← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الثالث (١): قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢)، قيل (٣): "طَهِّرْ نفسك عن الزلَّات، وقلبك عن المخالفات، وسِرَّك عن الالتفات إلى غير الله" (٤). وقيل: "إن المُرَادَ بقوله: ﴿ثِيَابَكَ﴾: وأهلك فطَهِّرْ" (٥)، وهو مجاز لفظًا، والمعنى الحقيقي الأوَّل أقوى. والرابع (٦): قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، وهو يُسَمَّى به الأصنام، ويُسَمَّى به العذاب، فآمَرَ بهجران الأصنام وما يُؤَدِّي إلى العذاب. وجَمَعَ له في هذه الأحرف اليسيرة قِسْمَي الشريعة؛ المفعول من القُرُبَاتِ، والمتروك من المحرَّمات، قال الله تعالى: "يا أيها الطالب لصَرْفِ الأذى بالدِّثَارِ، قُمْ فاصرفه عن نفسك بالإنذار" (٧). السَّادس (٨) عشر: أن ترعى حَقَّ الأخوة فيمن فوقك ومن دونك، حتَّى في عبدك، قال النبي ﷺ : "إخوانكم خَوَلُكم، ملَّككم الله رقابهم، فأطعموهم ممَّا تأكلون، واكسوهم ممَّا تلبسون، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن كلَّفتموهم فأَعِينُوهم" (٩)، وبذلك يكون "رَفِيقًا".

стр. 1787

الرَّفِيقُ (١): وهو الاسمُ الرَّابع والثمانون (٢) ثبت أن النبي قال: "من أُعْطِيَ حظَّه من الرِّفْقِ فقد أعطي حظَّه من الخير، ومن حُرم حظَّه من الرفق فقد حُرم حظَّه من الخير" (٣). ومن صحيح الصحيح ما رُوي عن عائشة: "أن رَهْطًا من اليهود دخلوا على النبي ﷺ فقالوا: السَّامُ عليك، فقال النبي: عليكم، فقالت عائشة: فقلت: بل عليكم السَّامُ واللعنة، فقال النبي: يا عائشة، إن الله يُحِبُّ الرفق في الأمر كله، قالت عائشة: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: عليكم، إنه يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ" (٤). وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "اللهم من وَليَ من أمر أمتي شيئًا فرَفَقَ بهم فارْفُقْ به، ومن شاقَّ عليهم فاشْقُقْ عليه" (٥).

стр. 1788

وأوجبُ ما هو الرفق على الولاة؛ فإنه واجب عليهم في أنفسهم، واجب عليهم أن يفتقدوه من غيرهم. "كان عمر بن الخطاب يذهب إلى العوالي كلَّ سَبْتٍ، فإذا وجد عَبْدًا في عمل لا يطيقه وَضَعَ عنه" (١). ولقد تعدَّى رِفْقُه إلى البهائم، ولها حق، فيُرْوَى (٢): "أنه اشتهى سَمَكًا، فركب يَرْفَا (٣) ناقةً إلى الجار، واصَّاد منها أربعة، وجاء بها عُمَرَ، فلما رأى عمر الراحلة التي ركب عليها قال: والله لا يذوقها عمر وقد (٤) عُذِّبَتْ بهيمة من البهائم في شهوته" (٥). قال الإمام الحافظ (٦): وهذا إنَّما أراد به عمر أن يكسر شهوة (٧) القاسين على الحيوانات من الآدميِّين والبهائم، القاصين عن سبيل الرفق، والَّا فالفَرَسُ يتعب في الصيد أكثر من تَعَبِ الراحلة، والدواب يَسُوقُ (٨) الطعام من قُوتٍ وإِدَامٍ ومُشْتَهى، وكل ذلك مأذونٌ فيه.

стр. 1789

ويحتمل أن يكون عمر رأى أن تلك نعمة؛ أن يُسِّرَ له عبد وبهيمةٌ جاءته بشهوته، ورأى من شُكْرِها تَرْكَها، أو خشي ألَّا يقوم بشُكْرها، أو رأى أن ذلك يُعَيِّنُ عليه فرضًا من الشكر لم يكن توجَّه عليه فترَكَها (١). وممَّا أَذِنَ الله فيه الجَدُّ في السَّيْرِ بالركاب مع اعتماد (٢) الرفق، فقد مشى عقبة بن عامر (٣) من الكوفة إلى المدينة من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة (٤)، وهي نَحْوٌ من عشرين مرحلة، وأقرَّه عمر على ذلك ولم يَرُعْه بقوْل ولا وَزَعَه؛ على عادته في سماع ما يكره وما (٥) لا يراه حقًّا (٦). وقد عدَّ جماعة من العلماء الرفق بالمال وتَرْكَ الخُرُقِ فيه من باب المأمور به، وقد بيَّنَّاه في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٧) [الفرقان: ٦٧]. وقال النبي ﷺ كما تقدَّم -: "بَيْنَا أيُّوب يغتسل يومًا إذ خَرَّ عليه لم رِجْلٌ من جراد من ذهب، فجعل يَحْثِي في ثوبه، فقال الله (٨) له: ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ فقال: بلى يا رب، ولكن لا غِنَى بي عن بَرَكَتِك" (٩).

