← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وتاجر طمَّاع، وإنَّما الواصل بالحقيقة هو الذي يَصِلَ لا عن عِوَضٍ مُتَقَدِّمٍ ولا مُتَوَقَّعٍ. [حديث: كأنما تُسِفُّهم المَلَّ]: وأمَّا قوله: "كأنما تُسِفُّهم المَلَّ": فإنه مَثَلٌ ضَرَبَه بين فِعْلِه وفِعْلِهم، هو يَبُلُّ ويَبْرُدُ، وكل واحدٍ (١) منهم يُضْرِمُ ويُوقِدُ آثامًا يَلْقَوْنَ حرارتها، فكأنما (٢) يُطعمهم المَلَّ، وهو الرماد الحارُّ. قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: ومن فَضْلِ (٤) صِلَةِ الرَّحِمِ أن النبي ﷺ جعلها مُقَدَّمَةً على العِتْقِ، ففي الصحيح: أن ميمونة زَوْجَ النبي أخبرته أنها قد أعتقت وليدتها، قال: "أَوَ فَعَلْتِ؟ قالت: نعم، قال لها: أَمَا إِنك لو أعطيتِها أخوالك كان أعظم لأجرك" (٥). [أحكامُ الأُخُوَّةِ]: أحكامُ الأخوَّة كثيرة، أمَّهاتُها سبع (٦) عشرة:

стр. 1752

الأوَّل: النصرة؛ قال النبي ﷺ : "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تكفُّه عن الظلم، فذلك (١) نصرك إيَّاه" (٢). الثاني: الإيثار؛ آخى رسولُ الله (٣) بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، فقال له سعد: "هذا نِصْفُ مالي لك، وإحدى زَوْجَتَيَّ أنزلُ لك عنها، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّونِي على السُّوق" (٤)، وذكر الحديث. وقال أبو موسى: قال النبي ﷺ : "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو وقلَّ (٥) طعامهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم بالسويَّة، فأنا منهم وهُمْ مني" (٦). وفي الصحيح: "أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دُبُرٍ، ولم يكن له مال غيره، فاشتراه نُعَيم بن النحَّام بثماني مائة درهم فدفعها إليه" (٧)، زاد (٨) وقال: "إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، وإن كان فيها

стр. 1753

فَضْلٌ فعلى عياله، فإن كان فيها فَضْلٌ فعلى قرابته، فإن كان فيها فَضْلٌ فهاهنا وهاهنا" (١). الثالث: الافتقاد عند الغيبة عن العادة، فإذا غاب عنه اليوم الأوَّل لم يَرَهُ شيئًا، فإذا كان في الثاني اهتبل، فإذا كان في الثالث ولم يأت سأل، فيعلم سَبَبَ (٢) ذلك؛ إن كان غائبًا دعا له، وهو الرَّابع، وإن كان مريضًا عاده، وهو الخامس. فإن تأكَّدت الأخوة فليطَّلع حاله مرَّتين في اليوم، قالت عائشة ﵂: "وقَلَّ يومٌ مَرَّ علينا إلَّا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طَرَفَيِ النهار؛ غدوة وعشيَّة" (٣)، وذلك لعظيم المحبة وكثرة الاهتبال. وفيل غير ذلك، وبيانُه في "شرح الحديث". فإن لم يطالعه إلَّا في الأحيان بالزيارة؛ فإنه (٤) جاء (٥) في الأثر: "أن رجلًا زار أخًا له في الله فبعث الله على مَدْرَجَتِه مَلَكًا (٦) " (٧)، الحديث.

стр. 1754

ومنه: أن رجلًا لقيه في الطريق فقال له: "أين تريد؟ قال: أريد فلانًا أزوره، قال: أَبَيْنَكَ وبينه رَحِمٌ تصلها أو نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، قال: فمَهْ؟ قال: أحبه في الله، قال: فإني رسول ربك إليك أنه يُحِبُّك بحُبِّك إيَّاه" (١). ومن الأمثال الغرَّارة قولهم: "زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا" (٢)، ولم يَزَلْ بَعْدُ (٣) حتَّى رفعوه إلى النبي ﷺ ، وهو منه بريءٌ. وقد أنشدني أبو القاسم عبد العزيز (٤) بن قيس (٥) بثَغْرِ عسقلان للقاضي أبي بكر بن حسَّان العسقلاني: زُرْ من يحبك كلَّ يوم لا تكن … ممَّن يُغِبُّ زيارة الأحبابِ ودَع القليل من الجفاء فإنه … فيما حَكَوا يُنْمِي نماءَ خِضَابِ لو صحَّ ما بين الخليل وخِلِّه … لاستعملا ما جاء (٦) في الإِغْبَابِ وإذا تهاون بالزيارة صاحبٌ … هانت مودَّته على الأصحابِ (٧)

стр. 1755

قال الإمام الحافظ (١): وهذا إنَّما ينبني على صحة المودَّة، واستحكام العُقْدَةِ، والحرص على الاستكثار، والحاجة الدائرة بين القاصد والمقصود إليه وفراغهما لذلك (٢). السَّادس: أن يحمل جَفْوَتَه وغِلْظَتَه، قال عُمَرٌ في أبي بكر: "وكنت أداري منه بعض الحد" (٣)، وناهيك من غلظة عصر أن بداري من أبي بكر حِدَّةً يزيد بها عليه، وإن أبا بكر كان ساكنًا، فإذا تحرَّك لله لم يثبت له شيء، فكان إذا ثار لله سَكَنَ باللِّينِ، واكتسب ذلك عُمَرُ حتى كان كذلك. السَّابع: أن يَتَخَدَّمَ له أموره قبل أن يُكَلِّفَه ذلك، إذا علم أنها له، وتحقق حاجته إليها، فأمَّا إذا كَلَّفَه ذلك فلا كلام فيه. الثامن: ألَّا (٤) يكون بينه وبينه تَحَفُّظٌ، وليبسط نفسه ويده على مَالِه. التاسع: ألَّا (٥) يكون بينه وبينه حِرْزٌ (٦)، وهذا مذهب الصوفية، وأمَّا الفقهاء فلا يرون ذلك، لَا هُمَّ (٧) إلَّا أن مالكًا أنزل الصَّدِيقَ المُلَاطِفَ منزلة الابن في الشهادات خاصَّة، وأَسْقَطَ شهادته لصديقه، ولم يُنزله منزلته في سائر الأحكام، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الفقه" (٨).

