← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ولا يُسْتَرُ عنكم، ولا يُمَدُّ حجابٌ بينه وبينكم؛ إذ كنتم خبر أمة أخرجت للناس، واتَّقيتم الله حقَّ تقاته، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (١)، على هذا المنهج المُبِينِ، وهو التاسع والثلاثون. المُوَفِّي أربعين: قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢). أمَّا الصَّبْرُ فقد تقدَّم، وكذلك التقوى؛ فإن فعلتموهما لم يَصِلْ إليكم كَيْدُهم، فإن الله مُحِيطٌ بعملهم (٣)، وبمَكْرِ كل مَاكِرٍ أمسكه أو أرسله، كل ذلك بحكمة (٤). وإن أدركتكم مَذَلَّةٌ (٥) ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وهو: الحادي والأربعون، أي: اتقوا الله (٦) أن تدفعوها بنَخْوَةٍ تخالف الشريعة، أو بكِبْرٍ يَضَادُّ المِلَّةَ، وخُذُوهَا بامتثال الحدود والقيام تحت جريان المقادير تكونوا من الشَّاكرين، وأَجَلُّ الشكر ما كان على المصائب، وقد تقدَّم بيانُه (٧).

стр. 1927

الثاني والأربعون: قوله تعمالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ (١) بيَّن أنكم إن استمررتم على الصبر والتقوى ونَزَلَ بكم الأعداء وتعرَّض إليكم أَحَدٌ بالمكروه (٢) فإنَّ الله يُمِدُّكم بنصره، ويبلغ فيكم سابقُ أمره كما أخبر من وَعْدِه، وإن دعوتم قولوا: "اللهم امددنا بنصرك"، ولا تقولوا: "بملائكتك"؛ فإن الله لا يُعَيَّنُ عليه من وجوه الأفعال ما لم يُعَيِّنْ، ولا تقل: "اللهم امددنا بملائكتك الذين أمددت بهم رسولك"؛ فإنَّ هذا جَهْلٌ بالحقيقة، وتَحَكُّمٌ على الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فينصر بما شاء؛ من قُوَّةِ قلوبنا وضَعْفِ قلوبهم، أو إرسال ريح، أو سماع كلام يَفُتُّ في أعضادهم، كما فعل بقُرَيْشٍ في غزوة "حمراء الأسد" (٣)، وقُدْرَةُ الله في النصر وغيره لا تنحصر، فلا وجه لتعيينها من غير أَثَرٍ. الثالث والأربعون (٤): قال الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) على العموم، كما تقدَّم، ﴿وَاتَّقُوا النَّار﴾ (٦) على

стр. 1928

الخصوص؛ فإنها وإن كان أعدَّها للكافربن فربما عَذَّبَ بها المؤمنين (١)، ولكن فيها بِشَارَةٌ من دليل الخطاب؛ أنها دَارٌ لم تُبْنَ للمؤمن، وإنَّما بُنِيَتْ للكافر، فإن دَخَلَهَا لم يَدُمْ فيها وأُخْرِجَ في الحال عنها؛ فإنه عَارِيَةٌ فيها، كرَجُلٍ في دار غيره. الرَّابع والأربعون: قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) وهذه الآية عظيمة؛ فإنه قال في أوَّلها: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وذلك أنه كانت بهم جراحات ورجعوا، ثم دعاهم النبي إلى الخروج فخرجوا على ما بهم من النَّكْءَ والقَرْحِ والجرح، وأجابوا داعي الله، ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾، وخروجهم إحسان، ولكنه شَرَطَ عليهم فيه الإحسان؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من خرج حُبًّا (٣)، أو خرج لأنه رأى صاحبه قد خرج فخاف التعيير، "والإحسانُ أن تعبد الله كأنك تراه" (٤)، ويجب عليهم أن يخرج كل واحد منهم كأنه وحده، كما قال أبو بكر لعُمَرَ في أهل الرِّدَّةِ: "أُقاتلهم وَحْدِي حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي" (٥).

стр. 1929

الخامس والأربعون: قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١) الإيمانُ أَجمْلٌ ورَبْطٌ، فإذا تأصَّل وعُقِدَ فيجب الوفاء بمقتضاه، وتقاه: يعني: عُرَاه (٢). السَّادس والأربعون: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). وذلك أنه سبحانه أخبرهم أنهم سيُبْتَلَوْنَ (٤) بالأذى من المشركين وأهل الكتاب، وأمرهم بالصَّبْرِ على ذلك وتقوى الله، ولا يكونوا (٥) من الذين يُحْرِمُونَ التقوى بالبلوى، وهده الآية شديدة على العباد، ولكنه لم يفرضها، إنَّما ذَكَرَ أنها من عزم الأمور، وذلك لأنه لا يَقْوَى (٦) عليها كل القلوب. السَّابع والأربعون: قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ (٧). لمَّا ذَكَرَ الله حال الكفَّار وما آتاهم من الدنيا ومكَّنهم فيه من البلاد والتصرف فيها بالمال والأولاد قال سبحانه للمؤمنين: هذا ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾،

стр. 1930

و ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الذين وَسَمْنَاهُم بسِمَةِ المعرفة، فلم يرفعوا قَدَمًا ولا وضعوا أخرى إلَّا لنا، فإنَّا نخصهم بدار الزُّلْفَةِ، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لهم ﴿خَيْرٌ﴾ ممَّا أمَّلوه لأنفسهم ورَجَوْهُ؛ ممَّا رأوا عليه حالة أعدائهم. الثامن والأربعون: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١). قد تقدَّم ذكْرُه (٢) وبيانُه في اسم "الصَّابر" (٣). التاسع والأربعون: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (٤) النَّاسُ اسمُ جِنْسٍ، والاشتقاقُ فيه غير قَوِيٍّ (٥). وقيل (٦): "سُمِّيَ إنسانًا لظهوره (٧) " (٨). وقيل: "لنِسْيَانِه" (٩). وقيل: "لأُنْسِه" (١٠).

