← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فِرقة (١)، فعَلِيٌّ وفِرْقَتُه خَيْرٌ من معاوية وفِرْقَتِه، وكُلٌّ مجتهد، وقد بيَّنَّا حالهم في كتاب "العواصم" وغيره. وأمَّا تفسيره صلى الله عليه (٢) لخيارنا من شرارنا فمقبول مُمْتَثَل، وصحيحٌ عليه ينبغي أن يعوَّل، وبه فليعتَمَلْ. وأمَّا حديثُ "الأُمَرَاءِ" (٣) فهو وإن لم يكن صحيح السَّنَدِ إنَّه لصحيح المعنى. وأمَّا قوله في حديث مصعب بن عمير: "أنتم اليوم خَيْرٌ منكم حينئذ" (٤)؛ فصَدَقَ صلَّى الله عليه (٥) من وجهين: أحدهما: حياته، وهي خَيْرٌ من الدنيا، وزمانُها خَيْرُ الأزمنة. الثاني: أن الدنيا إذا فُتِحَتْ والأموال إذا كَثُرَتْ انتشرت الفتن، وتغيَّرت القلوب، وتقاطعت الأرحام، وتنافس الخلق وتقاتلوا، وذهبت الأديان، وتَضَافَرَ الخَلْقُ على المعصية، وتعاونوا على الإثم والعدوان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهروهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا من الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون؛ يغترُّون (٦) بما أمدَّهم الله به من مال وبَنِينَ، وصحة

стр. 1892

ونعيم، وتَأَتِّي آمَالٍ، وصلاح أحوال، وظهور إقبال، وطمع (١) في غرور، وتَمَنٍّ على الله، ولله تعالى عاقبة الأمور (٢). وأمَّا قوله: "خيركم من يُرْجَى خيره ويُؤْمَنُ شرُّه" (٣)؛ فقد تقدَّم في قوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٤). وقال النبي (٥) ﷺ (٦): "المؤمن القوي خَيْرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خَيْرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن به ولا تعجز، وإن أصابك شَيْءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عَمَلَ الشيطان" (٧)، خرَّجه مسلم وحده، وهذا لفظُه. وأَصْلُ الخير الإيمانُ، ومنتهاه الولاية، وما بينهما درجات، وبمقدار ما يكون فيه من الطاعة والقُرْبَةِ (٨) يكون فيه من الخير، وفي الحديث

стр. 1893

المتقدم: "أخرجوا من النار مَن في قلبه ذَرَّةٌ من خير" (١)، وهي أقل ما يُجْزِئُ من الإيمان والتوحيد، بالإضافة إلى ما وراءه، ولا خير إلَّا بالتقوى. * * *

стр. 1894

المُتَّقِي (١): وهو الاسمُ الرَّابع ومائة (٢) والتقوى (٣) مقامٌ عظيمٌ، واسمٌ كريمٌ، وبابُ الجنة المُشْرَعُ، وإلى الله المرجعُ، وبيانُها قد سبق في هذا الكتاب وغيره، وأنَّها تَفْعِلَةٌ، مِنْ وَقَى يَقِي، إذا اتَّخذ وِقَايَةً، وهي الستر، وهاهنا نكتة بديعة بيَّنَّاها في "أنوار الفجر"؛ لُبَابُها: إنَّ الله خَلَقَ العَبْدَ على الفطرة، وسلَّط عليه الشيطان، وخَلَقَ فيه الشهوة، وأمره ونهاه، وحذَّره وبصَّره، وقدُّر عليه ما قدَّره، وجعل له العقل (٤) فخذله أو نصَره، ونبَّهه على أن يجعل بينه وبين النار حجابًا، فالشهوة تجذبه إليها، والعقل يردُّه عنها، والشيطان يُغويه، والمَلَكُ يُرْشِدُه، والربُّ يُدَبِّرُه، والقضاء ينفذُ عليه، وقضاءُ الله لا يُعَارَضُ أَمْرُه بالاحتراس والاختتال (٥) والاحتيال (٦)، والاجتناب واتخاذ الوقاية، فإنه قضى على كل أَحَدٍ بما قضى، وجعل العمل علامة على ما يستقبل وعلى ما مضى، قال

стр. 1895

النبي ﷺ لأصحابه: "فَرَغَ ربكم، قالوا: فيم العمل؟ قال: اعملوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، أمَّا من كان من أهل السعادة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاوة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل الشقاء (١)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] " (٢). إذا ثَبَتَ هذا فعليه يَجْرِي الأمرُ في ذلك والنهيُ والابتلاء، ومنه يكون التحفظ والاتقاء، وإنَّما تتخذ الوقاية من جهة المخافة، والوجوهُ المَخُوفَةُ وأسبابُ المخافة لا حدَّ لها، إلَّا أن العلماء قالوا: إنَّ ذلك ينحصر فيما نبَّه عليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٣ - ٤٤]، فأخبر تعالى أن الجنة لها ثمانية أبواب، وأن النار لها سبعة أبواب (٣)، فعلى العبد أن يستفتح أبواب الجنة ويُغْلِق أبواب النار. وقد تسلَّط على هذه الأبواب (٤) الخَلْقُ، واتَّسَعَ فيها الخَرْقُ، وما تكلَّم أَحَدٌ منهم عليها بحَقٍّ، وأشدهم في ذلك شَكِيمَةً وأعظمهم خطأً المُفَسِّرُونَ (٥)، وأعداهم بعد ذلك الغُلَاةُ من الصوفية.

стр. 1896

قال المُفَسِّرُونَ عن النبي ﷺ : "لجهنم سبعة أبواب؛ بابٌ منها لمن سلَّ سيفه على أمة مُحَمَّدٍ في المعاندة، وعلى أمة مُحَمَّدٍ في أَكْلِ أموالهم، وإراقة دمائهم، وأخذ أعراضهم" (١). وقال ابن جُرَيج: " ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾، أي: طباق، أوَّلها: جَهَنَّمُ، ثم لَظَى، ثم الحُطَمة، ثم السَّعير، ثم سَقَر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، والجحيم هو الذي فيه أبو جَهْلٍ" (٢). وقال الرَّبيع بن أنس: "الهاوية هي التي لا يخرج منها أَحَدٌ دَخَلَها" (٣). وقال ابنُ جريج: "هي دَارُ آل فرعون" (٤). وقالوا (٥) عن ابن عباس: "إنَّ (٦) الجنات سبعٌ (٧)؛ [جنة] الفردوس، وجنة النعيم، وجنة المأوى، وجنة عَدْنٍ، وجنة الخُلْدِ، وجنة الحُسْنَى، ودار السَّلام" (٨).