стр. 1756

العاشر: أن يريد ما يريد، ويكره ما يكره، ويصل من وصل، ويقطع من قطع. الحادي عشر (١): أن يشفع له في الدنيا إن احتاج إلى ذلك، وفي الآخرة، كما ورد في الحديث الصحيح، ويشفع عندنا فيه ما لم يُصِبْ حَدًّا، فإذا أصاب حَدًّا فقد وجبت عليه اللعنة إنْ سعى في إسقاطه بعد وجوبه بشفاعته (٢) دون شبْهَةٍ، فإن تَطَلَّبَ له شهبة جاز، كقوله: "لعلك قبَّلت، لعلك غمزت" (٣). ومن دعاء الجنائز: "اللهم جئنا شفعاء له فشَفِّعْنَا فيه"، وليس ينبغي لكل أحد أن يبسط لسانه بهذه الكلمة، إلَّا (٤) أن يعلم من نفسه السَّلامة من الكبائر، فإذا سلم من الكبائر فحينئذ يكون شهيدًا، فيقول: "اللهم إني أُشهدك، وأَشهد عندك"، أو يقول: "اللهم إني جئتُ شفيعًا"، وأمَّا إذا كان مُتَلَطِّخًا (٥) بالخطايا مُرَحَّضًا بالذنوب فقال: "اللهم إنا جئنا شُفعاء له"؛ ربَّما دخل في المَثَلِ: جئنا به نشفع (٦) في حاجة … فاحتاج في الإذن إلى شافع (٧) ولذلك لم يكن بالحقيقة هذا الاسمُ:

стр. 1757

الشَّفِيعُ (١): وهو الاسمُ الحادي والثمانون (٢) إلَّا لمُحَمَّدٍ ﷺ (٣)، ولأقرانه، ولمن تبعهم بإحسان في الأعمال والإيمان. ومن مشهور الحديث: "اشفعوا تؤجروا، وليَقْضِ الله على لسان رسوله ما شاء" (٤). ورُوي في الحسن: "من سأل القضاء وابتغى فيه شفعاء وُكِلَ إليه" (٥)، وذلك إذا وَليَ كذلك، ولا يلي بشفاعة عند إمام عَدْلٍ أبدًا، فلذلك لا تكون ولاية، ولا يكون فيها هداية. وفي الحديث الصحيح من رواية ابن عَجْلان عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن الصُّنَابِحي أنه قال: "دخلتُ على عُبادة بن الصَّامت وهو في

стр. 1758

الموت، فبكيتُ، فقال: مَهْلًا، لم تبكي؟ فوالله لئن استُشْهِدْتُ لأشهدنَّ لك، ولئن شُفِّعْتُ لأشفعنَّ لك، ولئن استطعت لأنفعنَّك، ثم قال: والله، ما من حديث سمعتُه من رسول الله لكم فيه خَيْرٌ إلَّا حدَّثتكموه، إلَّا حديثًا واحدًا، وسوف أُحَدِّثُكُمُوهُ اليوم وقد أُحِيطَ بنفسي، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمد رسول الله حرَّمه الله على النار" (١)، فلم يَضْمَنْ لفَضْلِه وعِلْمِه بمَكْرِ الله وما يُحرف من القلوب في اللحظات شهادةً له ولا شفاعةً، ولكنه قال له (٢): "إن كنتَ من أهل الشهادة أو الشفاعة فأنا لك شهيد وشفيع". ولذلك قال النبي صلى الله عليه حين وَقَفَ على أهل أُحُدٍ: "أنا أشهد (٣) على هؤلاء" (٤)، الحديث إلى آخِرِه. وهو ﷺ (٥). شفيع الشفعاء، وشهيد الشهداء، وقاضي القضاة والحق. الثاني عشر (٦): في الصحيح: "أن النبي ﷺ مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا (٧)، فقال النبي ﷺ : وجبت، ومُرَّ بأخرى فأثنى عليها شرًّا (٨)، فقال:

стр. 1759

وجبت، قيل له: وما وجبت يا رسول الله؟ قال: أثنيتم على الأولى خيرًا فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شرًّا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (١). كما أنه قال ﷺ (٢): "من صلَّى عليه مائة فشَفَعُوا له شُفِّعُوا فيه" (٣). [مَحْمُودُ الثناء ومَذْمُومُه]: وهذا الثناء مُسْتَحَبٌّ في مواطن، مكروه في مواطن، فأمَّا الموطن الذي يُسْتَحَبُّ فيه فما بعد الموت، ولا خلاف فيه، وهو التأبين والرثاء؛ أن تَذْكُرَ خصال الرجل ومناقبه بعد موته، فإذا كان ذلك في حياته؛ فإن كان في مَغِيبِه فلا بأس به، إذا خَلَصَتْ فيه نية القائل، وسَلِمَتْ فيه عقيدة الشاهد، ولم يقصد أن يُبَلِّغَ ذلك إليه، وإذا كان ذلك في حضوره فإنه مكروه، ثبت أن النبي ﷺ سمع رجلًا يُثني على رجل، فقال: "ويلك (٤)؛ قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك، مِرَارًا، قال: من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليَقُلْ: أحسبُ فلانا، والله حسيبُه، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، أحسبُ كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه" (٥)، وهو "المُزَكِّي" بذلك.

стр. 1760

المُزَكِّي (١): وهو الاسمُ الثاني والثمانون (٢) وهذا هو في أشهر الأقوال تَفْسِيرُ قوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، أي: لا يُزَكِّي أَحَدٌ أَحَدا قاطعًا به، وإن كان يعلمه؛ فإن الباطن خَفِيٌّ عنه، والعاقبة محجوبة عنه، حتى قال العلماء (٣): "لا يُزَكِّي نفسه؛ فإن زكَّاها عملًا وطاعةً فلا يُزَكِّيها اعتقادًا وشهادةً، وليَكُنْ عند نفسه ناقصًا قاصرًا، مُقَصِّرًا مذنبًا". قال شيخُنا القاضي أبو المعالي عَزِيزِي (٤) بن عبد الملك بن شِيذَلَة (٥) الصُّوفِي (٦): كان شيخُنا الدَّامَغَاني (٧) يقول في عَرَفَة إذا شاهد ذلك الجمع

