← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الخامس عشر: ألَّا يرى لنفسه قَدْرًا، فكيف حقًّا؟ فما هَلَكَ امرؤٌ عرف قَدْرَ نفسه، ولا ضلَّ من عَلِمَ حقَّ ربه عليه وعَدِمَ حقَّه هو عنده إلَّا بفضله (١)، وقد ضَلَّت الكفرة والمبتدعة عن هذه المسألة ضلالًا بَيِّنا، فأمَّا ضلال الكفرة فله مثالان: الأوَّل: قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] إلى آخِرِ الآية، فهذا رَجُلٌ كَفَرَ بالله لأنه ادَّعى استحقاق النعمة، وهو (٢) جَهِلَ نفسَه ومنزلتها، وجهل ربَّه وما يجب له، أَلَا تنظر إلى قوله: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾ (٣)، كما قدَّمناه، فجهل الحقيقة الحِسِّيَّةَ، ثم قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، فجَهِلَ الحقيقة الدلالية الثابتة بواضح البراهين، ثم جاء بالطامَّة بعد الطامَّة بقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾، فاعتقد استحقاقه على رَبِّه أن لو كان له مرجع إليه الإكرامَ؛ بأفضل من تَيْنِك الجنَّتين، مع جهله به وإنكاره مَعَادَه إليه. المثال الثاني: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٧، ٧٨]، نزلت في العاص بن وائل، قال خبَّاب: "كنتُ قَيْنًا في الجاهلية بمكَّة، فعَمِلْتُ للعاصي بن وائل السَّهْمِي سيفًا، فاجتمعت لي عنده دراهم، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمُحَمَّدٍ، فقلت: لا، والله لا أكفر بمُحَمَّدٍ حتى

стр. 1822

يميتك الله ثم يبعثك، قال: وإني لمَيِّتٌ ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: فذرني حتى أموت ثم أبعث، فسوف أُوتَى مالًا وولدًا فأقضيك، فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ الآيات" (١). فاتخذه سُخْرِيًّا حين ذكر له البعث، وقال له: إني أُوتِيكَ في الدار التي تقول حقَّك من مالي هنالك من مَالٍ. والكافرُ إنَّما قال ذلك الكلام لخبَّاب على معنى: أنه لو كان هنالك دارٌ (٢) أخرى لكنتُ فيها بالمال والولد كما أنا في هذه، ولم تكن أنت على شيء ممَّا تعتقد في نفسك فيها، ولا أنا على حال ممَّا تخَوِّفُنِي بها، فردَّ الله عليه دعواه استحقاق المالكية (٣) في الدار الآخرة، وقال: بأي شيء تذكر ذلك؛ باطِّلاع منك عليه، أو بعَهْدٍ نَفَذَ إليك من الله؟. قال علماؤنا: وفي هذه الآية تَنْبِيهٌ على أن عَهْدَ الله عند عبده بغفران ذنوبه ومضاعفة حسناته ورَفع درجاته مُدْرَكٌ له ومُوَفَّى، فإنَّ الله لا يُخْلِفُ الميعاد بقوله هاهنا، أكان له عند الله عَهْدٌ فيقع الوفاء به له (٤)؟ وبهذا ضَلَّتِ المبتدعة، وهي (٥) مثال الضَّلال بالبدعة الموعود به؛ فإنَّ القدرية تقول: "إنه واجب على الله عقلًا مُسْتَحِقٌّ عليه قطعًا مُجَازَاةُ المحسن بالإحسان، لا يصحُّ فيه أن يقال: أنعم به، ولا تفضَّل"، وقد بيَّنَّا جَهْلَهم فيه

стр. 1823

وسخافاتهم في "كتب التوحيد"، ولو لم يكن من جهلهم إلَّا ما أوعبناه (١) في اسم "الشَّاكر"؛ من تَعْدِيدِ نِعَم الله التي واحدة منها تستغرق عمل العُمُرِ من العبد في فرض الشكر، وتبقى سائر النعم غير مقابلة بشُكْرٍ، فأين وجوب الجزاء على ما وقع من العبد من عمل؟ هل هذا إلا ضَلَالٌ مُضَلِّلٌّ ونَسْجٌ (٢) من الكلام مهلهل (٣)؟ وكما تحتاج الأعمال الصالحات إلى الكَيْسِ (٤)، كذلك تفتقر الأعمال المحظورة إلى مثلها عند تعارض البلاء فيها، فربَّما فات هنالك عِلْمُها. روى النسائي عن عثمان قال: "اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممَّن خلي قبلكم متعبد، فعَلِقَتْهُ امرأة غَوِيَّةٌ، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له: إنَّا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطَفِقَتْ كلَّما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وَضِيَّةٍ، عندها غلام وبَاطِيَةُ خَمْرٍ، فقالت له: إنِّي والله ما دعوتك للشهادة، ولكنِّي دعوتك لتقع عليَّ، أو تشرب من هذه الخمر كأسًا، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقني من هذه الخمر كأسًا، فسَقَتْهُ كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يَزَلْ (٥) حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها - والله - لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلَّا أوشك أن يُخرج أحدهما صاحبه" (٦)، وهذا حديث صحيح.

стр. 1824

فانظروا - رحمكم الله - كيف فاته وَجْهُ الترجيح؛ في أن مَعْصِيَةً تُزِيلُ العقل أشدُّ من معصية لا يزول معها، وفي ذلك نَظَرٌ طويل يختلف باختلاف المعاصي والحالات، فلا يَنْفُذُ فيها إلَّا النِّحْرِيرُ، وبهذه الصفات ونظائرها استحق أن يسمَّى "ثَقِفًا" "لَقِفًا (١) ". * * *

стр. 1825

الثَّقِفُ اللَّقِفُ (١): وهما (٢) الاسمُ الثاني والتِّسْعُون والثالث والتِّسْعُون (٣) وقد ورد في الحديث الصحيح في هجرة النبي إلى المدينة في صفة عبد الله بن أبي بكر الصديق: "ويَبِيتُ معهما - يعني: في الغار - عبد الله بن أبي بكر، غلام لَقِفٌ لَقِنٌ، - وفي رواية: "ثَقِف لَقِفٌ (٤) " (٥) -، ثم يصبح بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلَّا وعاه وأخبرهما به" (٦). وقالت أُمُّ حَكِيمٍ عَمَّةُ النبي: "إني حَصَانٌ فما أُكَلَّم، وثَقَافٌ فما أُعَلَّم" (٧). فاللَّقِنُ هو الذي يفهم ما يُلقى إليه، وهو اللَّقِفُ، أي: يتلقَّفه، يعني: يتلقَّاه. وقوله: "ثَقِفٌ"، يعني: يُثَقِّفُه بالوَعْيِ له والحِفْظِ في قلبه، فيُورِدُه