стр. 1897

وقالت الصوفية: "إنَّ الجنة لها ثمانية أبواب، ومفتاحها (١) فاتحة الكتاب، وفيها ثمانية معاني؛ هي تَحُلُّ غَلَقَ الأبواب، ذاتٌ، صفاتٌ، أفعالٌ، الصراطُ المستقيم، التزكية، التخلية (٢)، ذِكْرُ نِعَمِ الله على الأولياء وغَضَبُه على الأعداء" (٣)، إلى آخِرِ كلامهم. قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: وهذا كُلُّه تَعَدِّي على القرآن، وعلى الشريعة، وعلى العلم، وطريقُ الحق فيه: أنه ثبت في الكتاب العزير أن لجهنم سبعة أبواب، وثبت عن النبي ﷺ أن للجنة ثمانية أبواب، ولم يصل إلينا العِلْمُ بوجه التَّعْديدِ، ولا نَقَلَهُ مُحَقِّقٌ ولا مُتَخَرِّصٌ، ولا صَحَّ تسميةُ الأبواب بإضافةٍ إلى معنَى يُعْرَفُ بها كلُّ باب منها إلَّا في أبواب الجنة خاصَّة، فإنه وَرَدَ في صحيح الحديث (٥) أن النبي ﷺ قال: "من أَنْفَقَ زوجين في سبيل الله نُودِيَ من أبواب الجنة الثمانية، أي فُلْ، هذا خير فادخل، فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الريَّان (٦) " (٧).

стр. 1898

وتكلَّم أربابُ التأويل من الفقهاء والمُحَدِّثين على تَعْيِينِ بَقِيَّتِها، فقال القائلون منهم: "وباب الحج، وباب الجهاد، وباب العدل، وباب التوبة" (١)، وقد بيَّنَّا في "قانون التأويل" (٢) و "الأنوار" وغير ذلك: أن الحَزْرَ والظن والقياس لم يُجَوَّزْ لنا إلَّا في باب الأحكام التي المطلوب منها العمل، فأمَّا ما خرج عن الأحكام فليس للقياس فيه مدخل، حتى قال علماؤنا من الأصوليين: "ولا لخَبَرِ الواحد" (٣)، ولَسْتُ أقول به، بل أَقْضِي بالخبر الواحد الصحيح في الشريعة كُلِّها؛ أَحْكَامِها، وكُلِّ ما أَخْبَرَتْ عنه من أمر الدنيا والآخرة والسماوات والأَرَضِين (٤). ولو جئنا لنتكلَّم بالظن لكان لقَائِلٍ أن يقول: إن الفاتحة سَبْعُ آيات، كل آية تُغْلِقُ بابًا من النار. وإذا انغلقت دون صاحبها أبوابُ النار لم يَبْقَ إلَّا دخول الجنة، إذ هما دَارَانِ لا ثالث لهما. وقد عدَّد أقوامٌ (٥) أبوابَ النار فقالوا: "إنها سبعة أبواب (٦)؛ باب الشِّرك، باب الإثم، باب الفساد، باب العدوان، باب الفحشاء، باب المنكر، باب البغي (٧) " (٨)، لا جَعَلَنَا الله ممَّن يدخل على باب العُدْوَانِ بالتَّعَدِّي على الحديث والقران؛ فإنه أشد أنواع العدوان.

стр. 1899

وقد قالوا: "إن أبواب النار السبعة الجوارح السبع (١)؛ السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، واللسان، والقلب" (٢). وما يُرْوَى عن ابن جُرَيْج إنَّما مبناه على أن جَعَلَ الباب عبارةً عن النوع، ولم يجعله عبارةً عن المدخل والمخرج، وكان يحتمل ما قال لو كان بنَصٍّ، ولو جاء بهذه الصيغة (٣)؛ وهي: "وإن جهنم لموعدهم أجمعين، وهي سبعة أبواب"، أي: أنواع ودَرَكَاتٍ. فأمَّا وقد قال: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾؛ فإنه محمول على الباب الذي هو المدخل والمخرج (٤)، كما تقول: لهذه الدَّارِ بَابَانِ، أو عشرة، ولم يثبت كما قدَّمنا في أبواب الجنة والنار شيءٌ إلَّا ما قدَّمناه من الحديث الصحيح في أبواب الجنة؛ بتقديرها (٥) ثمانية أبواب، وبتعيين أربعة منها. وأمَّا أبوابُ النار فلم يَرِدْ (٦) فيها حديث صحيح، إلَّا أنه أَسْنَدَ الأئمة إلى ابن عمر - منهم: الترمذي - حديثًا، قال النبي ﷺ : "لجهنم سبعة

стр. 1900

أبواب (١)، منها: باب لمن سلَّ السَّيْفَ على أمتي" (٢)، لا زيادة، وباقي ما يقال في ذلك اعتداء. [استقراءُ وتَتَبُّعُ كلمة التقوى في آيِ القرآن]: أَمَا إنَّ الطريق المستقيم معلوم، والطاعات والمعاصي معلومة، ومنزلة التقوى شريفة، وهي تتناول رُكْنَي الأمر والنهي، كما أشرنا إليه، وها نحن نُورِدُ عليكم القول فيها على سَرْدِ القول في "الأنوار" من (٣) الاستيفاء والإستيعاب (٤)، فنقولُ: قد ذَكَرَها الله نصًّا في كتابه في نَحْوٍ من مائة وتسعين موضعًا، ووقعت بالمعنى فيما لا يُحْصَى: الأوَّل: قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥). في وصف القرآن العظيم. قال علماؤنا: يعني به: بيانًا (٦)، صار وِقَايَةً عن الشك والشرك والنفاق والمحرَّمات، وتضييع المفروضات، والعصمة من العقوبات. وقال آخرون منهم: جعله الله هُدًى لمن وَقَاهُ بالنُّورِ ظُلْمَةَ الجهل، واستخلصه للقَبول، فكان كتابًا للأولياء وشفاءً (٧)، وللأعداء عمًى وبَلَاءً (٨).