стр. 1790

وقد أمر النبيُّ بمِثْلِ هذا الفعل، وسَنَّ مثل هذه السنة في شريعته، فقال عبد الله بن السَّعْدِي: "إنه قَدِمَ على عمر بن الخطاب في خلافته، فقال له عمر: ألمْ أُحَدَّثْ أنك تَلِي من أعمال الناس، فإذا أُعطيت العُمَالَةَ كرهتها؟ فقلت: بلى، قال عمر: فما تُرِيدُ إلى ذلك؟ قال: إنَّ لي أَفْرَاسًا وأَعْبُدًا وأَبَاعِرَ، وأريد أن تكون عُمَالَتِي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل؛ فإني كنتُ أردت الذي أردت، فكان رسول الله ﷺ يعطيني (١) العطايا (٢) فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال لي (٣) النبي: خُذْهُ فتموَّله، وتصدَّق به، وما أتاك من هذا المال وأنت غير مُشْرِفٍ ولا سائل فخُذْهُ، وما لا، فلا تُتْبِعْه نفسَك" (٤). وقال النبي ﷺ لأَنَسٍ: "اللهم أَكْثرْ مالَه ووَلَدَه، وبارك له فيما أعطيتَه" (٥). قال الإمام الحافظ (٦): فلذلك لم يكن كثرةُ (٧) المال عيبًا إذا لم يَدَّخِرْهُ مُكْتَسِبُه، ولا تعاطاه بما لا ينبغي له، وقد أُجِيبَتْ دعوله صلى الله عليه (٨)

стр. 1791

لأَنَسٍ، فدَفَنَ لصُلْبِه مَقْدَمَ الحجَّاج البصرةَ مائة وعشرين وَلَدًا (١)، وكان خَبَّازُه (٢) قائمًا يُطعم ويتصدَّق لكثرة ماله (٣)، ولمَّا كان ما آتاه الله بدعاء رسول الله اقترن بالبَرَكَةِ، وكان مُصَرَّفًا في الطاعة، وسَلِمَ من التقصير في الشُّكْرِ ومن المعصية. وقال ابن وهب: "قال لي مالك: من الناس من يؤتيه الله المال (٤) فيتَّقي الله فيه، ومنهم من يبتَلَى بالفقر فلا يتقي الله فيه". قال الإمام الحافظ (٥): هم أربعة: غني متقي؛ فقير متقي؛ غني لا يتقي؛ فقير لا يتقي؛ فتلك بتلك في الأربعة، إلَّا الفقير الذي لا يتقي؛ فإنه متى أذنب في غير طريق الكسب بما لا يعود عليه به صلاحُ حال فهو في أسفل السَّافلين من الدناءة.

стр. 1792

قال مالك عن يحيى بن سعيد: "قال عمر بن الخطاب: من كانت له أرض فليعمرها، ومن كان له مال فليُصلحه، فيُوشِكُ أن يأتي من لا يعطي إلَّا من أحبَّ" (١). ورِضْوَانُ الله على عمر؛ فإنه قد جاء بعده من تسلَّط على الأرض حتَّى نفَّر صاحبها عنها، وتسلَّط على المال حتى يودُّ الرجل أن (٢) لم يكن معه مال (٣)، وليس للمسألة. ولذلك جعل بعضُهم "رَفِيقًا (٤) "من أسماء الباري، في "الموطأ": عن خالد بن مَعْدَان يَرْفَعُه: "إن الله رفيق يحب الرفق ويرضى به، ويُعِينُ عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدوابَّ العُجْمَ فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جَدْبَةً فانْجُوا عليها بنِقْيِها (٥)، وعليكم بسَيْرِ الليل؛ فإن الأرض تُطْوَى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإيَّاكم والتعريس على الطريق؛ فإنها طُرُقُ (٦) الدواب ومأوى الحيَّات" (٧). وحقيقة الرفق: هي محاولة الأمور بأقلَّ ممَّا تحصل به، وفى أكثر من المدة التي تكون فيه، وهو التَّأَنِّي، فالتَّأنِّي أَحَدُ قِسْمَيِ الرِّفْقِ.

стр. 1793

ومن تمامه تخصيصُ العيال به، فهذا النبي ﷺ قد قال: "وأمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" (١)، فأخبر - في أصح التأويلين - عن غلظته على عياله. وهذا رسول الله، وهُوَ هُوَ، هُوَ هُوَ، إلى ما لا ينقضي من الأخبار الكريمة العظيمة (٢) عنه، قد قال لعائشة والسُّودان يلعبون بالدَّرَقِ في المسجد: "تشتهين تنظرين؟ قالت (٣): فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدِّي على خدِّه، وهو (٤) يقول: دونكم بني أَرْفِدةَ، حتى إذا مَلِلْتُ قال: حَسْبُكِ؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي، قالت عائشة: فاقدروا قَدْرَ الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو" (٥). السَّابع (٦) عشر من أحكام الأخوة (٧): أن تسأله عن حاله إذا لقيته (٨)، وقد كان قَوْمٌ من الصوفية يكرهون السؤال عن الأحوال، لئلا يطلع على عَوْرَةٍ يعجز عن سترها، أو يشق ذلك عليه إن كان قادرًا عليها.

стр. 1794

قال رجل لآخر: كيف حالك؟ فذَكَرَ له دَيْنًا وخَصَاصَةً، فدفع إليه مالًا، واعتقد أن لا يسأل عن حال أحدًا. ولقي عمرَ بن الخطاب رجلٌ (١)، فسلَّم عليه فردَّ ﵇، وسأله عمر عن حاله، فقال له: "أحمد إليك الله (٢)، فقال عمر: هذا (٣) الذي أردتُ منك" (٤)، وكان عمر أراد أن يكشف سريرته، ويطَّلع طريقته، وينظر يقينه وعقيدته. وأمَّا إن سأله عن حاله في الدين فذلك أحسنُ سؤال، قد رُوي في الآثار: "أن النبي قال لحارثة: كيف أصبحت؟ قال: مؤمن حقًّا، قال له: إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي ذَهَبُها وحَجَرُها، وكأني ناظر (٥) إلى عَرْشِ ربي وهو يفصل بين الناس" (٦)، وهذا كلام صحيح المعنى، وإن لم يكن له سند صحيح. الثامن (٧) عشر: أن يؤاخيه في الله (٨)، لا لِعَرَضٍ من الدنيا.