стр. 1931

فعلى الأوَّل قيل له: "يا من أظهره من العدم بجِبْلَةِ التكليف، وخَصَّ من شاء بصفة التشريف، وحَرَمَ من شاء الهداية والتعريف، ونقل (١) ما شاء من التصريف؛ اتَّقُونِي" (٢). ويقال: "يا من أظهر من العدم أمثالكم، ولكن لم يعطهم أحوالكم؛ اتَّقوني" (٣). ويقال على الوجه الآخر: "يا من سُمِّيَ إنسانًا لأنه ناسي، إن نَسِيتَنِي فلا شيءَ أَخَسُّ منك، وإن نسيتَ غيري فلا شيءَ أخصُّ منك" (٤). ويقال: "من نسي (٥) الحق فلا غاية لمِحْنَتِه، ومن نسي الخلق فلا غاية لدرجته" (٦). وقيل: "يقال للمذنبين: يا من نسي عهدي، ورفض وُدِّي، وتجاوز حَدِّي، اتق من العذاب (٧) ما عندي" (٨). ويقال للعارفين: "يا من نسي لنا حظَّه، وصان عن غيرنا لَحْظَه ولَفْظَه؛ اتقوني فيما تستأنفون" (٩).

стр. 1932

ويقال: "يا من نسي شميم غيري، واستوحش إلى نسيم قُرْبي، واعتزَّ بجلالي؛ اتَّقِ مَكْرِي" (١). ويقال: "يا من أَنِسَ بي، وسَكَنَ إلى ثوابك مني، وأَجْرُك عليَّ؛ فاتَّقِنِي". والتقوى جماع الطاعات كما قدَّمنا، وآكَدُها اجتناب الشرك، وأقلُّها خَلْعُ غير الله عن قلبك، ألا تتقون (٢) من ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وهو آدَمُ، فنحن مخلوقون منه، وهو مخلوق باليد، وكما أظهر مرتبنه اظهرنا، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٣) [البينة: ٧]. ثم قال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أظهر تعالى الحُجَّةَ على الخلق بأن خَلقَ الشَّكْلَ من الشَّكْلِ، ثمْ قرَّبه منه وقَرنَه وآنسَه به، ﴿وَبَثَّ﴾ بكمال القدرة ﴿مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، فتعرَّف إليكم على عموم الربوبية بما دلَّ من شواهد القدرة، ورَتَّبَ من دلالات الحكمة حيث خَلَقَ جميع هذا الخلق من شخص واحد، على اختلاف خَلْقِهم وأخلاقهم، وهممهم وأغراضهم، حتى لا يتشابه اثنان منهم في خَلْقٍ ولا خُلقٍ، فدلَّ ذلك على أنه لا نهاية لمقدوراته، ولا غاية لمعلوماته. ثم قال - في المُوَفِّي خمسين (٤) -: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، فإنه من قَطعَ الرَّحِمَ قطع الله، ومن وصلها وصل الله، والله رقيبٌ على الكُلِّ (٥)، كما تقدَّم بيانُه.

стр. 1933

الحادي والخمسون (١): قوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٢) نبَّه على أن الجزاء إنَّما يتعجل في الدنيا؛ في الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وهو (٣) الذِّكْرُ الحَسَنُ. وقيل: "هو ما وهب له من الأولاد، وشرَّفهم به من النبوة، وأبقى في عقبه من الكلمة" (٤). وقال في قصة الخَضِرِ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، فلينظر المُتَكَلِّمُ (٥) في الأيتام الضِّعَافِ في عاقبة أيتامه، وأنه سيكون له يَوْمٌ (٦) مثل ذلك من (٧) أيَّامه. الثاني والخمسون (٨): قوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٩)، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ (١٠) ذَكَرَ الله حال الرجال مع النساء فيما بينهم من الحقوق، وأخبر بقصور الخلق عن الوفاء بالحق، وأمرهم بالعمل بمقتضى الوُسْعِ، وأن يقصدوا فيما

стр. 1934

يأتونه من ذلك الإصلاح، ويجتنبوا المَيْلَ، فما وقع بعد ذلك فهو مغفور، وإن أحسنوا واتقوا الإساءة والتقصير فإنَّ الله خبير بجميع ذلك، لا يخفى عليه منه شيء، ولا يضيع عنده عمل. الثالث والخمسون: قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١). أخبر سبحانه في هذه الآية أن وصيته للجميع التقوى؛ فأمر الكلَّ بالرجوع إليه، ومجانبة من سواه، والوقوف عند حدوده؛ بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وهذا هو الدين كله والخير أجمع. الرَّابع والخمسون: قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢) لو خُلِقَ العَبْدُ وحده لكان له في اتخاذ الوقاية بينه وبين نفسه شُغْلٌ شَاغِلٌ، فكيف وقد ابتُلِيَ بغيره، وأمر بالتقوى معه ومنه، ولكن كذلك - أيضًا - توجه على الغير مثل ما توجَّه عليه، فلذلك قيل له: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وخاصَّة إذا كانَا مرتبطين بسبب زوجيَّة، أو شرِكَةٍ، أو وِلَايَةٍ، أو صُحْبَةٍ، لمَّا أرسل النبيُّ معاذًا وأبا موسى إلى اليمن قال: "يسِّرا ولا تعسِّرا، وبَشِّرَا ولا وتُنَفِّرَا، وتَطَاوَعَا ولا تختلفَا" (٣). وقوله: ﴿الْبِرِّ﴾: يعني: ما أمرتم به، ﴿وَالتَّقْوَى﴾: يعني: ما نُهيتم عنه، ويَدْخُلُ أحدُهما على الآخر في عموم الأمرين.

стр. 1935

ويقال: "البِرُّ: إتمانُ حقه، والتقوى: تَرْكُ حَظِّكُمْ" (١). ويقال: "البِرُّ: موافقة الشرع، والتقوى: مخالفة النفس" (٢). وقيل: "المعاونة على البِرِّ بحُسْنِ الصحبة (٣)، وجميل الإشارة للمؤمنين، والمعاونة على التقوى بالقبض على أيدي المبطلين؛ بما يقتضيه (٤) الحال من جميل الوعظ والزجر" (٥). والمعاونةُ على الإثم والعدوان بأن تفعل (٦) شيئًا لا يَحِلُّ فيُقْتَدَى بك فيه (٧). وكذلك المعاونة على البر والتقوى الاتِّصافُ بحَمِيدِ الأفعال (٨)، وجميل الخلال (٩)، وشريف الخصال، على الوجه الذي يُقتدى بك (١٠) فيه (١١).

