← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

أفلاكها، والقادر على إمساكها، ولعظيم ما فيها من منافع الخلق؛ عظَّم على الأدلة ذلك ونبَّه به. [أَوْجُهُ بَرَكَةِ القرآن العظيم]: وكما أنه سبحانه تبارك؛ فكذلك كتابه مبارَكٌ، قال سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، والبَرَكَةُ فيه من ثمانيه أوجه: الأوَّل: دَوَامُه (١)؛ فإنَّ كل آية أُوتِيها النبي انقضت بانقضاء عُمْرِه، والقرآن لا ينقضي مدى الأيَّام. الثاني: أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٢)، ولا يتطرَّق إليه نَقْضٌ ولا نَقْصٌ. الثالث: كثرة علومه؛ فإنها متنامية متطاولة، لا نهاية لها، ولهذا قال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. الرابع: اكتفاءُ حامله به عن الدنيا بأَسْرِها، واستغناؤه (٣) به عنها، قال الله تعالى لنَبِيِّه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٤) [الحجر: ٨٧، ٨٨] وقال النبي ﷺ : "ليس منَّا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" (٥).

стр. 1857

الخامس: ثوابُه؛ فإنه ما أُعْطِيَ قطُّ لأمَّةٍ ما أُعْطِيَ لهذه الأمة من الثواب في كتابها (١). السَّادس: الاستشفاء به. السَّابع: الاسترقاءُ به عن أن يصيب (٢) مكروه. الثامن: أنه دائم؛ لا ينسخه كتاب، وسائر الكتب منسوخة (٣). فهذه بركتُه. [أَوْجُهُ بَرَكَةِ رسول الله ﷺ -]: وكذلك نبيُّه مُحَمَّدٌ ﷺ مُبَارَكٌ، فقد (٤) بيَّنَّا فيما سَلَفَ من (٥) هذا الكتاب وأوضحنا في غيره خصائصه وبركته على أمته (٦)، وعلى الخلق أجمعين، وأنه رحمة للعالمين. ومن بركته أن المُبَارَكَ عيسى من أُمَّتِه، وإن كان مُتَقَدِّمًا على مُدَّته، ولكن رَفَعَهُ الله حتى ينزله، كما أخبر سبحانه عنه، فهو مُبَارَكُ الذات، مبارك الأقوال، مبارك الأفعال (٧). يقال في العربية: بُورِكَ الشيء، وبُورِكَ فيه.

стр. 1858

قال الشَّاعر - وهو أبو طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو -: بُورِكَ الميتُ الغريب كما بُو … رِكَ نضحُ (١) الرُّمَّاد والزيتونِ (٢) [بَرَكَةُ المؤمن]: والمُؤْمِنُ مُبَارَكُ الذَّات، مبارك الصفات؛ لأنه مُطَهَّرٌ مُسَلَّمٌ عن الشك والشِّرْكِ، مبارك الأقوال؛ لأنه لا يقول إلَّا خيرًا، مبارك الأفعال؛ لأنه لا يأتي إلَّا طاعه، مُنْتَفَعٌ (٣) به في علمه ودعائه، ومواساته إن كان ذا مال، وعلى قَدْرِ نفعه لنفسه والانتفاع به تكون بركته، فهو بَرَكَةٌ كله، ولذلك يقال: خادم مُبارَكَةٌ، ودار مباركة، ودابَّة مباركة؛ إذا أَعْقَبَ (٤) مِلْكُها خَيْرًا لمالكها. وفي الأثر: "إذا اشترى أحدكم خادمًا أو دابة فليأخذ ناصيتها، وليَدْعُ فيها بالبركة" (٥). وقد قال النبي: "اللهم بارك لنا في مَدِينَتِنَا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنَا" (٦).

стр. 1859

وقال: "اللهم بارك لهم في مِكْيَالهِمْ، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مُدِّهِمْ (١) " (٢). ثمَّ قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم: ٣٢]. * * *

стр. 1860

البَرُّ (١): وهو الاسمُ الثاني ومائة (٢) معناه: أَوْسِعْها كرامةً وإحسانًا، وهو أَصْلُه (٣). البَرُّ: من الاتِّساع والكثرة، ومنه البريَّة، وقد بيَّنَّا حقيقة ذلك في كتاب (٤) "الأمد الأقصى" (٥). فالباري بَرٌّ بعباده، والمؤمن بَرٌّ بوالديه (٦)، وقد قرأنا "بِرَّ الوالدين" ببغداد في جُزْءٍ مجموع للخلَّال (٧)؛ شَيْخِ شيخنا أبي الحُسَين بن الطُّيُورِي،

стр. 1861

وقرأناه لجماعة لا يُحْصَوْنَ، والأَمْرُ مشهور في الدِّين، مُجْمَعٌ عليه من (١) العقلاء. قال النبي في الصَّحيح: "الكبائرُ: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرَّم الله، وعُقوقُ الوالدين" (٢). وذلك لأنه قَرَنَ شُكْرَهما بشُكْرِه، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقال أيضًا: "لن يجزي وَلَدٌ والدَه إلَّا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" (٣). وقال: "رَغِمَ أَنْفُه، رَغِمَ أنفُه، رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والدَيه عند الكِبَرِ؛ أحدهما أو كلاهما، ثمَّ لم يدخل الجنة" (٤).

стр. 1862

وقال رجل: "يا رسول الله، من أحق بحُسْنِ صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك" (١). وقال ﷺ : "إنَّ الله حرَّم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وَهَاتٍ، وكَرِهَ لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (٢). وسئل النبي: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين" (٣). ورَوَى ابنُ عمر عن النبي قال: "خرج ثلاثة نفر يمشون، فأصابهم المطر فَأَوَوا إلى غار في جبل، فانحطَّت عليهم صخرة فأغلقت بابه، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عَمَل عملتموه، فقال أحدهم: اللهمَّ إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، فكنت أخرج فأرعى، ثم أجيء فأحلب، ثم أجيء بالحِلَابِ أَبَوَيَّ فيشربان، ثم أسقي الصِّبْيَةَ وأهلي وامرأتي، فنَأى بي الشَّجَرُ يومًا، فجئت وقد نامَا، فكرهتُ أن أُوقِظهما، والصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عند رِجْلِي، ولم يزل ذلك دَأْبِي ودَأْبَهما حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فُرْجَةً نرى منها السماء، قال: ففرَّج عنهم، ثم قال الآخَر: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي ابنةُ عَمٍّ أحبُّها كأشد ما

