← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

والبشارة الثانية (١): ما يجدونه في نفوسهم من هوان الحاجات والمَآرِبِ (٢). والبشارة الثالثة (٣): ما يجدونه على أرواحهم من الرضى بالكوائن، فرَوْحهم مع وجودها كرَوْحهم قبل وُرُودِها (٤). والبشارة الرَّابعة (٥): ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٣٠ - ٣١]. والبشارة الخامسة: "يا أهل الجنة، خُلُودٌ فلا موت" (٦). والبشارة السَّادسة: "قد أحللتُ عليكم رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" (٧). وذلك مُتَحَقِّقٌ بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. الثامن والتسعون: قال الله لنَبِيِّه بعدما قصَّ عليه أعظم الأخبار وأَوْلاها وأحراها بالاعتبار وأدناها: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ﴾ كما صبر نوح، فـ ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]، على الوجه الذي قدَّمنا، ومنها الضجر بالبلاء، والملل من التحمل للأعباء، والفشل عن التضرع والدعاء.

стр. 1962

التاسع والتسعون: قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) يعني: اجعلوا بينكم وبين ما تفعلون من المنكر وقاية، وهؤلاء بناتي فاتخذوهن وقاية. قيل: "أراد بنات أُمَّته؛ لأنَّ كل نبي بنات أمَّته بناتٌ له" (٢). وهذا لا يصح بحال، فلا وجه لدعواه. وقيل: "أراد به بنات نَفْسِه" (٣). أي: خذوهن مني بالنكاح، فهنَّ أطهر لكم، أي: أنقى من المعصية، وأَوْضَأُ من الحرام. قال بعضُ النَّاس: "وحَمَلَهُ (٤) ما رأى من الغلبة على إلقاء جلباب الحشمة" (٥). وعلى قول بعض الفقهاء: "ولم يُراع الكفاءة"، أو كان زواج الكافر للمؤمن جائز (٦)، ذلك كلُّه ليَفْدِي ضِيفَانه ببناته. المُوَفِّي مائة: قوله: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٧) أَخْبَرَ الله في هذه الآية بحُكْمِه، قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا

стр. 1963

لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٦]، المعنى: لمَّا كان مالكًا لشهوته ملَّكه الله الحُكْمَ على خليقته (١)، وجعل في يديه أرزاق أمته. قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢١]، ثم أخبر عن حقيقة التوحيد، وبيَّن أن ما يُؤْتِي عبادَه من أَلْطَافِه (٢) فبِفَضْلِهِ لا بِفِعْلِهِمْ، وبرحمته (٣) لا بخدمتهم، ثم بيَّن فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾، ثم بيَّن أنه لمن (٤) يكون (٥)، فقال: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، يعني: يجعلون بينهم وبين هواهم وقاية، إمَّا من مروءة، وإمَّا من ديانة. الحادي ومائة: قولُه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦) فاتَّقى يوسف شهوته، وصبر على البلاء، فوفَّاه الله أجره بالمُلْكِ في الدارين. أخبرنا الشهيدُ أبو سَعْدٍ (٧) بالقدس، وأبو الفضائل ابن طَوْقٍ بمدينة السَّلام، عن الأستاذ أبي القاسم القُشَيري، عن أبي علي الدقَّاق شيخ الصوفية قال: "إن (٨) يوسف لمَّا قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، فأشار إلى

стр. 1964

استحقاق الأجر على ما عمل من الصبر؛ أنطقهم الله حتى أجابوه بلسان التوحيد، فقالوا له (١): ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، أي: ليس هذا إلَّا بإيثار الله وإرادته (٢) لا بصبرك، فانقادَ يوسف حينئذ فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فأسقط عنهم اللَّوم حين نبَّهوه عليه، فلمَّا (٣) لم يَرَ تقواه (٤) من نفسه لم ير جفاءهم منهم، فنطق عن عين (٥) التوحيد فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] (٦). واعترفوا بفَضْلِ يوسف بعد ما أنكروه وضجروا من تفضيل أبيه له، وأخذوا في طريق التجاوز وهو الاعتراف، فأسرع يوسف في التجاوز عنهم، ووعد يعقوب بذلك (٧)، وفيه كَلَامٌ أمليناه في الألف الآية اليُوسُفِيَّةِ من "أنوار الفجر" (٨). الثاني والمائة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (٩) قد بيَّنَّا في كتاب "قانون التأويل" (١٠) الفَرْقَ بين المِثل والمَثل، وليس

