستُفِلَ بهم عن مكان السَّادة. وكذلك قال الله (٢) فيهم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]، لمَّا تراكم الرَّيْنُ على قلوبهم صاروا مُعْرِضِينَ عن الآيات، وأَصْلُه تَعَاظُمُ النفوس، فلم (٣) يخلق لهم القبول لما يسمعون، وأفادهم ذلك جحود الحق بعمى الحق، حتى إذا رأوا سبيل الرشد لم يسلكوه، وإذا رأوا سبيل الغي سلكوه، وهذا لأن الرؤية لا تكون إلَّا مع التوفيق؛ لمعرفة الحق حقًّا والباطل باطلًا. والجاحدُ للحق مع تحققه به أقبحُ حالًا من جاحده مع خفائه عليه، ولهذا سلبهم محبته، فقال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]، وإذا وجبت لهم بُغْضَتُه حقَّت عليهم لَعْنَتُه، وأسكنهم دار عذابه بعد أن توفَّاهم على حال خِزْيِهم وهوانهم، فيُنْكِرُونَ أنهم ما عملوا سُوءًا، فيُكَذِّبُهم الله والملائكة والجوارح والخلق.

стр. 1727

وكذلك الذين دَنَّسُوا يقينهم بإعراضهم عن الطاعات؛ إذا نزلت بهم الآفات (١) أخذوا في الجزع والتضرع، وأيقنوا بأنهم مُعامَلون بما عامَلوا، مَجْزِيُّونَ بما اقترفوا، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها، وإذا داموا على الأعمال السيئة وتكبَّروا عن الأعمال الصالحة وتعاظموا على (٢) القبول لم يُؤْمَنْ عليهم سوء الخاتمة، حين لم يتدبَّروا القول، وحال بينهم وبينه الكِبْرُ، وتأخَّروا عنه القهقرى، فأُخِّرُوا إلى وراء الوراء، وكانوا يأتون بهُجْرِ القول بَدَلًا من القول الحق، فأسمعهم الله من ملائكته المُتَنَاوِلَةِ لهم من قُبْحِ القول وغِلْظَتِه (٣) ما كان فيه وحده هَلَاكُهم. ومن رؤوس المتكبرين من قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فانظروا إلى هذا الحجاب العظيم الذي أُلْقِيَ عليه، فاعتقد أنه يُحْيِي ويُمِيتُ، أو أَلْبَسَ بما عَلِمَ أنه مُحَالٌ، ليَحُوطَ مُلْكَه، ويَحْمِي قلوب العامة في اتِّباعه، ورأى أن القَدْرَ الذي سلَّطه مالكُ الأعيان عليه ومكَّنه خالقُ الأشياء منها بذلك استحقَّ أن يكون هو المقصود وحده، والإله المعبود دون غيره. ونَسِيَ أوَّلَه وآخِرَه وحاله التي هو عليها، وغفل عمَّا خرج عن يده، حتى نبَّهه العَالِمُ بالله وبه عليه، فقال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾.

стр. 1728

وبذلك صارت القَدَرِيَّةُ من المستكبرين على الله، فإنهم يزعمون أن الله لمَّا خَلَقَ لهم القدرة والعلم والإرادة صاروا هم يفعلون بذلك كله ما أرادوا، لا ما أراد الله، ولا يَقْدِرُ الباري على دَفْعِهم بذلك. [مناظرةٌ بين سُنِّيٍّ وقَدَرِيٍّ]: ولقد اجتمع قَدَرِيٌّ، وسُنِّيٌّ في دعوة في بُسْتَانِ فواكه، فأخذوا في الحديث حتى قال القدري: "أنا خالق فِعْلِي، ومالك نفسي، ومُصَرِّفٌ - كبف شئتُ - أمري (١)، واسْحَنْفَرَ (٢) وخرج، وقال: يا قوم، أو يجهل هذا أحد (٣)؟ ومدَّ يده إلى غصن كان يتدلَّى فيه سَفَرْجَلَةٌ فقطعها، وقال: أليس هذا فِعْلِي وقَطْعِي؟ وما لله في هذا من عمل، فقال له السُّنِّيُّ: إن كنتَ أنت قاطعها من موضعها فرُدَّها فيه، فبُهِتَ بين الحاضرين، وانقلبت الدعوة عن ظهور السني". والقَوْمُ من الإنصاف والعقل من حيث إذا ظهرث الحجة انقادوا إليها، ولو حادوا عنها لسقطوا من الأعين، ولم يكن لهم عند الطلبة قَدْرٌ، ولو كان في هذه البلاد لخلَّط في الجواب، وأَكْثَرَ من قول غير الصواب؛ لغلبة الجهل عليهم، وقلة الإنصاف بينهم. [من رؤوس المتكبرين]: ومن رؤوس المتكبرين فِرْعَوْنُ، أنكر الإله لموسى، وسأله عنه سؤال الجاهل به (٤)، وكلَّما ذَكَرَ له موسى اسمًا ونَصَبَ له دليلًا قال له آخِرًا: "إنه