стр. 1863

يحبُّ الرجال النساء، فقالت: لا ينال ذلك منها حتى نعطيها مائة دينار، فسَعَيْتُ فيها حتى جمعتها، فلمَّا قعدت بين رِجْلَيْها قالت: اتق الله، ولا تَفُضَّ (١) الخاتم إلا بحقِّه، فقمتُ وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فُرْجَةً، قال: ففرَّج الله عنهم الثلثين، وقال الآخَر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرًا بفَرَقِ من ذُرَةٍ، فأعطيته وأبى أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفَرَقِ فزرعته حتى اشتريت منه بقرًا، ثم جاء فقال: يا عبد الله، أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر ورُعَاتِها فخذها، فقال: أتستهزى بي؟ قال: فقلت (٢): ما أستهزئ بك، ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج عنا، فكشف عنهم" (٣). وحديثُ جُرَيْج العظيم الصحيح؛ ورُوِيَ: "أن بني إسرائيل كان فيهم رجل يقال له جريج، يصلي، فجاءته أمُّه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تُمِتْهُ حتى تُرِيَه وجوه المُومِسَاتِ، وكان جريج في صومعته، فتعرَّضت له امرأة وكلَّمته فأبى، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها فولدت غلامًا، فقيل لها: ممَّن (٤)؟ فقالت: مِنْ جريج، فأتوه فهدموا (٥) صومعته، وأنزلوه وسَبُّوه، فتوضأ وصلَّى، وأتى الغلام فقال: من أبوك

стр. 1864

يا غلام؟ قال: الرَّاعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلَّا من طين" (١). قال الإمام الحافظ (٢): فجمع الله بين إجابة دعاء الأم وبين براءة (٣) الابن، ولا خلاف في ديننا أن الأبوين إذا دَعَيَا الرجل وهو في الصلاة أنه لا يُجِيبُهما، ولكنه يُخَفِّفُ. واختلف العلماء إذا دعا النبيُّ أحدًا في الصلاة، بعد اتفاقهم على وجوب إجابته؛ هل تبطل الصلاة ويستأنفها؟ أم يُجِيبُ وتبقى الصلاة محفوظة؟ وقد بيَّنَّاه في "مسائل الخلاف" (٤). وصحَّ (٥) أن النبي قال: "من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمَّه فيسبُّ أمَّه" (٦). وأخبرني الطُّرْطُوشِي: "أن البرامكة - على إلحادهم - لما سُجِنُوا احتاج الأب إلى غُسْل، فأخذ الابنُ الإناءَ وحَبَسَهُ على السِّرَاجِ اللَّيْلَ كلَّه حتى دَفِئَ، واغتسل به أبوه" (٧).

стр. 1865

ومن أَرْشَقِ عبارة في الباب قَوْلُ بعض المشايخ: "إنَّ البَرَّ هو الذي لا يُضْمِرُ (١) الشرَّ، ولا يُؤْذِي الدَّرَّ". وأخبرني بدمشق الشريف الزَّاهد أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس بن الحُسَين، المعروف (٢) بابن (٣) أبي الجِنِّ (٤)، قال: أخبرني أبو نصر أحمد بن الحَسن بن الحُسَين الشِّيرَازِي داخل الكعبة - وكان حافظًا -: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن [رِيذَةَ (٥)] الضَّبِّي الأصفهاني بأصفهان قراءةً: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ الطبراني: حدَّثنا محمد بن خالد بن يزيد البَرْذَعِي بمصر: حدَّثني أبو سلمة

стр. 1866

عُبَيد بن خَلَصَة بمعرَّة النعمان: حدَّثنا عبد الله بن نافع المدني (١) عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى النبي (٢) فقال: يا رسول الله، إن أبي أَخَذَ مالي، فقال النبي للرجل: ائتني بأبيك، فنزل جبريل على النبي فقال: إن الله يقرئك السَّلام، ويقول لك: إذا جاءك الشيخُ فاسأله (٣) عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه، فلمَّا جاء الشيخ قال له النبي: ما بَالُ ابنك يشكوك؟ أتريد أن تأخذ ماله؟ فقال: سَلْهُ يا رسول الله، هل أُنفقه إلَّا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على نفسي؟ قال (٤) النبي: إِيهٍ، دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قُلْتَه في نفسك ما سَمِعَتْه أُذُنَاك، فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يَزِيدُنا بك يقينًا، لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سَمِعَتْه أُذُنَايَ، فقال: قُلْ وأنا أسمع، قال: قلت (٥): غَذَوْتُكَ مولودًا ومُنْتُكَ يافعًا … تُعَلُّ بما أجني عليك وتُنْهَلُ إذَا ليلةٌ صَافَتْكَ (٦) بالسقْمِ لم أَبِتْ … لسقْمِكَ إلَّا ساهرًا أَتَمَلْمَلُ كأنِّي أنا المطروقُ دونك بالذي … طُرِقْتَ به دوني فعَيْنَايَ تَهْمُلُ تخافُ الردى نفسي عليك وإنَّها (٧) … لتعلم (٨) أن الموت حَتْمٌ مُؤَجَّلُ

стр. 1867

فلمَّا بلغتَ السِنَّ والغاية التي … إليها رجائي فيك كنت أُؤَمِّلُ جعلتَ جزائي غِلْظَةً وفَظَاظَةً (١) … كأنك أنت المنعمُ المُتَفَضِّلُ فليتك إذْ لم تَرْعَ حقَّ أُبُوَّتي … فعلتَ كما الجارُ المجاور يَفْعَلُ (٢) قال: فحينئذ أخذ النبي بتَلَابِيبِ ابنه، وقال: أنت ومَالُكَ لأبيك. قال سليمان: "لا يُرْوَى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر بهذا التمام والشعر إلَّا بهذا الإسناد، وتفرَّد به عُبَيد بن خَلَصَة (٣) " (٤). [ذِكرُ بِرِّ أَهْلِ وُدِّ الوالدين]: ومن بِرِّ الوالدين صِلَةُ أهل وُدِّهِمَا؛ لِمَا صحَّ عن النبي أنه قال: "إن مِن أبَرِّ البِرِّ أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه" (٥)، ورُوي عن عبد الله بن عمر أنه قال ﷺ : "رضى الرب في رضى الوالد، وسَخَطُ الرب في سخط الوالد" (٦)، خرَّجهما الترمذي.