стр. 1901

وقال آخرون: جَعَلَهُ الله هُدًى لخواصَّ عَصَمَهُمْ بها (١)؛ فاتقوا رؤية تقواهم (٢)، فلم يَرَوا نجاةً إلَّا بفضل مولاهم. وفي معناه أنشدُوا: وَرَدَ الكتابُ بما أَقَرَّ الأَعْيُنَا … وشفى القلوب فنِلْتُ غايات المُنى وتقسَّم الناسُ المسرَّة بينهم … قِسَمًا فكان أجلُّهم حظًّا أَنَا (٣) وكما قال شيخُنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن الأديب نزيل الثَّغْرِ (٤): وَرَدَ الكتابُ فكان أحسنَ واردٍ … عندي وأنفسَ قادمِ ألقاهُ لا شيءَ أنفسُ منه مُهْدٍ (٥) جامعًا (٦) … شَمِلَ المُنَى إِلَّا الذي أهداهُ (٧) الثاني: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٨) إلى قوله (٩): ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٠).

стр. 1902

وهو اتخاذ الوقاية بالعبادة، وقد قدَّمنا بيانها، وهي التوحيد بالقلب، وإفراد الله بالقصد، والاستسلام للحُكْمِ، والاعتراف بالتبرِّي. وقال بعضهم: "الوقاية فيه التجرد عن المحظورات، والتجلد في أداء الطاعات، ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة، والتجافي عن منازل الكسل والاستهانة، وهذا على طريق التقريب لهم بمَنِّه، فيما اعتقده العبدُ بعيدًا بظَنِّه" (١). الثالث: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ (٢). المعنى: إن لم تقدروا على المعارضة للمعجزة فاتخذوا (٣) عن العذاب وِقَايَةً بالإقرار بمُحَمَّدٍ (٤) ﷺ ؛ فإنَّ ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ المكذبون به ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾، وإذا كانت تلك النار لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها فكيف يُطِيقُها (٥) الناس مع ضعفهم (٦)؛ على معنى التأكيد في الوعيد. فلمَّا أشفقت نفوس الأولياء وأشرقت قلوب المؤمنين على الهَلَكَةِ من الخوف قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٧).

стр. 1903

وقد (١) قال بعضهم: "هي حِجَارَةٌ من كِبْرِيتٍ" (٢). وهي دَعْوَى لا برهان لها (٣). الرابع: قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤). يعني: في كتمان أمر مُحَمَّدٍ ﷺ ، وفي أخذ الرشوة على التلبيس في تبديل صفاته المنصوص عليها في التوراة، بعد أن قال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، في نقض الميثاق والخَيْسِ (٥) بالعهد، أي: أَفْرِدُونِي بالخشية لانفرادي بالقدرة، وكَثيرٌ من (٦) يتَّقي العقوبة، وعَزِيزٌ من يَتَّقِي منه الاطلاع والرؤية. الخامس: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٧). أي: صدَّقوا بطهارة سليمان من المعاصي وعَمَلِ السِّحْرِ، واتقوا مع الافتراء على سليمان العمل بالفِرْيَةِ؛ لكانت المثوبة لهم دون العقوبة، فكانوا يؤثرون الإقبال على الله وطاعته (٨) وتنزيه رُسُلِه على اشتغالهم

стр. 1904

بحُظُوظٍ ضعيفة من الدنيا، ولكن نَكَسَتهم سَطَاوَةُ (١) القهر؛ فأسكنتهم في مواطن الهجر (٢)، وسبق عليهم القلم (٣) بالكفر (٤). السَّادس: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٥). كَرَّرَه في موضعين متقاربين في تحذير قَوْمٍ مخصوصين، نبَّههم لإقامة الحُجَّةِ عليهم باتخاذ الوقاية من أهوال ذلك اليوم، وقد بيَّنَّا فيما سبق "مقاماته" (٦)، ونبَّهنا على وِقَايَاتِها في "الأسماء"، فإن أردت أن تُعِيدَها هاهنا على رَسْمِ إملاء "الأنوار" فافْعَلْ. وقد بيَّن الله تعالى أن الأعداء لا يُقْبَلُ منهم شيء، فأمَّا الأولياء فقد قيل لهم: "اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة" (٧)، وقد دخل فيها (٨).

стр. 1905

السَّابعُ والثامنُ (١): قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، إلى أن قال في آخِرِ الخصال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢)؛ فذكر (٣) الخصال التسعة التي نبَّهنا على كل (٤) خصلة منها في "الأسماء (٥) "، وهي أُصُولٌ لغيرها، ورُتِّبَ اسمُ "التقوى" عليها. وأوَّلها: ألَّا يقصدْ بتَوَجُّهِه مشرقًا ولا مغربًا ولا جنوبًا ولا شمالًا إلَّا الله (٦)، وإنَّما البِرُّ أن يتوجهوا إلى الذات الكريمة وإلى الله العظيم والجهات المعيَّنات (٧) لأهل الأقطار في العبادات، والصَّرْفُ إلى بُقْعَةٍ مخصوصة من المحلَّات ليس إلَّا لقَمْعِ النفس عن الاسترسال في التصرفات؛ حتى ترتاض بالكَسْرِ عن الشهوات. وما ذُكِرَ في هذه الآية من فنون الإحسان، وفضائل الإيمان، وتصفية الأعمال، وصلة الأرحام، والتمسك بالذِّمَم، والوفاء بالعهود، ومراعاة الحدود؛ أَمْرٌ عظيم الخطر، محمود (٨) في الشرع، والمقصودُ