стр. 1795

وقد روى مالك في "الموطأ": "وَجَبَتْ مَحبَّتِي للمتحابِّين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ" (١). يريد: لمن خلصت أعمالهم لي، ولم تكن لغَرَضٍ دنياوي (٢). وقد رُوي عن أبي رِمْثَةَ رِفَاعَةَ بن يَثْرِبِي أنه قال للنبي: "إني رجل طبيب، فقال له النبي: إنه لا طبيب لنا إلا الله، بل أنت رفيق" (٣). وقيل لأبي بكر الصديق في مرضه: "ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: قد سألته، وقال: إني فعَّال لما أريد" (٤). وقد قدَّمنا بَيَانَ اسمِ "الطَّبِيبِ" في كتاب "الأمد الأقصى" (٥)، ويجوز أن يسمَّى الرجلُ بطَبِيبٍ. * * *

стр. 1796

آخِرُ السِّفْرِ الثالث من كتاب "سراج المريدين في سبيل الدين" للإمام الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي ﵁، ضبط نصَّه وخرَّج أحاديثه ووثَّق نقوله وترجم لأعلامه وصنع فهارسه وقدَّم له الدكتور عبد الله بن عبد السَّلام بن عبد الله بن محمد بن التِّهامي المصمودي التَّوْرَاتي القَصْرِي، عفا الله عنه وعن آبائه، وذلك في شهر شوَّال من عام ١٤٣٧ هـ، بتِطَّاوْن - حرسها الله تعالى - قاعدة شمال المغرب الأقصى، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى أزواجه الطَّاهرات، وصحابته وقرابته، ومن تبعهم من الصَّالحين.

стр. 1797

الطَّبِيبُ (١): وهو الاسمُ الخامس والثمانون (٢) وهو الذي يَعْرِفُ الطبَّ؛ وهو: العِلْمُ بالشيء الخَفِيِّ الذي لا يبدو الَّا بعد معاناة؛ بفكْرٍ صَافٍ، ونَظَرٍ وَافٍ (٣). وهو بالحقيقة والكمال للباري، ويُسَمَّى به العبد. ولمَّا وَلِيَ أبو الدرداء القضاء كتب إليه سلمان يقول له: "بلغني أنك جُعلت طبيبًا تُداوي الناس، فاحذر أن تكون مُتَطَبِّبًا فتهلكهم، فكان إذا جلس إليه الخصمان فسمع كلامهما وحَكَمَ بينهما ثم وَلَّيَا يقول: ارجعَا، أَعِيدَا عليَّ أمركمَا، متَطَبِّبٌ، والله" (٤). ويتداخل مع "الرفيق"؛ في أن التوصل إلى معرفة الخفي إنما يكون بإمهال النظر، وحسن الترتيب في المقدمات المُوصلَةِ إلى العلم المطلوب، وإنما نفى عنه النبيُّ ﷺ الطِبَّ لأنهم أطلقوه في استعمالهم على عِلْم يرفع الجهل، ودواء يرفع الداء، فكانوا يعتقدون ذلك منسوبًا إلى الأدوية،

стр. 1798

ويظنون أنهم إذا وَضَعُوا دواء واستُعمِل وذهب الداءُ، أن ذهاب الداء منسوب إلى ذلك الدواء (١)، فنبَّهم النبيُّ ﷺ على أن الطبيب - أي: المُزِيل للداء - عند استعمال الدواء هو الله، لا الدواء، وقال له: "أنت رفيق" (٢)، أي: مُرَتِّبٌ لما يسَّره (٣) الله على يديك من القول والفعل بتُؤَدَةٍ، وترتيب مُتَّسِقٍ، ونَظْمٍ مستقيم، كل ذلك من فِعْلِ الله فيك ولك ومنك، وأنت وغيرك مَحَلٌّ لفِعْلِ الله. وفي الحديث: "الهَدْيُ والتؤدة وحُسْنُ السَّمْتِ جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (٤)، من كلام ابن عباس، وقد أُسند إلى النبي، والصحيح وَقْفُه. فأمَّا قوله: "الهَدْي"؛ فقد بيَّنَّا معنى تركيب "هـ د ي" في القول المتقدم من هذا الكتاب، وفي غيره من الأسماء والتوحيد والصفات (٥)، وهو ينطلق على معاني كثيرة (٦)؛

стр. 1799

منها: الدلالة على الشيء؛ ومنها: التيسير للشيء؛ بالتأييد له والتوفيق عليه (١). والهادي هو الله، والنبيُّ هادٍ، فالله خالقُ الهُدى، والنبي داعٍ إليه ودليلٌ عليه، فسُمِّي به. قال له (٢) سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، أي: تدعو. وقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فبيَّن له في الآية الأولى حالَه التي لزمته من دعاء الخلق، وبيَّن له في الحالة الثانية حقيقة الحق؛ بأنَّ الله هو خالق الهُدَى، خالق القبول (٣). ويقال: الهَدْي - بإسكان الدال - على معاني أيضًا، منها ما جاء في حديث ابن مسعود: "إن أحسن الهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ" (٤)، وفي حديث آخر: "كُنَّا ننظر (٥) إلى هَدْيِه ودَلِّه" (٦). وثَبَتَ عن حُذَيفة صاحب النبي ﷺ أنه قال: "كان أقرب الناس هَدْيًا ودَلًّا وسَمْتًا برسول الله ابنُ مسعود، حتى يتوارى منَّا في بيته،

стр. 1800

ولقد عَلِمَ المحفوظون من أصحاب مُحَمَّدٍ أن ابنَ أُمِّ عبد هو أقربهم إلى الله زُلفَى" (١). وفي الصحيح (٢) - واللفظ للبخاري - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لن ينجي أحدًا (٣) منكم عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلَّا أن يتغمدني الله برحمته، سَدِّدُوا وقاربوا، واغدوا ورُوحوا، وشيءٌ من الدُّلجَةِ، والقَصْدَ القَصْدَ" (٤). وروي: "اهتدوا بهَدْي عمَّار" (٥)، ولم يَقْوَ (٦). ونَصُّ الحديث المتقدم: "القَصْدُ والتُّؤَدَةُ وحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (٧). وقد رُوي فيه: "السَّمْتُ الصالح والهَدْىُ الصالح والاقتصاد جُزْءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (٨).