стр. 1936

الخامس والخمسون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) العُقُوبَةُ: "ما يَتَعَقُّبُ الجُرْمَ ممَّا يَسُوءُ صاحبَه" (٢). وشِدَّةُ العقاب أن يُحْجَبَ المُعَاقَبُ عن الله بحرمان الطاعة، وسَلْب التوفيق، وتَسْلِيطِ البلاء (٣). السَّادس والخمسون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٤) قد بيَّنَّا وصفه بأنه سَرِيعُ الحساب في كتاب "الأَمَدِ" (٥). وسُرْعَةُ حسابه في الدنيا للأولياء بمعاجلتهم بالابتلاء؛ بالتذكرة فيما يقصرون فيه، حتى يتذكَّروا فيقوموا بحقه. وسُرْعَةُ حسابه في الآخرة بأنَّ محاسبة الخَلْقِ عنده كمحاسبة نَفْسٍ واحدة. [عِلْمُ المناسبات بين آيِ القرآن]: فإن قيل: فما وَجْهُ ذِكْرِه لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ مع هذه الآية، وليس بينهما ارتباط في الظاهر؟ الجواب: إنَّ ارتباط آيِ القرآن بعضها ببعض حتَّى تكون كالكلمة الواحدة مُتَّسِقة المعاني (٦) منتظمة البيان عِلْمٌ عظيم، لم يتعرَّض له إلَّا عالمٌ

стр. 1937

واحد؛ عَمِلَ منه "سورة البقرة"، ثم فَتَحَ الله لنا فيه، فلمَّا لم نَجِدْ له حَمَلَةً، ورأينا الخَلْقَ بأوصاف البَطَلَةِ؛ ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبَيْنَ الله ورَدَدْنَاهُ إليه. السَّابع والخمسون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) والثامن والخمسون. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢) إنَّ الله سبحانه ذَكَّرَكم نِعَمَه السَّابغة عليكم؛ إذ عرَّفكم بنفسه، وأخذ ميثاقه عليكم؛ فاعرفتم والتزمتم، وأقررتم وأشهدتم على أنفسكم، وسمعتم وأطعتم، وليس للاعتمار حينئذ عندكم خبر، ولا للاستدلال عَيْنٌ ولا أثر، ولا للأمر والنهي سمع ولا بصر، فوَسَمَكُمْ حينئذ بالإيمان، ثم أظهركم وأحياكم وعرَّفكم التوحيد، وعرض عليكم الأمانة، وحذَّركم الخيانة، فقابلتم قوله بالتصديق، وضمنتم من أنفسكم التحقيق، فأمدَّكم بحسْنِ التوفيق، وأرشدكم إلى سواء الطريق (٣). ثم شَكَرَكُمْ بما أخبر عنكم من قولكم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، فـ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تَقْصِيرٍ عن ذلك كله من العقود، والإعراض عن الوفاء بالعهود، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤) [الملك: ١٤].

стр. 1938

ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ [المائدة: ٨]، ولا يُقْعِدَنَّكُمْ عن الوفاء بحَقِّنا حُصُولُ نصيب لكم في شيء من لدنيا (١)، ولا تَحْمِلَنَّكُمْ ضغائن صدوركم على الحلول بمنازل الحيف (٢)، فإن مَرْتَعَ الظلم وَبِيٌّ، وموضع الزيغ مُهْلِكٌ (٣). ثمَّ صرَّح بالأمر بالعدل وأَمَرَ به، وأخبر أنه أقرب للتقوى؛ بل هو نفس التقوى، وإنَّما جعله أقرب إليها لأنه ابتداؤها، وقد لا يستمر عليه، فإذا شرع فيه بنيَّة، فالله يُعِينه عليه في البقيَّة (٤)، وهو: التاسع والخمسون (٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٦) كما أنه عليم بما تعتقدون؛ فإنه مُحِيطٌ بباطنكم وظاهركم، ومن أحاط بالباطن وأحصاه فالظاهر منه أقرب. المُوَفِّي سِتِّين (٧): قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٨) ذكَّرهم بما له عليهم من نِعَم الدَّفْع، وهو ما كَفَّ عنهم من أيدي الأعداء، وقصَّر عنهم من مكرهم، وهذه أمارات العناية، ولقد بالغ في

стр. 1939

الإحسان من كَفَاكَ من غير عِلْم منك، أو سَبْقِ شفاعة فيك، أو رجاء نفع في المستأنف من جهتك، أو حصول رِبْحٍ في الحال من لدنك (١)، أو وُجُوبِ حَقٍّ في السَّالف لك (٢)، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، على ما تقدَّم من تَعَلُّقِ (٣) التوكل بدَفْعِ النوائب في اسم "المُتَوَكِّلِ" (٤). الحادي والستون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٥) أَمَرَهمْ بأَكْلِ الحلال الطيِّب، وهو الصافي، وهو الذي سَلِمَ من ثَلَاثٍ؛ من الحرام في الكسب، ومن الشُّبْهَةِ، ومن المِنَّة لأَحَدٍ غير الله. فـ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وهو الثاني وستون، والثالث وستون (٦). قال بعضهم: "من حافظ على الأمر والنهي فليس في لقمة حرام يتناولها بتأويل ما يَضِيرُه (٧) في تقواه، فإنَّما المقصود أن يتأدَّب العبدُ بصحبة طريقة الباري سبحانه التي شرع، فإذا اتَّقى الشِّرْكَ فعرف، واتَّقى

стр. 1940

الحرام فيما تصرَّف، ثم لزم العدل فما قتَّر (١) ولا أسرف، واتقوا المنع وآمنوا (٢) بالخُلْفِ (٣)، ثم اتقوا شهود الخلق، وأحسنوا في شهود الحق" (٤). وقد تقدَّم القول في التحقيق فيه في "المقام الأوَّل" (٥). والله يحب المُحْسِنِينَ اعتقادًا، المحسنين أقوالًا، المحسنين أعمالًا، المحسنين آمالًا، المحسنين أحوالًا (٦)، ولكل واحد من ذلك متعلق، وذلك يطول فافهموه. الخامس والستون (٧): قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٨) فصَّل سبحانه أحوال الصيد في التحليل والتحريم، ثم أَمَرَ بتقواه فيها، وخصَّ من أَمْرِ الله الذي يتَّقي الحَشْرَ، وفي تخصيصه (٩) تقوى الحشر في آخر ذلك فائدة بديعة؛ ليس بيانُها من "القِسْمِ الرابِعِ"، وإنما هي من حكمة النَّظْمِ، فلذلك لم نذكرها.