стр. 1729

لمجنون"، فلمَّا ملأ قلبَه رُعْبُه (١) قال له مُهَدِّدًا: "لأسجننَّك"، وعَطَفَ على قومه فقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وجعل يقول لأصحابه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ للنصرة، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. رَمَتْنِي بدائها وانْسَلَّتِ وقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ (٢) [غافر: ٣٦]. قال علماؤنا: "لو لم يكن من المضاهاة بين من قال: إن المعبود في السماء، وبين فرعون إلَّا هذا القول؛ لكان كافيًا لخَزْي (٣) من قال ذلك، فقد كذَب فرعون في قوله: إن الإله في السماء، ولو كان ذلك صحيحًا لكان فرعون مصيبًا من وجه، قال الله: ﴿كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧]، فأخبر أن اعتقاده أن المعبود في السماء باطل، وأنه بذلك مصدود عن سبيل الرشاد، ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] " (٤). وقد تكبَّرت قُرَيْشٌ على النبي ﷺ (٥)، وتعاظمت عليه كتَعَاظُم من سَبَقَ من الأمم على الرُّسُلِ، حتَّى (٦) استحقرتها واستصعفتها، وجهلت أن

стр. 1730

القوة لله، وأن محلها القلوب في الأصالة، وأن الجوارح تَبَعٌ لها (١)، وأن قوة القول أكبر من قوة الفعل، ولا أَظْهَرَ من فضل التواضع (٢)، ورَأَتْ أنه فقير يتيم فاستضعفته، على عادة العرب، فأعزَّه الله وأظهره (٣)، ونصره وظفَّره، وأعلاه وأقهره، وأغناه عن كل شيء سواه، وذلك بما يسَّر له من شَرْحِ صدره، فإنه شَرَحَه بالمحسوس والمعقول. [شَرْحُ صَدْرِ رسول الله]: فأمَّا (٤) شَرْحُه بالمحسوس ففي مرَّتين: إحداهما: أيَّام كان عند ظِئْرِهِ السَّعدية مُسْتَرْضَعًا، حتى انتفض وخرج يرتع، فبينما هو منتبذ في بطن وَادٍ مع أتراب له من الصبيان، إذ أقبل ثلاثة رَهْطٍ معهم طَسْتٌ من ذهب مملوء ثَلْجًا، قال: "فأضجعني أَحَدُهم، فشَقَّ (٥) ما بين ثَغْرَةِ صدري (٦) إلى منتهى سُرَّتِي، فلم أجد له مسًّا، ثم أخرج حُشْوَتِي فغسلها بذلك الثلج، فأَنْعَمَ غسلها، ثم أخرج الآخَرُ قلبي فصدعه، وأخرج منه بضعة سوداء فألقاها، وتناول بيده خاتمًا (٧) من نُورٍ فخَتَمَ به قلبي، ثم أعاده مكانه، فامتلأ قلبي نُورًا، ثم ضَمُّونِي، وقالوا لي: لا تُرَعْ، لو علمتَ ما يراد بك من الخير لقرَّت عينك" (٨).

стр. 1731

وللحديث طُرُقٌ، وقد سُقْنَاهُ في "أنوار الفجر"، في "فَصْلِ المعجزات". وأمَّا الثانية: ففي ليلة الإسراء؛ جاءه ثلاثة نَفَرٍ فلم يُكَلِّمُوه حتى احتملوه، فوضعوه عند زمزم، فتولَّاه منهم جبريل؛ فشقَّ من السَّحْرِ (١) إلى مَرَاقِّ البطن، قال: "فاستخرج قلبي، قال: حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله بماء زمزم حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطَسْتٍ من ذهب فيه تَوْرٌ (٢) من ذهب، مَحْشُوٌّ إيمانًا وحِكْمَةً، فحشا به صدره ولَغَادِيرَه - يعني: عُرُوق حَلْقِه -، ثم أطبقه" (٣). وهذا هو الشرح المعقول بالحكمة والنور. [من شروط الأمر بالمعروف]: وإذا كملت هذه العارضة عُدْنَا إلى المقصود، فقلنا: المُتَعَلِّقُ بهذا ممَّا نحن لم فيه: إذا لم يكن مُتَكَبِّرًا وكان متواضعًا كان لقوله في قلوب الخلق موقع (٤) ومَحَلٌّ، ولمَحَلِّه جَلَالَةٌ وبِرٌّ. ويُروى أن كعب الأحبار قال لأبي مسلم الخَوْلاني: "كيف منزلتك من قومك؟ قال: حسنة، قال كعب: إن التوراة لتقول غير ذلك، قال: وما