стр. 1801

وقد روى عبد الجبَّار بن سعيد المُسَاحِقِي (١) قال: سمعتُ مالك بن أنس يقول: قال ابن عباس: "حُسْنُ السَّمْتِ والتؤدة ونقاء الثوب واظهار المروءة جزْءٌ من بضعة وأربعين جزءًا من النبوة" (٢). فهذه خمسة أسماء: "الهَدْيُ"، "الدَّلُّ"، "السَّمْتُ"، "القَصْدُ"، "التؤَدَةُ"؛ تتمة تِسْعِينَ (٣) اسمًا. * * *

стр. 1802

[الهَدْيُ: وهو الاسم السَّادس والثمانون] فبناءُ (١) "هـ د ي" يتصرَّف على معاني؛ منها: ما جاء في الأحاديث التي تلوناها آنِفًا، كقول ابن مسعود: "إن الهَدي هَدي مُحَمَّدٍ" (٢). قال المفسرون: "أراد الطريق" (٣). وقوله: "كُنَّا ننظر في هَدْيِه ودَلِّه"؛ أي: "طريقته (٤) وهيئته (٥) " (٦). يقال: حَسَنُ الهَدْي، أي: "حَسَنُ المذهب" (٧). وقالوا: "الهَدْيُ: السِّيرَةُ" (٨).

стр. 1803

[الدَّلُّ: وهو الاسم السَّابع والثمانون] وأمَّا الدَّلُّ؛ فقالوا: "إنه قريب من الهَدْيِ، وهُمَا من السكينة والوقار" (١). وقالوا: دَلُّ المرأة: حُسْنُ حديثها وهيئتها. والدَّلَالُ: الجَراءة (٢) في تَغَنُّجٍ وتَشَكُّلٍ. ومنه: الإِدْلَالُ. * * *

стр. 1804

[السَّمْتُ: وهو الاسم الثامن - والثمانون] وأمَّا السَّمْتُ؛ فحُسْنُ الهيئة، وذلك يكون في معنيين: أحدهما: حُسْنُ المَنْظَرَةِ (١) والهيئة في الدين، وليس بالجَمال؛ وذلك بأن يكون له هيئة أهل الإسلام (٢). * * *

стр. 1805

[القَصْدُ: وهو الاسم التاسع والثمانون] [الثاني]: وسَمْتُ الطريق: "قَصْدُه" (١)، انتهى كلامهم (٢). قال الإمام الحافظ (٣) ﵁: قد تكون الأبنية في تأليف الحروف مختلفة والمعاني متفقة، وقد تكون الأبنية متفقة والمعاني مختلفة، وبهذا (٤) تميَّزت العربية عن سائر الألسن في الفصاحة. فأمَّا الهَدْيُ؛ فيرجع إلى أحد معاني الهُدَى الثمانية (٥)؛ وهو الاستقامة على الطريق، كما قال سبحانه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، توجَّه ﷺ (٦) بنفسه تِلَقَاءَ مَدْيَنَ من غير قَصْدٍ إلى مَدْيَنَ أو غيره، بل خرج على الفُتُوحِ، وتوجَّه بقلبه إلى ربه؛ ينتظر إلى أن يهديه ربه إلى النحو الذي هو خَيْرٌ له، فقال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، وهو

стр. 1806

الذي سَأَلتِ الفِتْيَةُ (١) الكَهْفِيَّةُ والفِئَةُ (٢) الصَّالِحِيَّةُ بقولها: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، وكذلك قال الحبيبُ الأوَّل والخليلُ الأكمل: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، على ما بيَّنَّاه من قَبْلُ. فأمَّا خَاتِمُ الرُّسُلِ وناسخُ المِلَلِ والسَّابِقُ للأَوَاخِرِ والأُوَّلِ؛ فإن الله ابتدأهُ بالنعمة، وأَلْحَفَهُ (٣) بالحُرْمَةِ، فقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، وقد ذَكَرَ النَّاسُ فيها أقوالًا كثيرة، بيَّنَّاها في "أنوار الفجر"، الأَصْلُ منها خمسة عشر قَوْلًا: الأوَّل: ناسيًا للرسالة فأعطاكها (٤)، كما قال: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، وقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: تنسى. الثاني: ضَالًا عن الهجرة (٥). الثالث: ضالًّا بين مكة والمدينة، فهداك إليها. الرابع: في قوم ضُلَّالٍ، فهداك بينهم (٦). الخامس: حيران عن النبوة، فعرَّفك بها (٧).

стр. 1807

السَّادس: ضالًّا عن الفرائض، فهداك لتفاصيلها (١). السَّابع: ضالًّا عن معرفة كيفية هداية قومك، فعرَّفك كيف تهديهم. الثَّامن: محِبًّا في هدايتهم، فيسَّرها لك (٢). التَّاسع: ضالًّا في شِعَابِ مكَّة، فهدى إليك عمَّك أبا طالب في حال صباك (٣). العاشر: مُتَحَيِّزًا فينا، فهديناك إلينا (٤). الحادي عشر: ضالًّا عن الاستثناء، فهديناك إليه (٥). الثاني عشر: ضالًّا في محبتنا، فنوَّرنا قلبك بها (٦). الثالث عشر: ضالًّا عن محبتنا لحُرْمَتِك (٧)، فعرَّفناك بها (٨). الرابع عشر: ضالًّا عن مِقدَارِ شرفك، فعرَّفناك درجتك (٩). الخامس عشر: مُسْتَتِرًا في أهل مكة، فأظهرناك (١٠).