стр. 1941

كما أن التعقيب - في السَّادس والستين (١) - بقوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢) من الفوائد الحسنة من ذلك الباب، والمعنى: اتقوا الله ولا تبدؤوه بالسؤال، حسب ما بيَّنَّاه في كتاب "الأحكام" (٣)، واجعلوا السُّكُوتَ عن سؤاله وِقَايَة؛ حتَّى يأتيكم من أَمْرِ الله ما أراد. السَّابع والستون (٤): قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ (٥) معناه: افهموا، وهو أَحَدُ (٦) معاني السمع، وهو أَوْلاها، وخصَّه هاهنا لأن ذِكْرَه للأحكام في هذه الآية جاء على وَجْهٍ من الإشكال أَوْجبَ سَبَبَيْنِ: أحدهما: عدم فَهْمِ الآية. والثاني: الاختلاف فيها. فلذلك أَمَرَ بالتثبت، وأن يتخذ وقاية دون العجلة؛ حتى يفهم مراد الله فيها. الثامن والستون (٧): قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) طَلَبَ بنو إسرائيل المائدة لتسكن نفوسهم (٩) بما يشاهدون من الآية،

стр. 1942

وتطمئن قلوبهم بالمعجزة؛ فأُجِيبُوا إلى ذلك، إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة (١). قال علماؤنا: "لم تنزل سَكِينَةٌ على بني إسرائيل حتى (٢) طلبوها، ونزلت على هذه الأمة قبل الطلب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] " (٣). فلمَّا سألوها (٤) قال عيسى لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: اجعلوا بينكم وبينه وقاية عن سؤال هذا، واقتصروا على ما رأيتم من الآيات، فصَرَمُوا، وقالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾، يعني: شَرَفًا (٥)، ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، معناه: نزداد (٦) يقينًا وعلمًا بتصديقك، فأجابهم الله، فلم يتقوا الله وخالفوا الأمر، وذلك ليعلم العالمون أن المراد إذا حصل والكرامة إذا تحقَّقت فالخطر أشد، والمخافة أعظم، والحالُ من الملامة أقرب (٧). التاسع والستون (٨): قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٩) أخبر تعالى أن الحياة الدنيا لَعِبٌ ولَهْوٌ، غرَّارة مَخُوفة، مُتْعِبَةٌ مُلْهِيَةٌ،

стр. 1943

فتقواها تَرْكُها؛ فإنه (١)، لو لم يَفُتْ بها مع الاستقامة عليها إلَّا أن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة، وهم أكثر أهلها. المُوَفِّي سبعين: قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) ذَكَرَ الله تعالى الذين يخوضون، وأَمَرَ بتركهم والإعراض عنهم، فلا يُوافَقون في مقالة، ولا يُباسَطون في حالة، وذلك - كما بيَّنَّاه في "الأحكام" (٣) - إذا لم يَقْدِرْ على تغييره، فإذا فَعَلَ ذلك فهذه تقواه التي ترفع اللَّائمة (٤) عنه في أمرهم، وتُخرجه عن حالهم بكرامته (٥) لهم ولما يفعلونه. الحادي والسبعون: قوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ (٦) أَمَرَ بالمناجاة، وحذر من الإخلال بشروط المناجاة؛ كما قدَّمناه في اسم "المُصَلِّي" (٧)، فإن أردت أن تعيده فأعده (٨). الثاني والسبعون: قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٩) يعني: الآيات من قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، لمَّا (١٠) بيَّن لهم فَرَضَ عليهم التُّقَاةَ فيه، وأشدُّه افتراق السُّبُل، قال النبي ﷺ : "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شِبْرًا بشِبْرٍ، وذِرَاعًا بذِرَاعٍ،

стр. 1944

حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لدَخَلْتُمُوهُ" (١)، وبافتراق السُّبُل يُخِلُّ العَبْدُ بالإِحْدَى عشرة خصلة التي تضمَّنتها هذه الآلات، فإن شئت أن تَذْكُرَهَا وتُنَبِّهَ عليها فافْعَلْ (٢). الثالث والسبعون: قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ (٣) يعني: أن الله أنعم على الآدَمِيِّ بما يُوَارِي به قبيح منظرته الظاهرة، ولباسُ التقوى خَيْرٌ منه (٤)؛ فإنَّ لباس الدنيا يقي الآفات الظاهرة، ولباسُ التقوى يقي الآفات التي تُوجِبُ سَخَطَ المولى، وقد يكون للنفس لباسُ التقوى بالجهد في الخدمة، والجِدِّ (٥) في العبادة، وقد يكون للقلب بصدق العَقْدِ، ونَفْي الطمع، وتَرْكِ العلائق، وحَذْفِ العوائق (٦). الرَّابع والسبعون: قوله: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ (٧) عدَّد الله على بني آدم نِعَمَه وبلاءَه، ثم قال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ مِنِّي بامتثال ذلك كله ﴿وَأَصْلَحَ﴾ - على ما تقدَّم في اسم "الصَّالِحِ" (٨) - فذلك لا خوف عليه ولا حزن له (٩).

стр. 1945

الخامس والسبعون: قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١) يعني: ما حَلَّ بمن قبلهم من الغرق والهلاك، حين كان فِعْلُهم فِعْلَهم، وحَالُهم حَالَهم، واذكروا نعمه عندكم التي تُوجِبُ عليكم تقواه. ثم قال - وهو: السَّادس والسبعون -: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٢) ما حذَّرناهم منه، واعتبروا بمن سلف قبلهم من الأمم؛ لمكَّنَّاهم من آمالهم الدنياوية، وعصمناهم من الآفات، وليس العبرة في النعمة، إنما العبرة في البركة في النعمة، وليست العبرة في البركة، إنما العبرة في العافية، وهي الرضى (٣). السَّابع والسبعون: قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) يعني: الذين استعانوا بالله، وصبروا على بلاء الله، ورَضُوا بقضاء الله، ولم يؤثر فيهم الخروجُ من الوطن، ولا تَعَذُّرُ الزَّمَنِ. الثامن والسبعون: قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٥) هذه آية عظيمة، تكاد تُوجِبُ يأسًا للمذنبين؛ فإنه أخبر أن الرحمة على سَعَتِها لا تُكْتَبُ إلَّا لمن اتقى، وقال في العذاب: ﴿أُصِيبُ بِهِ مَنْ

стр. 1946

أَشَاءُ﴾، وذلك أن الرحمة هي الإرادة، فعذابه يصيب به من يشاء؛ فإن شاء ألَّا يصيب له أحدًا كان ذلك له، وإن شاء أن يعَذِّبَ به جميع الخلق كان ذلك له، وإلَّا لم يكن مختارًا، وإنما كان يكون مكْرَهًا (١). قال قوم: "رحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، وهي في الآخرة للتقوى" (٢). وقيل: "ورحمتي وسعت كل شيء حتى لأهل النار". وهذا فاسد، وقد بيَّنَّا فساده في كتاب "الأمد" (٣) وغيره. وقيل: " ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أي: تصلح لكل في شيء بشرطه"، وهو الإيمالن والتقوى، وفيه أربعة أقوال: الأوَّل: التقوى: التوبة (٤). الثاني: التقوى من الشِّرْكِ (٥). الثالث: التقوى من الكبائر (٦). الرَّابع: قال أهلُ الزهد: "الذين يتقون أن يُرَوا أنهم يتقون، إنما ذلك إلى الله، لا يفخرون ولا يعجبون، فإذا لم يروا أنهم بما فعلوه مستحقون للرحمة وجبت لهم الرحمة" (٧).