стр. 1906

بذلك كله (١) تطهيرُ القلب، وتخليص العمل، والمواظبة على الخِدْمَةِ، والاعتراف بالتقصير (٢). التاسع: قوله تعالى: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). شَرَعَ الله القصاص ونَدَبَ إلى العَفْوِ، فالذي يَسْتَوْفِي حقَّه عابدٌ، والذي يعفو حُرٌّ مُحْسِنٌ (٤)، والدماءُ المطلولة في إعلاء كلمة الله والنُّفُوسُ الزاهقة في طاعة الله هي التي يُقال فيها - شِعْرٌ -: وإنَّ فؤادًا رُعْتَه لَكَ حَامِدٌ … وإنَّ دمًا أجربتَه بك فاخرُ (٥) والحياةُ في استيفاء القصاص بَيِّنَةٌ على ما أوردناه في "قِسْمِ الأحكام" (٦)، وحَظُّ هذا "القسم الرابع" من ذلك: أن ترك القصاص أَعْظَمُ الحياة؛ لأنه إذا تَلِفَ فيه فهو الخَلَفُ عنه، وحياته عنه أتمُ له من بقائه بنفسه، وإذا كان الوارث عنهم هو الله فالخَلَفُ عنهم هو الله، فيقال: الخَلَفُ أَعَزُّ مِن حياة مَن ورد عليه التلف (٧).

стр. 1907

فأَهْلُ الأحكام: الحياةُ عندهم قَطْعُ الذريعة لبقاء النفوس في الدنيا. وأَهْلُ الذكرى: الحياةُ عندهم طَلَبُ العِوَضِ من المولى. العاشر: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). قد بيَّنَّا في "الأحكام" (٢) حَظَّ هذه الآية منها بغاية الإتقان والإحكام. فأمَّا أَهْلُ الذكرى فتقواهم بأنهم نبذوا الدنيا، فلا مال عندهم يبقى بعدهم فتنفذ فيه وصيتهم، ولا ورثة لهم إلا في إيمانهم وعلومهم، فالعلماء ورثة الأنبياء. تصدَّق عَوْنُ بن عبد الله بجميع ماله فقيل (٣) له: "وبَنُوكَ؟ قال: أولادي؛ أمَّا من يتقي (٤) الله منهم (٥) فإن الله لا يُضَيِّعُه، وأمَّا من يعصيه فأنا بريء منه" (٦). وتصدَّق عمر بن عبد العزيز بجميع ماله فقال له فلان: "ماذا خلَّفت لأولادك؟ قال له: قدَّمت مالي لنفسي، وادَّخرت الله لأولادي، فما رُئِي عُمَرِيٌّ فقيرًا أبدًا (٧) ".

стр. 1908

ولمَّا لَقِيَ الرَّشيِدُ هارونُ بُهْلُولَ (١) المجنون، فجرى بينهما الحديث الطويل (٢) المسطور في كتاب "عُقَلاء المجانين"، فقال له: "لو اشتغلت بالعلم كان أفضل لك من التخلي للعبادة؟ قال (٣) له: وماذا فاتني منه؟ قال (٤) له هارون: فَاتَكَ أَفْضَلُه، قال له بهلول: وما هو؟ قال: الفرائض، قال له بهلول: فما (٥) يخفى عليَّ منها مسألة واحدة، قال له هارون: فما تقول في رَجُلٍ مات وترك زوجَه وبنته وأُمَّه وعَصَبَتَه؟ قال (٦) له (٧) بهلول: وهل تخفى هذه الفريضة على أَحَدٍ له قَلْبٌ! للأم الثُّكْلُ، وللبنت اليُتْم، وللزوجة خَرَابُ البيت، والباقي للعَصَبَةِ" (٨)، فهذا رَجُلٌ نَبَذَ الدنيا واستهلك نفسمه في الله تعالى. وفي معناه أنشدُوا (٩): أُحِبُّكْ ما إن دُمْتُ حيًّا (١٠) فإن أَمُتْ … يَوَدُّكَ عَظْمِي في التُّرَابِ رميمَا (١١)

стр. 1909

وأنشدوا: له قلبي وما غَصَبَهْ (١) … وجسمي لابسٌ وَصَبَهْ وللعَبرة أجفاني .... وما يبقى فَلِلْعَصَبَهْ (٢) وقيل لبعضهم: ما تقول في الموت؟ فقال: أمَّا الرسُومُ فمُخْبِرَاتٌ … أنهم رحلوا قريبَا رجعوا إلى أوطانهم فجرى … لهم دمعي صَبِيبَا (٣) فكل من وفَّى التقوى حقَّها الأَوْلَى (٤)، نَبَذَ كلَّ الدنيا ورجع بكُلِّه إلى المولى. الحادي عشر: قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥). قد تقدَّم حَظُّ بيانِ "الأحكام" (٦) منها، فأمَّا حَظُّ هذا (٧) "القِسْمِ الرَّابع" فعلى ثلاثة أحوال:

стр. 1910

الأولى (١): صَوْمُ اللسان عن الباطل، قال النبي ﷺ (٢): "من لم يَدَعْ قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه" (٣). الثانية: صَوْمُ اللسان عن اللغو؛ فإنه إذا مُنِعَ من (٤) الطعام والشراب وهو مباح فكذلك يُمْنَعُ من اللَّغْوِ (٥)، بل أولى؛ لأنه مكروه في كل حال، وبالصوم (٦) يزيد كراهية. الثالثة: صَوْمُ القلب عن الآفات، وهي في الصوم أشد؛ فانها ثانية الزُّورِ في القول. الرَّابعة: صوم القلب عن الغفلات. الخامسة: "صوم الإنسان عمَّا سوى الله، حتى لا يفطر إلَّا على رؤية الله" (٧)، وهذه من غُلُوِّ (٨) الصوفية، وتعجز عنها القوة البشرية، وغاية مفصد الصوم تضعيف القوة عن الشهوات، فلا ينبغي أن يزاد عليه. الثاني عشر: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٩). بيَّن تعالى محظورات الصوم، فوقع فيها من وقع، فرَفَقَ بهم وغيَّر

стр. 1911

العبادة لشردهم بسببهم، وسَمَحَ عمَّا مضى لهم وحذَّرهم، والقصة طويلة بيانُها في "الأحكام" (١). الثالث عشر: قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (٢). قد بيَّنَّا في "التفسير" (٣) حظَّها. وأمَّا هذا "القِسْمُ": فالمفهوم منه في الذِّكْرِ أنه ليس المراعاةُ مُخْتَصَّةً بالظواهر، بل المقصود منها مراعاة صفاء السرائر (٤)، وظاهر الأمر ليس البِرُّ فيما ترونه بعقولكم، إنَّما البِرُّ ما يُشرع لكم في حدودكم، فاتقوا ذلك وذَرُوا ما ترونه (٥) بآرائكم، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما سوى ذلك، وهو الرابع عشر. الخامس عشر: قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٦). أي: في الزيادة في جانب الانتقام، والرِّبَا (٧) في استيفاء الحقوق، ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أنكم إذا اتَّقيتم ذلك فإن الله معكم بالنُّصْرَةِ (٨)، لقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وناهيك بهذا شَرَفًا، وهو السَّادس عشر.