стр. 1761

العظيم، ورأى الفضاء العريض قد غصَّ بهم: "اللهم اقبلني معهم وإن كنتُ زائفًا، فقد يسمح الناقد وإن كان عارفًا". وكان الأستاذ أبو القاسم القُشَيري يقول: "من اعتقد أنْ على البسيطة شَرٌّ منه فهو متكبر" (١)، يعني: من المؤمنين؛ إذ لا تُعلم الحال في الأكثر منهم، ولا تُدرى (٢) حال الخاتمة فيه وفيهم. ومن الحديث الحسن: أن رجلًا أثنى على عثمان في وجهه، فحَثَا المِقْدَادُ بن الأسود ترابًا في وجهه، وقال: "سمعتُ رسول الله يقول: احثُوا التراب في وجوه المدَّاحين" (٣). ولذلك يكتفى في التزكية عند القاضي أن يقول: "ما علمتُ عليه إلَّا خيرًا، وأحسبه على حال كذا، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا"، وهو مذهب البخاري (٤) وغيره. ورأى فقهاء الأمصار أن يقول: عَدْلٌ، أو رِضًى، أو يجمعهما، على اختلاف بينهم في ذلك (٥). وبقَوْلِ البخاري أَقُولُ في الدليل، والله أعلم بالتأويل. وقد دخل ابنُ عباس على عائشة فقال ما نصُّه - في الصحيح واللفظ للبخاري -: عن ابن أبي مُلَيكة قال: "استأذن ابنُ عبَّاس على عائشة

стр. 1762

قبل (١) موتها وهي مغلوبة، قالت: أخشى أن يُثني علي، فقيل: ابن عم رسول الله، وهو من وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير، إن اتقيت الله، قال، فأنت بخير إن شاء الله؛ زوجة رسول الله، ولم ينكح بِكْرًا غيرك، ونَزَلَ عُذْرُك من السماء، ودخل ابن الزبير خِلَافَه، فقالت: دخل ابن عباس فأثنى عليَّ، ووَدِدْتُ أنِّي كنت نِسْيًا مَنْسِيًّا" (٢). قال الإمام الحافظ (٣): وأَصْلُ هذا كله احتقارُ (٤) العبد لنفسه (٥)، واعتقادُه وعملُه أوَّلًا مع الله، حتى يكون من أوَّل منازله في ذلك ما قال الأوَّلُ: أُحبك حبًّا لو يَفَضُّ يسيرُه … على الخلق مات الخلق من شدة الحبِّ وأَعْلَمُ أَنِّي بعد ذاك مُقَصِّرٌ … لأنك في أعلى المراتب (٦) من قلبِ (٧) ويكون من (٨) ثانيها مع النبي ﷺ ؛ أن يكون النبيُّ أحبَّ إليه من ماله وولده وأهله والناس أجمعين.

стр. 1763

وثالثها: مع الناس، أن يرى لهم عليه الحقوق، ويصلهم بالنية والتحقيق. ورابعها: أن لا يرى نفسه شيئًا في شيء (١). وإذا (٢) تبرَّأ من نفسه واعتقد قصوره - كما قدَّمنا (٣) - وتقصيره، وشَره ودَنَسَه، فهو "المتواضع". * * *

стр. 1764

المُتَوَاضِعُ (١): وهو الاسمُ الثالث والثمانون (٢) وهي صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، هو سَيِّدُ وَلَدِ آدم أيَّان تواضع، وإذ خيَّره (٣) الله بين أن يكون نبيًّا مَلِكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا (٤)، وخيَّره الله آخِرًا بين الخُلْدِ في الدنيا ولقائه فاختار لقاءَه (٥). وفي المغازي: ورُوِيَ عن مالك: "أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح في جند الإسلام وسلطانه ظاهرًا قاهرًا (٦)، فانحنى (٧) لله على الراحلة ساجدًا، حتى إن عُثْنُونَه ليَمَسُّ واسطة الرَّحْلِ" (٨). وكان النبي ﷺ في الحديث الحسن - يقول: "إنَّما أنا عَبْدٌ، آكُلُ كما يأكل العبد" (٩).

стр. 1765

وفي كُتُبِ السِّيَرِ من طريق حسنة: "أن النجاشي أرسل يومًا إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه، فإذا هو جالس على الأرض وعليه خُلقان ثياب، فأشفقنا حين رأيناه على تلك الحال، فلمَّا رأى ما في وجوهنا قال: إنِّي أُبَشِّرُكُمْ بما يَسُرُّكم، جاءني من نحو أرضكم خبير، فأخبرني أن الله قد نَصَرَ نبيَّه وأهلك عدوَّه، وأَسَرَ فلانًا وفلانًا، التقوا بوَادٍ يقال له: بدر، كثير الأراك، كأني أنظر إليه، كنت أرعى فيه لسيِّدي - رجل من بني ضَمْرَةَ - إِبِلَه، فقال له جعفر: مَا لَكَ جالسًا على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أَنزل الله على عيسى: أن حقًّا على العباد أن يُحْدِثُوا لله تواضعًا عند ما أَحْدَثَ الله (١) لهم نعمة، فلمَّا أُخْبِرْتُ أن الله نَصَرَ نبيَّه أَحْدَثْتُ لله تواضعًا" (٢). ومن حِكَمِ الأَحْنَفِ بن قيس: "الشريفُ إذا تَقَرَّأَ (٣) تواضع، والوضيعُ إذا تقرَّأَ (٤) تكبَّر". وفي الآثار: "إن الرجل إذا تواضع أخذ الله بناصيته فرفعه، وإذا تكبَّر خَضَّعَه الله ووَقمَه" (٥). وصحَّ أن النبي قال: "إن المتكبرين يُحشرون يوم القيامة مثل الذَّرِّ في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن جهنم يسمَّى

стр. 1766

بَوْلَسَ (١)، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصارة أهل النار؛ طينة الخَبال، يطأهم الخلق بأقدامهم" (٢). ومن الحِكْمَةِ المأثورة: "إنَّ الشريف إذا تنسَّك تواضع، والوضيع إذا تنسَّك تكبَّر" (٣). قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: وهذا الفِقْهُ (٥) صحيح؛ وذلك أن الشريف يرى لنفسه بمنزلته، فإذا تنسَّك رأى أنه لا منزلة لأحد جَهِلَ خاتمته، والوَضِيعُ مَهِينٌ لا (٦) يرى منزلته، فإذا تنسَّك بجَهْل يرى أنه قد ارتقى، ونعم؛ لقد ارتقى، ولكن إذا رأى أنه قد نزل فهذا شَرْطُ الارتقاء. وحَدُّ التواصع: أن يُسْقِطَ في اعتقاده نفسَه عن مرتبة المُتَّقِينَ إلى المذنبين وهو مُتَجَنِّبٌ للذنوب، وعن مرتبة المجتهدين إلى المقصرين وهو مُجْتَهِدٌ، وعن مرتبة المحسنين إلى المسيئين وهو مُحْسِنٌ. [تواضعُ أبي عبد الله الدَّامَغاني]: أخبرني جماعةُ الأشياخ ببغداد (٧): "أن قاضي القضاة أبا عبد الله محمد بن علي الدَّامَغَانِي كان يمشي في الموكب الثقيل، وحوله القُضاة