стр. 1947

وقوله : ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؛ قد تقدَّم بيانُ (١) ذلك في اسم "المُزَكِّي (٢) " (٣). ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أي: لا يمرُّون على آيات السَّماوات والأرض وما يأتيهم (٤) به الرُّسُلُ وهم معرضون أو مُكَذِّبُونَ (٥)، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾؛ قدَّمه الله في الإيمان وإِنْ أخَّره في الزمان، فلا (٦) يُقبَل من أحد عَمَلٌ إلَّا بالإيمان به (٧). التاسع والسبعون: قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٨) قيل لهم: ما فائدرو وَعْظِكم من لا يَقْبَلُ منكم؟ قالوا: لنعْذِرَ لأنفسنا (٩) عند ربنا، وتسقط العهدة التي علينا، ورجاء لقبولهم، كما قال في قصة فرعون: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].

стр. 1948

المُوَفِّي ثمانين: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (١) وقد تقدَّم. الحادي والثمانون: قوله: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) لمَّا أخذوا الكتاب قَهْرًا، لم يعرفوا له قَدْرًا، بل قابلوه بالتحريف، ولم يذكروا ما فيه بالتعريف، ولا اتقوا عاقبة المخالفة، ونقض العهد، ومصادمة (٣) الأمر، ومعاندة المالك (٤). الثاني والثانون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ (٥) المتقون إنَّما يَمَسُّهم طائف من الشيطان مع الغفلة، فلذلك تُزِيلُه الذِّكْرَى، ولو أنهم أداموا ذِكْرَ الله بقلوبهم ما كان للشيطان عليهم سَبِيل، ولا بدَّ من الغفلة للمتقين، فلكل صارم نبوة، ولكل عالم هفوة، ولكل عابد شِرَّة، ولكل قاصد فترة، ولكل سار وقفة، ولكل عارف حَجْبَة، ولكل مسلم حُجَّة (٦).

стр. 1949

قال بعضهم: "ولكل خَيِّرٍ حِدَّةٌ؛ لِمَا رُوي في الحديث: "الحِدَّةُ في خيار أمتي" (١) " (٢). وهو خَبَرٌ باطل لا أصل له. وقد روي أن النبي قال: "إنه ليُغَانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" (٣)، وذلك بما كان يعتريه من الغفلات في الفترات، عند مجاذبة الخلق في الشؤون والحاجات. الثالث والثمانون: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٤) لمَّا (٥) أُخذت الغنيمة يوم بدر اختلفوا فيها، فأنزل الله الآية، حذَّرهم ما هَلَكَ به من كان قبلهم؛ من كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، وأمرهم الله أن يتخذوا وِقَايَةً من ترك السؤال، ونبذ الخلاف (٦)، والمبادرة إلى الوفاق، وإصلاح ذات البين بالائتلاف، وطاعة الله وطاعة رسوله في الامتثال، إن كانوا مؤمنين، فهذا حُكْمُ الإيمان.

стр. 1950

الرابع والثمانون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) قد بيَّنَّاها في "القبس" (٢) و"الأحكام" (٣) و"الأنوار" بغاية البيان، وأوضحنا منها ما جَهِلَه كثيرٌ من الأعيان، ونخصُّ من البيان في هذا "القسم الرابع" أن نقول (٤): "المعنى (٥): احذروا أن تركبوا فتنة تُوقِعكم في أعظم عقوبه لا تختصُّ بمرتكبها، بل يعمُّ شؤمها من تعاطاها ومن لم يتعاطها، والأَصْلُ أن جُرْمَ المذنب لا يتعلَّق بغيره، ولكن من تعصَّب للظالم أو (٦) رَضِيَ بفِعْلِه كان له حُكْمُه، هذا أَمْرُ الله وحِكْمَتُه، وأنَّ السَّفِيهَ إذا لم يُنْهَ مأمورٌ بإجماع من العقلاء، والفاعل للزلَّة مُذْنِبٌ بفِعْلِه، والمُعَاوِنُ مُذْنِبٌ بمَعُونَتِه، والرَّاضِي مُذْنِبٌ برضاه بها (٧)، فالكُلُّ مُذْنِبٌ، وأَجَلُّهُم الفاعل، ولذلك قال النبي: "اللَّهم لم آمُرْ، ولم أشهد، ولم أرض؛ إِذْ بلغني"، فتبرَّأ من الأحوال الثلاث (٨) المُوجِبة للعقوبة.

стр. 1951

ألا ترى أن العالم إذا لَحَظَ (١) إلى رُخَصِ الشَّرْع في أَخْذِ الزيادة. على القُوت والكفاية وإن كان من وَجْهٍ حلال تعدَّى ذلك إلى من يقتدي به، فيحمله ذلك على الرغبة في الدنيا وتَرْكِ التقلل منها، فيؤديه (٢) إلى الانهماك في أودية الغفلة. والعابدُ إذا جَنَحَ (٣) إلى تَرْكِ الأوراد تعدَّى ذلك إلى من كان ينشط في المجاهدة، فيستوطن إلى الكسل، ويركن إلى الراحة، ويحمل الفراغُ على اتِّباع الشهوات. فالشبابُ والفراغُ والجِدَهْ … مَفْسَدَة للدِّين أيُّ مَفْسَدَهْ (٤) وبالجملة إذا غفل المَلِكُ عن رَعِيَّتِه (٥) وتشاغل عن سياستها تعطَّل الكُلُّ، وعَظُمَ الكُلُّ، وفسد الجُنْدُ، وتعطل الحَدُّ، وذهب الجِدُّ، فإذا اتقى الله في ذلك كله جَعَلَ له فُرْقَانًا" (٦)، وهو: الخامس والثمانون: قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (٧) من عِلْم وافر، وإلهام قاهر، وقلب حاضر، والعالمُ فُرْقَانُه بُرْهَانُه، والمُلْهَمُ فُرْقَانُه عِرْفَانُه، والقلب الحاضر برهانه رجحانه، فهُمْ في مجهود