стр. 1868

أخبرني الشَّريف أبو الحسن الشَّامي (١): أخبرنا أبو محمد الجَوْهَرِي في كتابه (٢): حدَّثنا (٣) أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى الوزير: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البَغَوِي: حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب (٤): حدَّثنا عبد الرحمن بن الغَسِيل عن أُسَيْدٍ عن أبيه علي بن عُبَيد عن أبي أُسَيْدٍ - وَكان بَدْرِيًّا (٥) - قال: "كنتُ عند النبي جالسًا، فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي من بِرِّ والديَّ من بعد موتهما شيء أَبَرُّهما (٦)؟ قال: نعم، تُصَلِّي عليهما، والاستغفار لهما، وإِنْفَاذُ عهدهما بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رَحِمَ لك إلَّا من قِبَلِهما، فهو (٧) الذي يبقى عليك" (٨).

стр. 1869

ذِكْرُ بِرِّ المُعَلِّمِ: وكما يَلْزَمُ بِرُّ الأبوين، كذلك يَلْزَمُ بِرُّ المُعَلِّمِين على المُتَعَلِّمِين؛ بأن يُقَبِّلُوا يَدَه، ويَمْشُوا إن رَكِبَ حوله، ويُعَظِّمُوا قَدْرَه، ويُعِينُوه في شُغْلِه، ويجعلوه قِبْلَتَهم، وينظروا إليه، ويَصْمُتُوا ويُصْغُوا ويتوقَّروا، ويستأذُنه في السؤال، ولا يحفظ زلَّته، ولا يطلب (١) عثرته (٢)، ويستر (٣) عورته، وينتظر فيئته، وهم بالحقيقة آكَدُ من الأباء في المَبَرَّةِ من وجه. ومَرَّةً قَدِمَ علينا مدينة السَّلام حاجًّا سنة تسعين وأربع مائة القاضي أبو المُطَهَّرِ سعد بن عبد الله بن أبي الرَّجَاءَ، فكان فيما حدَّثنا عن أبي نُعَيْم الحافظ أنه قال: حدَّثنا (٤) أبو علي محمد بن أحمد بن الحَسن (٥): حدَّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة: حدَّثنا مِنْجَابٌ: حدَّثنا علي بن مُسْهِر عن رَزِينٍ (٦) بَيَّاعِ الرُّمَّانِ (٧) عن الشعبي قال: "أراد زيد بن ثابت أن يركب، فوضع رِجْلَه في الركاب، فأمسك له ابن عبَّاس، فقال له: تَنَحَّ يا ابن عَمِّ رسول الله، فقال: إنَّا هكذا نصنع بالعلماء والكبراء" (٨).

стр. 1870

ذِكْرُ بِرِّ الشَّيْخِ المُسِنِّ: وقد قال النبي صلَّى الله عليه: "ما أَكْرَمَ شابٌّ شيخًا لسِنِّه إلَّا قيَّض الله له عند سِنِّه من يُكْرِمُهُ" (١). قال علماؤنا: "في هذا الحديث تَنْبِيهٌ على أن من أَكْرَمَ الأشياخ طال عُمْرُهُ، ومن قصَّر في حقهم وأهانهم قُصِفَ". ذِكْرُ عائشة: وهذه عائشة الصِّدِّيقَةُ من القانتات مع الخُلْطَةِ، ولكنها ممَّن عَرَتْها المِحْنَةُ للمِنْحَةِ (٢)، وبيَّن الله بأمرها أنه لا يخلو أَحَدٌ من البلاء؛ وربَّما كان في المحبَّة (٣) والولاء للأصفياء والأولياء، بل هو من أقوى أركانه وأعظم برهانه، قال ﷺ (٤): "أَشَدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل" (٥). وقد قال بعض الناس: "سئل النبي: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة (٦)، فكان ذلك سَبَبَ مِحْنَتِها، فأَخَذَ الله قَلْبَ رسوله عنها لحظة،

стр. 1871

وأخذ قَلْبَها عنه لحظة، حتى كان يدخل عليها فيقول: كيف تِيكُمْ؟ لا يقول: أهلي، ولا عائشة (١) " (٢). وقالت هي لمَّا برَّأها الله: "بحَمْدِ الله لا بحَمْدِ أَحَدٍ" (٣)، قال الله سبحانه: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]. ووَجْهُ الخَيْرِ فيه (٤): أن الله جعل لها بكل ذِكْرٍ تُذْكَرُه (٥) دَرَجَةً في الجنة (٦) تُرْفَعُ لها، وثوابًا يُدَّخَرُ، وأنه جعل براءتها وحيًا يُتْلَى، وتبرئتها قرآنًا تكلَّم الله به، كما قالت هي ﵂: "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلَّم الله في أمري بوَحْيٍ يُتْلَى، وإنَّما كنتُ أرجو أن يرى رسول الله رُؤْيَا" (٧). قال الله سبحانه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]؛ عاتبهم على بَسْطِ ألسنتهم عليها، وتَرْكِهم الاحترام لحُرْمَةِ رسول الله ﷺ . ثم قال: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، يعني بقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: مي عِلْمِه وحُكْمِه جميعًا، وهذا في شأن عائشة قطعًا، وفي غير عائشة يقول: إنهم الكاذبون عند الله في حُكْمِه، ولا يقول: في علمه، وقد بيَّنا ذلك في الآية في "أنوار الفجر" وغيرها.

стр. 1872

ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٤]؛ أخبر أن جُرْمَهم وإن كان عظيمًا فإنه داخلٌ في عظيم حِلْمِه، وأن الله ينتقم لأوليائه ما لا ينتقم لنفسه، فهؤلاء الكفار يقولون فيه ما يستحيل وجوده ولا يحِلُّ ذِكْرُه، وهو يُعَافِيهم ويرزقهم، ولكن ما يتعلَّق به حقوق أوليائه - وخاصَّة رسول الله - فإنه عظيم عنده (١). ثم قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ الآية، بالغ في الشكاية عنهم بما فعلوه من إذاية رسول الله وعائشة، وآل أبي بكر، وجميع المؤمنين. ثم قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] وحَقُّ المؤمن ألَّا يستعظم طاعة ولا يستصغر معصية، ولكن ينظر إلى من عَصَى ومن خالف وإلى أمر من ضيَّع، فقد قال العلماء: "إن يسير (٢) الزلَّة إذا (٣) لاحظها العَبْدُ بعين الاحتقار عَظُمَتْ وأحبطت كثيرًا من الأحوال، وقد يستحقر اليسير من الطاعة فيكون (٤) فيها نجاته" (٥). ثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]، سَمَاعُ الغِيبَةِ مِثْلُ الغِيبَةِ؛ لأنه تَتْمِيمٌ لقصد القائل، وإبلاغٌ له أمله (٦).