стр. 1826

بفَصِّه، وذلك من الكَيْسِ، وبه وَصَفَ أبو طلحة أَنَسَ بن مالك للنبي كما تقدَّم، وذلك بثبوت ذلك في قلبه، وانتقاشه في نفسه، ولا شيء أفضل من ثبوت المعرفة في النفس، وتحصيلها متقنة حاضرة، يُصَرِّفُها إذا احتاج، كما يُصَرِّفُ ماله المختزن عنده فيما يَعِنُّ له من حوائجه، فإذا طلبه فلم يجده والتمسه عند الحاجة إليه فلم يَحْضُرْهُ فليس بكَيْسٍ، ولا لَقِنٍ، ولا لَقِفٍ، ولا ثَقِفٍ. وإذا ثبت له ذلك واستعمله وَقْتَ الحاجة إليه فهو "المُتَثَبِّتُ" على الإطلاق، وهو "الشُّجَاعُ" لثُبُوتِه (١) بالعلم عند المكاره خاصَّةً. * * *

стр. 1827

المُتَثَبِّتُ والشُّجَاعُ (١): وهما الاسمُ الرَّابع والتسعون والخامس والتسعون (٢) وما وَرِثَ عبد الله بن أبي بكر ما كان فيه من تلك اليقظة إلَّا من بَحْرِ أبي بكر العَجَّاجِ في الجلالة، والخصال التي منها: الكَيْسُ، واللِّينُ (٣)، واللَّقَافَةُ، والثقافة، والتَّثَبُّتُ، والشَّجاعة؛ [المواطنُ التي ثبت فيها أبو بكر الصديق ﵁ -]: وقد ظهر ذلك منه في حياة النبي، وأكثره بعد موته؛ لسعة علمه وقُوَّةِ قلبه، في سَبْعَةِ مواطن (٤): الموطن الأوَّل: لمَّا كان في غزوة الحُدَيْبِيَّة، لمَّا انقضى الصلح عن الكتاب المعروف فيه، على حسب ما شرطه الكفَّار، وقال عمر: "فأتيتُ النبي، فقلتُ، ألستَ نبيَّ الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذن؟ قال: إنِّي رسول الله، ولستُ أَعْصِيهِ، وهو ناصري، قلتُ: أَوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا

стр. 1828

أنَّا سنأتي البيت فنَطُوفُ به؟ قال: بلى، قال: فأَخْبَرْتُكَ أنَّا نأتيه العام؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّك آتِيهِ فمُطَوِّفٌ به، قال: فأَتَيْتُ أبا بكر فقلتُ له مِثْلَ ما قلتُ للنبي سواء (١)، وقال لي مثل ما قال النبي (٢) سواء، قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا" (٣)، يعني: صَلَّيْتُ وصمتُ وتصدَّقتُ؛ لما وقع في نفسه ممَّا أخبر عنه، وتَثَبَّتَ أبو بكر فيه تَثَبُّتَ النبي، حتى اتَّفق قوله معه فيه. وذلك إنَّما يكون عن كثرة المعرفة، ونفاذ القريحة، واتِّقاد البصيرة، ومضاء العزيمة، وصِدْقِ الفراسة، وصحة الرأي، وثبوت الجأش، وشرح الصدر، وصفاء الإيمان، وسلامة القلب. الموطن الثاني: مات رسول الله، ولم يُصَبِ المسلمون بأعظم من تلك المصيبة؛ فيها انقطعت الآمال، ومنها كان ابتداء تغير الأحوال، واضطربت الأمور، وتباين حال الجمهور، فأُخْرِسَ عثمان، واستخفى عليٌّ، وأَهْجَرَ عمر؛ وقال: "ما مات رسول الله، وإنما واعده الله كما واعد موسى، وليرجعنَّ رسول الله فليقطعنَّ أيدي أناس وأرجلهم، وكان أبو بكر غائبًا في ماله بالسُّنْحِ (٤)، فجاء فدخل على النبي وهو مُسَجًّى، فكشف

стр. 1829

الثوب عن وجهه وقبَّله، وقال: بأبي أنت وأمِّي، طِبْتَ حيًّا ومَيِّتًا، والله لا يجمع الله عليك الموتتين أبدًا، أمَّا الموتة الأولى التي كُتِبَتْ عليك فقد نِلْتَها، وخرج فجاء إلى (١) المسجد والناس فيه، فصعد المنبر وخطب، فقال: أمَّا بعد؛ أيها الناس، فمن كان يعبد مُحَمَّدًا فإن مُحَمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فخرج الناسُ يتلونها في سِكَكِ المدينة؛ كأنها لم تَنْزِلْ الَّا ذلك اليوم" (٢). الموطن الثالث: اختلف الناس في دَفْنِه، فقال أبو بكر: "سمعته يقول: ما دُفِنَ نبيٌّ قطُّ إلَّا في الموضع الذي يموتُ فيه" (٣). وروى الترمذي أنه قال: "سمعتُ من رسول الله شيئًا ما نسيته: ما قَبَضَ الله نَبِيًّا إلَّا في الموضع الذي يُحِبُّ أن يُدْفَنَ فيه" (٤). الموطن الرابع: لمَّا مات رسول الله ﷺ أَرْسَلَتْ فاطمةُ ابنته وأزواجه إليه يطلبن ميراثهن فيه، فقال لهن أبو بكر: قال رسول الله: "لا نورث، ما