стр. 1912

السَّابع عشر: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). ذَكَرَ تعالى من المناسك جُمْلَةً، ورتَّب فيها أحكامًا، وأمرهم أن يتقوا فيها التبديل والزيادة والنقصان بالتغيير، كما كانوا فَعَلُوا بمِلَّةِ إبراهيم، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فإنَّ عقابه شديد، وأَشَدُّ ما يكون عقابُه لمن اكتسب المناسك بجوارحه وقَلْبُه عنها لَاهٍ، حسب ما بيَّنَّاه في اسم "الحَاجِّ" (٢). الثامن عشر: قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣). وقد تقدَّم بيانه في اسم "الحَاجِّ". ثم أكَّد ذلك بالموضع التاسع عشر، فقال: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال أهل الذِّكْرَى: معناه: أن يأتيني أَحَدٌ ببَدَنِه دون قَلْبِه. المُوَفِّي عشرين: قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٤) قيل: لا إثم عليه في هذا الذي أَذِنَّا له فيه؛ إن اتَّقى ما لم نَأْذَنْ له فيه.

стр. 1913

وقيل: إن اتَّقى الذنوب في الحج فيكون مبرورًا (١). وقيل: لمن اتقى فيما يستقبل (٢)، فإنه يلقى الله ولا إثم عليه؛ لأن ما سبق يخبر (٣) أنه لا إثم عليه فيه (٤)، فإن اتقى فيما يستقبل لَقِىَ الله مُجَرَّدًا عن الآثام. الحادي والعشرون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٥) قيل: إنه تأكيد. وقيل: إنه لما يستقبَل، والأوَّل لما مضى. الثاني والعشرون: قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (٦) تقدَّمت في "الأحكام" (٧)، وهذه الآية إخبارٌ من الله للمُتَكَبِّرِ بجهله، الشَّامِخ بأنفه، المُتَرَفِّع من غير سَبَبٍ على جنسه، يقول: مِثْلِي يُذَكَّر، مِثْلِي (٨) يؤمَر، أنا من ذلك أكبر (٩)، فهو يعتز (١٠) بما لا يحل، وعِزَّةُ العبد إنَّما هي بالتواضع، على ما بيَّنَّاه في اسمه (١١).

стр. 1914

الثالث والعشرون: قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) أخبر (٢) سبحانه عن حال الكفار الأشرار، وسخريتهم من الأبرار (٣)؛ بما أتاهم الله من متاع الدنيا، فيقولون: لو كان مُحَمَّدٌ نبيًّا لاتَّبعه أشرافنا، وإنَّما اتبعه أهل الفقر والمسكنة (٤)، وهذا كما قال مَن قَبْلَهم لأوَّل الرُّسُلِ نُوحٍ: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧]، وزادوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، يعني: بغير تأمل (٥) ولا فكرة، ولا نَظَرٍ في عاقبة، وخَفِيَ عليهم ما أدركه هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّوم حين سَأَلَ عن النبي، فقال: "أَشْرَافُ الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال له (٦) أبو سفيان: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل" (٧)، والسِّرُّ في ذلك أنَّهم جهلوا كلهم طريق الاختيار، وخَفِيَتْ عليهم سُبُلُ الاختصاص، ولم يُدِرِكُوا وَجْهَ التفضيل بين الأشخاص. والتمييزُ (٨) بالمعاني لا (٩) بالمباني (١٠)، قال النبي ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (١١).

стр. 1915

ودَارَ الخَلْقُ على هذا المعنى وطفقوا يمشون حَوَاليه، فما انتهوا إليه، قالت الحكماء: "المرء بأصغريه"، يعني: قلمه ولسانه. وقال الآخر (١): ترى الرجلَ النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أَسَدٌ هَصُورُ (٢) وقال (٣): فإن أَكُ في شراركم قليلًا … فإني في خياركم كثيرُ (٤) فلمَّا جهلوا الأحوال وغفلوا عن المآل نُبِّهُوا عليه. وقيل: إن كانوا (٥) يسخرون من الذين آمنوا فهم الذين اتقوا؛ يكونون فوقهم يوم القيامة، يعني: في دار الرِّفْعَةِ، وفي مَحَلِّ المنازل، فأمَّا الدنيا فهي مقلوبة، قد يرتفع فيها الكافر والوضيع والجاهل، ويكون المؤمن والرفيع والعالم تحت الخمول، وهو عند الله بالمَحَلِّ الجليل فلا يلتفت إلى الدنيا (٦)، فبيْن يديه (٧) المُلْكُ والمنزلة العليا، "رُبَّ أغبر ذي طِمْرَيْنِ (٨) لا يُؤْبَه له، لو أَقْسَمَ على الله لأبرَّه" (٩).

стр. 1916

الرابع والعشرون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ (١). قال سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وقد بيَّنَّاه في "الأحكام" (٢). وقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ فيه ثلاثةُ أقوال: الأوَّل: إنَّا قد أبحنا لكم اللذات، وهي فناء كلها ليس لها بقاء، ولا تُحْتَسَبُ (٣) في دار المقاء، فقَدِّمُوا لأنفسكم الباقيات الصالحات التي تجدونها في مَحَلِّ القرار (٤). الثاني: وقَدِّمُوا لأنفسكم في طَلَبِ الولد (٥). وهو (٦) من الأعمال الصالحة، يعني: أن الجاهل يطأ لَذَّةً، والعالم يطأ عِفَّةً وعصمة وطلبًا للولد، فيرجع فِعْلُه المباح بالنية عبادةً، وإذا طلب الوَلَدَ فهو من أَجَلِّ الأعمال الصالحة؛ لأنه يبقى بعده له (٧) عمله. الثالث: وقَدِّمُوا لأنفسكم (٨) ذِكْرَ الله عند الجماع (٩).