стр. 1965

لله (١) مِثْل، وله المَثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم، الذي لا يُنال بوَجْهٍ (٢)، الحكيم فيما قضى (٣) ودبَّر، ووصف به نفسه وأخبر، قال ابن عباس: "ليس في الجنة من الدنيا إلَّا الأسماء" (٤)، وقد بيَّنَّا ذلك في "العواصم" (٥) و"المقامات" صَدْر هذا الكتاب وغيره (٦). ولهم فيها جنات وعيون؛ مَثَلًا لما شاهدوه من جنس (٧) الدنيا (٨)، فإنَّ أحسن الجنات ما كان له عين جارية، كما قال (٩): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (١٠) [الحجر: ٤٥] ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (١١) [القمر: ٥٤]، ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ (١٢)

стр. 1966

[الطور: ١٥]، و ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) [المرسلات: ٤١]، وكما (٢) أن فيها عيونًا، ففيها أنهار، ولا يَطِيبُ ذلك إلَّا بالظلال، وظِلُّها ليس من ثمارها، وإنما هو هواء سَجْسَجٌ (٣). يدخلونها بسَلَامٍ، أي: بسلامة من الآفات. وقيل: تُسَلِّمُ عليهم، ويسلم عليهم ربهم، ويأخذون ما آتاهم ربهم، ويتنعَّمون به ويتفكَّهون فيه، ويتمتعون في فنونه. وفي ذلك شَرْحٌ، فخُذُوا كل شيء من موضعه على ما بيَّنَّاه في "قانون التأويل"، فمن عجز عن ذلك أو (٤) استبعده فهذا القَدْرُ يكفي في منفعته إن كان مُرِيدًا، أو في الحجة عليه بسعة العلم إن كان عنيدًا، وإنُّما ذكر سبحانه هذه الخمسة وإن كانت واحدًا لاختلاف مُتَعَلَّقَاتِهَا. السَّابع والمائة: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ (٥) هو قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٧]، كما تقدَّم، إلَّا أنَّ هذا الكلام وقع هاهنا مُجَرَّدًا في سؤاله لهم تَرْكَ الخزاية؛ بالمروءة في بِرِّ الأضياف، وبالديانة في ترك الحرام، وفي "سورة هود" كان التصريح أكثر.

стр. 1967

الثامن والمائة: قولُه تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ (١) هذا هُوَ قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣٠]، إلَّا أن تلك الآية مخصوصة بأهل الكتاب، وبيَّن في هذه الآية أنها وصية لكل نبي، وأُخْتُ لا إله إلا الله في الإنذار، وناهيك بهذا شَرَفًا لها (٢)، فافهموه فإنه نفيس، وفيه كلام طويل لا أراكم تحتملونه؛ لمَّا رأيتُ من كثرة الكسل لديكم، وكثرة الفشل فيكم، وعظيم القواطع عندكم، وقلة المساعد لكم، وإِنْحَاءَ الدنيا عليكم. التاسع والمائة: قوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا﴾ (٣) يعني: اتقوا الكفر، كان الوفدُ إذا سألوا عن النبي والرُّكْبَانُ إذا (٤) استخبروا حاله والسُّفَّارُ إذا تناقلوا حديثه والسُّمَّارُ إذا أجرَوا قصته قال الذين كفروا: أساطير الأولين، يعني: أكاذيب العجم، فضَلُّوا وأَضَلُّوا، ليحملوا أوزارهم كاملة (٥) وأوزار من قَبِلَ منهم. وقال الذين اتقوا: دِينُه حق، والذي أُنزل عليه خير، وهو أنَّ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، يعني: دارهم (٦)، وهو: العاشر والمائة.

стр. 1968

قال علماؤنا: "قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ تَفْسِيرٌ من الله لمعنى قولهم: الخير"، إلى آخر القول. والحسنة التي وجدوا في الدنيا هي حلاوة الطاعة، وصفاء الوقت، ولَذَّةُ العبادة، وزيادة التوفيق لهم في الأعمال، ونماء التحقيق في الأحوال، وتبليغ المريدين منازل الأكابر، والبالغين (١) مراتب السَّابقين، وما يتعدَّى منهم إلى غيرهم من بركات إرشاد المريدين، وتنبيه الغافلين، وإفادة المتعلمين، وفي هذا كله حديث زائد وأخبار (٢) تُنْقَلُ من مواضعها، على رسم القانون في هذه العشرة المراتب التي أوردتُها الآن. قال سبحانه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ بما لا يحصى من التفضيل؛ بما هي عليه من البقاء، والأمن من الزوال، والعصمة من الآفات. ثم ذَكَرَ أَلَذَّ ما في الجنة (٣)؛ وهو أنة يؤتى فيها ما يشتهي، ونَكَدُ الدنيا إنَّما هو تعذر الآمال، وضيق الأحوال، وقصور القدرة عنها، والجنة متسعة لذلك وأكثر، حتى تنقطع الأماني بالعَبْدِ وتغلبه، فلا يجد ما يتمنَّى، فهذا جزاء المتقين، وهو: الحادي عشر والمائة: قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (٤) على ما يأتي بيانه في اسم "الطَّيِّبِ" إن شاء الله.