стр. 1732

تقول؟ قال: تقول: إنَّ الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه، قال له: صَدَقَتِ التوراة، وكذب أبو مسلم" (١). قال الإمامُ الحافظ (٢) ﵁: الأَمْرُ بالمعروف على قِسْمَيْنِ: أحدهما: أن يكون عظيم القَدْرِ. [الثاني]: أو يكون خاملًا. فإن كان عظيم القدر نَفَذَ تغييره، ولم يؤثر ذلك في منزلته. وإن كان خاملًا وأَغْلَظَ وقد خلصت نيَّتُه لله لم يُنْقِصْ ذلك منه. وإن كان ذلك لقلة إخلاص أو بقِلَّةِ عمل فهو الذي يكرهه قَوْمُه، وتسقط منزلته عندهم، كالجار مع الجار، فإنَّ سنة التغيير معه ألَّا يُنْكِرَ عليه جَهْرًا، ولا يأخذه قَهْرا، ولا يكشف له سِتْرًا. وقد (٣) سئِل مالك عن الرجل يأمر بالمعروف من لا يطيعه؛ كالجار والأخ، قال: "لا بأس بذلك" (٤). وكان صِلَةُ بن أَشْيَمَ من الفضلاء، فمرَّ عليه رجل يُسْبِل إزاره، فهَمَّ أصحابُه أن يأخذوه أخذًا شديدًا، فقال: "دَعُوني أَكْفِكُمْ، فقال: يا ابن أخي، إنَّ لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أُحِحب أن ترفع من إزارك، قال نعم، وأَنْعِمْ عَيْنَك بذلك، فرجع صِلَةُ وقال لأصحابه: لو أخذتموه بالشِّدَّة للَقِيتُم منه (٥) حِدَّة" (٦).

стр. 1733

[حكايةٌ مع المقرئ محمد بن عبد الرحمن الزاهد (١)]: وكنتُ أُصَلِّي ليلةً صلاة المغرب بالمسجد الأقصى - طهَّره الله (٢) - مع إمام الباب الأخضر عند بَابِ (٣) حِطَّة، الذي قيل فيه لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٤) [البقرة: ٥٨] وفي الجماعة شيخنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المقرئ الزاهد، وأنا عن يمينه، وعن يساره رجل، ويَلِيهِ رجل آخر، فلمَّا قضينا الصلاة قال الرجل الذي كان ثالث المقرئ للَّذي عن يسار المقرئ ثانيه: أفسدت صلاتك، ما زِلْتَ ترفع قبل الإمام وتخفض، قال له: كذبت، قال له: بل كذلك فعلت، فإني نظرتُ إليك في صلاتك كلها، وأنت مستمر على هذا الفعل، ورَدَّ وَجْهَه إلى شيخنا أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المقرئ الزاهد، وكان عن يمين هذا المصلي، فقال له: يا فقيه، أليس هكذا كان فِعْلُه؟ فقال له المقرئ: لا عِلْمَ لي، لم أشتغل بأحد ولا بصلاته، إنَّما اشتغلت بصلاتي وبنفسي، فخجل ذلك المتكلم وأُبْهِتَ، وانصرفنا نتعجَّب من ذلك (٥).

стр. 1734

وكانت هذه عقوبة فيه حين جَهَرَ، ولو جذبه إلى نفسه وانفرد به ووعظه بلِين لكان أَحْرَى (١) في الإنجاح (٢)، وأقرب إلى ما أراد إن كان أراد (٣) الصَّلاح والإصلاح. ولقد قال مالك: "بلغني أن سعد بن أبي وقاص رأى رجلًا بين عينيه سجدة، فقال له: مُذْ كم أسلمت؟ فذكر الرجل أمدًا (٤) كأنه يُقَرِّبُه، فقال له سعد: أسلمتُ منذُ كذا وكذا وما بين عَيْنَيَّ شيء" (٥). قال الإمام الحافظ (٦) ﵁: ومن أعظم أوصاف جهنَّم أنها يوضع فيها الرجل فتدور به النار دورة، فتندلق أقتابه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون له: "ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتِيه، وأنهاكم عن المنكر وآتِيه" (٧). ونَعْتُه بشروطه وأوصافه في "كتبِ الأصول" (٨) و"الأحكام" (٩)، وإذا أَمَرْتَه بالمعروف ونَهَيْتَه عن المنكر وقُمْتَ بحَقِّ نفسك في ذلك وبحَقِّه؛ فأنتَ "الأَخ".

стр. 1735

الأَخُ (١): وهو الاسمُ التَّاسع (٢) والسَّبعون وهو في الحقيقة: عبارة عمَّن كان أَصْلُك أَصْلَه، ومَحَلُّك مَحَلَّه، وسببكما (٣) في الوجود والمَحَلِّ والرُّتِبَةِ واحدٌ. ثُمَّ صار أصلًا في الدين والملة، قال ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" (٤)، يعني: كما أخبر الله وأمر، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (٥) [الأحزاب: ٥]. وقال ﷺ : "الأنبياء إِخْوَةٌ لعَلَّاتٍ (٦)، أمهاتهم شتَّى، ودِينُهم واحد، أنا أولى الناس بعيسى في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نَبِيٌّ" (٧).

стр. 1736

وقال ﷺ : "لو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أُخُوَّةُ الإسلام" (١). وخرج ﷺ إلى المقبرة فقال: "السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إحواننا، قالوا له (٢): ألسنا بإخوانك يا رسول الله؛ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرَطُهم على الحوض" (٣). وقال النبي لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (٤). ولمَّا أراد النبي ﷺ (٥) أن يُبَيِّنَ كونهم من أصل واحد وارتباطهم كالشيء الواحد قال: "مَثَل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عُضْوٌ منه تَدَاعَى سائرُه بالحُمَّى والسَّهَرِ" (٦).