стр. 1917

وهو من الأعمال الصالحة التي تقدَّم، وقد سبق بيانُه في "المقامات" (١). ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ قال بعضُ (٢) الناس: في أداء الفرائض واجتناب الكبائر. وهو عندي على العموم؛ حتى في الشبهات ومَظَانِّ الاحتمالات. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾؛ المعنى: تيقَّنوا وتحقَّقوا أن بين أيديكم (٣) يومًا تلقون فيه ربكم، فحَذَارِ من الأفلاس فيه، ولْيَكُنْ لقاؤك له بصفة الغِنَى، وذلك لا يكون إلَّا بتقدمة الأعمال، فهو لما عَلِمَ من ضعفكم وأُنْسِكم بجنسكم قال لكم: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، فإذا ركنتم إلى الأجناس وعَافَسْتُم الأهل والناس فارجعوا إلى الحقائق، ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قبل (٤) يوم الفرائق (٥) في الخلائق؛ فَرِيقٌ في الجنة، وفَرِيقٌ في السعير. الخامس والعشرون: قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ (٦) نهى الله عباده أن يستعملوا اسم الله بصفة الابتذال في كل عارض من

стр. 1918

الأحوال والأقوال، كذلك قال مالك؛ قال: "هو أن يحلف على كل شيء" (١). وليس ينبغي لكل (٢) أحد أن يجعل اسم الله إلَّا حيث يجب له من التعظيم والاقتران بصفة التكريم (٣)، والمَرْءُ يجب أنْ يكون خبرُه حقًّا، وقوله صِدْقًا، ونِيَّتُه جَزْمًا، حتى لا يحتاج في تأكيدها ليَمِينٍ، فإذا أكَّد الخبر باليمين فلا ينبغي أن يكون ذلك إلَّا في المُهِمَّاتِ (٤)، فأمَّا أن يتخذه المرءُ شَرَكَة يصيد بها حطام الدنيا أو حِيلَةً يستفيد بها فائدة فلا يفعل ذلك؛ فإنه مناقض للتعظيم، وابتذالٌ لاسم الله العظيم (٥). وقد نهى الله عباده في هذه الآية عن أن يحلفوا على البِرِّ والتقوى والإصلاح بين الناس، وهي قُرَبٌ وعبادات، فكيف يُحْلَفُ على مباحات؟ وأَعْصَى المعاصي أن يحلف على محرَّمات. السَّادس والعشرون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٦) فأَمَرَ الله تعالى بالتقوى فيما شَرَعَ من حقوق الآدميين في الرضاع؛ من حق الوالدة (٧)، وحق المولود، وحال الوالد، ومقدار المدة، وإِخْبَارٌ عن

стр. 1919

رحمته التي هي أَتَمُّ من رحمة الأمهات (١)؛ إِذْ لم يَكِلِ (٢) المولود إلى الأبوين حتى حَدَّ حدوده التي عَلِمَ (٣) قيام المصلحة بها للكل، حسب الطاقة، وعلى مقدار الوُسْعِ، ومع عدم المُضَارَّة. وذَكَرَ الفِصَالَ مقرونًا بالتواضي؛ إذ يبعد أن يتَّفق الأبوان على مضرَّة الولد، ورفع الجناح بعد المشاورة، وخلوص القصد إلى الصلاح، فاشتملت الآية على تمهيد طريق الصححة، وتعظيم محاسن الأخلاق، وختمت بالتقوى في ذلك كله لنية فاسدة، أو حالة عن المصلحة حائدة، وأكَّد دلك بالتنبيه على عِلْمِه بالأعمال، وبَصَرِه بعلانيتها وسَرِيرَتِها. السَّابع والعشرون: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤) ذَكَرَ الله تعالى حُكْمَ الصَّدَاقِ عند الطلاق في الإيفاء والإسقاط، ونبَّه على التَّرْكِ، وحضَّ على الفضل في العفو، تنبيهًا على أن من راعى الفَضْلَ أوشك أن يُرَاعِيَ الفَرْضَ (٥)، ولذلك يُستدَلُّ بمحافظة (٦) العبد على نافلته على مراعاته لفريضته. ونسيانُ الفضل ينشأُ عن البخل (٧)، وهي خصلة دنيَّة، ولمَّا كان استيفاء الحق جائزًا نبَّه على أن تركه أقرب إلى التقوى ممَّن تركه منهم، فإنه

стр. 1920

يَقِي بذلك مروءته وعِرْضَه، ويقي الكراهية إن كانت بينهما فترجع مودة، وهذه تقوى مستحبَّة (١) ليحفظ به حصول واجب. كما جعلها - في الثامن والعشرين -: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، دون عموم المؤمنين؛ ليُنبه بذلك على أنها تَقْوَى فَضْلٍ لا تقوى فَرْضٍ. التاسع والعشرون: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢) ليس بعد الشِّرْكِ ولا بعد قَتْلِ النفس تَقْوَى أَعْظَمَ من تقوى الرِّبَا؛ لأنه إن لم يتقه (٣) أَذِنَ بحَرْبٍ من الله ومن النبي ومن المؤمنين، وليس هنالك (٤) معصيه تُوُعِّدَ بمِثْلِ هذا عليها سواها. المُوَفِّي ثلاثين: قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) هذه تَقْوَى نَدْبٍ؛ لأنه نَدَبَ (٦) إلى إنظار المُعْسِرِ بالدَّيْنِ، والصدقةُ عليه أفضل، وبذلك يتخذ العبد الوقاية بينه وبين المحاسبة، وقد ثبت عن النبي أنه قال: "كان رجل يعامل الناس؛ فكان يأمرُ بإنظار المُوسِرِ