стр. 1952

نفوسهم، والفرقانُ (١) تعريفٌ من الله، والتكفير تخفيفٌ من الله، والغفرانُ تشريفٌ من الله (٢). السَّادس والثمانون: قوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) كانوا يُحَامُون عن المسجد ويمنعون منه باسْم أنهم أولياؤه، وليس له بولي من لا يتقي فيه (٤) الله، وإذا كان يُعَذِّبُ من ليس له بوَلِيٍّ فدليل الخطاب يقتضي أنه لا يُعَذِّبُ وَليًّا، وقد قدَّمنا حقيقة "الولي" (٥) في اسمه، والمؤمنون كلهم أولياء الله، وهو وليهم على مقاديرهم، وإن عذَّب فإنه يرحم، وإن أَعْرَضَ فإنه يُقْبِلُ. بَيْتُ شِعْرٍ (٦): إذا سَلِمَ العهدُ الذي كان بيننا … فوُدِّي وإن شَطَّ المزارُ سليمُ (٧) السَّابع والثمانون: قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (٨) يعني: نَقْضَ العهد مرة بعد أخرى، وهو أعظم خلاف يكون للتقوى، فقد صار نَقْضُ العهد لهم سَجِيَّة، فلا ينبغي أن يَتْرُكَ من استفراغ الوُسْعِ في جهادهم بقيَّة.

стр. 1953

ومن أعظم الكبائر التي لا غفران لها في هذا الطريق تَكَرُّرُ نقض العهد، والاستخفاف بالحرمة في كل وقت؛ لما يؤول إليه من سوء الخاتمة، ويدل عليه من فساد الباطن، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٣٦]. الثامن والثمانون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) حذَّرهم الله أن يختلفوا بين يَدَيْ رسول الله، كما تقدَّم بيانُه. التاسع والثمانون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) وقد تقدَّم. وقوله بعد ذلك: ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وقد تقدَّم أيضًا بيانُه، فإن (٤) شئت أن تبسطه فابسطه، فإن المَحَلَّ يحتمل، وهو: المُوَفِّي تسعين: قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥) يعني: بعصمته ونصرته، ولَمْ (٦) أَذْكُرْ (٧) وجوه المعيَّة؛ فإنني أخاف (٨) عليكم المَلَلَ بالتطويل، فأَمَّا (٩) أنا فإنه (١٠) أَلَذُّ عندى من نَسِيمِ البَلِيل، وأَوْقَعُ

стр. 1954

في نفسي من رِيِّ الغليل، وأنجع من شفاء العليل، وكيف لا يكون معهم وهو عليم بهم، محيط بسرائرهم وعلانيتهم! كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤٤]، وهو: الحادي والتسعون: وهذه الآيةُ من أغرب آيَةٍ في كتاب الله، وذلك أن الله تعالى أخبر عن تخَلُّفِ المنافقين في غزوة تَبُوكَ عن المؤمنين، وخصَّ بالذِّكْرِ منهم من أَذِنَ له رسول الله، ثم قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، فبَدَأَهُ بالعَفْوِ قبل العِتَابِ، تأنيسًا له (١) وتَطيِيبًا لنفسه الكريمة؛ لئلَّا يخجل ويغتمَّ، فلم يكن منه ﷺ (٢) ارتكابُ محظور ولا تجاوزُ (٣) حَدٍّ، وإنَّما تَرَكَ الأولى بالاجتهاد وعموم الإذن في قَبُولِ العُذْرِ في الظاهر، وأخبر أنهم ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ (٤) [التوبة: ٤٦]، يعني: لم يُرِدْهم فخلق لهم القعود، ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾، حَكَمَ عليه بذلك وسجَّل، وأخبر عنه فاعتمل به واحتمل، وبيَّن سبحانه صواب الرأي في قبول العذر بقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ التوبه: ٤٧]، ممَّا (٥) كان عندكم من الخبال بأمثالهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾؛ ممَّن خرج ومَن بَقِيَ، فلذلك قَبِلَ توبة من تحقَّق تُقَاتَه، وعَلِمَ صِدْقَه، فانظروا (٦) إلى عَتْبِه، ثم تصويب رَأْيِه.

стр. 1955

الثاني والتسعون (١): قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ (٢) كان أهلُ مسجد الضِّرَارِ قد بَنَوا مسجدهم على نيَّة السعي بالفساد، والتَّضْرِيبِ بين الناس، والإيضاع في الخبال، وتَشْتِيتِ الحال على النبي والمؤمنين، وتزهيد الناس فيهم، والتَّعْيِيبِ لهم، وعمارة مجالسهم بذلك، وأَسَاسُ الأعمال الدنيوية والدينية النيَّات، فإذا صحَّت ثَبَتَ المترتب (٣) عليه؛ كان من أعمال الدنيا أو من أعمال الآخرة، واتَّسق على نظام الطاعة فيها. وأنتم يا مَعْشَرَ المريدين: إليكم فاسمَعُوا، وعليكم فَعُوا؛ أن تَبْنُوا (٤) نيَّاتكم في الإرادة للتجرد للعبادة على يَقِينٍ صادق فيما تعتقدونه، ثم على خلوص في العزيمة، وحَزْمِ (٥) - في الانتهاض للمَسِيرِ (٦) على طريق الهداية إلى الله سبحانه - تَامٍّ، وعَزْمٍ نَافِذٍ، ألَّا تنصرفوا عن الطريق التي تسلكونها قبل الوصول، ولينسلخ كُلُّ أَحَدٍ منكم عن شهواته ومآربه ومطالباته، ثم يبني أمره على دوام ذِكْرِه، بحيث لا يعترضه نسيان، ولا يَعُوقُه عائق يسلبه الذِّكْرَ أو العرفان، ولا يجعل لأحد على قلبه سلطان (٧)، وليصرم حَبْلَ