стр. 1737

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: والمؤمنون بالحقيقة إخوة كما هم إخوة بالمعنى (٢)؛ فإن أباهم آدم، وأمهم حَوَّاء، وإن تباعدوا بتباعُدِ (٣) الرَّحِمِ، فقد تقاربوا باتحاد الدين، إلى ما يجمعهم من رقَّة الجنسية، وأُنْسِ المشابهة، وإذا تلازما مكانًا كما اتَّحَدَا دِينًا كما استويَا نَسَبًا كان كُلُّ واحد منهما للآخر "صَاحِبًا". * * *

стр. 1738

الصَّاحِبُ (١): وهو الاسمُ المُوَفِّي ثمانين (٢) ومن ذلك قيل: أصحابُ النبي (٣). وقال هو ﷺ : "بل أنتم أصحابي" (٤)، إخبارًا عمَّا كانوا معه عليه من الملازمة، كما كانوا معه مشتركين في الإيمان. ومن الصحيح الثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "دَعُوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدُكم كلَّ يوم مثل أُحُدٍ ذَهَبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه" (٥)، خرَّجه بهذه الزيادة البَرْقَانِي في "الصَّحِيحِ"، فحصلت لهم هذه المرتبة، وتميَّزوا بالمنزلة الشريفة والمنقبة. وقال في الحديث الصحيح: "خَيْرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي بعدي قَوْم من بعد ذلك تسبقُ أيمانُهم شهاداتِهم، وشهاداتُهم أيمانَهم" (٦).

стр. 1739

وجاء في الحديث الحَسَنِ: عن موسى بن إبراهيم عن طلحة بن خراش (١) عن جابر: سمعتُ رسول الله يقول: "لا تَمَسُّ النارُ مسلمًا رآنى ورأى من رآني، قال طلحة: فقد رأينُا جابر بن عبد الله، وقال موسى: قد رأيتُ طلحة، ونرجو رحمة الله" (٢). وقال رسول الله ﷺ : "الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبَّهم فبحُبِّي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببُغْضِي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يُوشِكُ أن يأخذه" (٣). والصَّحَابَةُ إِخْوَةُ النبي، وزيادةُ وَصْفِ الصُّحْبَةِ وفَضْلِها. وقد سمَّانا ﷺ (٤) "إِخْوَةً" (٥)، ويا له من شَرَفٍ لا تعادله الدنيا بأَسْرِها! ووَدَّ أنه رَآنا، فنحن لذلك أَوَدُّ، وأعظم محبة وأحرص، ولو رأيناه صلى الله عليه (٦) لرأينا شَرَفَ الدنيا والآخرة، وقرّةَ عَيْنِ المؤمنين، ولو رَآنَا لرأى ما يُسْخِطُه علينا، ويُسْخِنُ عَيْنَه مِنَّا (٧).

стр. 1740

[تَشَفُّعُ ابن العربي بحُرْمَةِ رسول الله]: اللهم إنَّا نتشفَّع (١) إليك بحُرْمَتِه، أن تُصلح خاصَّتنا وعامَّتنا ووُلَاةَ أمورنا، إنك أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم أَرْضِنَا فيه، واجعلنا ممَّن يرضى عنه، اللهم إنك تَعْلَمُ تقديسي لك وتنزيهي، ونرفيعي له وللرُّسُلِ وتنويهي، وتطهيرهم عمَّا نَسَبَ إليهم الجاهلون بهم، وتبرئتهم عمَّا روى الغافلون فيهم وعنهم، فاجْزِني بذلك جزاءَ من نَاضَلَ عن دينك ورُسُلِك، واكتبني فيمن بلغ غاية آماله، يا أرحم الراحمين. [خصالُ الأُخُوَّةِ وشُرُوطُ الهجر]: وفي الحديث المنثور: "المسلم أخو المسلم، لا يُسْلِمُه، ولا يَظْلِمُه" (٢). وأنتَ وَليُّ أخيك المسلم إذا ظُلِمَ، فإن ظَلَمْتَهُ كان الله وَليَّه عليك. وقد نهاكم أن تتحاسدوا، فإن حَسَدَك فلا تَحْسُدْه، وأن لا تتباغضوا، فإن أبغضك فلا تُبْغِضْه، وأن تدابروا (٣)، فإن (٤) أدبر عنك فأَقْبِلْ عليه، فإنَّ الشَّرَّ إذا دَفَعْتَهُ بالخير ذَهَبَ، وإذا جَارَيْتَهُ بالشَّرِّ اشتعل والْتَهَبَ، "فلا بحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ يلتقيان فيُعْرِضُ هذا، ويُعرض هذا،