стр. 1921

والمجاوزة عن المُعْسِر، فقال النبي ﷺ : فقال (١) الله: نحن أحق بذلك منه، تجاوزُوا عنه" (٢). الحادي والثلاثون (٣). قال: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٤) وهذه تَقْوَى فَرْضٍ؛ لأنها متعلقة بالأمانة، وأَصْلُ الشريعة أَدَاءُ الإمالة، وقد تقدَّم ذِكْرُها. الثاني والثلاثون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٥) يعني: في مجاوزة حدود المعاملة الدينية التي بيَّنها، ومنها: فَرْضٌ، ومنها: نَدْبٌ، ولكلِّ مَعْنًى تقواه (٦). قال الله سبحانه: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾؛ يعني: ما ألزمكم به العمل، وندبكم إليه، وجعل (٧) خَلَاصَكم فيه. وقد بيَّنَّا في كتاب "القانون" (٨) وكتاب "العواصم" (٩) ما (١٠) تعلَّقت به الصوفية؛ في أن التطهير والتصفية للقلب بها تحصلُ العلوم وتتمكَّن

стр. 1922

المعارف في الفؤاد من غير تَعَلُّمٍ (١)، ودَلَلْنا على أنه لا يصحُّ ذلك، ولا طريق له في الشريعة. أَمَا إنَّ مالكًا قد قال: "ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نُورٌ يضعه الله في القلب" (٢). وهذا صحيح؛ فإنَّ الرجل قد يُحَصِّلُ عِلْمًا كثيرًا رواية ولا يفقه به (٣)؛ إذ لا يعمل به، فإن عَمِلَ به (٤) فهو الفِقْهُ (٥). وقد كان ابنُ أبي حازم (٦) يقول في ابن شهاب: "هذا ونظراؤه رواة، وليسوا بعلماء"، ذَكَرَه ابن حنبل (٧). والعالم الفقيه هو الذي يعمل بعِلْمِه، والذي لا يعصي هو المؤمن، فإذا عصى الله فليس بمؤمن ولا عالم ولا فقيه، على الوجه الذي بيَّنَّاه (٨) في ذَيْنِك الكتابين (٩)، وبيَّناه أيضًا في تفسير قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (١٠) في "النَّيِّرَيْنِ".

стр. 1923

ولذلك ترى الجاهل الرجل (١) من (٢) قد وعى وحصَّل وهو عَاصٍ، ويقول: أرى هذا من العلماء وليس له عمل، يقال له: أنت لا تدري ما العلم، العِلْمُ هو الذي يصحبه العمل، والإيمان هو الذي تصحبه الطاعة، والأمر في ذلك مُبَيَّنٌ على الاستيفاء حيث قلنا (٣)، والحمد لله. الثالث والثلاثون: قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٤). لمَّا ذَكَرَ الله الشهواتِ المُزَيَّنَةَ (٥) وتعلُّقَ القلوب بها بالمحبة لها (٦)، والاشتغال بها عن العبادة نبَّه الله على ما هو خَيْرٌ من ذلك لمن اتَّقى هذه الزِّينَةَ (٧)، واقتصر على ما يرفع (٨) المؤونة؛ فاتَّقى الدنيا، وعصى الهوى، وقطع المُنَى، وأَقْبَلَ على المولى، فلهم الدرجات العُلَى؛ بالأنهار الجارية، والغُرَفِ العالية، والأزواج المطهَّرة، عِوَضًا عمَّا نَبَذَ في الدنيا من الأزواج المُسْتَقْذَرَةِ.

стр. 1924

الرَّابع والثلاثون: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (١) قد بيَّنَّاها في "الأحكام" (٢)، وهذه رُخْصَةٌ من الله في قَطْع المواصلة الظاهرة بين الكفَّار والمؤمنين، ويَجْرِي ذلك بين العُصاة والطائعين. ومن أصل الدين الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، إلَّا عند الضرورة، فتجعل صحبة الكافر أو الظالم وِقَايَةً لما تحذره من المضرَّة. ثمَّ قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾؛ وهذه للعلماء. فأمَّا جملة الخلق فقيل لهم: "اتقوا النار، واتقوا العذاب، واتقوا القيامة"، فإيَّاكم أن يأمن أحدُكم مَكْرَ الله، ولا يخطر ببال بَشَرٍ منكم أنه يخفى عليه شَيْءٌ من أمركم، أو يَقْبَلُ إلَّا الخالص منكم، أو يعرفه أَحَدٌ حقَّ معرفته، أو يَعْلَمُ ما استقرَّ في علمه من خاتمة العمد وعاقبته. الخامس والثلاثون: قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٣) يعني: عيسى ﷺ ، اتخِذوا وِقَايَةً من امتثال ما جئتكم به عن الله، واجتناب ما نهيتكم عنه، وفي الطاعة أَوْفُوا (٤) بعَهْدِ الله كُلِّه؛ على جميع وجوهه وفصوله. فإنَّ ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: ٧٦]- وهو السَّادس والثلاثون - أي: اتَّقى نَقْضَ العهد، وحَلَّ العقد، والتقصير بالحق، وقام

стр. 1925

بالمتعيَّن في ذلك كله؛ فإنَّ الله يجعل جزاءه محبته (١)، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وهو: السَّابع والثلاثون، وليس يعادل هذا الشَّرف شَرَفٌ. الثامن والثلاثون: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢) وقد (٣) تكلَّمنا على هذه الآية في "الأحكام" (٤) و"الناسخ والمنسوخ" (٥). وحَظُّ هذا "القسم" منها: أن حقَّ التقوى أن يكون وَفْقَ الأمر؛ لا زيادة ولا نقص من قِبل أنفسكم، وأَمْرُه سبحانه على وجهين (٦)؛ على وجه الحَتْم، وعلى وجه النَّدْبِ، وكذلك نَهْيُه على قسمين؛ على التحريم، وعلى التنزيه. وحَقُّ التقوى المحافظةُ على الكلِّ، نَعَمْ؛ ثم يجتنب الغفلة فيكون أبدًا ذاكرًا، وأَعْظَمُ من ذلك كله وأَوْكَدُ أن يتبرَّأ عن السبب والعلة، فلا يرى فاعلًا إلا الله، والأسبابُ والعِلَلُ تأتي على قَدْرٍ وفي نَسَقٍ، فإذا فَعَلَ ذلك فقد اتَّقى الله حقَّ تقاته، وشَرْطُ صحته أن يموت عليه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وما تَفْعَلُوا من ذلك كله فلن يُرَدَّ عليكم،