стр. 1830

تركنا صدقة" (١)، وقالت ذلك عائشة لهن، وبقية العشرة شهدوا بذلك كله، فانقادوا إليه. الموطن الخامس: ارتدَّت العرب بعد موت النبي، وماج الناس، وصار ما خرج عن أجواز المدينة وأحوازها مملوءًا نُكْرًا، مشحونًا رِدَّةً ومَكْرًا، منهم كافر، ومنهم مانع زكاة، ومنهم مرتاب، فارتأى الصحابة؛ فقال بعضهم: يؤخذ منهم قبول الصلاة، وتترك الزكاة حتى تتمكن الحال، وتستأنس القلوب، فقال أبو بكر: "والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، والله لو مَنَعُونِي عَنَاقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقَاتَلْتُهُمْ على مَنْعِها (٢) " (٣). الموطن السادس: لمَّا كان قبل مَرَضِ النبي جهَّز أسامةَ في جَيْشٍ إلى الشَّام، فتوقَّف خروجه بمرضه، ثم جاء موته، فقال الناس لأبي بكر: "احبس أسامة بجيشه تَسْتَعِنْ (٤) به على من حاربك من المُجَاوِرِينَ لك، فقال: لو لعبت الكلابُ بخَلَاخِل نساء أهل المدينة ما رددتُ جيشًا أَنْفَذَهُ رسول الله، ولَكِنْ سَأَلَ أسامةَ أن يترك له عمر، ففعل، وخرج فبلغ الشام، ونَكَأَ العَدُوَّ بها، فقالت الروم: إنهم لم يَضْعُفُوا بموت نبيهم" (٥)، وصارت تلك الحالةُ هَيْبَةً في قلوبهم لهم (٦).

стр. 1831

الموطن السابع: لمَّا استأثر الله برسوله تَطَلَّعَ الناس إلى رَأْسٍ يَقُومُ عليهم، وخَلِيفَةٍ له يَسُوسُهم، فمَرَجُوا وماجوا، وانحازت الأنصار يطلبون الأَمْرَ أو بعضه، وتَخَلْخَلَ المهاجرون، واجتمعوا إلى أبي بكر وقالوا له: "أرسل إلى الأنصار قبل أن يَعْقِدُوا أمرًا، فقال: بل نأتيهم في ناديهم، ونَفْجَأُهم في مكانهم" (١)، فسار إليهم مع من كان معه، وحضر بينهم وخطب خطبته المشهورة، ونثر لؤلؤه المكنون، وأبان الحق باليقين، وكشف لَبس الظنون، وانعقدت له البيعة حسنة مُقَرَّرَةٌ؛ عن نظر صادق، وفكر صائب، ودليل ظاهر. روى الترمذي - ورواه النسائي أيضًا - واللفظ له (٢): عن سالم بن عُبَيد (٣) - وكان من أهل الصُّفَّةِ - قال: "أُغْمِيَ على (٤) النبي في مرضه، فأفاق فقال: أَحَضرَتِ الصلاة؟ فقلن: نعم، فقال: مُرُوا بلالًا فليؤذِّن، ومُرُوا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس، قالت عائشة: إن أبي رَجُلٌ أَسِيفٌ، قال: إنكن صواحبات يوسف، مُرُوا بلالًا فليؤذن، ومُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس، فأَمَرَ بلالًا أن يؤذن، وأَمَرَ أبا بكر (٥) أن يصلي بالناس، فلما أُقيمت الصلاة قال النبي: أُقِيمَتِ الصلاة؟ قلن: نعم، قال: ادعو لي إنسانًا أعتمد عليه، فجاءت بَرِيرَةُ ورَجُلٌ آخَرُ، فاتَّكأ عليهما، فلمَّا رآه أبو بكر ذهب لينكص، فأومأ إليه أن اثبت مكانك، حنى قضى أبو بكر صلاته، ثم إنَّ رسول الله

стр. 1832

قُبِضَ، فقال عمر: والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله قُبِضَ الَّا ضربتُه بسيفي هذا، قال: وكان الناس أُمِّيِّينَ؛ لم يكن فيهم نبي قبله، فأمسك الناس فقالوا: يا سالم، انطلق إلى صاحب رسول الله فادعُه، فأتيتُ أبا بكر وهو في المسجد، فأتيته أبكي دَهِشًا، فلمَّا رآني قال لي: أَقُبِضَ رسول الله؟ قلت: إن عمر يقول: لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله قُبِضَ إلَّا ضربته بسيفي هذا، فقال لي: انطلق، فانطلقتُ معه، فجاء النَّاسُ فدخلوا على رسول الله، فقال: أيها الناس، افرجوا لي، ففرجوا له، فجاء حتى أكبَّ عليه ومسَّه، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ثم قال (١): يا صاحب رسول الله - يعني: سالم (٢) -؟ أَقُبِضَ رسول الله؟ قال: نعم، فعلموا أن (٣) الله قد صدق، قالوا: يا صاحب رسول الله، أَيُصَلَّى (٤) على رسول الله؟ قال: نعم، قالوا: وكيف؟ قال: يَدْخُلُ قَوْمٌ فيُكَبِّرُونَ ويُصَلُّونَ ويَدْعُونَ، ثم يخرجون، ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، حتى يدخل الناس، فقالوا: يا صاحب رسول الله، أَيُدْفَنُ رسول الله؟ قال: نعم، قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قَبَضَ الله فيه رُوحَه، فإنَّ الله لم يقبض رُوحَه إلَّا في مكان طَيِّبٍ، فعلموا أن قد صدق، ثم أمرهم أن يُغَسِّلَه بنو أبيه، واجتمع المهاجرون يتشاورون، فقالوا: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار نُدْخِلُهُمْ معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير (٥)، فقال عمر بن الخطاب: من له مثل هذه الثلاث؛ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ

стр. 1833

هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، من هما؟ قال: ثم بَسَطَ يده؛ فبايعه الناس بَيْعَةً حسنة جميلة" (١). قال الإمام الحافظ (٢) ﵁: فليس للإسلام من يومئذ إلى الآن حركة إلا في تلك البركة، ولا تفكير ولا تقدير إلَّا من ذلك التدبير، فتبارك الله (٣) العليم القدير. وظهر لكم بهذا أن (٤) أوَّل نُشُوءَ (٥) المرء السعيد "كَيْسٌ"، وآخره "ولاية"، فيعود وليًّا من أولياء الله المقرَّبين عنده، السَّابقين إليه، ويكون ممَّن اشترى الهُدَى بالضلالة، والعلم بالجهالة، والسعادة بالشقاوة، فتربح تجارتُه، وينتفي عَيْبُه (٦)، فيكون "مُرْبِحًا" في دِينِه. * * *