стр. 1969

الثاني عشر والمائة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١) قد تقدَّم ذِكْرُ المَعِيَّةِ ومعناها فىِ قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقد تقدَّم الإحسان (٢) في اسم "المُحْسِنِ" (٣). الثالث عشر والمائة: قوله (٤): ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ (٥) يعني: يحيى صلوات الله عليه. ذَكَرَ المفسرون عن النبي ﷺ : "أنه ما من أحد إلَّا قد أذنب أو هَمَّ بذنب، إلَّا يحيى بن زكرياء" (٦)، وهو خَبَرٌ ليس له سند، ولا في المعنى معتمد، ما من الأنبياء أَحَدٌ إلَّا كان تَقِيًّا، من آدم إلى مُحَمَّدٍ (٧)، كلهم تَقِيٌّ نَقِيٌّ، ويحيى فيهم شَرِيفٌ سَنِيٌّ، وقد بيَّنَّا خصاله في "كتاب الأنبياء". الرابع عشر والمائة: قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٨) حَمَلَ الافتئاتُ (٩) على كتاب الله قومًا على أن يقولوا: "إنَّ تَقِيًّا اسمُ

стр. 1970

رجل" (١)، وإنَّما هو أعوذ بالرحمن منك إن كنت ذا تقوى ونهية، أَيْ (٢): يجب أن تخوَّف بالرحمن إن كنت (٣) تعرفه، وذَكَرَتِ الرحمن دون ذِكْرِ الله استعاذةً برحمة تحفظها منه، ولم تجد كلمة أحظى منها عندها، ولقد استعاذت بمُعَاذٍ، وبه يستعاذ من كل شر، ومن شَرِّ الشيطان وشِرْكه، وهَمْزِه ونفثه ونفخه، ولو كان الذي تعوَّذت منه لا يعرف الرحمن فإنها تعرفه، والمُعَوَّلُ (٤) على معرفة المستعيذ لا على معرفة المُسْتَعَاذ منه، بلا مرية ولا خلاف، وهذا من نَفِيسِ العلم. الخامس عشر والمائة: قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (٥) أي (٦): نجعل الجنة لهم ميراثًا، بقوله: ﴿نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، وهو السادس عشر والمائة. وهذه الآية تكشف لك منازل التقوى، ومراتب البلوى، وفائدة الطاعات، فقد تقدَّم في "مقام القيامة" (٧) أنَّ الناس في جواز الصراط على طبقات؛ ناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومار كالبرق، ومار على رجليه، ومار تلفحه النار مرَّة وتُخْلِيه أخرى.

стр. 1971

السَّابع عشر والمائة: قوله (١): ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) جعل البشرى لمن اتقَّاه على الإطلاق، ويكون بتقييد على وجوه؛ لمن وقع في بعض المكاره دون بعض. الثامن عشر والمائة: قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣) ما أوعدتهم به، رجاء ما وعدتهم، خرج الأمر مخرج الرجاء والخوف والإبهام، حتى يكشف لك (٤) العيان منازل ذلك ومواضعه (٥)، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ فيما أغفلوه بما يأتي لما مضى. التاسع عشر والمائة: قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٦) هو قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [القصص: ٨٣]، وهذا حقيقة ذلك المجاز، تقديرُه: والعاقبة لذي التقوى. المُوَفِّي عشرين ومائة (٧): قوله: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٨) إنَّ الله لا ينالُ شيئًا ولا ينالُه شيء على الاتصال، وإنما هو عطاؤه