стр. 1767

والعدول والثُّنَّاءُ (١)، فيَمُرُّ بالرَّوْشَنِ فيقف ويقول: يرحمك الله يا فلانة، كنت أُحارس (٢) هذا الدرب بقراريط معلومة، فإذا أَعْتَمَ اللَّيْلُ جلستُ تحت هذا الرَّوْشَنِ أدرسُ اللَّيْلَ كلَّه، وكانت في رَوْشَنِها بمِرْدَنِها تغزل الليل كله، فإذا أوهمتُ أو توقَّفت في الدرس تقول: ليس هكذا يا (٣) محمد، وليس لتوقفك معنى، قد دَرَسْتُه (٤) قبل هذا على كذا وكذا، فأتذكَّره (٥) "، بما (٦) يُخَجِّلُ بذلك المتكبرين، ويُسَلِّي المتواضعين، ويَسُنُّ للمسلمين المريدين. [تواضعُ أبي إسحاق الشِّيرَازِي]: وكان أبو إسحاق الشِّيرَازِيِ (٧) فقيهُ الشافعية - بل الطوائف - شيخ الصوفية يُدَرِّسُ ويتصوَّف، وكان يقول في المدرسة النِّظَامِيَّةِ بمحضر (٨) أهل الآفاق - وقد حاز الرياسة والإمامة في الديانة -: "كان أبي صبَّاغًا بشِيرَازَ،

стр. 1768

وكان يقهرني على الصناعة (١)، ففَرَرْتُ منه إلى بغداذ، وأَوْقَعَ الله في قلبي طَلَبَ العلم، فلزمت القاضي أبا الطيِّب الطَّبَرِي (٢) " (٣). قال لي بعضهم: حتَّى كان القاضي أبو الطيب يقول فيه: "إنه حمامة المسجد"، من كثرة ملازمته له. قال أبو إسحاق: "وكنتُ أخدم طبَّاخًا، فإذا كان العَشِيُّ جئتُ إليه؛ فغسلتُ قُدُورَه، وأشعلت ناره، ورتَّبت طعامه، ثم يأتي المحتسب فيختم عليها، وتوضع على النار، وأُقيم عليها معه، حتى (٤) إذا أَسْحَرَ فكَّ الخاتَم وشرع في البيع، فإذا أصبح وطلعت الشمس ترَكْتُه، ومشيتُ إلى مسجد القاضي أبي الطيِّب إلى العَشِيِّ، هكذا أبدًا؛ أدرسُ ليلًا ونهارًا في مسجدي (٥) ودُكَّانِي، ولا يعود عليَّ إلا ما أقتاتُ به (٦)، وأَتَلَبَّسُ بخَشِنٍ من الثياب، حتَّى رأى القاضي أبو الطيب أنِّي ممَّن حصَّل فأدناني وخزلني (٧) عن السوق، ولم يزل يسعى لي في العُلُوِّ (٨) والمرتبة حتى أعطى الله وفَتَحَ،

стр. 1769

ومات وهو عنِّي رَاضٍ (١)، وكنتُ أسمع لَغْوَ أهل السوق، وما دخل قطُّ في أذني (٢) شيء فخرج منه" (٣). وكان يسترسل بحكايات عَامِّيَّةٍ، فيقول: "وما تسمعون من هذا فمن حِفْظِ أيَّام خِدْمَتِي للطبَّاخ"، ولا يرى أن ذلك يَضَعُ من قَدْرِه، بل كان يتواضع ويُفيد من العلم كيف جاءه، فَضْلُ الله وجريانُ نِعَمِه سبحانه على عباده، وترتيبُ عنايته بهم، ورَفع المنازل المُسْتَفِلَة، وخَلْقُ العِلْم في قلب من شاء، وصَرْفُ الهمم إذا أدركتها عناية إلى الشريعة، وإخراج العالم من الجاهل، والجاهل من العالم، وهو أحد الأقوال في قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، ولو لم يكن في التواضع وضِدِّه من التكبُّرِ (٤) إلَّا ما تقدَّم في وصف أهل الجنة: "كلُّ ضعيف مُتَضَعَّفٍ" (٥)، وفي أهل النار: "كُلُّ جبَّار عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر" (٦). [من خصال المُتَكَبِّرِينَ]: ومن الكِبْرِ طُولُ الإزار؛ قال النبي ﷺ : "من جَرَّ إزاره خُيَلَاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة" (٧).

стр. 1770

وفي الخبر: "بينما رجل يتبختر خَسَفَ الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" (١). وقال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يُزَكِّيهِمْ، ولهم عذاب أليم؛ شيخ زان، وإمام كذَّاب، وعائل مستكبر" (٢). وقال تعالى: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار" (٣). وقال له رجل: "إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا (٤)، قال: إن الله جميل يجب الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ (٥) الحق وغَمْطُ الناس" (٦). ومن الحديث الحسن: قوله ﷺ (٧): "إنَّ الرجل ليذهب بنفسه حتى يُكتب في الجبَّارين؛ فيُصِيبُه ما أصابهم" (٨).

стр. 1771

وروى ثوبان - في الحسان -: أن نبي الله ﷺ قال: "من فارق الروحُ الجسدَ وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة؛ الكِبْرُ، والغُلولُ، والدَّيْنُ" (١). وفي رواية: "الكنز" (٢). ومن كلام الحكماء - وقد دخل في الحديث ولم يصحَّ -: "بئىس العبدُ عبد تجبَّر وعتا ونسي الجبَّار الأعلى، بئىس العبدُ عبد سَهَا وَلَهَا ونسي المقابر والبِلَى، وبئىس العبد عبد عتا (٣) وطغا (٤) ونسي المبتدأ والمنتهى، بئس العبد عبد يَخْتِلُ الدنيا بالدِّينِ، بئس العبد عبد يَلْبِسُ الدِّينَ بالشبهات، بئس العبد عبد طَمَعٌ (٥) يقوده (٦)، بئس العبد عبد هَوًى (٧) يُضِلُّه، بئس العبدُ عبد رَغَبٌ (٨) يُذِلُّه" (٩).

стр. 1772

قال الإمام الحافظ (١): فأمَّا جَرُّ الإزار فسخافةٌ قبل النظر في التحريم، قد نظر عُمَرُ وهو في (٢) بَرْحِه من جُرْحِه إلى غلام يجرُّ إزاره فقال له: "ارفع إزارك يا غلام، فإنه أبقى وأنقى وأتقى" (٣). وقال ﷺ : "إِزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جُناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك ففي النار" (٤). إذا أراد المُرِيدُ أن يعلم وجه النهي فلينظر إلى نفسه إذا جرَّها، فإنه يجد فيها عُلُوًّا، إن تمادى عليه صار عُتُوًّا. وفي الصحيح: أن أبا بكر قال: "يا رسول الله، إني أحيانًا يسترخي إزاري، قال له: أرجو ألَّا تكون منهم، أو: لستَ منهم" (٥). وهذا صحيح؛ فإنَّ من تعلَّق رداؤه بغير قَصْدِه لم يكن عليه في ذلك حَرَجٌ من فِعْلِه (٦).