стр. 1834

المُرْبِحُ (١): وهو الاسمُ السَّادس والتسعون (٢) قال النبي صلَّى الله عليه (٣): "كلُّ الناس يغدو، فبائع نفسه؛ فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها" (٤)، وهو حديث صحيح مليح، لم يَقُمْ أَحَدٌ بمعناه. وتحقيقه: أن المرء يُصْبحُ فيتصرَّف، ولا يخلو تصرُّفه في (٥) أن يشتري الحياة الدنيا بالآخرة، والهَلَكَةَ بالسَّلامة، واللذة بالندامة، والغفلة بالذِّكْرَى، والفجور بالتُّقَى، أو يرجع إلى الحُسْنَى (٦)؛ فيجعل الحالة الثانية من هؤلاء أُولَى، فيبتاع الآخرة بالدنيا، والسَّلامة بالهلكة، والذِّكْرَى بالغفلة، والتُّقَى بالفجور، فيتوضأ ويصَلِّي، ويصوم ويتصدَّق، قال النبي ﷺ (٧) - في الحديث الصحيح -: "الطهور شَطْرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله يملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة

стр. 1835

نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو؛ فبائع نفسه، فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها" (١). فإذا باع نفسَه من الله بطاعته وذِكْرِه فإنَّ الله قد اشتراها منه بشَرْطِ العِتْقِ البَاتِّ والنعيم الدائم، ولذلك أجاز العلماءُ الشِّرَاءَ للعبد بشَرْطِ العتق، ولم يفهم هذا أبو حنيفة وأصحابه، فمنعوا البيع بشَرْطِ العِتْقِ (٢). وهذا البَيْعُ هو رِبْحٌ كلُّه؛ لأن المرء يَرْبَحُ نفسَه، ولذلك قال الحكماء: "عجبًا لمن يغدو يَطْلُبُ الرِّبْحَ، ومِثْلَ نَفْسِه لا يربح أبدًا". ومن المعاملة المُرْبِحَةِ أن العبد إذا أسلم وأطاع بايع الكافر في منزله بالجنة بمنزله في النار، على ما قدَّمنا به الحديث في أسماء القيامة عند ذِكْرِ التغابن، وبذلك كله يكون "مُتَقَرِّبًا (٣) ". * * *

стр. 1836

[المُتَقَرِّبُ (١)]: وهو الاسم السَّابع والتسعون (٢) والقُرْبُ يكون - عند علمائنا - بالمعنى، ولا يكون بالمسافة؛ لأنَّ الله سبحانه ليس في مكان فتدنو منه أو تبعد الأجسام، ولا يُحَاذِيهِ موجود، ولا يليه مخلوق (٣)، وإنما قُرْبُه بالإجابةِ لمن دعاه، والرحمةِ لمن استرحمه، والعطاءَ لمن سأله، والمغفرةِ لمن استغفره وانكَفَّ (٤) عن معاصيه؛ وهو "العَفِيفُ". * * *

стр. 1837

العَفِيفُ (١): وهو الاسم الثامن والتسعون (٢) فإنَّ المعاصي تُبَاعِدُه عن الله كما تُقَرِّبُه الطاعات (٣) من الله، قال النبي ﷺ للنَّاسِ حين رَفَعُوا أصواتهم بالذِّكْرِ: "إنكم لا تَدْعُونَ أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إنه بينكم وبين رؤوس رحالكم" (٤). ومن الواجب على العبد أن يسأل عن ذلك إذا لم يَعْلَمْه، وإذا عَلِمَه أن يَمْتَثِلَه، وقد سأل عنه معاذُ بن جبل رسولَ الله، فقال له: "أخبرني بعَمَلٍ يُقَرِّبُنِي من الجنة ويباعدني من النار" (٥)، فذَكَرَ الحديث المتقدم، وهو صحيح مليح. وفي الصحيح: عن أبي هريرة: "أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال له: دُلَّنِي على عمل إذا عملتُه دَخَلْتُ الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان،

стр. 1838

قال: والذي نفسي بيده (١)، لا أزيد على هذا، فلمَّا وَلَّى قال النبي: من سَرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (٢). ولا يُقَرِّبُ العَبْدَ من رَبِّهِ شيءٌ أكثر من الصلاة؛ فإنه يستقبله فيها، ويناجيه بها، وأيُّ منزلة أعظمُ من المناجاة والاستقبال؟ وهي خصيصة موسى، وشَرَفُ مُحَمَّدٍ، وحالة يونس، وملجأ أيوب، ودعوة سليمان، وتوبة داود، وبذلك سُمِّيَتِ الأعمال الصالحات قُرُبَاتٍ، ولن يُفَرِّجَ الكُرُيَاتِ إلَّا القُربات، ولا تكون قُرْبَةٌ إلا بِنِيَّةٍ (٣)، إلَّا واحدة؛ فإنها تكون طَاعَةً لا قُرْبَةً، كما (٤) بيَّنَّاه في "أصول الدين"، ممَّا قرَّره علماء المسلمين، وبذلك يكون "قانتًا". * * *

стр. 1839

القَانِتُ (١): وهو الاسمُ التَّاسع والتسعون (٢) والقُنُوتُ في العربية على معاني؛ قد بيَّنَّاها في غير موضع من القرآن والأحاديث (٣)، أصوله أربعة: أوَّلُها (٤): الطاعة، قاله ابن عباس (٥). والثاني (٦): القيام (٧)، قاله ابن عمر، وقرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، وفي الحديث: "أفضل الصلاة طول القنوت" (٨)، وقام النبي ﷺ حتى تفطَّرت قدماه، وقال: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا" (٩).