стр. 1741

وخَيْرُهما الذي يبدأ بالسَّلام" (١)، إلَّا إذا رأيته على مُنْكَرٍ، فلا يَحِلُّ لك مخالطته، إلَّا أن يكون مُتَأَوِّلًا؛ كالحَنَفِيِّ يشرب النَّبِيذَ، إلا أن يتأوَّل تأويلًا باطلًا، فلا تحل لك صحبته، مثل أن يتزوج امرأة مُفَوِّضَةً، بلا ولي، ولا شهود، ولا إعلان، ويقول: سَكَت عن الصداق على سنة التفويض، وعن الولي على مذهب (٢) من لا يراه، وعن الشهود على قَوْلِ من لا (٣) يجعله شَرْطًا في صحة النكاح، وعن الإعلان على رأي من لم يعتبره، فهذا فَاجِرٌ محدود بالرَّجْمِ أو الجَلْدِ؛ على حسب صفته من بَكَارَةٍ أو إِحْصَانٍ. وقد أَمَرَ النبيُّ بهِجْرَانِ من عصى فتخلَّف عنه، وتَرَكَ المسلمون كَلَامَ كَعْب وصَاحِبَيْه خمسين ليلةً (٤). وقد هَجَرَتْ عائشةُ عبد الله بن الزبير حين بلغه أن عائشة باعت أو أعطت، فرآه كثيرًا، فقال: "لأَحْجُرَنَّ عليها، قالت: هو لله (٥) عليَّ نَذْرٌ أن لا أُكَلِّمَ ابن الزبير أبدًا، فاستشفع إليها حتى راجعته، وأعتقت أربعين رقبةً في نذرها، وكانت تبكي وتخاف ألَّا تفي به" (٦).

стр. 1742

وقد يكون بين المُحِبِّينَ نَوْعٌ من الترك لا يُبَلَغُّ إليها (١)، قال رسول الله لعائشة: "إني لأعرف غضبك ورضاك، قالت: قلت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله (٢)؟ قال: إذا كنتِ راضية قلت: لا، وربِّ محمد، وإذا كنتِ غَضْبَى قلت: لا، وربِّ إبراهيم، قالت: أجل يا رسول الله، والله ما أهجر إلَّا اسمك" (٣). ولمَّا طلبتْ فاطمةُ ميراثَها من أبي بكر قال لها: "قد قال رسول الله: لا نُورَثُ" (٤)، وجرى الكلام، ورجعتْ فاطمةُ إلى بيتها فلم تُكَلِّمْه، ولا بايعه عَلِي حتى تُوُفِّيَتْ، والثلاثةُ مع رسول الله إخوانٌ على سُرُرٍ متقابلين. وهذا الذي جرى بينهما لا تُدْرِكُهُ حسناتُنا، فكيف أن يَعُدَّه جاهل من سيئاتهم؛ ومن يكون المخذول الذي يتربَّع بين هؤلاء الثلاثة فيتكلَّم؟ حاشا لله وللمجد وللدِّين أن يكون في ذلك لأحد جَدٌّ (٥)، بل الجَلْدُ والحَدُّ (٦). وروى الترمذي أن ابن عمر جاءه رجل فقال: "إن فلانًا يقرئك السَّلام، فقال: إنه بلغني أنه قد أَحْدَثَ، فلا تقرئه مِنِّي السَّلام، فإنِّي

стр. 1743

سمعتُ رسول الله يقول: يكون في هذه الأمة خَسْفٌ ومَسْخٌ أو قَذْفٌ في أهل القَدَرِ" (١)، صحيح حسن غريب، وهذا أَصْلٌ في هجران (٢) المبتدع واجتناب صُحْبَتِه. [المنافرةُ التي كانت بين مالك وابن إسحاق (٣)]: وقد تَهَاجَرَ مالك ومحمد بن إسحاق، وهما إمامان، ومَالِكٌ أعظم قَدْرًا، فكان محمد بن إسحاق يقول: "مالك مَوْلَى قريش، فلِمَ ترك ذلك وانتسب إلى أَصْبَح؟ لا يحلُّ له ذلك، ولا يُكَلَّمُ حتى يرجع" (٤)، وكان مالك يقول: "محمد بن إسحاق يقول: حدَّثتني فاطمة بنت المنذر، وما رآها، ولم يَتَسَوَّرْ على الحُرَمِ، وهذا هشامٌ زوجها يُقْسِمُ أنه ما كان ذلك" (٥)، فأمَّا الأَمْرُ فصحيح منهما، وكلاهما سالم. أمَّا مالك فأَصْبَحِيٌّ نَسَيًا، وتَيْمِيٌّ حِلْفًا، وَرَدَ جَدُّه مكَّة فحَالَفَ التَّيْمِيِّينَ (٦)، إذ (٧) لم يكن (٨) يتفق لأحد من الغرباء أَمْرٌ بمكَّة ولا بغيرها من