стр. 1926

ولا يُسْتَرُ عنكم، ولا يُمَدُّ حجابٌ بينه وبينكم؛ إذ كنتم خبر أمة أخرجت للناس، واتَّقيتم الله حقَّ تقاته، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (١)، على هذا المنهج المُبِينِ، وهو التاسع والثلاثون. المُوَفِّي أربعين: قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢). أمَّا الصَّبْرُ فقد تقدَّم، وكذلك التقوى؛ فإن فعلتموهما لم يَصِلْ إليكم كَيْدُهم، فإن الله مُحِيطٌ بعملهم (٣)، وبمَكْرِ كل مَاكِرٍ أمسكه أو أرسله، كل ذلك بحكمة (٤). وإن أدركتكم مَذَلَّةٌ (٥) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وهو: الحادي والأربعون، أي: اتقوا الله (٦) أن تدفعوها بنَخْوَةٍ تخالف الشريعة، أو بكِبْرٍ يَضَادُّ المِلَّةَ، وخُذُوهَا بامتثال الحدود والقيام تحت جريان المقادير تكونوا من الشَّاكرين، وأَجَلُّ الشكر ما كان على المصائب، وقد تقدَّم بيانُه (٧).

стр. 1927

الثاني والأربعون: قوله تعمالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (١) بيَّن أنكم إن استمررتم على الصبر والتقوى ونَزَلَ بكم الأعداء وتعرَّض إليكم أَحَدٌ بالمكروه (٢) فإنَّ الله يُمِدُّكم بنصره، ويبلغ فيكم سابقُ أمره كما أخبر من وَعْدِه، وإن دعوتم قولوا: "اللهم امددنا بنصرك"، ولا تقولوا: "بملائكتك"؛ فإن الله لا يُعَيَّنُ عليه من وجوه الأفعال ما لم يُعَيِّنْ، ولا تقل: "اللهم امددنا بملائكتك الذين أمددت بهم رسولك"؛ فإنَّ هذا جَهْلٌ بالحقيقة، وتَحَكُّمٌ على الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فينصر بما شاء؛ من قُوَّةِ قلوبنا وضَعْفِ قلوبهم، أو إرسال ريح، أو سماع كلام يَفُتُّ في أعضادهم، كما فعل بقُرَيْشٍ في غزوة "حمراء الأسد" (٣)، وقُدْرَةُ الله في النصر وغيره لا تنحصر، فلا وجه لتعيينها من غير أَثَرٍ. الثالث والأربعون (٤): قال الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) على العموم، كما تقدَّم، ﴿وَاتَّقُوا النَّار﴾ (٦) على

стр. 1928

الخصوص؛ فإنها وإن كان أعدَّها للكافربن فربما عَذَّبَ بها المؤمنين (١)، ولكن فيها بِشَارَةٌ من دليل الخطاب؛ أنها دَارٌ لم تُبْنَ للمؤمن، وإنَّما بُنِيَتْ للكافر، فإن دَخَلَهَا لم يَدُمْ فيها وأُخْرِجَ في الحال عنها؛ فإنه عَارِيَةٌ فيها، كرَجُلٍ في دار غيره. الرَّابع والأربعون: قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) وهذه الآية عظيمة؛ فإنه قال في أوَّلها: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وذلك أنه كانت بهم جراحات ورجعوا، ثم دعاهم النبي إلى الخروج فخرجوا على ما بهم من النَّكْءَ والقَرْحِ والجرح، وأجابوا داعي الله، ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾، وخروجهم إحسان، ولكنه شَرَطَ عليهم فيه الإحسان؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من خرج حُبًّا (٣)، أو خرج لأنه رأى صاحبه قد خرج فخاف التعيير، "والإحسانُ أن تعبد الله كأنك تراه" (٤)، ويجب عليهم أن يخرج كل واحد منهم كأنه وحده، كما قال أبو بكر لعُمَرَ في أهل الرِّدَّةِ: "أُقاتلهم وَحْدِي حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي" (٥).

стр. 1929

الخامس والأربعون: قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١) الإيمانُ أَجمْلٌ ورَبْطٌ، فإذا تأصَّل وعُقِدَ فيجب الوفاء بمقتضاه، وتقاه: يعني: عُرَاه (٢). السَّادس والأربعون: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). وذلك أنه سبحانه أخبرهم أنهم سيُبْتَلَوْنَ (٤) بالأذى من المشركين وأهل الكتاب، وأمرهم بالصَّبْرِ على ذلك وتقوى الله، ولا يكونوا (٥) من الذين يُحْرِمُونَ التقوى بالبلوى، وهده الآية شديدة على العباد، ولكنه لم يفرضها، إنَّما ذَكَرَ أنها من عزم الأمور، وذلك لأنه لا يَقْوَى (٦) عليها كل القلوب. السَّابع والأربعون: قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ (٧). لمَّا ذَكَرَ الله حال الكفَّار وما آتاهم من الدنيا ومكَّنهم فيه من البلاد والتصرف فيها بالمال والأولاد قال سبحانه للمؤمنين: هذا ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾،

стр. 1930

و ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الذين وَسَمْنَاهُم بسِمَةِ المعرفة، فلم يرفعوا قَدَمًا ولا وضعوا أخرى إلَّا لنا، فإنَّا نخصهم بدار الزُّلْفَةِ، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لهم ﴿خَيْرٌ﴾ ممَّا أمَّلوه لأنفسهم ورَجَوْهُ؛ ممَّا رأوا عليه حالة أعدائهم. الثامن والأربعون: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١). قد تقدَّم ذكْرُه (٢) وبيانُه في اسم "الصَّابر" (٣). التاسع والأربعون: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) النَّاسُ اسمُ جِنْسٍ، والاشتقاقُ فيه غير قَوِيٍّ (٥). وقيل (٦): "سُمِّيَ إنسانًا لظهوره (٧) " (٨). وقيل: "لنِسْيَانِه" (٩). وقيل: "لأُنْسِه" (١٠).
следующие страницы →