стр. 1840

الثالث: أنه السُّكُوتُ، قال زيد بن أرقم: "كنَّا نتكلَّم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا (١) بالسُّكُوتِ" (٢). الرابع: القنوتُ: الخُشُوعُ (٣). وهذه المعاني وسواها ممَّا ذَكَرَ العلماء في القنوت صَحِيحٌ جميعُها، تشهد لها العربية والأمثلة، والمُرَادُ منها هاهنا السُّكُوتُ، ويليه القيام. أمَّا القيام فيكون لله جَمِيعُ أمره، وهو الدوام على الطاعة؛ صلاة أو صيام أو غير ذلك. وأمَّا السكوت (٤)، فأَنْ يكون ساكتًا إلَّا عن ذِكْرِ الله، فيواصله ويداومه، كما قدَّمناه (٥)، ولا يَفْتُرُ فيه، ولا يتخلَّى عنه بغفلة ولا بمَلَلٍ، فإذا فَعَلَ ذلك كان "مُفْرِدًا". * * *

стр. 1841

المُفْرِدُ (١): وهو الاسمُ المُوَفِّي مِائَةً (٢) وفي صحيح الحديث - كما ذكرناه من قبل -: "أن النبي سار مع أصحابه يومًا في طريق مكة حتى عَلَا جبلًا، فقال: هذا جُمْدَانُ، سِيرُوا، سَبَقَ المُفْرِدُونَ، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين أُهْتِرُوا بذِكْرِ الله، يضع الذِّكْرُ عنهم أوزارهم" (٣). قال الإمام الحافظ (٤): هذا إن كان معهم وِزْرٌ، فإن لم يكن ذلك معهم (٥) ولا صَادَفَه عَمَلُهم الصالح وذِكْرُهم الطيِّب رُفِعَ لهم قَدْرٌ، وأُرْقِيَتْ لهم درجات حسب ما وعد الله سبحانه. وهو مُفْعِل، مِنْ أَفْرَدَ. المعنى: قد خرج عن الخلق باعتقاده وجوارحه ولسانه، فليس له ذِكْرٌ إلَّا ربه، وهذا ممَّا لم نسمعه إلَّا عن رَابِعَةَ رحمها الله، فإنها كانت إذا قال لها أَحَدٌ كلامًا، أو عَرَضَ لها بسؤال، قالت: "هُوَ، هُوَ، هُوَ"، في جواب

стр. 1842

كل كلام، كأنها تُشِيرُ إلى أنها مشغولة معه، ليس لأحد فيها حظٌّ، ولا لها للخوض مع أحد في أمرٍ زمانٌ. قال الإمام الحافظ (١): والذي عندي أن أبا بكر وعمر والعشرة والصحابة وكثيرًا (٢) من التابعين وعلماء المسلمين كانوا بهذه الصفة وإن خالطوا الناس؛ فإن العبد إذا كان كلامُه مع الناس لله وفِعْلُه كذلك فهو مُفْرِدٌ، حتى لو تكلَّم في الدنيا لتكلَّم لله، أو اعتمل فيها لاعتمل لله؛ بأن لا يخرج في جميع أقواله وأعماله عن طريق الشرع، فهو من المُفْرِدِينَ، ولكنه أمر يتعذَّر مع المخالطة إلَّا على الصدر الأوَّل؛ الذين كانوا لا يَلْقَوْنَ إلَّا أمثالهم، أو ما يقرب (٣) منهم، أو من يفعل مثل فِعْلِهم، فكانوا يتعاونون على الحق، ولا ترى بينهم (٤) باطلًا، فلمَّا غلب الباطلُ على الخلق (٥) وتعاملوا بغير الصدق لم يتفق (٦) لأحد أن يكون مُفْرِدًا إلَّا بأن يعتزل عنهم، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. [من المُفْرِدِينَ مريمُ ﵍]: وممَّن كان من المُفْرِدِينَ القانتين مَريمُ، قال الله سبحانه: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، فأَمَرَها بالقنوت والسجود والركوع، واختلف الناس في هذه الآية اختلافًا كثيرًا؛

стр. 1843

فقال لنا شيخُنا فَخْرُ الإسلام الشَّاشِي (١) بمدينة السَّلام: "هذا من التقديم والتأخير، المعنى: "فاركعي واسجدي"، وهو في القرآن كثير". وقال لي غيره: "هذا كان شَرْعُ من قبلنا". وقال أصحاب أبي حنيفة: "الواو لا تقتضي ترتيبًا". واختلف الناسُ في قوله: ﴿اقْنُتِي﴾؛ فقيل: أطيعي (٢). وقيل: أخلصي (٣). وقيل: قُومِي (٤)، أمرها بالقيام والركوع والسجود، وهو جملة الصلاة. وهو الأصح؛ كما بيَّنَّا في "الأنوار". والدي يصح في قوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ (٥)؛ أن السجود هو الميل، وأنَّ الركوع هو الانحناء، ويصح في صورتها عندنا أن يسمَّى كل واحد منهما باسم صاحبه، ولا يصحُّ في شرع أن تكون صورة السجود مثل

стр. 1844

الركوع، إنَّما تكون الصورة (١) في شرعها كالصورة في شرعنا، ولكن يجوز أن تنقلب (٢) الأسماء، فتُسَمَّى في وَقْتٍ صورةُ الركوع سجودًا، والسجود ركوعًا، ثمَّ تسمَّى في وقت آخَرَ به. وقد قال كثير من علمائنا: "إن السجود هو الركوع في العربية" (٣). في الصحيح: عن عائشة أنها قالت: "قال النبي: من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك" (٤). والسجدة هي الركعة، فيكون تقدير الكلام: "يا مريم أَدِمْ (٥) طاعة ربك، وصَلِّ وصَلِّ (٦) "، وكرَّر الأَمْرَ بالصلاة ليكون ذلك تأكيدًا لها. ويحتمل أن يكون قوله لها: ﴿اقْنُتِي﴾ أمرًا بالطاعة. ويقال: ﴿وَاسْجُدِي﴾ (٧): أَمْرٌ بما يكون من جميع الخلق، وهو قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٨) [النحل: ٤٩]، ثم يُكَرِّرُ عليها الأمر بالركوع الذي هو مخصوص ذِكْرُه ببني آدم، لم يُوصَفْ به شيء من المخلوقات، ووُصِفَتْ مريم بذلك كله لأنها كانت لَزِيمَةَ المحراب، عَاكِفَةً