стр. 1744

القبائل إلَّا بحِلْفٍ، وخصوصًا الحَرم لشَرَفِه، فإن انتسب لأبيه جاز، وإن انتسب إلى حِلْفِه جاز، ورأى مالك أن النَّسَبَ آكَدُ من الحِلْفِ، إذ قد اختُلِفَ في الحِلْفِ هل نُسِخَ كلُّه أو بعضه، أو بقي بأسره؟ ورأى مَالِكٌ نَسْخَه. وأمَّا قَوْلُ ابن إسحاق: "حدَّثتني فاطمة"، وإنكارُ مالك وزوجها لذلك، فليس يمتنع أن تُحَدِّثَ فاطمةُ زوجَها، أو ذا (١) رَحِمِها، أو امرأةً، أو نساءً، ومُحَمَّدٌ يسمع، فيقول محمد (٢): حدَّثتني فاطمة، بما سمعها تُحَدِّثُ لغيره (٣)، وذلك في الحديث جائزٌ إجماعًا؛ بأن يقول الرجل لرجلين أو ثلاثة: أُحَدِّثكم بكذا، ويسمعه غيرهما ممَّن لم يعلم به المُحَدِّثُ، فيجوز للآخر أن يقول: أخبرني فلان، وحدَّثني، وسَمِعْتُه، وإن لم يقصده. وفي الشهادة قال مُحَمَّدٌ: "إذا أَشْهَدَكَ فلان وآخر يسمع فلا يحل له أن يشهد" (٤). وقال غيره: "إذا أَشْهَدَ واحدًا أو اثنين وسمعه الغير شَهِدُوا على إشهاده، وإن لم يقصد إِشْهَادَهم" (٥). فهذان فاضلان خَرَجَا عن العُهْدَةِ، وبرئت منهما السَّاحة، ولهما المغفرة والرحمة.

стр. 1745

[أُخُوَّةٌ الرَّحِمِ]: فإذا كانت الأُخُوَّةُ بالأبوَّة أو بالبنوَّة فلها جِبِلِّيَّةٌ تحميها، فإذا بَعُدَتْ بالعمومة والخُؤولة فللشريعة تأكيدٌ في صِلَتِها، قال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] فقَرَنَ القطيعة بالكفر؛ وهو الفساد في الأرض، واتَّفقت عليه الملل (١)، واستدعته القرائح، وطابت به الأرواح، وتفاخرت به الأشراف، وذكره أبو سفيان لهِرَقْلَ في صفة المصطفى، فقال: "يأمرنا بالصلاة والصدقة، وكذا وكذا، وصِلَةِ الرحم" (٢). وقال صِرْمَةُ في الجاهلية بالمدينة: يا بَنِيَّ الأرحامَ لا تقطعوها … وصلوها قريبة من زِيَالِ يا بنيَّ التخومَ لا تظلموها … إن ظلم التخوم ذو عُقَالِ يا بنيَّ الأيامَ لا تأمنوها … واحذروا مَكْرَهَا ومَكْرَ (٣) اللَّيَالِي واعلموا أن أمرها لنَفَادِ الْـ … ـخَلْقِ ما كان من جَدِيدٍ وبَالِي (٤)

стр. 1746

وقال ﷺ (١): "من سرَّه أن يُبْسَطَ له في رزقه ويُنْسَأَ في (٢) أثره فليَصِلْ رَحِمَه" (٣)، "وإنَّ الله لمَّا خلق الخلق قامت الرحم فأخذت بحَقْوِ الرحمن، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: أما ترضين أن أَصِلَ من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فهو لك، قال رسول الله: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ " (٤). وقال: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" (٥). وقال: "لا يدخل الجنة قاطعُ رَحِمٍ (٦) " (٧). وقال: "الرحم شِجْنَةٌ من الله، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" (٨).

стр. 1747

وقال النبي صلوات الله عليه: "إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنَّما وليِّيَ الله، وصالح المؤمنين، ولكن لهم رَحِمٌ سَأَبُلُّهَا ببِلَالِهَا" (١). وقال (٢): "ليس (٣) الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلَها" (٤). وعن أبي هريرة أن رجلًا قال: "يا رسول الله، إن لي قرابة؛ أَصِلُهم ويقطعوني، وأُحْسِنُ إليهم ويُسِيئُونَ إليَّ، وأَحْلُمُ عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: لئن كان كما قلتَ فكأنَّما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظَهِيرٌ عليهم ما دُمْتَ على ذلك" (٥). قال الإمام الحافظ (٦) ﵁: هذه أحاديثُ صِلَةِ الرَّحِم الصِّحَاحِ، وما بعدها مِنْهُ ما لا بأس به، ومِنْهُ ما لا أصل له، وليتكم وفَّيتم بهذا (٧) في قولكم وفعلكم، حتى تُضيفوا إليه غيره ممَّا لم يصح.

стр. 1748

والذي يؤكِّد صِلَةَ الرَّحِمِ أنَّها لا تنقطع مع الكفر؛ قالت أسماء بنت أبي بكر: "قلت: يا رسول الله، إن أُمِّي قَدِمَتْ عليَّ راغبة، وهي مشركة، أفأصلُها (١)؟ قال: نعم، صِلِي أمَّك" (٢)، صحيح من الصحيح. وقد فسَّرنا قول النبي ﷺ : "من سَرَّهُ أن يُبْسَطَ له في رزقه ويُنْسَأَ له في أَثَرِه فليَصِلْ رَحِمَه" في كتاب "العِوَضِ المحمود" إملاءً عليكم، وفي كتاب "المشكلين"، وبيَّنا قوله: "أَخَذَتْ بحَقْوِ الرحمن" في "المشكلين". والمعنى فيه: أن الله قد أثبت لنفسه رِدَاءً وإزارًا، وهو الحَقْوُ، فقال: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحدًا منهما قصمته" (٣)، ورُوي: "والعِزُّ إزاري (٤) ". فضَرَبَ مثلًا للرَّحِم المتعلق بعَظَمَةِ الله لتُعَظَّمَ، حيث رُوي في الحسان بمعناه (٥): "أنا الرحمن، وهي الرحم، خَلَقْتُها وشَقَقْتُها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" (٦)، وهذا معنى قوله في الصحيح: "الرَّحِمُ شِجْنَةٌ"، كما تقدَّم، أي: "قرابة مُشْتَبِكَةٌ"، قاله أبو عُبَيد (٧).