стр. 1873

ثمَّ قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي: تنزَّهت وتَعَالَيْتَ. فإن قيل: وأيُّ تَسْبِيحٍ هاهنا للباري؟ قُلنا: فيه أعظم تسبيح وتقديس له، وذلك تنزيهُ فِرَاشِ (١) نَبِيِّه عن المعصية، وهو يتعالى ويتقدَّس عن أن يُدَنَّسَ (٢) فِرَاشُ (٣) رسوله. قال ابن عباس مُعَلِّمًا لهذه المسألة ومُبَيِّنًا لهذا التوحيد حين سمع قول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، قال: "يعني: كفَرَتَا، والله ما بغت امرأةُ نبِيٍّ قَطُّ" (٤). فيجب أن يقول القائل إذا سمع مثل هذا: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. ثم قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]. قال بعضُ المُفَسِّرِينَ: "تعلَّق بهذا قَوْمٌ في أن مَن بَسَطَ لسانه في عائشة بعد هذا لم يكن مؤمنًا بظاهر هذه الآية، ولَعَمْرِي إنَّ قائل ذلك مُرْتَكِبٌ (٥) كبيرةً، ولا يخرج عن الإيمان بذلك" (٦).

стр. 1874

قال الإمام الحافظ (١): حاشا لله، بل هو كافر؛ لأنه كذَّب الله الذي برَّأها، والكفر يكون بوجهين: أحدهما: أن يُكَذِّبَ الله. الثاني: أن يَكْذِبَ على الله، على التفصيل المعلوم في "كُتُبِ الأصول". فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] الآية؟ قُلْنَا: هذه الآية نزلت حين اجتمع نساءُ رسول الله ﷺ في الغيرة عليه، فقال لهنَّ (٢) عمر: "عسى ربُّه إن طلقكنَّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنَّ" (٣)، ولو طَلَّقَ كذلك كان يكون، ولكن سَبَقَ في عِلْم الله أنه لا يُطَلِّقُ، وأنه ليس هنالك خَيْرٌ منهن، فخرج الكلام على التقدير الممكن لا على ما أخبر به، وهي أحد التسعة المعاني التي وافق فيها عُمَرُ ربَّه، على ما بيَّنَّاه في "شرح الحديث"، وقد فَاتَتْهُ الموافقة في مسألتين بيَّناهما في "شرح الحديث (٤) ".

стр. 1875

[طهارةُ نساء رسول الله ﷺ -]: وليس في نساء النبي نَقْصٌ ولا مَغْمَزٌ ولا مَغْمَصٌ (١) في شيء، وإنَّما هنَّ مسلمات مؤمنات، قانتات تائبات، عابدات سائحات، خَيِّرَاتٌ في جملة النساء. [ذِكْرُ الحُورِ العِين]: والخَيِّرَاتُ بالمطلق من الاسم (٢) هُنَّ الحُورُ العِينُ؛ فإنَّ الخير في الأصل هو النفع الذي لا ضُرَّ فيه (٣)، والحَسَنُ الذي لا قُبْحَ معه، والمُلَائِمُ الذي لا منافر له. قال الله سبحانه: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، وقد قدَّمنا صفاتهن في "المقامات" (٤)، عند ذِكْرِ الجنة وصفاتها. وقال المُحَقِّقُونَ من المُفَسِّرِينَ: "إنَّ قوله: ﴿خَيْرَاتٌ﴾؛ إشارة إلى الأخلاق، وقوله: ﴿حِسَانٌ﴾؛ إشارة إلى الخَلْقِ (٥) " (٦). فأمَّا الخَيْرُ في الشريعة فهو عبارةٌ عن كل شيء يزيد نفعُه على ضُرِّه، وضِدُّه الشَّرُّ؛ كل شيء زاد ضُرُّه على نَفْعِه، والمسألة عظيمة المَأْخَذِ، كثيرة

стр. 1876

الخلاف، فَصْلٌ من فصول التعديل والتجوير (١) والصَّلاح والأصلح، رُكْنُ التوحيد في الأفعال، وقد جئنا فيه ببدائع في "كُتُبِ الأصول" (٢). * * *

стр. 1877

الخَيِّرُ (١): وهو الاسمُ الثالث ومائة (٢) وحَقِيقَةُ الخَيِّرِ عند أهل السُّنَّةِ: من تفضَّل بفِعْلِ الخَيْرِ (٣)، وخَيْرُ المَوْجُودِينَ من تفضَّل بخير الأفعال. والشِّرِّيرُ من تعدَّى بالشَّرِّ (٤)، وشَرُّ الموجودين من تعدَّى بشَرِّ الأفعال. وخَيْرُ الأفعال ما قَرَّبَ (٥) إلى خير الموجودين، وشَرُّ الأفعال ما قرَّب إلى شَرِّ الموجودين، وقد بيَّنَّا ذلك في "كُتُبِ الأصول". وإنَّما قلنا هذا كله لأنَّ الباري عندنا فاعلُ الخير والشر، لا فاعل غيره، ولا يقال: إنه شِرِّيرٌ، وهو خالق الظلم، ولا يقال: إنه ظالم (٦). وقالت القدرية: "إنَّ الخَيِّرَ من فَعَلَ الخَيْرَ، والشِّرِّيرَ من فَعَلَ الشَّرَّ". ولَبَسَتْ بذلك على إلحاد عظيم، ولَبِسَتْ (٧) منه بثَوْبٍ في التعطيل بَهِيم.