стр. 1773

داهية: [في السَّدْلِ في الصَّلاة] قال مالك ﵁: "لا بأس بالسَّدْلِ في الصلاة" (١). ومن الكلام الذي يُنسب إلى واضع الشريعة ومُبَلِّغِها الثاني (٢) صلى الله عليه (٣) أنه نهى عن السَّدْلِ في الصلاة (٤). فأمَّا النَّهْيُ عن السَّدْلِ في الصلاة فلم يصحَّ، لكنِ السَّدْلُ على وجهين: أحدهما: سَدْلٌ يتجاوز الكعبين ويضرب الأرض؛ فذلك حرام - كما تقدَّم - بكل حال. [الثاني]: وسَدْلٌ لا يبلغ الكعبين، فذلك جائز بكل حال. ومعنى ذلك: أنَّ الرداء يكون على المرء إمَّا مُتَقَنِّعًا به، وإمَّا مُتَأَبِّطًا، وإمَّا مُشْتَمِلًا (٥)، وإمَّا مُضْطَبِعًا (٦)؛ على أنواع الهيآت.

стр. 1774

وقد يكون حاملًا له على رأسه ومَنْكِبَيْهِ، أو على منكبيه خاصَّة، سَادِلًا له على ظهره وذراعيه. وسُنَّةُ لباسه التأبُّطُ، فقد رُوي في بعض الطرق: "أنها كانت رِدْءَةَ رسول الله"، وهو رِدْءَةُ العرب إلى اليوم، فكان هذا من مَالِكٍ إشارة إلى أنه بجوز أن يحمل الرداء في الصلاة على غير السُّنَّةِ والهيئة (١) التي يُحمل عليها في خارجها ويُتَجَمَّلُ بها في حَمْلِه. [نَقْدُ المَسَائِلِيِّينَ في قولهم بسُنِّيَّةِ السَّدْلِ في الصَّلَاةِ]: وخَفِيَ هذا كلُّه على قوم - يَسْتَقْرُونَ المسائل الفقهية، يُرَى (٢) أحدُهم حاملًا لردائه على هيئة الارتداء والتشمير، حتى إذا صلى سَدَلَهُ ضرورة. ومَالِكٌ لم يقل: "سُنَّةُ الصلاة السَّدْلُ"، إنَّما قال: "لا بأس به"، فلِمَ جعلوه نَدْبًا؟ بل لِمَ جعلوه حالةً ملازمة؟ حتى زادوا فيه: "أن يسحبوه على الأرض سَحْبًا"، حتى زادوا فيه: "أن يُرْخُوه شِبْرًا وذراعًا"، فإذا بالرجل قد عاد امرأة؛ تُرْخِي دِرْعَها ذراعًا، وإذا بالرداء قد صار ذَيْلًا، وصار المرءُ ممَّن يمشي مُكِبًّا على وجهه؛ قد عَدَلَ عن الصراط المستقيم، ولم يركب جادَّة التعليم والتفهيم. [تَفْسِيرُ حديث المُتَجَلْجِلِ]: وأمَّا حديث المتجلجل فيحتمل أن يكون كافرًا، كما يأتي بيانُه، ويحتمل أن يكون مؤمنًا؛ وغُلِّظَ عليه (٣) عذابُه في الدنيا، وسَتُدْرِكُه - إن شاء الله - شفاعة الأخرى.

стр. 1775

[تفسير حديث: شيخ زَانٍ]: وأمَّا حديثُ الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم فحكمة بالغة، وهي أن الزِّنَا إنَّما يحمله عليه غُلْمَةُ الشَّبِيبَةِ (١)، وشَبَقُ (٢) الفُتُوَّةِ، وغِرَّةُ الصِّبَا، واستيلاءُ الهوى، وإذا شاخ (٣) المرءُ ضعفت القُوَى، وانحلَّ العَصَبُ، وانقلب الهوى إلى الهُوِيِّ، فإذا تمادى في غُلُوَائِه وصمَّم على سيرته الأولى ومضى على ما اعتاد منها؛ تحقَّق عليه فسادُ النفس، وخُبْثُ السُّوس، فكان عقابه أَكْبَرَ، ولم يكن بأَعْذَرَ. [الأميرُ الكذَّاب]: وأمَّا الإمام الكذَّاب فهو شَرٌّ الخلق عند الله تعالى؛ لأنَّ الكذَّاب إنما يريد كذبه حيلة (٤) لما يعجز عنه، وليس فوق الإمام يد، ولا يفوته شيء ممَّا (٥) يعتاد دَركه، فإذا صادره (٦) بالكذب كان ذلك نزولًا عن الكرامة إلى الخِسَّةِ، وعن الطاعة إلى المعصية. وقد قال لنا ذَانَشْمَنْد (٧): "إنَّ في اللسان آفات كثيرة، شرها الكذب، وهو إذا تَرَكَه خَرَجَ به عن جميع المعاصي اللسانية والجوارحية"، لأنَّ الصِّدْقَ - كما قدَّمنا بيانَه - الأَصْلُ في الدين، وجملة الأعمال متعلقة به،

стр. 1776

فإذا التزمه العبد لم يتَّفق له أن يعصي أبدًا، ولا يخالف حَدًّا، فإنك إذا فدرت أن تُسأل عمَّا فعلت فتقول: لم أفعل؛ وأنت قد فعلت، كذبت، وإن صدقت ربما قُتلت، أو حُدِدْتَ، أو عُزلت عن مرتبة الخير، وإن لسانك هو المعبِّر عنك فيما علمت، المعبر لك فيما تتعلَّم، وأعظمُ ما فيه من الآفات: الكَذِبُ، والغِيبَةُ، والمِرَاءُ، والمُزَاحُ. وإذا تفطَّنت كما بيَّنَّا (١) في "قانون التأويل" (٢)؛ وجدتَ جميع مكروهات الأقدار (٣) لا يُخرج عنها، فإذا احترست منها مَلَكْتَ لسانك، وسلمت من الوعيد الثابت؛ وهو (٤) قوله ﷺ : "وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (٥). وأَشَدُّ الكذب كَذِبُ الأمير، أو الكذب للأمير، من الحديث الصحيح؛ خرَّجه الترمذى والنسائي عن كعب بن عُجْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه سيكون أمراء، فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يَرِدُ عليَّ حوضي، ومن لم يصدقهم على كذبهم (٦) ولم يُعنهم على ظلمهم فهو منِّي وأنا منه، ويَرِدُ عليَّ حَوْضِي" (٧).