стр. 1749

[نَقْدُ كلام أبي عُبَيد في تفسير الشِّجْنَةِ]: وكَبُرَتْ كلمة خرجت من فيه، لم يَقْدُرْهَا قَدْرَها، لمَّا كان عَرِيًّا من طريق تقديس الله، وإنَّما كان طريقُه اللغة والعلم المسمَّى في اصطلاحهم بالفقه؛ معرفة أحكام أفعال المكلفين، وكان لم يتمرَّس بالنظر في طريق العلم بالله، ولا تُضَافُ القرابة من الله إلى العبد، وقد نفى الله ذلك، وكفَّر به من قاله، في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]، وإنَّما الشُّجُونُ في المحسوس هي الأغصان في الأشجار، والعُرُوقُ في الأبدان، وهي في المعقول: معاني الحديث التي يتعلَّق بعضها ببعض، ومنه المَثَلُ: "الحديث ذو شجون" (١)، فتَشَاجُنُ المحسوسات هي اتصالُ بعضها ببعض في حَيِّزٍ، وتَمَاسُّها في مكان، وتَشَاجُنُ المعقولات ارتباطُ بعضها ببعض دلالةً، وتشاجن الرحم وارتباطها بالرحمن إنَّما هو ارتباطُها في الدِّلالة به، والأَمْرُ بحِفْظِها منه، وهذه كلمة عُبَيْدِيَّةٌ (٢)، بها تعلَّقت في إلحادها الطائفة الفلسفيَّة (٣)، وركَّبت عليها ما أغوى طائفة من البريَّة، فخذوها بيضاء بحمد الله نقيَّة. [تفسيرُ حديث: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء]: وأمَّا قوله ﵇: "إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليِّيَ الله وصالح المؤمنين" (٤)، فإنَّ هذا الحديث وقع في البخاري مُبَيَّضًا، قال

стр. 1750

فيه: "إن آل أبي فلان"، قال البخاري: "وكان في كتاب محمد بن جعفر بياض" (١)، والمعنى فيه: أني لست أَخُصُّ قرابتي الماسَّة ولا فَصِيلَتِي الأدنين (٢) بولاية دون سائر المسلمين، أَمَا إِنَّ رحمهم معي في الطَّالبِيَّةِ سأَبُلُّها ببِلَالها، معناه: أُعطيها حقَّها، فإن القطيعة في العربية يُبْسٌ، والصِّلَةُ بَلٌّ، قال الشَّاعر: فلا تُوبِسُوا (٣) بيني وبينكم الثَّرَى … فإنَّ الذي بيني وبينكم مُثْرِي (٤) [حديثُ: ليس الواصل بالمكافئ]: وأمَّا قوله: "ليس الواصل بالمكافئ": فإنَّ المعنى فيه بَيِّنٌ؛ لأنه إذا وَصَلَ لمكافأة سابقة أو وَصَلَ يَتَوَكَّفُ مكافأة لاحقة (٥) فهو بائع ومبتاع،

стр. 1751

وتاجر طمَّاع، وإنَّما الواصل بالحقيقة هو الذي يَصِلَ لا عن عِوَضٍ مُتَقَدِّمٍ ولا مُتَوَقَّعٍ. [حديث: كأنما تُسِفُّهم المَلَّ]: وأمَّا قوله: "كأنما تُسِفُّهم المَلَّ": فإنه مَثَلٌ ضَرَبَه بين فِعْلِه وفِعْلِهم، هو يَبُلُّ ويَبْرُدُ، وكل واحدٍ (١) منهم يُضْرِمُ ويُوقِدُ آثامًا يَلْقَوْنَ حرارتها، فكأنما (٢) يُطعمهم المَلَّ، وهو الرماد الحارُّ. قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: ومن فَضْلِ (٤) صِلَةِ الرَّحِمِ أن النبي ﷺ جعلها مُقَدَّمَةً على العِتْقِ، ففي الصحيح: أن ميمونة زَوْجَ النبي أخبرته أنها قد أعتقت وليدتها، قال: "أَوَ فَعَلْتِ؟ قالت: نعم، قال لها: أَمَا إِنك لو أعطيتِها أخوالك كان أعظم لأجرك" (٥). [أحكامُ الأُخُوَّةِ]: أحكامُ الأخوَّة كثيرة، أمَّهاتُها سبع (٦) عشرة:

стр. 1752

الأوَّل: النصرة؛ قال النبي ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تكفُّه عن الظلم، فذلك (١) نصرك إيَّاه" (٢). الثاني: الإيثار؛ آخى رسولُ الله (٣) بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، فقال له سعد: "هذا نِصْفُ مالي لك، وإحدى زَوْجَتَيَّ أنزلُ لك عنها، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّونِي على السُّوق" (٤)، وذكر الحديث. وقال أبو موسى: قال النبي ﷺ : "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو وقلَّ (٥) طعامهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسويَّة، فأنا منهم وهُمْ مني" (٦). وفي الصحيح: "أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دُبُرٍ، ولم يكن له مال غيره، فاشتراه نُعَيم بن النحَّام بثماني مائة درهم فدفعها إليه" (٧)، زاد (٨) وقال: "إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، وإن كان فيها

стр. 1753

فَضْلٌ فعلى عياله، فإن كان فيها فَضْلٌ فعلى قرابته، فإن كان فيها فَضْلٌ فهاهنا وهاهنا" (١). الثالث: الافتقاد عند الغيبة عن العادة، فإذا غاب عنه اليوم الأوَّل لم يَرَهُ شيئًا، فإذا كان في الثاني اهتبل، فإذا كان في الثالث ولم يأت سأل، فيعلم سَبَبَ (٢) ذلك؛ إن كان غائبًا دعا له، وهو الرَّابع، وإن كان مريضًا عاده، وهو الخامس. فإن تأكَّدت الأخوة فليطَّلع حاله مرَّتين في اليوم، قالت عائشة ﵂: "وقَلَّ يومٌ مَرَّ علينا إلَّا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طَرَفَيِ النهار؛ غدوة وعشيَّة" (٣)، وذلك لعظيم المحبة وكثرة الاهتبال. وفيل غير ذلك، وبيانُه في "شرح الحديث". فإن لم يطالعه إلَّا في الأحيان بالزيارة؛ فإنه (٤) جاء (٥) في الأثر: "أن رجلًا زار أخًا له في الله فبعث الله على مَدْرَجَتِه مَلَكًا (٦) " (٧)، الحديث.

стр. 1754

ومنه: أن رجلًا لقيه في الطريق فقال له: "أين تريد؟ قال: أريد فلانًا أزوره، قال: أَبَيْنَكَ وبينه رَحِمٌ تصلها أو نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، قال: فمَهْ؟ قال: أحبه في الله، قال: فإني رسول ربك إليك أنه يُحِبُّك بحُبِّك إيَّاه" (١). ومن الأمثال الغرَّارة قولهم: "زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا" (٢)، ولم يَزَلْ بَعْدُ (٣) حتَّى رفعوه إلى النبي ﷺ ، وهو منه بريءٌ. وقد أنشدني أبو القاسم عبد العزيز (٤) بن قيس (٥) بثَغْرِ عسقلان للقاضي أبي بكر بن حسَّان العسقلاني: زُرْ من يحبك كلَّ يوم لا تكن … ممَّن يُغِبُّ زيارة الأحبابِ ودَع القليل من الجفاء فإنه … فيما حَكَوا يُنْمِي نماءَ خِضَابِ لو صحَّ ما بين الخليل وخِلِّه … لاستعملا ما جاء (٦) في الإِغْبَابِ وإذا تهاون بالزيارة صاحبٌ … هانت مودَّته على الأصحابِ (٧)

стр. 1755

قال الإمام الحافظ (١): وهذا إنَّما ينبني على صحة المودَّة، واستحكام العُقْدَةِ، والحرص على الاستكثار، والحاجة الدائرة بين القاصد والمقصود إليه وفراغهما لذلك (٢). السَّادس: أن يحمل جَفْوَتَه وغِلْظَتَه، قال عُمَرٌ في أبي بكر: "وكنت أداري منه بعض الحد" (٣)، وناهيك من غلظة عصر أن بداري من أبي بكر حِدَّةً يزيد بها عليه، وإن أبا بكر كان ساكنًا، فإذا تحرَّك لله لم يثبت له شيء، فكان إذا ثار لله سَكَنَ باللِّينِ، واكتسب ذلك عُمَرُ حتى كان كذلك. السَّابع: أن يَتَخَدَّمَ له أموره قبل أن يُكَلِّفَه ذلك، إذا علم أنها له، وتحقق حاجته إليها، فأمَّا إذا كَلَّفَه ذلك فلا كلام فيه. الثامن: ألَّا (٤) يكون بينه وبينه تَحَفُّظٌ، وليبسط نفسه ويده على مَالِه. التاسع: ألَّا (٥) يكون بينه وبينه حِرْزٌ (٦)، وهذا مذهب الصوفية، وأمَّا الفقهاء فلا يرون ذلك، لَا هُمَّ (٧) إلَّا أن مالكًا أنزل الصَّدِيقَ المُلَاطِفَ منزلة الابن في الشهادات خاصَّة، وأَسْقَطَ شهادته لصديقه، ولم يُنزله منزلته في سائر الأحكام، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الفقه" (٨).
следующие страницы →