стр. 1878

قال أبو المظفر الإسفرايني (١): "الدَّلِيلُ على صحة ما قُلْنَا أن الدليل قد قام على أن الباري خالق الأسقام والآفات والجوائح، ولا يقال: إنه شِرِّير، والمسلمون يقتلون الكفار ويَسْتَرِقُّونَهم ولا يكونون بذلك شِرِّيرِين، لمَّا لم يكونوا مُتَعَدِّين، ولكن قد جرى في عُرف الناس أن الخَيِّرَ منهم (٢) من فَعَلَ الخَيْرَ، والشِّرِّير منهم من فَعَلَ الشَّرَّ". فإذا قلتموه فحَقِّقُوه، واعلَمُوا قَدْرَه ونَزِّلُوه على الاعتقاد الصحيح؛ لئلَّا تَضِلُّوا بموافقة المبتدعة على ما صاروا إليه من النِّحْلَةِ الفاسدة. فالخَيِّرُ منكم هو المُمْتَثِلُ لِمَا حُدَّ له، والشِّرِّيرُ هو المُتَعَدِّي لما حُدَّ له، فمن كان باطنُه خَيِّرًا في أخلافه وظاهرُه خَيِّرًا في أفعاله فهو الخَيِّرُ. وقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. رُوي في الحديث (٣) الصحيح: "كاد الخَيِّرَانِ أن (٤) يَهْلَكَا - يعني: أبا بكر وعمر -؛ رَفَعَا صوتهما عند النبي حين قَدِمَ عليهما رَكْبُ بني تَمِيم، فأشار أحدُهما بالأَقْرَع بن حَابِس أخي بني مُجاشِع، وأشار الآخَرُ برَجُلٍ آخَرَ، فقال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعُمَرَ: ما أَرَدْتَ إلَّا خِلَافِي، قال: ما أَرَدْتُ، فارتفعت أصواتُهما في ذلك؛ فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الآية، قال ابن الزبير: فما كان عُمَرُ يُسْمعُ رسولَ الله بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكر" (٥).

стр. 1879

وقال عمر بن الخطاب: "أبو بكر سَيِّدُنا وخَيِّرُنا وأَحَبُّنا إلى رسول الله" (١). وروى الترمذي عن النبي: "ما طَلَعَتِ الشمسُ على رَجُلٍ خَيْرٍ من عُمر" (٢). وقال ﷺ (٣): "خَيْرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإبل نساءُ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ على وَلَدٍ في صِغَرِه، وأَرْعَاهُ على زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِه" (٤). وقال ﷺ (٥): "خَيْرُ الناس قَرْنِي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عِمْران بن حُصَين (٦): ولا أعلمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أو لا" (٧)، وذَكَرَ الحديث. وقال: "خَيْرُ الناس رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فَرَسِه في سبيل الله، كلَّما سمع هَيْعَةً طار إليها" (٨). وقال: "يُوشِكُ أن يأتي على الناس زَمَانٌ يكونُ خير مال المسلم فيها غنم يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْرِ؛ يَفِرُّ بدينه من الفتن" (٩).

стр. 1880

وفي النسائي وغيره: أن النبي قال لفاطمة بنت قيس: "أمَّا معاوية فغُلَامٌ من غلمان قريش، لا شيء له، وأمَّا الرجل الآخَرُ فإنه صاحب شَرٍّ لا خَيْرَ فيه" (١)، وإنَّما أراد: صَاحِبَ شَرٍّ لأهله لا خير فيه لهم، وهو أبو جَهْمٍ، بدليل قوله في حديث آخَرَ: "وأمَّا أبو جَهْمٍ فلا يَضَعُ عصاه عن عاتقه" (٢). وفي النسائي أيضًا: عن النبي أنه قال: "إنَّ الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (٣). قال الإمَامُ (٤): لِمَا في صلاحها من الخصال؛ إذ فوائدُ النِّكاح معلومة، وقد قدَّمنا جُمْلَتَها (٥)، وصلاحُ المرأة يجمعها، وبصلاحها لا تكون من أعدائه؛ فيجتمعُ له بذلك قَضَاءُ الشَّهْوَةِ وحُصُولُ الدِّينِ. وقال: "خَيْرُكم خَيْرُكم لأهله" (٦). وقال: "خَيْرُ دُورِ الأنصار دُورُ بني النَّجَّار، ثم دُورُ بني عبد الأشهل، ثم بني الحارث بن ساعدة، وفي كل دور الأنصار خَيْرٌ" (٧).

стр. 1881

وقال في مكة: "إنَّكِ لخَيْرُ بلاد الله، وأحبُّ بلاد الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منك ما خرجتُ" (١). وقال ﷺ : "والذي نفس مُحَمَّدٍ بيده لغِفَارُ وأَسْلَمُ ومُزَيْنَةُ ومن كان من جُهَيْنَةَ - أو قال: جهينة، ومن كان من مُزَيْنَةَ - خَيْرٌ عند الله يوم القيامة من أَسَدٍ وطَيِّءٍ وغَطَفَانَ" (٢). وقال النبي ﷺ (٣): "تَكُونُ فِتْنَةٌ القاعدُ فيها خَيْرٌ من القائم، والقائم خَيْرٌ من الماشي، والماشي خَيْرٌ من السَّاعي" (٤)، وذَكَرَ الحديث. وذكر الخوارج فقال: "يخرجون على خَيْرِ فِرْقَةٍ"، ورُوِي (٥): "على حين فُرْقَةٍ من الناس" (٦). ومن الحديث الصحيح المليح الثابت: قال أبو هريرة (٧): "إنَّ رسول الله وقف على ناس جُلُوسٍ فقال: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بخَيْرِكُمْ من شَرِّكُمْ؟ قال:

стр. 1882

فسَكَتُوا، فقال ذلك ثلاث مرَّات، فقال رجل: بلى يا رسول الله؛ أخبرنا بخَيْرِنا من شَرِّنَا، قال: خَيْرُكُمْ من يُرْجَى خَيْرُه ويُؤْمَنُ شرُّه، وشَرُّكُمْ من لا يُرْجَى خَيْرُه ولا يُؤْمَنُ شَرُّه" (١). ومن حديث عمر بن الخطاب: "ألا أخبركم بخِيَارِ أمرائكم وشرارهم؟ خِيَارُهم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرَارُ أمرائكم الذين تُبغضونهم ويُبْغِضُونَكُمْ، وتلعنونهم ويلعنونكم" (٢). ورَوى عليُّ بن أبي طالب (٣): "إنَّا لجلوس مع رسول الله في المسجد؛ إذ طَلَعَ مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ، ما عليه إلَّا بُرْدَةٌ له مَرْقُوعَةٌ بفَرْوٍ، فلمَّا رآه رسول الله بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم، ثم قال رسول الله: كيف بكم إذا غَدَا أحدُكم في حُلَّةٍ وراح في حُلَّةٍ، ووُضِعَتْ بين يديه صَحْفَةٌ ورُفِعَتْ أُخرى، وسَتَرْتُمْ بيوتكم كما تُسْتَرُ الكعبة، قالوا: يا رسول الله، نحن يومئذ خَيْرٌ منَّا اليوم؛ نتفرَّغ للعبادة، ونُكْفَى المَؤُونَة، فقال رسول الله ﷺ : أنتم اليوم خَيْرٌ منكم يومئذ" (٤)، حديث حَسَنٌ. ورَوَتْ أمُّ مَالِكٍ البَهْزِيَّةُ قالت (٥): "ذَكَرَ رسولُ الله فِتْنَةً فقرَّبها، قالت:

стр. 1883

قلتُ: يا رسول الله، من خَيْرُ الناس فيها؟ قال: رَجُلٌ في ماشيته يؤدي حقَّها ويعبدُ ربَّه، ورَجُلٌ آخِذٌ بعِنان فَرَسِه يُخِيفُ العدوَّ ويُخيفونه" (١). [تفسيرُ الخير الذي ورد في النصوص المتقدمة]: فأمَّا قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ ففي البخاري عن أبي حازم عن أبي هريرة في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قال: "خير الناس للناس؛ يأتون بهم في السَّلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام" (٢). وهذه إشارة إلى ما مَنَّ الله به من إحلال الغنائم لنا، فيأتي بالأَسْرَى في رِقِّ ورِفْقٍ، حتى يحملهم ذلك على الإيمان، وكم من مُسْلِم حَنِيِفِيٍّ عَالَمٌ لا يُحْصَى لهم عَدَدٌ كان في الدين بهذه الحالة، ومَن كان قَبْلَنا إنَّما كان القَتْلُ مَحْضًا. وأمَّا قوله: "كاد الخَيِّرَانِ أن (٣) يهلكا (٤) "؛ يعني: أبا بكر وعمر؛ فإن الهلاك لا يليق بهما ولا يُنسب إليهما، وإنَّما عنى القائل لذلك - ابنُ أبي مُلَيكة - نزولهما عن مرتبتهما التي أنزلهما فيه رسول الله ويسَّرها الله لهما؛ من قوة الإيمان، ولزوم الاستقامة، والمحافظة على الحدود، والعمل بعَلِيِّ

стр. 1884

الأعمال في كل الأحوال، ولا يناسب ذلك الاختلاف عند النبي؛ فإنه لا ينبغي عند النبي التنازع، إذ (١) التنازع إنما يكون عند الجهل، ولا جَهْلَ بحضرته؛ فإنه يَنْبُوعُ العلم. ورَفَعَا أصواتهما بمجلسه فكان ذلك (٢) مخالفًا للتوقير، وسكت على ذلك النبي لعِلْمِه بحُسْنِ نِيَّتِهما وسلامة طَوِيَّتِهما، وأنَّهما أرادَا الخير، ولكن فَاتَهما في قَصْدِ الخير إتيانُ التنازع ورَفع الصوت نسيانًا، فحذَّرهما الله عن الوقوع في مثل ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، ونَبَّهَهُما على ما كَانَا غافلين عنه غير مُتَعَمِّدَيْنِ له، فحَقَّقَ عُمَرُ التوبة ولَزِمَ الإنابة، فكان لا يُكَلِّمُه بعد ذلك إلَّا كأخِي السِّرَارِ. وفي هذه الآية فوائدُ منها: أنه شرَّفهم بالإيمان في ابتداء المخاطبة، ثم أعلمهم بعد ذلك ما ألزمهم؛ وذلك ألَّا يتقدَّموا بين يَدَي رسول الله بأَمْرٍ، وأن يَقِفُوا حيث وَقَفَ بهم النهي والأمر، وأن يرفعوا (٣) إليه ما هو إليه، ولا يبتدئون من ذات أنفسهم شيئًا، ولا يُنْشِؤون (٤) معنًى، ولا يسوقون لفظًا، فيكون على رَسْمِ الاقتداء والاتباع، لا في سبيل الابتداء والابتداع (٥).

стр. 1885

ثُمَّ أكَّد عليهم الخطاب في لزوم الآداب؛ بألَّا يرفعوا (١) فوق صوته صوتًا، ولا يرقبون (٢) له وقتًا، ولا يقصدون غير سَمْتِه سَمْتًا، ولا يحملهم بَسْطُه لأخلاقه معهم ومؤانسته (٣) لهم على أن يُسَاوُوهُ في الخطاب، ولا يُعلنوا بحضرته في الكلام (٤). [فضائلُ أبي بكر الصديق ﵁ -]: وأمَّا قَوْلُ عمر: "أبو بكر سيدنا وخَيْرُنا" (٥)؛ فصِدْقٌ. أمَّا "السَّيِّدُ" فقد تقدَّم بيانُه. وأمَّا خَيْرُه فلم يكن (٦) أنفع للدين منه، ربَّى الإسلام - أوَّلًا - بتصديقه دون غيره (٧). الثاني: بعَضْدِه للنبي وتأنيسه له. الثالث: بخروجه عن ماله. الرابع: بدعائه للأصحاب (٨)؛ فأَسْلَمَ على يَدَيْه جملة وافرة. الخامس: بفِدائه الأسرى.

стр. 1886

السَّادس: بصحبته (١) في الغار. السَّابع: بالمسابقة في الهجرة على سائر الصحابة. الثامن: بحُسْنِ الصحبة من غير هَفْوَةٍ. التاسع: بسَعَةِ (٢) العلم والمعرفة. العاشر: بحُسْنِ الخلافة بعد النبي. الحادي عشر: بأن كل من قُدِّمَ خليفة أو نُصِّبَ عاملًا في مَائِهِ جرى الدِّينُ، وعلى منواله حَاكَ جميعُ المسلمين. الثاني عشر: استخلافُه عمر. الثالث عشر: جَمْعُ القرآن. الرابع عشر: صَرَامَتُه في الرِّدَّة؛ حتى شدَّ من الإسلام العُقْدَةَ، ولهذا لمَّا وُزِنَ بجميع الأمة رَجَحَهم. وأمَّا قوله: "وأَحَبُّنَا إلى رسول الله"؛ فلم يُحِبَّ رسولُ الله من الرجال محبته لأبي بكر، ولا من النساء محبته لعائشة، قال عَمرو بن العاصي: "من أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها" (٣)، وقال النبي فيه لعمر: "هل أنتم تاركون (٤) لي صاحبي (٥)؟ " (٦)، وقال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنْ أُخُوَّةُ الإسلام" (٧).