стр. 1845

على الباب، سَاكِنَةً عن الخلق، مُعْرِضَةً عن الناس، موَاظِبَةً على الذِّكْرِ، مُقْبِلَةً على الله. [من القانتات نساءُ النبي ﵇]: وقد يكون قانتًا من يخالط ويتكلَّم، قال الله لنساء نبيِّه ﷺ : ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، وما منهنَّ إلَّا من كان قانتًا عاملًا لله صالحًا، لَزِيمَ طاعة، وحَلِيفَ عبادة (١)، وحَامِلَ عِلْمٍ ومعرفة، ومُبَلِّغَ حكمة، وخصوصًا المطهَّرة المكرَّمة عائشة ﵂. [الخُلْطَةُ لا تنافي القنوت]: وقد بيَّنَّا أن رهبانية هذه الأمة وقُنُوتَها وإِفْرَادَها وطاعتها لا ينافي الخُلْطَةَ، ولا يُشترَط فيها الوحدة، ولا يلزم (٢) معها الخلوة؛ لمن أمكنه القيام بالحقوق، وحمل جميع أفعاله وأقواله على الحق والتصديق، وإذا لم يتفق له ذلك عُدْنَا (٣) كما كُنَّا، ورجعنا إلى ما عَلِمْنَا من الخلوة والعُزْلَةِ قديمًا، حسب ما أنذر به الصَّادق. وقد لا يَسْلَمُ المؤمن مع الخُلْطَةِ، وقد يَسْلَمُ. [من فضائل مريم ﵍]: هذه مريم مع القنوت والعزلة ومواظبة (٤) العبادة وما جعل الله فيها من الآية لم تَسْلَمْ من قول المُبْطِلِينَ وزَيْغِ المُلْحِدِينَ، ولمَّا ظهر بها الحملُ

стр. 1846

انتبذت به مكانًا قَصِيًّا، رغبة في الاختفاء، وحِرْصًا على السِّتْرِ، إذ (١) لم يُمْكِنْ (٢) إفشاءُ ذلك إلى أَحَدٍ لغلبة الظنون الفاسدة على الناس. ولمَّا أخذها الطَّلْقُ قالت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، خَوْفُ العار من الخلق، وقد علمت الآيَةَ من الحق. وقد قيل: "إنما قالت ذلك شَفَقَةً على قومها من ذهاب أديانهم عند سوء مقالتهم؛ لئلا تصيبهم عقوبة من أجلها" (٣). وقد قال بعضهم: "إن معناه: يا ليتني مت قبل أن أسمع أن عيسى وَلَدُ الله، وأنِّي زَوْجُه" (٤). ويحتمل أن يكون المَلَكُ لمَّا ألقى إليها أَمْرَ الغلام أعلمها بجميع أَمْرِه أو بجُمْلَةٍ منه. وقد قيل: "إنها قالت ذلك حين أصابها الطَّلْقُ وصارت إلى شِدَّتِه، بعد ما كانت فيه من الرِّفْقِ" (٥). وقد قيل: "إن قولها (٦): ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ﴾، تعني (٧): قبل أن يتعلق قلبها بسَبَبٍ" (٨)؛ لأنها كانت فارغة القلب إلَّا عن الله.

стр. 1847

فلما تعلق قَلْبُها بولدها ونفسها أنكرت حالها الأوَّل، ورأت أنها غيرها: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ (١)، بكَسْرِ الميم؛ قيل: جبريل (٢). وقبل: عيسى (٣). فإن كان جبريل فمعناه: أن النداء جاء من تحت؛ وإن كان المنادي من فوقها - وإن كان بفتح الميم - فالمُنَادِي عيسى: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٤) [مريم: ٢٣ - ٢٥]. والذي عندي: أن قائل ذلك كله جبريل، وقَوْلُ عيسى يأتي بعد هذا إن شاء الله. فسَكَّنَ هذا الكلام ما كان بها من القلق، وأَذْهَبَ ما أصابها من الفَرَقِ، وقوَّى قَلْبَها عمَّا كان فيه من الضعف، وأمَّنها ممَّا كانت تخاف من العار أو (٥) المكر. ولمَّا هزَّت بجِذْع النخلة وتَسَاقَطَ عليها الرُّطَبُ الجَنِيُّ تشابهت الأحوال؛ فإن الذي أَخْرَجَ منها عيسى من غير أَبٍ قَادِرٌ على أن يُخْرِجَ

стр. 1848

رُطَبًا من جِذْعِ يابس، وكان في هذا أوضح الأدلة على أن الله لا يُضِيعُ الصالحين؛ فإنه إذ كان لمريم من يتعهَّدها جَرَتْ على عادتها، فلمَّا عَدِمَتِ العادة تولَّى الله لها الكفاية، ولم يَكِلْها إلى نفسها (١). ثم قال لها: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾، وتلك حاجة الإنسان وضرورته، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بحالك وبوَلَدِك، ولا تُبَالِي عن أَحَدٍ من الخلق، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ فلا تُكَلِّمِيهِ (٢) بحال. وهكذا يجب أن يكون الأولياء إذا كانوا مع الله على حالة حسنة، يجب ألَّا يُبَالُوا بأحد من الخلق. قيل لها: عَرِّفِيهِمْ بالإشارة أنك صائمة، وكان صومهم ترك الكلام، فلمَّا أتت به قومها تحمله بَسَطُوا عليها لسان الملامة، وقابلوها بقول المُوَبِّخِ، وعظَّموا عليها الحالة، وقالوا لها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، يعنى: أَمْرًا قَطَعَكِ عن حالتك المعهودة، وصفتك المعروفة، يا أخت هارون في الصلاح والخير، ما كان أبوك امرَءًا رَدِيًّا، ولا كانت أمك بَغِيًّا، فمن أين وَرِثْتِهِ؟ وهذا يدلُّك (٣) على أن الأخلاق مُكْتَسَبَةٌ من الأعراق، كما تُكْتَسَبُ من الاختلاط والصحبة. فعن المرء لا تَسَلْ وسَلْ عن قرينه (٤) … فكلُّ قَرِينٍ بالمقارن يقتدِي

стр. 1849

وقد قال المغيرة بن شعبة: "بعثني رسول الله إلى نَجْرَانَ، فقالوا لي: ألستم تقولون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وقد كان بين عيسى وموسى ما كان، فلم أَدْرِ ما أُجِيبُهم، فرجعت إلى رسول الله فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يُسَمَّوْنَ بأنبيائهم والصالحين من (١) قبلهم" (٢)، وهذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ. فلمَّا قابلوها بهذا الكلام أشارت لهم إليه، وأحالتهم عليه، قالوا لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩]، فإمَّا سَأَلُوهُ، وإمَّا بَدَأَهُمْ، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٢] فلمَّا تكلَّم عيسى فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، برئت ساحتُها، وتحقَّقت عِفَّتُها ونزاهتُها (٣)، وظهرت كرامتُها ومرتبتُها (٤). وفد روى المُفَسِّرُونَ: "أنه تكلَّم في المَهْدِ أربعة؛ عيسى بن مريم، وابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جُرَيْج"، وقد بيَّنَّا في "كُتُبِ (٥) التفسير" من "الأنوار" وغيرها: أنهم نَقَصَهُمُ اثنان: أحدهما: صاحب الأُخدود؛ فإنَّ أهل الأخدود لمَّا قُذِفَ بهم في النار توقَّفت امرأة منهم في ذراعها صبي، فقال لها الصبي: "يا أُمَّه اصبري، إنك