стр. 1956

النسوان والولدان، وليتجرَّد حتى يَتَّسِمَ بسِمَةِ الخلصان، ويرتسم في عباد الرحمن؛ فإنه إن ضيَّع الأصول في الطريق حُرِمَ الوصول، وذلك لمن لم يُحْكِم الأساس - أوَّلًا - في البنيان، فإنه إذا لم يفعل ذلك سَقَطَ عليه الحائط في المقام، أو خَرَّ عليه السقف وهو لا يشعر عند التمام (١). وقد أَكَّدَ الله الخبرَ عمَّن يؤسس بُنيانَ إرادة على غير تقوى؛ فإن القلب يبقى مُرْتَابًا في أثناء المسير (٢) للمريد، حتى إذا لَقِيَ عائقًا أو تَشَبَّثَتْ به في أثناء ذلك عَلاقة انحلَّ رَبْطُه، وانهار بنيانه، ونكص على عَقِبَيْهِ، ومن أُيِّدَ بصحيح البرهان، ووُفِّقَ لتأمُّلِ الفرقان، وأُعطي من القوة بحيث يَصْدِفُ (٣) عن العوائق، ويقطع عارض العلائق، إِمَّا أن يبقى حائرًا في ظلمة الترديد، أو تذهب به الخواطر إلى خلف، وذلك بما يكون من القضاء السَّابق في التيسير له أو (٤) التعسير عليه. كما (٥) قال سبحانه - في الثالث والتسعين -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٦]؛ فعلمه (٦) قولًا، ثم نفذ (٧) فيه ما أراد حُكْمًا، فالبيانُ بالقول لقيام الحجة، والإنفاذُ بالفعل لتصحيح الحكمة والدلالة على المشيئة والقدرة، وتكون الهداية في هذه الآية بمعنى البيان، لا بمعنى خَلْقِ الهُدى في القلوب.

стр. 1957

الرَّابع والتسعون: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) فيه سِتَّةُ أقوال: الأوَّل: "كُونوا مع المسلمين" (٢)، والخطابُ لمن آمَنَ من أهل الكتاب (٣). الثاني: "كونُوا مع الصادقين في الحديث، وتجنَّبوا الكذب" (٤). الثالث: "استديموا (٥) إيمانكم؛ وكونوا مع الداخلين في الجنة بقَدَمِ الصدق الذي لهم عند ربهم" (٦). الرابع: "كُونُوا مع المهاجرين الأوَّلين" (٧). الخامس: "سَوُّوا بين سِرِّكُمْ وعلانيتكم" (٨). السَّادس: "كونوا في أقوالكم وأعمالكم على مقتضى عقائدكم، ففي الحكمة: "كَذَبَ من ادَّعى محبتي؛ فإذا جنَّه الليل نام عنِّي" (٩)، يعني: أن تلك الحالة هي التي يطلبُ الحبيبان من الخلوة، أو أحدهما في الآخر.

стр. 1958

وللتقوى منازلُ؛ منها: هذه الستة التي ذَكَرُوا. الخامس والتسعون: قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (١) يعني: في اختلاف الليل والنهار، فاختصاصُ النهار بضيائه، واختصاص الليل بظَلْمائه، من غير وجوب ذلك ولا استحقاق، هذا دلالة على الرد والقبول، والقطع والوصول (٢)، ليس لسبب ولا علة ولا معلول، وإنَّما (٣) هي إرادة ومَشِيَّة (٤)، وحكمة وقَضِيَّة (٥). والنَّهارُ لأصحاب العرفان، والليل لأهل الامتحان؛ فإنه للمُحِبِّ وَقْتُ نَجْوَى، وللعاصي حِينُ شَكْوَى (٦). ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦]، يعني: من الدلالات، وعجائب المخلوقات، وقد أشرنا إلى نُبْذَةٍ منها في اسم "المتفكر" (٧)، وهي أكثرُ من أن تُذكر، وما منها إلَّا ما له مثالٌ في الدين، ضَرَبَ الله به المَثل للمؤمنين. ومن أعظم أنواع العبرة فيه التي يجب أن تُتَّقَى أنَّ فيها كوكبين؛ شمسًا وقمرًا، فالشمسُ أبدًا ثابتة بضيائها، والقمر في زيادة ونقصان، ومحو

стр. 1959

وإثبات، وكمال في ليلة أو ليلتين، وذلك مَثَلٌ لمن تدوم حاله فلا يتغير من العبَاد، بما أحاط به من التوفيق، وذلك الآخَرُ مَثَلٌ لمن تتغيَّر أحواله، وتتبدَّل أقواله وأعماله، والكلُّ إلى فناء وعدم؛ لأنه ليس له وَصْفُ القِدَمِ (١). ومن أعظم ما يُتَّقَى فيها الشَّكُّ في زوالها، ويليها الاعتقاد بأن لها تأثيرًا في فِعْلٍ، أو أنها سَبَبٌ في عَمَلِ أَمْرٍ، فذلك مناقض للعقل، مبطل للإيمان، ما (٢) للشمس والقمر حَظٌّ في النبات ولا في الحيوانات، وإنَّما الذي ترى (٣) بينهما من الارتباط علامات. السَّادس والتسعون: قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٤) أَمَرَ الله نبيَّه أن يُقَرِّرَهم على من يرزقهم من السماء والأرض بالمطر والنبات، ومن يُنشئ السمع والأبصار، ومن يُخرج الحي من الميت؛ النبات من الحَبِّ، والحب من النبات، والشعر والظفر والجنين من النطفة، والنطفة من الحي، والكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر. ويُدَبِّرُ أمر السماوات والأرض؛ من شتاء وصيف، وريح وسُكون، فإذا قالواة ﴿اللَّهُ﴾، قل لهم: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ من يفعل ذلك في عبادتكم لغيره؛ ممَّن لا يخلق ولا يعقل، ولا يضر ولا ينفع، وكذلك يُقال لمن يَنْسُبُ ذلك إلى الأسباب؛ إنك مُقِرٌّ بأن الله خالق الكُلِّ، فاتَّقِ أن تُخرج عن قدرته إلى بَعْضِ مقدوراته بَعْضَ مخلوقاته، وانسُب المسيَّب إليه كما تنسبُ