стр. 1972

للخلق، فِعْلٌ يفعله، وعطاءُ الخلق (١) فِعْلٌ يفعلونه، والنَّوْلُ هو الاتصال بالشيء، وذلك من الله فينا من صفات الأفعال، فصُوَرُ الأفعال لا منفعة فيها لنا، ولن يقبل الله شيئًا منها إلَّا أن تكون مقترنة بتقوى دون (٢) آفة تتعلق بها أو نقصان يكون فيها، وفي ذلك تفصيل طويل وكلام كثير، فمن (٣) قَدَرَ عليه فلينقله من مواضعه، وليُرَتِّبْهُ على وجوهه. الحادي وعشرون ومائة والثاني وعشرون ومائة (٤): قوله في سورة المؤمنين: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٥) في موضعين، وقد تقدَّم ذِكْرُ ذلك في أمثالها، فلا وجه لتكرارها خوفًا من مَلَلِكُم (٦). الثالث والعشرون والمائة (٧): قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٨) قال لهم: "ملتكم واحدة، ونبيكم واحد، ومعبودكم واحد، فأنتم في الأصول شَرَعٌ سواء، فلا تسلكوا بُنَيَّاتِ الطريق فتطِيحُوا في أودية الضلالة، ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، خافوا مخالفة أَمْرِي، واعرفوا عظيم قَدْرِي،

стр. 1973

واحفظوا في مجاري التقدير سِرِّي، واستديموا بقلوبكم ذِكْرِي، تجدوا في مآلكم غَفْرِي، وتنالوا بِرِّي" (١). الرابع والعشرون ومائة (٢): ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٣) أَمَرَ رسولَه أن يُكَرِّرَ عليهم المسألة، وأَعْلَمَهُ بجوابهم، ولم يَرْضَهُ حين لم يصدر عن عِلْم، وإذا حَكَمَ القاضي بحق من (٤) غير عِلْم فهو في النار، ثم نبَّههم على كمال قدرته، وأنَّ القدرة القديمة إذا تعلَّقت بمَقْدُورٍ له ضِدٌّ تعلَّقت بضِدِّه، ورتَّب القول هاهنا على وُجُوهٍ من الحكمة، قال أوَّلًا: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٦] فقدَّم الذِّكْرَ على التقوى، لأنهم بتَذَكُّرِهم يَبْلُغُونَ إلى المعرفة، فإذا عرفوه علموا أنه يجب عليهم اتِّقَاءُ مخالفته، فإن لم يفعلوا قيل لهم: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٠] أي: بعد وضوح الحق، أيُّ شَكٍّ بَقِيَ حتى تنسبوه إلى السِّحْرِ (٥)؟ الخامس وعشرون ومائة (٦): ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (٧) هُمْ أبدًا في نعيم مُقِيم، حُورٌ وسُرُرٌ وسُرُورٌ، وقِبَابٌ وغُرَفٌ وقُصُورٌ، ورَوْحٌ وريحان، وحُسْنٌ وإحسان، وبهجة وجمال، ونعمةُ بالٍ،

стр. 1974

ولُطْفٌ جديد، وفضل حميد (١)، ولذَّةُ شراب (٢)، وكاساتُ مَحَابٍّ (٣)، وبَسْطُ قَلْبٍ، وطِيبُ وقت، وكمال أُنس، ودوام طَرَب، وتمامُ جَذَلٍ، لباسُهم حرير، وفُرُشُهم سُنْدُسٌ وإستبرق، فالأسماء الأسماء (٤)، والمعاني (٥) أعظم ممَّا تُعاين وتُعاني، ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]، ولكن لا يشاؤون إلا ما يشاء، إرادتُه سبقت، هم فيها أبدًا مقيمون، لا يبرحون، ولا هم عنها يُخرجون، ولا هم فيها ينزفون، هذه حالهم فما ظنك بإمامهم (٦)؟ رَبَّنَا ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، وقد تقدَّم بيانه (٧)، وهو: السَّادس والعشرون ومائة (٨)، وهي مَرْتَبَةٌ تُنال بالدُّعَاءِ لا بالدَّعْوَى، وإمامُ المتقين مُتَّقِي، ولكن حسناتهم (٩) في ميزانه، وأعمالهم من أعماله (١٠).

стр. 1975

السَّابع وعشرون ومائة (١): قوله: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ (٢) ذَكَرَ الله تقوى الأمم هاهنا في خمسة عشر (٣) موضعًا، وما حذَّرتهم به الرُّسُلُ من (٤) اتخاذ الوقايات عمَّا كانوا يقتحمون من الجرائم، ويرتكبون من السيئات، يقولون لهم: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وهم في ذلك معاندون، على الخلاف مُصِرُّون (٥)، وكان ذلك التَّكرارُ سُنَّةً لإقامة الحجة، والإبلاغ في المعذرة، وتعليم الخلق الرِّفْقَ والصبر، وتكرار النصيحة والوعظ، وإن لم يصادف قَبُولًا. الثالث والأربعون ومائة (٦): قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٧) أي: فُرِّبَتْ وأُدْنِيَتْ. فيه تأويلان: أحدهما: بالمعاينة (٨).