стр. 1777

التَّعْرِيضُ بالمعاريض: أَمَا إِنَّه قد رُخِّصَ فيه في مواطن ثلاثة أجمعت عليه (١) الأمة؛ الإصلاح بين الناس، ووَعْدُ الرجل أهله، والحرب (٢). فأمَّا الإصلاح بين الناس فلمَا يُرْجَى من إطفاء النائرة بين الرجلين أو الفريقين، ولكن بالمعاريض، مثل أن يقول له: رأيته يدعو لك؛ إن جرى في كلمته دعاء له، وإن لم يسمع، فإن صلَّى معه فقد دعا للمسلمين في صلاته، فيقول (٣) له: قد دعا لك، وينوي بقلبه ما كان من دعائه في صلاته للمسلمين الذي هو أحدهم، أو إذا سمعه يذكره بكلمة حسنة قالها وحدها، ويجتنب التصريح بالكذب وإن لم يقصده بقلبه، وهي مسألة عظيمة من الفقه، بيَّنَّاها في "كُتُبِ الخلاف" في طلاق المُكْرَهِ، وصنَّف فيها علماءُ اللغة كُتُبًا. وقد كان النبي ﷺ : "نمشي إلى جهة كذا" (٤)؛ وهي المشرق، فإذا خرج ومشى إلى تلك الجهة لَيْلَةً عرَّج إلى المغرب، حتى يتحقَّق قَوْلُه وفِعْلُه. وإذا ابتاع لزوجه ثوبًا بأربعة يقول: أخذته لك بخمسة، يعني: أخذته بكَفِّي، أو يقول: اشتريته بخمسة، يعني: بخمسة أجزاء أصلُها أربعة، بأن

стр. 1778

يَحُطَّ من كل وَاحِدٍ خُمُسًا، كما لو أراد أن يقسمها على أربعة رجال، وأمثالُ هذا لا يُحْصَى (١). والغِيبَةُ (٢): أن تذكر في الرجل (٣) ما فيه ممَّا يكره أن يسمعه، فإن لم يكن فيه ذلك فهو بهتان، إلَّا أن يكون كافرًا (٤). روى البخاري في الصحيح: أن النبي ﷺ قال لعائشة: "ما أَظُنُّ فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا" (٥). ذِكْرُ الفاسق: فإن قلت: فإن كان فاسقًا قد ثَبَتَ فِسْقُه؟ قلنا: ولو كان ثابت الفِسْقِ لا يجوز لك أن تذكره به بحال، والدليل عليه أمران: أحدهما: ما روى الأئمة أن رجلًا كان يُلَقَّبُ حمارًا، وكان يؤتى به إلى النبي سكران فيجلده، فقال رجل بعد جلده مرَّة: "لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال: لا تكونوا عَوْنًا للشيطان على أخيكم" (٦)، فنهى عن لَعْنِه مُعَيَّنًا؛ وإن كان هو ﷺ (٧) قد لَعَنَ في الخَمْرِ عشرة (٨).

стр. 1779

الأمر الثاني: قوله ﷺ : "إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدكم فليجلدها الحَدَّ ولا يُثرِّبْ" (١)، فإذا مَنَعَه ﷺ من (٢) إن يعاتبها على فِعْلِها فأَحْرَى أن يمنع من ذكْرِه في غير ذلك. أَمَا إِنَّ علماءنا قالوا: "يذكره في موضع يحتاج إليه، كمستشير له في أمر بمخالطة (٣)، أو كغريب يراه معه، أو يرى معه من يخاف أن يقتدي به أو يشاركه في عمله"، ونحو ذلك من معاني النصيحة. ومن مَحَالِّ ذِكْرِ الغيبة الاستفتاء فيما يحتاج إليه من أمره، قالت هند بنت عُتبة: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مِسِّيكٌ، فهل عليَّ من حرج أن أُطعم من ماله عيالنا؟ قال: لا، إلَّا (٤) بالمعروف" (٥). ولا تُمَارِ؛ فإن المُمَارَاةَ هي المنازعة في تصحيح الباطل وإبطال الحق، ولذلك قال النبي: "مِرَاءٌ في القرآن كفر" (٦)؛ لأنه لا يكتفي بالبدعة حتى يدَّعى أن الله أَمَرَ بها، والله لا يأمر بالفحشاء، فكيف بالبدعة؟ وهذا ممَّا لم نجده لغيرنا والحمد لله، وهو يرجع إلى الكذب.

стр. 1780

وأمَّا قوله: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري" (١)، فهو من الأمثال البديعة التي ضَرَبَها النبي لله سبحانه، فلا تضربوا أنتم لله الأمثال؛ فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وفيه بديعة شنعاءُ من التوحيد بيَّنَّاها في "قانون التأويل" (٢) وغيره، ويكفيكم فيها ما قُرِنَ من الوعيد بها. وبَرَّأَ (٣) من يُرِبدُ جَمال الثياب والنعال من الكِبْرِ إذا أطاع الحق (٤). وأمَّا قوله: "إن الرجل ليذهب بنفسه حتى يُكْتَبَ (٥) من الجبَّارين" (٦)؛ فهو تحذير من التدرج (٧) بيَسِيرِ المُحَرَّم إلى كثيره، وتنبيه عن (٨) التوقِّي من محقرات (٩) الذنوب، فإن الخير عادة والشر لجاجة. وقوله: "دخل الجنة من (١٠) برئ من الكِبْرِ" (١١)، يعني (١٢): دخلها في الزُّمْرَةِ الأولى، وقد بيَّنَّا ذلك في باب الوعيد من "كُتُبِ الأصول" (١٣)، إذ لا بدَّ لكل عَاصٍ مات على التوحيد من الجنة وإن أصابته النار بخطيئته (١٤).