стр. 1960

السَّبَبَ، واجعل الكُلَّ فِعْلًا له بقدرته، فذلك أَبْدَعُ وأعجب، ولا تكذب عليه فتقول: خَلَقَ فيها القُوَّةَ على ذلك؛ فإنه لم يُخْبِرْكَ بذلك، بل أخبرك أنه لا فاعل سواه، ولا خالق غيره ما ولا مُدَبِّرَ إَلَّا هو، فكيف يكون للشمس والقمر أو للجمادات تدبيرٌ، أو يصحُّ منها وُجُودُ فِعْلٍ مُحْكَمٍ؟ هل يخرج هذا (١) من قَلْبِ عَبْدٍ (٢) إلَّا (٣) وهو بالجهل مُفْعَمٌ! السَّابع والتسعون: قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ (٤) المعنى: الذين قالوا: لا إله إلا الله، ووَفُوا بذلك في الاعتقادات والأقوال والأفعال، باجتناب المحرَّمات، والعزوف عن الشهوات، والتحذُّر من الغفلات، والتوقِّي للشبهات، دع عنك المحرَّمات، فهؤلاء لهم البشرى قَطْعًا؛ في الحياة الدنيا بالعيشة الطيبة، وفي الآخرة بالحالة المرضية، ألا ترى كيف لم يَكِلِ البشرى إلى أَحَدٍ، فقال: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة، ٢١]، لمَّا لم يخرجوا عن عُهْدَةِ الإسلام، ووَفُوا بشَرْطِ الالتزام؛ قُوبِلُوا بغاية البِرِّ والإكرام، بما كُوشِفُوا به من الإعلام (٥). فالبِشَارَةُ الأولى: ما يجدونه في قلوبهم من اللَّذَّةِ بالمعرفة (٦).

стр. 1961

والبشارة الثانية (١): ما يجدونه في نفوسهم من هوان الحاجات والمَآرِبِ (٢). والبشارة الثالثة (٣): ما يجدونه على أرواحهم من الرضى بالكوائن، فرَوْحهم مع وجودها كرَوْحهم قبل وُرُودِها (٤). والبشارة الرَّابعة (٥): ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٣٠ - ٣١]. والبشارة الخامسة: "يا أهل الجنة، خُلُودٌ فلا موت" (٦). والبشارة السَّادسة: "قد أحللتُ عليكم رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" (٧). وذلك مُتَحَقِّقٌ بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. الثامن والتسعون: قال الله لنَبِيِّه بعدما قصَّ عليه أعظم الأخبار وأَوْلاها وأحراها بالاعتبار وأدناها: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ﴾ كما صبر نوح، فـ ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، على الوجه الذي قدَّمنا، ومنها الضجر بالبلاء، والملل من التحمل للأعباء، والفشل عن التضرع والدعاء.

стр. 1962

التاسع والتسعون: قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) يعني: اجعلوا بينكم وبين ما تفعلون من المنكر وقاية، وهؤلاء بناتي فاتخذوهن وقاية. قيل: "أراد بنات أُمَّته؛ لأنَّ كل نبي بنات أمَّته بناتٌ له" (٢). وهذا لا يصح بحال، فلا وجه لدعواه. وقيل: "أراد به بنات نَفْسِه" (٣). أي: خذوهن مني بالنكاح، فهنَّ أطهر لكم، أي: أنقى من المعصية، وأَوْضَأُ من الحرام. قال بعضُ النَّاس: "وحَمَلَهُ (٤) ما رأى من الغلبة على إلقاء جلباب الحشمة" (٥). وعلى قول بعض الفقهاء: "ولم يُراع الكفاءة"، أو كان زواج الكافر للمؤمن جائز (٦)، ذلك كلُّه ليَفْدِي ضِيفَانه ببناته. المُوَفِّي مائة: قوله: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٧) أَخْبَرَ الله في هذه الآية بحُكْمِه، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا

стр. 1963

لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٦]، المعنى: لمَّا كان مالكًا لشهوته ملَّكه الله الحُكْمَ على خليقته (١)، وجعل في يديه أرزاق أمته. قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢١]، ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيَّن أن ما يُؤْتِي عبادَه من أَلْطَافِه (٢) فبِفَضْلِهِ لا بِفِعْلِهِمْ، وبرحمته (٣) لا بخدمتهم، ثم بيَّن فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾، ثم بيَّن أنه لمن (٤) يكون (٥)، فقال: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، يعني: يجعلون بينهم وبين هواهم وقاية، إمَّا من مروءة، وإمَّا من ديانة. الحادي ومائة: قولُه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) فاتَّقى يوسف شهوته، وصبر على البلاء، فوفَّاه الله أجره بالمُلْكِ في الدارين. أخبرنا الشهيدُ أبو سَعْدٍ (٧) بالقدس، وأبو الفضائل ابن طَوْقٍ بمدينة السَّلام، عن الأستاذ أبي القاسم القُشَيري، عن أبي علي الدقَّاق شيخ الصوفية قال: "إن (٨) يوسف لمَّا قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، فأشار إلى

стр. 1964

استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر؛ أنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد، فقالوا له (١): ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، أي: ليس هذا إلَّا بإيثار الله وإرادته (٢) لا بصبرك، فانقادَ يوسف حينئذ فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فأسقط عنهم اللَّوم حين نبَّهوه عليه، فلمَّا (٣) لم يَرَ تقواه (٤) من نفسه لم ير جفاءهم منهم، فنطق عن عين (٥) التوحيد فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] (٦). واعترفوا بفَضْلِ يوسف بعد ما أنكروه وضجروا من تفضيل أبيه له، وأخذوا في طريق التجاوز وهو الاعتراف، فأسرع يوسف في التجاوز عنهم، ووعد يعقوب بذلك (٧)، وفيه كَلَامٌ أمليناه في الألف الآية اليُوسُفِيَّةِ من "أنوار الفجر" (٨). الثاني والمائة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (٩) قد بيَّنَّا في كتاب "قانون التأويل" (١٠) الفَرْقَ بين المِثل والمَثل، وليس

стр. 1965

لله (١) مِثْل، وله المَثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، الذي لا يُنال بوَجْهٍ (٢)، الحكيم فيما قضى (٣) ودبَّر، ووصف به نفسه وأخبر، قال ابن عباس: "ليس في الجنة من الدنيا إلَّا الأسماء" (٤)، وقد بيَّنَّا ذلك في "العواصم" (٥) و"المقامات" صَدْر هذا الكتاب وغيره (٦). ولهم فيها جنات وعيون؛ مَثَلًا لما شاهدوه من جنس (٧) الدنيا (٨)، فإنَّ أحسن الجنات ما كان له عين جارية، كما قال (٩): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٠) [الحجر: ٤٥] ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (١١) [القمر: ٥٤]، ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (١٢)
следующие страницы →