стр. 1808

قال الإمام الحافظ (١): قد بيَّنَّا في كتاب "المُشْكِلَيْنِ" (٢) حال الأنبياء، وأنهم لا يَكْفُرُونَ بالله في حال؛ لا قبل النبوة ولا بعدها، ولكنهم تأتيهم الرسالة وهم لا يعلمونها (٣)، فتَرِدُ على قلوب سليمة، وتطَّرد على مناهج مستقيمة، قال الله في مُحَمَّدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. قيل: هو المخاطب، والمراد الأمة. وقيل: المراد به: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ لولا الرسالة، ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ لولا الهداية. فلم يكونوا يعرفون الإيمان، ولا كانوا يكفرون، وإنَّما كانت قلوبهم مخلوقة على الفطرة، سليمة من الباطل والبدعة، فعلَّمها الله الفضائل كما علَّم جميع الخلق المنافع، بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فكُلُّ ما لم يكن به عالمًا ثم عَلِمَه كان داخلًا في الآية. وإنَّما بقي (٤) وَجْهُ التعلق من قولك: ﴿ضَالًّا﴾، والضَّلَالُ على قسمين:

стр. 1809

ضلال بمعنى عدم المعرفة؛ وضلال بمعنى اعتقاد الباطل والبدعة؛ وهذا القِسْمُ نَزَّه الله رُسُلَه عنه، وخَلَقَهم على صفة الآدمية (١) لا يعلمون شيئًا، ثم عَلَّمهم ما لم يُعَلِّمْهُ أحدًا من الخلق، كما قال لنَبِيِّهِ: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. فثبت (٢) أن الهَدْيَ عبارةٌ عن كل حالة جرت على الهُدَى، وكل صفة لم تخرج عن الاستقامة. وأمَّا الدَّلُّ؛ فهو كلُّ هيئة حسنة في وجه، فيرجع إلى الهَدي، وفي وَجْهٍ إلى التبسط في القول والفعل، وهو نَوْعٌ من الجُرْأَةِ. وفي الحديث الصحيح: "أن امرأة مخزومية سَرَقَتْ، فأمر النبي أن تُقْطَعَ، فتَحَزَّنَ الناس لذلك، وقالوا: من يُكَلِّمُ رسول الله؟ من يجترئ عليه إلَّا أسامة بن زيد، فكلَّمه، فذكر الحديث إلى قوله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها" (٣). وبالقول (٤) الأوَّل ينتظمُ الحديث. وأمَّا السَّمْتُ؛ فمعناه: أن يكون على وَجْهِ الحق والعدل في قَوْلِهِ، وفِعْلِه، وهيئته، وحَرَكَاتِه، وسَكَنَاتِه.

стр. 1810

[التؤدة: وهو الاسم المُوَفِّي تِسْعِينَ] وأمَّا التُّؤدَةُ؛ فهي الرِّفْقُ والتَّأَنِّي، يقال: اتَّئِدْ، أي: ارفق. وفي حديث عمر حيث اجتمع إليه العبَّاس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بمحضر الصحابة في بيان تَرِكَةِ النبي، أنه قال لهم: "تَئِدَكُمْ" (١)، أي: ارفُقوا رِفْقَكم، والزمُوا (٢) سُكُونَكم وتَأَنِّيكُمْ، حتى أذكر ما عندي لكم، حسب المعلوم منكم واللَّائق بكم، وهو الأَنَاةُ بعينه. ومن كلام سعد بن أبي وقاص - وربَّما أُسْنِدَ، ولم يصحَّ -: "الأَنَاةُ في كل شيء خَيْرٌ، إلَّا في أمر الآخرة" (٣)، وهو كلام صحيح. ولمَّا تداخلت هذه الألفاظ وارتبط بعضُها ببعض ورجعت كلها إلى الصفات المحمودة؛ جَمَعَها من جمعها، وأفردها من أفردها، وبعضُها قَرِيبٌ (٤) من بعض كما سُقْنَاهُ عنهم، وكان ذِكْرُهم لذلك بحسب الحاجة إلى

стр. 1811

البيان، والواحد منها يدل على الجميع، والتكرار يفيد التأكيد وزيادة البيان، وذلك فصاحة في اللِّسَانِ. فإن قيل: فما وَجْهُ كونها من النبوة؟ قلنا: النبوة عبارة عن وجهين: أحدهما: إبلاغ الله كلامَه إلى العبد بواسطة المَلَكِ. والثاني: ما هو عليه العبد المُبلَّغُ ذلك من فضائل ومناقب. فأمَّا إبلاغ الكلام بالواسطة من الملك فلا مطمع فيه. وأمَّا خصالُ الكَرَمِ وفضائل الذات فالعبدُ مندوبٌ تارةً في بعضها، ومُلْزَمٌ أخرى فيما يلزم منها، وهذه الخصال الخمس التي ذكرناها هي من جملة أمَّهات الفضائل، والعبدُ مأمورٌ بها، كما أن الرؤيا جُزْءٌ من النبوة على الوجه الذي بيَّنَّاه في موضعه (١). فإذا احترز الإنسانُ عن المعاصي والتزم الفضائل كان على الهَدْيِ والقَصْدِ والسَّمْتِ، وكان "كَيِّسًا". * * *

стр. 1812

الكَيِّسُ (١): وهو الاسمُ الحادي والتسعون (٢) أخبرنا المُبارك بن عبد الجبَّار: أخبرنا ابنُ المُذْهِبِ: أخبرنا ابن حمدان: أخبرنا عبد الله: أخبرنا عباس بن الوليد النرسي ومحمد بن بكَّار جميعًا (٣): أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن ضَمْرَةَ بن حبيب، عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتْبَعَ نفسه هواها وتمنَّى على الله" (٤). وفي "كتاب الترمذي": "والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله (٥) " (٦).

стр. 1813

وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: "خَبِّرُونِي بأحمق الناس، قالوا: رجل باع آخرته بدنياه، فقال (١) لهم عمر: أَفَلَا أُنْبِئكم بأحمق منه؟ قالوا: بلى، فقال: رَجُلٌ باع آخرته بدُنْيَا غيره" (٢). ولَفَظُ (٣) الكيْس في اللغة يَردُ (٤) على معاني (٥)، يَردُ بمعنى الجماع (٦)؛ كما ورد في الحديث أن النبي قال لجابر: "إذا قَدِمْتَ فالكَيْسَ الكَيْسَ" (٧)، قالوا: معناه طلب الولد. ويكون بمعنى العقل، كما تقدَّم في الحديث السَّابق أوَّلًا، وفي حديث جابر أيضًا في أوَّله، أن النبي قال له: "أتراني إنَّما كِسْتُك لآخُذَ جَمَلَكَ؟ " (٨)، أي: غلبتك (٩) بالكَيْسِ.