стр. 1781

وَأَمَّا الذي أَثَرْنَاهُ عن الحكماء فهو حديث يُرْوَى، ولكنه لم يثبت (١)، وهي خصال معلومٌ قُبْحُها، مَخُوفٌ وِزْرُها، مُتَوَقَّعٌ سوءُ الخاتمة على مُقْتَرِفِها. [أقسامُ الكِبْرِ]: وأقسامُ الكِبْرِ كثيرة، وأشدُّها خمسة: الأوَّل (٢): التَّكَبُّرُ على الله، كما فعل الجبَّارون الذين نَصَبُوا أنفسهم آلهة، وادَّعوا مع الله الشركة. الثاني: التَّكَبُّرُ (٣) على النبي واستحقاره، كما قالت الكفرة؛ وقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، يعني: ولِمَ يُوضَعُ في أقلهم مرتبة؟ ولم يعلموا المراتب بجهلهم، ولا قَبِلُوها حين (٤) بُيِّنَتْ لهم بغباوتهم (٥). الثالث (٦): ومنها: التَّكَبُّرُ (٧) على الوالي بمعارضته، وقد قال النبي: "اسمعوا وأطيعوا، ولو أُمِّرَ عليكم عبد حبَشِيٌّ له زَبِيبَتان" (٨)، فإن كان الوالي مُطيعًا وجب تعظيمُه وبِرُّه؛ سِرًّا وعَلَنًا، وإن كان عاصيًا وجبت طاعته

стр. 1782

ظاهرًا، وتعيَّن التبرِّي منه باطنًا، ووجب الدعاء له، ولم يَحِلَّ الطَّعْنُ عليه ولا الخروج، بل يصبرُ الخَلْقُ على ما أصابهم منه، والله يفتح له ولهم. الرابع (١): ومنها: التَّكَبُّرُ على المتعلم، فلا ينبغي للعالم أن يستحقره بجهله. [الخامس]: ولا ينبغي للمتعلم أن يَتَّكَبَّرَ على مُعَلِّمِه، وأعني به على العالم، تَعَلَّمَ منه أو لم يتعلم؛ لأن الله قد ردَّه إليه فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأَمَرَهُ بالاقتداء به، فكيف يصحُّ أن يتعاظم عليه؟ [تَتِمَّةُ أحكام الأخوَّة]: الثالث (٢) عشر من أحكام الأخوة: أن يَفْدِيَه، وذلك يكون بالنفس والأهل والمال؛ فأمَّا (٣) فداؤه بالنفس فليس لأحد إلَّا للنبي ﷺ (٤)، حسب ما تقدَّم بيانُه؛ إذ لا يصح الإيمان ولا يُجْزِئ أحدًا إلا بأن يُحِبَّ النبيَّ أكثر من نفسه. وأمَّا التَّفْدِيَةُ بالأهل فإنَّما يَصحُّ إذا كان منهم أَحَدٌ كافرًا، وقال النبي لبعض أصحابه: "فِدًى لك أبي وأمي" (٥)، قال علماؤنا: "لأنهما كانا كافرين" (٦).

стр. 1783

وَأَمَّا الفداء بالمال؛ فمن حُكْم الأخوة أن يكون أخوه عنده فوق ماله إن قَدَرَ من نفسه، وإلَّا فالمواساة مع الحاجة حَقٌّ على ما تقدَّم بيانه في الحالة الأولى من "فاتحة الكتاب". ذَكَرَ ابنُ حنبل أن الأعمش قال: "كان على سعد بن عُبَيدة خَرْجٌ وجُعْلٌ (١) مائتا (٢) درهم، فحُبِسَ بها، فمرَّ عُمارة بن عُمَير فسأل فأخبروه، فصَالَح مُكَاتِبَه على مائتي درهم يُعَجِّلُها (٣)، فأعطاهم وأُخرج، ولم يعلم، فلمَّا سأل عنه قيل: فَعَلَه عُمارة (٤) " (٥). الرابع (٦) عشر: أن يُحسن ظنَّه فيه، قال النبي (٧) صلى الله عليه (٨): "إيَّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (٩). والمعنى فيه: لا تَحْكُمُوا لمُجَرَّدِ (١٠) ما يبدو منه للقلب بالخواطر الظانَّة (١١)، والأمارات المتعارضة، حتى يظهر ذلك بدليل من الأدلة (١٢)

стр. 1784

الموضوعة للقضاء بها، وابتناء الحكم عليها، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وبعضُه أَجْرٌ، وبعضُه فَرْضٌ، وبعضُه مندوبٌ إليه؛ بحسب الأدلة المتعلقة به. الخامس (١) عشر: أن تلقاه (٢) بوَجْهٍ طَلْقٍ، وهو أقل الدرجات في إحسان الأُخوَّة، وهو عنوان ما وراءه من الخير والبركة، وهو أَحَدُ التأويلات في مدح الشَّاعر الجاهلي في الجاهلية بقوله: ثيابُ بني عَوْفٍ (٣) طَهَارَى نَقِيَّةٌ … وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرَّانُ (٤) يريد: أنهم بِيضُ الوجوه من البشاشة، ليست مُكْفَهِرَّة من الحقد والبغضاء. وقوله: "ثيابُهم طَهارى"؛ يريد: لا عيب فيهم، وهو تأويل قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقد غَلِطَ قَوْمٌ فيه فقالوا: "إن معناه (٥) طهارة النجاسة التي شُرِعَتْ للصَّلاة" (٦)، وهذا جهل بالحقيقة، وإسقاط للفائدة، وذلك أن هذه أوَّل كلمة سمعها النبي ﷺ من وَحْي ربه، أو ثانيتها، ولم يكن بَعْدُ أُمِرَ بطاعة، ولا ذُكِرَتْ له عبادة، فكيف يُذْكَرُ له شَرْطٌ من أقل شروطها، وإنما أُمِرَ في هذه الآية بأربعة أوامر؛ أصول فصول:

стр. 1785

الأوَّل: قيل له: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، كما قال النبي (١) ﷺ (٢) لهم: "إنِّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (٣)، و ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، و ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤) [الفرقان: ١]. والثاني (٥): ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، وقدَّم هاهنا التسمية قبل (٦) العامل فيها؛ وهو (٧) الفعل، للاهتمام الواجب فيها، والتعظيم المستحق لها، وكذلك طريقة الفصاحة (٨) العربية في أمثالها، إذا كان لهم الاهتمام بالمعمول فيه قُدِّمَ على العامل، تقول: عَمْرًا ضربتُ، وعَمْرا ضربَ زَيْدٌ، فإنما يُجْعَلُ صدر الكلام لكل ما يقع به الاهتبال والاهتمام. فأَمَرَ بتكبيره وتعظيمه عن أن يكون معبودًا سواه، أو يشاركه غيره في عبادته، أو يكون له سَمِيٌّ في أفعاله أو صفاته أو ذاته. وإذا (٩) قدَّس ربَّه عمَّا لا يليق به فقد أُمِرَ أن يُطَهِّرَ نفسه عن دناءات الآدميِّين التي لا تليق به، ولقد أَمَرَه سبحانه بما أعطاه وله (١٠) ويسَّره، ومَدَحَه بما خلق فيه وقدَّره، فله الحمد أوَّلًا وآخِرًا، وباطنًا وظاهرًا.