стр. 1887

وأمَّا حديث الترمذي في قوله: "ما طلعت الشمس على رجل خير من عُمر" (١)؛ فإنه يعني: بعد أبي بكر؛ لأنه من حسنات أبي بكر. وأمَّا خيريته صلى الله عليه (٢) لنساء قريش فقد بيَّنها بقوله: "أحناه على وَلَدٍ" (٣)، إلى آخِرِ الحديث. وأمَّا قوله: "خَيْرُ القرون قرْني" (٤)؛ فإنه لكذلك، فإنه ليس من فضيلة ولا خصلة إلَّا وهم إليها أسبق، وبها أحق، وهي فرقة لا تُدانى ولا تُلْحَقُ، وأمَّا من ظنَّ أن ذلك بسبقهم في الزمان فقد أخطأ؛ فإنما سبقوا في الفضائل حين سبقوا، أو لا ترى أن زمانهم آخر الأزمنة وهم خير أمة؟ فليس للزمان في ذلك حَظٌّ، والذي جاء بعدهم أَحَطُّ منهم، لما فاتهم من مرتبتهم، وكذلك الدِّينُ يضعف حتى يذهب، ويَحُولُ حتى يزول. وأمَّا قوله ﷺ : "خَيْرُ الناس رَجُلٌ مُمْسِكٌ بعِنَانِ فرسه في سبيل الله" (٥)؛ فظنَّ بعضهم أن ذلك عند فساد الزمان، وليس ذلك إلَّا في كل حال، فإنه لا يَعْدِلُ عَمَلٌ الجهادَ في سبيل الله. فإن قيل: إلَّا ذِكر الله؛ قلنا: لا يمنع الجهادُ من ذِكْرِ الله؛ فرَجُلٌ يذكر الله في الجهاد خَيْرٌ من رجل يذكره في غير الجهاد.

стр. 1888

وأمَّا قوله ﷺ (١): "خَيْرُ مال المسلم غَنَمٌ (٢) " (٣)؛ فإنَّ المال خير في الجملة، لما فيه من المنفعة الدنيوية في إقامة النفس، والدينية في تَوْفِيَةِ الحقوق، ويختلف ذلك بالأزمان والأحوال والأعيان، فقد يأتي زَمَانٌ تكون فيه العزلة خيرًا من الصحبة، ويكون خير مال المسلم أحله أكلًا، وأقله شُغْلًا، وأخفه مَؤُونَةً؛ غُنَيْمَةٌ في شَعَفِ جَبَلٍ، أو على عُيَيْنَةِ مَاءً يكون معها، ويَعْبُدُ الله فيها ومنها. وأمَّا قوله ﷺ : "خَيْرُكم خَيْرُكم لأهله" (٤)؛ فإنَّ النفع إن كان محمودًا ففي الأهل أولى، وفي القرابة أحرى، حتى إن الصدقة على الأهل أفضل من الصدقة على الأجانب؛ كانت فرضًا أو تطوعًا، إلَّا أن يكون مِن أهلك مَن تلزمك نفقته، فلا تَحِلُّ له صدقتك لما تدفع به عن نفسك ما (٥) لَزِمَك له، وإذا لم تلزمك نفقتُه فادفعها إليه. فإن قيل: يخاف المحمدة؛ قلنا: لا بد من (٦) أن يُحْمَدَ الرجل على ما فَعَلَ من الخير، ويجوز له أن يُحِبَّ الحَمْدَ على ما فَعَلَ من الخير، وإنَّما المذموم أن يُحِبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يَفْعَلْ.

стр. 1889

وإذا خرج الرجل بصدقته إلى ذَوِي رَحِمِه فقد فَعَلَ خَصْلَتَيْنِ عظيمتين؛ أدَّى الذي عليه، ووَصَلَ رَحِمَه، وقد بيَّنَّا ذلك في كتاب "الأحكام" (١)، وذَكَرْنَا فيه نَصَّ النبي ﵇ (٢). وقد تَأَيَّمَتْ أمُّ سَلَمَةَ من أبي سلمة، فقال لها النبي: "قُولي: اللَّهم اجُرني في مصيبتي، وأَبْدِلْنِي خيرًا منها، فقلتُ: ومَن خَيْرٌ من أبي سلمة؟ أوَّل بيت هاجر إلى رسول الله، ثم إني قُلْتُها فأَخْلَفَ الله لي رسولَ الله ﷺ (٣) " (٤). [المفاضلةُ بين دُورِ الأنصار]: وأمَّا مفاضلة النبي بين الدُّورِ من الأنصار فبأسباب بَيِّنَةَ وخَفِيَّةٍ، فيها تطويلٌ كثير، بيانُها في "أنوار الفجر"، والجملة التي تدلكم على هذا بأن تجمعوا مَشْيَخَةَ الأنصار وتَرُدُّوهُمْ إلى آبائهم، ثم تنظروا في خصالهم، فتجدون خِصَالَ من قدَّم النبيُّ أكثر وأكبر من خصال من أخَّر؛ ممَّن سبق إلى الإيمان وكان له أثَرٌ حميد في عَضْدِ النبي والمواساة، وإنَّما ينفع السبق في الزمان مع السبق في الخصال، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ في الصحابة:

стр. 1890

"لو أنفق أحدُكم مثل أُحُدٍ ذَهَبًا كلَّ يَوْمِ ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه" (١)، ومن شَرَفِ بني النجَّار الذي تقدَّم كَوْنُهم (٢) آباءَ النبي ورَهْطَه. [المفاضلةُ بين مكة والمدينة]: وأمَّا قوله في مكَّة: "إنَّك لخَيْرُ بلاد الله" (٣)؛ فقد بيَّنَّاه في "مسائل الفقه" (٤)، ورجَّحنا بين مكَّة والمدينة، والله أعلمُ بذلك. وأمَّا تفضيله بين القبائل العربية فكتفضيله بين الدُّورِ الأنصارية حرفًا بحَرْفٍ. [ليس في شيء من الفتنة خير]: وأمَّا قوله في الفتنة: "القاعدُ فيها خَيْرٌ من القائم" (٥)؛ فليس في شيء من الفتنة خَيْرٌ، ولكنه عبَّر عن الأقل إِثمًا بأنه خَيْرٌ من الأكثر إثمًا، وقِلَّةُ الإثم بالإضافة إلى كثرته خَيْرٌ كثير. [عَليٌّ وفِرْقَتُه خَيْرٌ من مُعَاوِيَةَ وفِرْقَتِه]: وأمَّا قوله في (٦): "الخوارج يخرجون على خير فِرقة"؛ فقد رُوي فيه: "على حين فُرقة" (٧)، وأنا أقول: إنهم خرجوا في وقت فُرقة، وعلى (٨) خير

стр. 1891

فِرقة (١)، فعَلِيٌّ وفِرْقَتُه خَيْرٌ من معاوية وفِرْقَتِه، وكُلٌّ مجتهد، وقد بيَّنَّا حالهم في كتاب "العواصم" وغيره. وأمَّا تفسيره صلى الله عليه (٢) لخيارنا من شرارنا فمقبول مُمْتَثَل، وصحيحٌ عليه ينبغي أن يعوَّل، وبه فليعتَمَلْ. وأمَّا حديثُ "الأُمَرَاءِ" (٣) فهو وإن لم يكن صحيح السَّنَدِ إنَّه لصحيح المعنى. وأمَّا قوله في حديث مصعب بن عمير: "أنتم اليوم خَيْرٌ منكم حينئذ" (٤)؛ فصَدَقَ صلَّى الله عليه (٥) من وجهين: أحدهما: حياته، وهي خَيْرٌ من الدنيا، وزمانُها خَيْرُ الأزمنة. الثاني: أن الدنيا إذا فُتِحَتْ والأموال إذا كَثُرَتْ انتشرت الفتن، وتغيَّرت القلوب، وتقاطعت الأرحام، وتنافس الخلق وتقاتلوا، وذهبت الأديان، وتَضَافَرَ الخَلْقُ على المعصية، وتعاونوا على الإثم والعدوان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهروهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا من الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون؛ يغترُّون (٦) بما أمدَّهم الله به من مال وبَنِينَ، وصحة

стр. 1892

ونعيم، وتَأَتِّي آمَالٍ، وصلاح أحوال، وظهور إقبال، وطمع (١) في غرور، وتَمَنٍّ على الله، ولله تعالى عاقبة الأمور (٢). وأمَّا قوله: "خيركم من يُرْجَى خيره ويُؤْمَنُ شرُّه" (٣)؛ فقد تقدَّم في قوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٤). وقال النبي (٥) ﷺ (٦): "المؤمن القوي خَيْرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن به ولا تعجز، وإن أصابك شَيْءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عَمَلَ الشيطان" (٧)، خرَّجه مسلم وحده، وهذا لفظُه. وأَصْلُ الخير الإيمانُ، ومنتهاه الولاية، وما بينهما درجات، وبمقدار ما يكون فيه من الطاعة والقُرْبَةِ (٨) يكون فيه من الخير، وفي الحديث

стр. 1893

المتقدم: "أخرجوا من النار مَن في قلبه ذَرَّةٌ من خير" (١)، وهي أقل ما يُجْزِئُ من الإيمان والتوحيد، بالإضافة إلى ما وراءه، ولا خير إلَّا بالتقوى. * * *

стр. 1894

المُتَّقِي (١): وهو الاسمُ الرَّابع ومائة (٢) والتقوى (٣) مقامٌ عظيمٌ، واسمٌ كريمٌ، وبابُ الجنة المُشْرَعُ، وإلى الله المرجعُ، وبيانُها قد سبق في هذا الكتاب وغيره، وأنَّها تَفْعِلَةٌ، مِنْ وَقَى يَقِي، إذا اتَّخذ وِقَايَةً، وهي الستر، وهاهنا نكتة بديعة بيَّنَّاها في "أنوار الفجر"؛ لُبَابُها: إنَّ الله خَلَقَ العَبْدَ على الفطرة، وسلَّط عليه الشيطان، وخَلَقَ فيه الشهوة، وأمره ونهاه، وحذَّره وبصَّره، وقدُّر عليه ما قدَّره، وجعل له العقل (٤) فخذله أو نصَره، ونبَّهه على أن يجعل بينه وبين النار حجابًا، فالشهوة تجذبه إليها، والعقل يردُّه عنها، والشيطان يُغويه، والمَلَكُ يُرْشِدُه، والربُّ يُدَبِّرُه، والقضاء ينفذُ عليه، وقضاءُ الله لا يُعَارَضُ أَمْرُه بالاحتراس والاختتال (٥) والاحتيال (٦)، والاجتناب واتخاذ الوقاية، فإنه قضى على كل أَحَدٍ بما قضى، وجعل العمل علامة على ما يستقبل وعلى ما مضى، قال

стр. 1895

النبي ﷺ لأصحابه: "فَرَغَ ربكم، قالوا: فيم العمل؟ قال: اعملوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا من كان من أهل السعادة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاوة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل الشقاء (١)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] " (٢). إذا ثَبَتَ هذا فعليه يَجْرِي الأمرُ في ذلك والنهيُ والابتلاء، ومنه يكون التحفظ والاتقاء، وإنَّما تتخذ الوقاية من جهة المخافة، والوجوهُ المَخُوفَةُ وأسبابُ المخافة لا حدَّ لها، إلَّا أن العلماء قالوا: إنَّ ذلك ينحصر فيما نبَّه عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٣ - ٤٤]، فأخبر تعالى أن الجنة لها ثمانية أبواب، وأن النار لها سبعة أبواب (٣)، فعلى العبد أن يستفتح أبواب الجنة ويُغْلِق أبواب النار. وقد تسلَّط على هذه الأبواب (٤) الخَلْقُ، واتَّسَعَ فيها الخَرْقُ، وما تكلَّم أَحَدٌ منهم عليها بحَقٍّ، وأشدهم في ذلك شَكِيمَةً وأعظمهم خطأً المُفَسِّرُونَ (٥)، وأعداهم بعد ذلك الغُلَاةُ من الصوفية.
следующие страницы →