стр. 1814

نقول: كَاسَنِي (١) فُلَانٌ فكِسْتُه، أي: كنتُ أَكْيَسَ منه. قال الإمام الحافظ (٢) ﵁: بِنَاءُ (٣) "ك ي س" إنَّما هو مُفِيدٌ للعقل، والعلم، والمعرفة، والتَّفطُّنِ، والحِذْقِ، كيفما تصرَّف، تقول: كاس في عمله لدنيا أو آخرة، يَكِيسُ كَيْسًا: حَذَقَ، وكَاسَ غيرَه: غلبه (٤) عند المحاذقة، وأكاسَ الإنسانُ: وَلَدَ وَلَدًا كَيِّسًا، وأَكْيَسَ أيضًا. قال الشَّاعر: فلو كُنتم لمُكْيِسَةٍ أَكَاسَتْ … وكَيْسُ الأم أَكْيَسُ للبَنِينَا (٥) وقال المُتَلَمِّسُ: والظُّلْمُ يُنْكِرُه القَوْمُ المَكَايِيسُ (٦) والحُمْقُ ضِدُّه، قالت امرأة: لستُ أبالي أن أكون مُحْمِقَهْ … إذا رأيتُ خُصْيَةً مُعَلَّقَهْ (٧)

стр. 1815

معناه: إذا ولدتُ رجلًا لا أبالي؛ كان أحمق أو كَيِّسًا. وقد ظهر أن الكَيْسَ هو العقل، وإنَّما سُمِّيَ الجماعُ به لأنه يُطلب به الأولادُ الأكياسُ، فسُمِّيَ باسم ما يؤول إليه، على ما بيَّنَّاه في أَحَدِ قِسْمَي المجاز. ومن الكلام الصحيح: "كل شيء بقضاء وقَدَرٍ، حتى العجز والكيس" (١). معناه: أن الرجل لا يتفطَّن للخير فيفعله أو يتركه إلَّا بقضاء وقَدَرٍ مكتوب ذلك عليه فيه، مُرَادٍ من الله ما نفذ منه (٢)؛ من فِعْلٍ أو تَرْكٍ، رَدًّا على المبتدعة؛ الذين يقولون: "إن الباري قد أراد الخير، والعبد قد تركه بإرادته، فكان ما أراد العبد، ولم يكن ما أراد الله" (٣)، تعالى عن قولهم. فإذا عرفتم معنى الكَيْسِ عَرَبِيَّةً، ورَأَيْتُم ما رَوَيْتُم من قوله: "إن الكَيِّسَ من دان نفسه" (٤)، أي: مَلَكَها وخار لها (٥)، فلم يُصَرِّفْهَا إلا في طاعة مولاها، وقهرها عمَّا يضرها، وإذا فعل ذلك كان قد وفَّى العقل حقَّه، واستظهر لنفسه، واستحق الاسم، وإن عَدَلَ عن ذلك كان أحمقَ وعاجزًا، على الروايتين جميعًا.

стр. 1816

فأمَّا الحُمْقُ فينقصه من العقل بمقدار ما نقصه من النظر كله أو بعضه، وكذلك يكون في الفجور، ويَقْوَى على الخير ولا يضعف ولا يعجز (١). من مأثور أبي هريرة عنه صلى الله عليه (٢): "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير، احرص (٣) على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" (٤). [أفعالُ الكَيِّسِ]: والضَّابِطُ لذلك فيه قرآنًا وسُنَّةً: [الأوَّل]: أن لا تقول إلَّا خَيْرًا، فرحم الله من قال خيرًا فغنم، فمن مُرْسَلَاتِ الحسن بن أبي الحسن البَصْرِي: "رحم الله من قال خيرًا فغَنِمَ، أو سكت فسَلِمَ" (٥). الثاني: ألَّا يعمل إلَّا لله، فإنَّما الأعمال بالنيَّات. الثالث: ألَّا يكون له عَمَلٌ بنيَّة إلَّا بموافقة السُّنَّةِ. الرابع: أن ينظر من عقيدته فيحفظها عن الشُّبَهِ، ويقينَه من الشكوك، وقلبَه من الوساوس، ونِحْلَتَه من البدع. الخامس: أن يحفظ صلاته من الفواسد والعوارض، كما تقدَّم في اسم "المُصَلِّي"، فإعادته تطويل، والعهد بها قريب.

стр. 1817

وقد رُوي عن عمر: "أنَّه خرج إلى حائط له ففاتته صلاة العصر في جماعة"، فتصدَّق بالحائط جَبْرًا لما فاته، كما تصدَّق الأنصاري بالحائط لِمَا فاته من التفاته إلى الطائر (١)، وكذلك سائر العبادات والطاعات، وتفصيلُه طويل، بيَّنَّاه في "أنوار الفجر". السَّادس: تَرْكُه ما لا يَعْنِيهِ. السَّابع: أَخْذُه بالرِّبْحِ (٢) في جميع أحواله وأعماله، ومنها الخُرُوجُ من أرض الغلاء إلى أرض الرُّخْصِ، قال سفيان الثوري: "كُنْ في موضع تملأ فيه جِرَابَكَ خُبْزًا بدرهم (٣) " (٤). الثامن: تقديمُ أمر الآخرة على أمر الدنيا، فمن الحكمة الأولى ما ذَكَرَ في "الزهد" أَحْمَدُ: "أن النُّصْحَ لله أن يبدأ بحق الله قبل حق الناس، وإذا عَرَضَ لك أمران؛ أحدهما للآخرة والآخَرُ للدنيا، فابدأ بالآخرة؛ فانَّ الخالص من العمل الذي لا تُحِبُّ أن يحمدك الناس عليه" (٥). التاسع: أن يكون حَذِرًا من سوء الخاتمة، وإن كان على أَوْفَى طريقة؛ فإن القلوب بيد الله، والأمر لله، والعاقبة مجهولة إلَّا عند الله.