стр. 1786

الثالث (١): قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢)، قيل (٣): "طَهِّرْ نفسك عن الزلَّات، وقلبك عن المخالفات، وسِرَّك عن الالتفات إلى غير الله" (٤). وقيل: "إن المُرَادَ بقوله: ﴿ثِيَابَكَ﴾: وأهلك فطَهِّرْ" (٥)، وهو مجاز لفظًا، والمعنى الحقيقي الأوَّل أقوى. والرابع (٦): قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، وهو يُسَمَّى به الأصنام، ويُسَمَّى به العذاب، فآمَرَ بهجران الأصنام وما يُؤَدِّي إلى العذاب. وجَمَعَ له في هذه الأحرف اليسيرة قِسْمَي الشريعة؛ المفعول من القُرُبَاتِ، والمتروك من المحرَّمات، قال الله تعالى: "يا أيها الطالب لصَرْفِ الأذى بالدِّثَارِ، قُمْ فاصرفه عن نفسك بالإنذار" (٧). السَّادس (٨) عشر: أن ترعى حَقَّ الأخوة فيمن فوقك ومن دونك، حتَّى في عبدك، قال النبي ﷺ : "إخوانكم خَوَلُكم، ملَّككم الله رقابهم، فأطعموهم ممَّا تأكلون، واكسوهم ممَّا تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن كلَّفتموهم فأَعِينُوهم" (٩)، وبذلك يكون "رَفِيقًا".

стр. 1787

الرَّفِيقُ (١): وهو الاسمُ الرَّابع والثمانون (٢) ثبت أن النبي قال: "من أُعْطِيَ حظَّه من الرِّفْقِ فقد أعطي حظَّه من الخير، ومن حُرم حظَّه من الرفق فقد حُرم حظَّه من الخير" (٣). ومن صحيح الصحيح ما رُوي عن عائشة: "أن رَهْطًا من اليهود دخلوا على النبي ﷺ فقالوا: السَّامُ عليك، فقال النبي: عليكم، فقالت عائشة: فقلت: بل عليكم السَّامُ واللعنة، فقال النبي: يا عائشة، إن الله يُحِبُّ الرفق في الأمر كله، قالت عائشة: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: عليكم، إنه يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ" (٤). وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "اللهم من وَليَ من أمر أمتي شيئًا فرَفَقَ بهم فارْفُقْ به، ومن شاقَّ عليهم فاشْقُقْ عليه" (٥).

стр. 1788

وأوجبُ ما هو الرفق على الولاة؛ فإنه واجب عليهم في أنفسهم، واجب عليهم أن يفتقدوه من غيرهم. "كان عمر بن الخطاب يذهب إلى العوالي كلَّ سَبْتٍ، فإذا وجد عَبْدًا في عمل لا يطيقه وَضَعَ عنه" (١). ولقد تعدَّى رِفْقُه إلى البهائم، ولها حق، فيُرْوَى (٢): "أنه اشتهى سَمَكًا، فركب يَرْفَا (٣) ناقةً إلى الجار، واصَّاد منها أربعة، وجاء بها عُمَرَ، فلما رأى عمر الراحلة التي ركب عليها قال: والله لا يذوقها عمر وقد (٤) عُذِّبَتْ بهيمة من البهائم في شهوته" (٥). قال الإمام الحافظ (٦): وهذا إنَّما أراد به عمر أن يكسر شهوة (٧) القاسين على الحيوانات من الآدميِّين والبهائم، القاصين عن سبيل الرفق، والَّا فالفَرَسُ يتعب في الصيد أكثر من تَعَبِ الراحلة، والدواب يَسُوقُ (٨) الطعام من قُوتٍ وإِدَامٍ ومُشْتَهى، وكل ذلك مأذونٌ فيه.

стр. 1789

ويحتمل أن يكون عمر رأى أن تلك نعمة؛ أن يُسِّرَ له عبد وبهيمةٌ جاءته بشهوته، ورأى من شُكْرِها تَرْكَها، أو خشي ألَّا يقوم بشُكْرها، أو رأى أن ذلك يُعَيِّنُ عليه فرضًا من الشكر لم يكن توجَّه عليه فترَكَها (١). وممَّا أَذِنَ الله فيه الجَدُّ في السَّيْرِ بالركاب مع اعتماد (٢) الرفق، فقد مشى عقبة بن عامر (٣) من الكوفة إلى المدينة من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة (٤)، وهي نَحْوٌ من عشرين مرحلة، وأقرَّه عمر على ذلك ولم يَرُعْه بقوْل ولا وَزَعَه؛ على عادته في سماع ما يكره وما (٥) لا يراه حقًّا (٦). وقد عدَّ جماعة من العلماء الرفق بالمال وتَرْكَ الخُرُقِ فيه من باب المأمور به، وقد بيَّنَّاه في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٧) [الفرقان: ٦٧]. وقال النبي ﷺ كما تقدَّم -: "بَيْنَا أيُّوب يغتسل يومًا إذ خَرَّ عليه لم رِجْلٌ من جراد من ذهب، فجعل يَحْثِي في ثوبه، فقال الله (٨) له: ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ فقال: بلى يا رب، ولكن لا غِنَى بي عن بَرَكَتِك" (٩).

стр. 1790

وقد أمر النبيُّ بمِثْلِ هذا الفعل، وسَنَّ مثل هذه السنة في شريعته، فقال عبد الله بن السَّعْدِي: "إنه قَدِمَ على عمر بن الخطاب في خلافته، فقال له عمر: ألمْ أُحَدَّثْ أنك تَلِي من أعمال الناس، فإذا أُعطيت العُمَالَةَ كرهتها؟ فقلت: بلى، قال عمر: فما تُرِيدُ إلى ذلك؟ قال: إنَّ لي أَفْرَاسًا وأَعْبُدًا وأَبَاعِرَ، وأريد أن تكون عُمَالَتِي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل؛ فإني كنتُ أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني (١) العطايا (٢) فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال لي (٣) النبي: خُذْهُ فتموَّله، وتصدَّق به، وما أتاك من هذا المال وأنت غير مُشْرِفٍ ولا سائل فخُذْهُ، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك" (٤). وقال النبي ﷺ لأَنَسٍ: "اللهم أَكْثرْ مالَه ووَلَدَه، وبارك له فيما أعطيتَه" (٥). قال الإمام الحافظ (٦): فلذلك لم يكن كثرةُ (٧) المال عيبًا إذا لم يَدَّخِرْهُ مُكْتَسِبُه، ولا تعاطاه بما لا ينبغي له، وقد أُجِيبَتْ دعوله صلى الله عليه (٨)
следующие страницы →