стр. 1850

على الحق (١) " (٢)، ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ من حديث صُهَيْبٍ، والترمذي (٣) والبخاري (٤) من حديث أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ . والدي صحَّ من هذه الستة أربعة: عيسى، وصاحب جُرَيج (٥)، وصاحب الأخدود، وابنُ هذه المرأة (٦). وفي البخاري: عن النبي: "أن امرأة كانت تُرْضِعُ صَبِيًّا في حِجْرِها، فمَرَّ رجل له شارة ورِكْبَةٌ، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك الصبي الثدي وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ومُرَّ بامرأة وهُمْ يضربونها ويقولون: سرقت، ولم تسرق، وزَنَتْ، ولم تَزْنِ، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الصبي الثدي وقال: اللَّهم اجعلني مثلها، وأُوحِيَ إلى نبي ذلك الزمان أن (٧) الأوَّل لا خير فيه، وأن هذه يقولون: فَعَلَتْ، وهي لم تفعل" (٨)، هذا معنى الحديث.

стр. 1851

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: كان أوَّل كلمة تكلَّم بها عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ثم عبد من دون الله، وإنَّما كان ذلك آية ومعجزة لمَرْيَمَ، وحُجَّةً على الكفَّار، فيقال لهم: "إنْ صَدَقَ عيسى فقد كذبتم، وإن كذب فمن كَذَبَ لا يكون إلهًا ولا ابنًا للإله" (٢). قال علماؤنا: "وكان عيسى عبد الله حقًّا، وإنَّما يكون عبد الله من لم يكن عبد هواه، ولا عبد شيء سِواه" (٣). ثم قال: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾، أي: سَبَقَ في عِلْمِه وحُكْمِه إيتاءُ الكتاب لي، وأخبر به، وأمره أن يذكره في حال صِغَرِه (٤). ثم قال: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، يعني: بفضله، ردًّا على من يقول: إن النبوة تُسْتَحَقُّ بكثرة الطاعة؛ لأنَّ عيسى أخبر بذلك في حَالٍ لم تكن منه طاعة، وقد بيَّنَّا بطلان هذا القول وإِلْحَادَه في "كُتُبِ الأصول" (٥). ثم قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. * * *

стр. 1852

المُبَارَكُ (١) وهو الاسمُ الحادي ومائة (٢) وقد بيَّنَّا في غير مَوْضِعٍ (٣) أن معنى "ب ر ك" وجهان؛ أحدهما: الثبوت والدَّوام. الثاني: النمو والزيادة. وقد وصف الباري به نفسه فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. وقال (٤): ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقال (٥): ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]. وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠].

стр. 1853

فأمَّا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، فمعناه: وجب الدوام، وحقَّت العظمة للذي بيده المُلْكُ، يُصَرِّفُ المقادير، ويُدَبِّرُ (١) الأمور، وهو عليها قدير، وعلى كل شيء مُمْكِن سواها، الذي ابتلى الخلق ليختبرهم، إعلامًا للملائكة حالهم، ليظهر لهم شكرهم وكفرهم، وهو العزيز في ذلك كله، الغفور لذنوبهم على العموم، فإمْهَالُه للكفَّار نَوْعٌ من مغفرته، وحَطُّه ذنوب المؤمنين مغفرة ظاهرة. وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، أي: وجب الدوام، وحقَّت العظمة؛ لمن دبَّر الجَنِينَ في الموضع المكنون، بتَصْرِيفِ الأحوال وانتقال الأوصاف، وقد ذَكَرَ خَلْقَ العرش والسماوات والأرضين (٢) والجنة والنار، ولم يُعْقِبْها بهذا المدح الذي عقبه خلق الإنسان في أطواره، وانتقاله في أحواله، تخصيصًا له من بين المخلوقات، وتمييزًا بأشرف الدرجات. قال علماؤنا: "وإنَّما تمدَّح به لأنك لمَّا كنتَ أنت في تلك الخال عاجزًا عن مَدْح ما (٣) فعل فيك مَدَحَ هو نفسه" (٤). قالوا: "وإن كان قال عن نفسه: إنه ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فلقد قال عنك: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] " (٥). وقوله (٦): ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ الآية، مُرَتَّبًا بعد قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾، وقد بيَّنَّا

стр. 1854

أن البركة تكون من الدوام والنماء، فدوام الله موجود؛ لأن وجوده لا عن استفتاح، ولا عن آخِرِيَّةٍ لذاته ولصفاته العلية، وجِهَةُ البركة مُنْبئَةٌ عن فضله وإحسانه، فهي كلمة تجمع بين الثَّنَاءَيْنِ؛ ثَنَاءِ الذَّاتِ، وثَنَاءِ الأَفعال. فقوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾؛ إِخْبَارٌ بما أَكْرَمَهُ به وفضَّله، وأَنْعَمَ عليه وأَحْسَنَ إليه، وقدَّمه على جميع الرُّسُلِ به؛ من إنزال الفُرْقَانِ القُرْآنِ عليه، فالفُرْقَانُ لجميع الأنبياء، والقرآن لمُحَمَّدٍ، أنزله عليه، وأرسله بشيرًا ونذيرًا للعالمين به، وآتى موسى الكتابَ ليُنْذِرَ به قومه، وآتى مُحَمَّدًا الكتابَ ليكون للعالمين نذيرًا، الذي تفرَّد بمُلْكِ السماوات والأرضين (١)، فليس فيها (٢) شيء إلَّا مخلوق (٣) بقُدْرَتِه، ومن زَعَم أن شيئًا يَشِدُّ عن قدرته فنَسَبَهُ إلى خَالِقٍ أو علَّقه بسَبَبٍ فهو كَافِرٌ؛ كالجَاحِظِ وسِواه (٤)، لا حيَّاه الله ولا بيَّاه. وهو لم يتخذ ولدًا استظهارًا، ولا جاز أن يكون له مَحَلٌّ استقرارًا، ولا يمكن أن يكون له شريك في المُلْكِ؛ لأنَّ ذلك كان يعود على الخلق بالهُلْكِ، حسب ما بيَّنَّاه في أدلة التوحيد (٥)، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وبيَّن ذلك تفصيلًا، فقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ

стр. 1855

تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، فمن زعم أنه يَشِذُّ شيء عن خَلْقِه أو يَتَوَلَّدُ شيء من شيء دون أن يكون منسوبًا - من غير واسطة - إلى قُدْرَتِه فهو كافر. ولمَّا لم يستدلوا بآيات النبي، ولا اعتبروا بمعجزاته، وقالوا: إنه ﴿مَهِينٌ﴾، ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، قال (١) الله له: هذا الذي قالوه وفعلوه بإرادتي وتقديري، ولو شئتُ لجعلتُ لك جنات وقصورًا في الدنيا. وقد (٢) روي أنه قيل لرسول الله: "إن شئت أن نُعْطيَكَ خزائن الأرض ومفاتحها ما لم يُعْطَ نَبِيٌّ قبلك، ولا يُعْطَى من بعدك، ولا يُنْقِصُ ذلك ممَّا لك عند الله، فقال: اجمعوها لي (٣) في الآخرة، فأنزل الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية" (٤)، فسليمان دعا في ذلك وأُجِيبَتْ دعوتُه، ومُحَمَّدٌ عُرِضَ عليه ما لا ينبغي لمن بعده فأباه، وأخَّره إلى الآخرة وأرجاه (٥). ثم قال في السُّورة بعينها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وتَعَاظَمَ (٦) وتعالى خالقُ السماء بزينتها، ومُرَتِّبُ كواكبها فيها، وحافظها من (٧) الفطور والشقوق، ومُدَبِّرُ

стр. 1856

أفلاكها، والقادر على إمساكها، ولعظيم ما فيها من منافع الخلق؛ عظَّم على الأدلة ذلك ونبَّه به. [أَوْجُهُ بَرَكَةِ القرآن العظيم]: وكما أنه سبحانه تبارك؛ فكذلك كتابه مبارَكٌ، قال سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، والبَرَكَةُ فيه من ثمانيه أوجه: الأوَّل: دَوَامُه (١)؛ فإنَّ كل آية أُوتِيها النبي انقضت بانقضاء عُمْرِه، والقرآن لا ينقضي مدى الأيَّام. الثاني: أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٢)، ولا يتطرَّق إليه نَقْضٌ ولا نَقْصٌ. الثالث: كثرة علومه؛ فإنها متنامية متطاولة، لا نهاية لها، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. الرابع: اكتفاءُ حامله به عن الدنيا بأَسْرِها، واستغناؤه (٣) به عنها، قال الله تعالى لنَبِيِّه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٤) [الحجر: ٨٧، ٨٨] وقال النبي ﷺ : "ليس منَّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" (٥).

стр. 1857

الخامس: ثوابُه؛ فإنه ما أُعْطِيَ قطُّ لأمَّةٍ ما أُعْطِيَ لهذه الأمة من الثواب في كتابها (١). السَّادس: الاستشفاء به. السَّابع: الاسترقاءُ به عن أن يصيب (٢) مكروه. الثامن: أنه دائم؛ لا ينسخه كتاب، وسائر الكتب منسوخة (٣). فهذه بركتُه. [أَوْجُهُ بَرَكَةِ رسول الله ﷺ -]: وكذلك نبيُّه مُحَمَّدٌ ﷺ مُبَارَكٌ، فقد (٤) بيَّنَّا فيما سَلَفَ من (٥) هذا الكتاب وأوضحنا في غيره خصائصه وبركته على أمته (٦)، وعلى الخلق أجمعين، وأنه رحمة للعالمين. ومن بركته أن المُبَارَكَ عيسى من أُمَّتِه، وإن كان مُتَقَدِّمًا على مُدَّته، ولكن رَفَعَهُ الله حتى ينزله، كما أخبر سبحانه عنه، فهو مُبَارَكُ الذات، مبارك الأقوال، مبارك الأفعال (٧). يقال في العربية: بُورِكَ الشيء، وبُورِكَ فيه.

стр. 1858

قال الشَّاعر - وهو أبو طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو -: بُورِكَ الميتُ الغريب كما بُو … رِكَ نضحُ (١) الرُّمَّاد والزيتونِ (٢) [بَرَكَةُ المؤمن]: والمُؤْمِنُ مُبَارَكُ الذَّات، مبارك الصفات؛ لأنه مُطَهَّرٌ مُسَلَّمٌ عن الشك والشِّرْكِ، مبارك الأقوال؛ لأنه لا يقول إلَّا خيرًا، مبارك الأفعال؛ لأنه لا يأتي إلَّا طاعه، مُنْتَفَعٌ (٣) به في علمه ودعائه، ومواساته إن كان ذا مال، وعلى قَدْرِ نفعه لنفسه والانتفاع به تكون بركته، فهو بَرَكَةٌ كله، ولذلك يقال: خادم مُبارَكَةٌ، ودار مباركة، ودابَّة مباركة؛ إذا أَعْقَبَ (٤) مِلْكُها خَيْرًا لمالكها. وفي الأثر: "إذا اشترى أحدكم خادمًا أو دابة فليأخذ ناصيتها، وليَدْعُ فيها بالبركة" (٥). وقد قال النبي: "اللهم بارك لنا في مَدِينَتِنَا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنَا" (٦).

стр. 1859

وقال: "اللهم بارك لهم في مِكْيَالهِمْ، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مُدِّهِمْ (١) " (٢). ثمَّ قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: ٣٢]. * * *

стр. 1860

البَرُّ (١): وهو الاسمُ الثاني ومائة (٢) معناه: أَوْسِعْها كرامةً وإحسانًا، وهو أَصْلُه (٣). البَرُّ: من الاتِّساع والكثرة، ومنه البريَّة، وقد بيَّنَّا حقيقة ذلك في كتاب (٤) "الأمد الأقصى" (٥). فالباري بَرٌّ بعباده، والمؤمن بَرٌّ بوالديه (٦)، وقد قرأنا "بِرَّ الوالدين" ببغداد في جُزْءٍ مجموع للخلَّال (٧)؛ شَيْخِ شيخنا أبي الحُسَين بن الطُّيُورِي،
следующие страницы →