стр. 1818

العاشر: الاجتهادُ آخِرَ العُمُرِ لمن فاته أوَّلُه، أو لمن لم يَفُتْه، فأمَّا من فَاتَهُ؛ فنِعْمَ النعمة الإلهام للاستدراك، وإن لم يكن مُقَصِّرًا في أَوَّلِ أمره فما أحسن اتساق الآخِر بالأوَّل، وانتظامه معه واختتامه به (١)! رُوِيَ أن أبا مسلم الخَوْلَانِي زاهد الأمة حيث كَبِرَ ورَقَّ؛ قال له قائل: "لو أقصرت عما تصنع؟ فقال: أرأيتم إذا أرسلتم الخيل في الحَلَبَةِ، ألستم تقولون لفارسها: ارفق، حتى إذا رأيتم الغاية تسابقتم؟ قالوا: بلى، قال: فإني قد رأيتُ الغاية" (٢). الحادي عشر: ألَّا تمر عليه لحظة هي لغير الله، فإنَّ عُمُرَه ساعاته وأوقاته على تفاصيلها معدودٌ عليه ذلك كله في النِّعَمِ (٣)، مسؤول عنه ما صنع فيه. الثاني عشر: ألَّا يصحب إلَّا من يكون على هذه الطريقة، يُروى في "الزهد": "أن أبا مسلم الخولاني دخل المسجد فرأى قومًا قد اجتمعوا جلوسًا، فرجا أن يكونوا على خير، فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول: قَدِمَ لي غلام، فأصاب كذا وكذا، وقال آخر: وأنا قد جهَّزتُ غلامًا، فنظر إليهم فقال: سبحان الله، هل تدرون ما مَثَلِي ومَثَلَكم؟ كمَثَلِ رَجُلٍ أصابه مطر غزير وابل، فالتفتَ فإذا هو بمِصْرَاعَيْنِ عظيمين (٤)، فقال: لو دخلتُ هذا البيت حتى يذهب عنِّي المطر، فدخل فإذا بَيْتٌ لا سقف فيه، جلستُ

стр. 1819

إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وعلى ذِكْرٍ، فإذا أنتم أصحاب دُنْيَا، فقام عنهم" (١). وقد روى الترمذي عن خارجة بن (٢) زيد بن ثابت قال: "دخل نَفَرٌ على زيد بن ثابت فقالوا له: حَدِّثْنَا أحاديث رسول الله ﷺ (٣)، قال: ماذا أُحَدِّثُكُمْ؟ كنتُ جَارَهُ، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليَّ فكتبته له، فكُنَّا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، بكُلِّ هذا أُحَدِّثُكُمْ عن رسول الله؟ " (٤)، وهذا أصح. الثالث عشر: ألَّا يشغل باله في باب النظر لدنياه. رُوي أن أبا حازم مرَّ بأبي جعفر المديني (٥)؛ وهو مكتئب حزين، فقال له: "ما لي أراك مكتئبًا حزينًا؟ وإن شئتَ أخبرتُك، قال: أخبرني ما وراءك (٦)، قال: ما وراءك (٧)؛ ذَكَرْتَ وَلَدَكَ من بعدك، قال: نعم، قال: فلا تفعل؛ فإن كانوا لله أولياء فلا تخف عليهم الضَّيْعَةَ، وإن كانوا لله أعداء فلا تُبَالِ ما لَقُوا بعدك" (٨).

стр. 1820

وإذا لَمَحَ اللَّبِيبُ الدنيا بنظر صحيح تحقَّق أن تأميلها خداع، ووَصْلَها انقطاع، والثقة بها غرور، والسكون إليها حماقة، ويَرَى أنه في غير شيء منها، فيعقد عزمه على التخلي عنها، ويعلم أنه قد كَشَفَ حالها من وَصَفَ مثالها، فقال (١): أقطعُ الدَّهْرَ بظَنٍّ حَسَنٍ … وأُجَلِّي غَمْرَةً ما تنجلي كلَّما أمَّلتُ يومًا صالحًا … عَرَضَ المكروهُ لي في أَمَلِي وأَرَى الأيَّامَ لا تُدْنِي الذي … أَرْتَجِي منك وتُدْنِي أَجَلِي (٢) الرابع عشر: ألَّا يطلب الدنيا بالدين، ولا يجعل ما علَّمه الله من فضله وَسِيلَةً إلى ما يزداد من دنياه، أو يَزْدَرِدُه من زهرتها. قال ربيعة بن صالح: قال الزُّهْرِي لسليمان بن هشام: "أَلَا تسأل أبا حازم عمَّا قال في العلماء؟ قال أبو حازم: وما عسى أن أقول في العلماء الَّا خيرًا، إنِّي أدركتُ العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغن أَهْلُ الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلمَّا رأى ذلك هذا وأصحابه - يعني: الزهري - تعلَّمُوا العلم فلم يستغنوا به، واستغنى أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلمَّا رأوا ذلك قذفوا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم يُبَلِّغْهُمْ أَهْلُ الدنيا من دنياهم شيئًا، إن هذا وأصحابه ليسوا علماء، إنَّما هم رُوَاة" (٣).

стр. 1821

الخامس عشر: ألَّا يرى لنفسه قَدْرًا، فكيف حقًّا؟ فما هَلَكَ امرؤٌ عرف قَدْرَ نفسه، ولا ضلَّ من عَلِمَ حقَّ ربه عليه وعَدِمَ حقَّه هو عنده إلَّا بفضله (١)، وقد ضَلَّت الكفرة والمبتدعة عن هذه المسألة ضلالًا بَيِّنا، فأمَّا ضلال الكفرة فله مثالان: الأوَّل: قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآية، فهذا رَجُلٌ كَفَرَ بالله لأنه ادَّعى استحقاق النعمة، وهو (٢) جَهِلَ نفسَه ومنزلتها، وجهل ربَّه وما يجب له، أَلَا تنظر إلى قوله: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ (٣)، كما قدَّمناه، فجهل الحقيقة الحِسِّيَّةَ، ثم قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، فجَهِلَ الحقيقة الدلالية الثابتة بواضح البراهين، ثم جاء بالطامَّة بعد الطامَّة بقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾، فاعتقد استحقاقه على رَبِّه أن لو كان له مرجع إليه الإكرامَ؛ بأفضل من تَيْنِك الجنَّتين، مع جهله به وإنكاره مَعَادَه إليه. المثال الثاني: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٧، ٧٨]، نزلت في العاص بن وائل، قال خبَّاب: "كنتُ قَيْنًا في الجاهلية بمكَّة، فعَمِلْتُ للعاصي بن وائل السَّهْمِي سيفًا، فاجتمعت لي عنده دراهم، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمُحَمَّدٍ، فقلت: لا، والله لا أكفر بمُحَمَّدٍ حتى

стр. 1822

يميتك الله ثم يبعثك، قال: وإني لمَيِّتٌ ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث، فسوف أُوتَى مالًا وولدًا فأقضيك، فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ الآيات" (١). فاتخذه سُخْرِيًّا حين ذكر له البعث، وقال له: إني أُوتِيكَ في الدار التي تقول حقَّك من مالي هنالك من مَالٍ. والكافرُ إنَّما قال ذلك الكلام لخبَّاب على معنى: أنه لو كان هنالك دارٌ (٢) أخرى لكنتُ فيها بالمال والولد كما أنا في هذه، ولم تكن أنت على شيء ممَّا تعتقد في نفسك فيها، ولا أنا على حال ممَّا تخَوِّفُنِي بها، فردَّ الله عليه دعواه استحقاق المالكية (٣) في الدار الآخرة، وقال: بأي شيء تذكر ذلك؛ باطِّلاع منك عليه، أو بعَهْدٍ نَفَذَ إليك من الله؟. قال علماؤنا: وفي هذه الآية تَنْبِيهٌ على أن عَهْدَ الله عند عبده بغفران ذنوبه ومضاعفة حسناته ورَفع درجاته مُدْرَكٌ له ومُوَفَّى، فإنَّ الله لا يُخْلِفُ الميعاد بقوله هاهنا، أكان له عند الله عَهْدٌ فيقع الوفاء به له (٤)؟ وبهذا ضَلَّتِ المبتدعة، وهي (٥) مثال الضَّلال بالبدعة الموعود به؛ فإنَّ القدرية تقول: "إنه واجب على الله عقلًا مُسْتَحِقٌّ عليه قطعًا مُجَازَاةُ المحسن بالإحسان، لا يصحُّ فيه أن يقال: أنعم به، ولا تفضَّل"، وقد بيَّنَّا جَهْلَهم فيه

стр. 1823

وسخافاتهم في "كتب التوحيد"، ولو لم يكن من جهلهم إلَّا ما أوعبناه (١) في اسم "الشَّاكر"؛ من تَعْدِيدِ نِعَم الله التي واحدة منها تستغرق عمل العُمُرِ من العبد في فرض الشكر، وتبقى سائر النعم غير مقابلة بشُكْرٍ، فأين وجوب الجزاء على ما وقع من العبد من عمل؟ هل هذا إلا ضَلَالٌ مُضَلِّلٌّ ونَسْجٌ (٢) من الكلام مهلهل (٣)؟ وكما تحتاج الأعمال الصالحات إلى الكَيْسِ (٤)، كذلك تفتقر الأعمال المحظورة إلى مثلها عند تعارض البلاء فيها، فربَّما فات هنالك عِلْمُها. روى النسائي عن عثمان قال: "اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممَّن خلي قبلكم متعبد، فعَلِقَتْهُ امرأة غَوِيَّةٌ، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له: إنَّا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطَفِقَتْ كلَّما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وَضِيَّةٍ، عندها غلام وبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فقالت له: إنِّي والله ما دعوتك للشهادة، ولكنِّي دعوتك لتقع عليَّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسًا، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقني من هذه الخمر كأسًا، فسَقَتْهُ كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يَزَلْ (٥) حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها - والله - لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلَّا أوشك أن يُخرج أحدهما صاحبه" (٦)، وهذا حديث صحيح.

стр. 1824

فانظروا - رحمكم الله - كيف فاته وَجْهُ الترجيح؛ في أن مَعْصِيَةً تُزِيلُ العقل أشدُّ من معصية لا يزول معها، وفي ذلك نَظَرٌ طويل يختلف باختلاف المعاصي والحالات، فلا يَنْفُذُ فيها إلَّا النِّحْرِيرُ، وبهذه الصفات ونظائرها استحق أن يسمَّى "ثَقِفًا" "لَقِفًا (١) ". * * *

стр. 1825

الثَّقِفُ اللَّقِفُ (١): وهما (٢) الاسمُ الثاني والتِّسْعُون والثالث والتِّسْعُون (٣) وقد ورد في الحديث الصحيح في هجرة النبي إلى المدينة في صفة عبد الله بن أبي بكر الصديق: "ويَبِيتُ معهما - يعني: في الغار - عبد الله بن أبي بكر، غلام لَقِفٌ لَقِنٌ، - وفي رواية: "ثَقِف لَقِفٌ (٤) " (٥) -، ثم يصبح بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلَّا وعاه وأخبرهما به" (٦). وقالت أُمُّ حَكِيمٍ عَمَّةُ النبي: "إني حَصَانٌ فما أُكَلَّم، وثَقَافٌ فما أُعَلَّم" (٧). فاللَّقِنُ هو الذي يفهم ما يُلقى إليه، وهو اللَّقِفُ، أي: يتلقَّفه، يعني: يتلقَّاه. وقوله: "ثَقِفٌ"، يعني: يُثَقِّفُه بالوَعْيِ له والحِفْظِ في قلبه، فيُورِدُه
следующие страницы →