стр. 1976

والثاني (١): بالوقت (٢)؛ فإنَّ كل ما هو آت- ولا بد- فقريب، وذلك قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١]، يقال لهم: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ [ق: ٣٢]. الرابع والأربعون ومائة (٣): قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٤). وقد بيَّنا اقتران التقوى بالإيمان، فإن شئت فأَعِدْه، وثَبِّتِ القلوب به، وإن خَشِيتَ مَلَلًا فأَحِلْ عليه وانتَقِلْ عنه. الخامس (٥) والأربعون ومائة: قوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٦) خُذْهُ من اسم "المتواضع" (٧) و"الصَّالح" (٨)، واسْرُدْهُ بالقانون.

стр. 1977

السَّادس (١) والأربعون ومائة: قَوْلُ إبراهيم لقومه (٢): ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ (٣) لمُّا لم يصرح به في "سورة الظُّلَّةِ" (٤) أَفْرَدَهُ بالذِّكْرِ هاهنا، والمعنى واحد. السَّابع والأربعون ومائة (٥): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ (٦) قيل: هو خطاب للأمة، عبَّر به عنهم تَكْرِمَةً لهم وتأكيدًا عليهم (٧). وقيل: أُفْرِدَ بالخطاب ليكون ذلك أعظم على الأمة (٨). وإذا لم يوقن (٩) هو فمن يوقن (١٠)؟ وإذا لم يتق الله فمن يتقه (١١)؟ وقد

стр. 1978

قال ﷺ : "إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده" (١)، فأفادكم هذا أن التُّقَى إنما يكون على مقدار العلم وحضوره، فمن كان أعلم كان أتقى، وتترتَّب منازلهم على حسب مراتبهم في العِلْم. الثامن والأربعون ومائة: قَوْلُه تعالى لمُحَمَّدٍ: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ (٢) كذلك كان؛ أخشى الخلق لله، وأعلمهم بما يتقي، كما أخبر عن نفسه (٣). ومعناه: اتق الله أن تخرج ما في نفسك، كذلك فعل، فقال: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٧ - ٣٨]، فأظهر الله من سِرِّهِ ما لم يقدح في قَدْرِه، ولا أنكر من أَمْرِه، وأنبأ عن طهارة علانيته وجَهْرِه (٤)، صلَّى الله عليه ما دَارَ طَوْقُ حَمَامٍ في نَحْرِه، وهَطَلَ سحابٌ بقَطْرِه. التاسع والأربعون ومائة: قَوْلُه للنساء: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ (٥) وهُنَّ أحق بالتقوى لكثرة عصيانهن (٦)، وهذا مَوْضِعُ كلام للمعاصي التي ينفرد بها الرجال دون النساء، فيتأكد (٧) عليهن في ذلك التقوى، كما

стр. 1979

للرجال كذلك فيما ينفردون به، على ما بيَّنَّاه في "الأنوار"، ويختصُّ البيانُ هاهنا بما (١) فُرِضَ عليهن فيه الستر، وتمييزه (٢) ممَّا رُخِّصَ لهن، على تفصيل؛ بيانُه في "الأحكام القرآنية" (٣). المُوَفِّي خمسين ومائة: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٤) ذَرُوا الشرك والمعاصي، ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: كلمة الإخلاص؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله، عن ضمير صادق. وقيل: "سَدِّدُوا أقوالكم تُسَدَّدْ أعمالكم، ولقد رفع عنك الحرج من رَضِيَ منك بحَالَةٍ وقَالَةٍ، فالحالةُ تَرْكُ الشِّرْكِ، والقَالَةُ كلمتا الشهادة، فإذا فعلتم ذلك أصلح أعمالكم الدنيوية من الخلل، وغفر لكم في الآخرة الزلل، فحصلت لكم سعادة الدارين " (٥). ومن "فوائد الشهيد أبي سعد": "ذَكَرَ الأعمال بالجمع وقدَّمها على المغفرة (٦)؛ لأنه ما لم تصلح أعمالك ولم يكفك أشغالك لم تتفرَّغ لحديث آخِرَتِك" (٧).

стр. 1980

الحادي والخمسون ومائة: قَوْلُه (١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) اتخِذُوا وقاية عمَّا تستقبلون من الذنوب بالكَفِّ والعصمة، وعمَّا مضى بالاستغفار والتوبة؛ لعله أن تنالكم الرحمة، اعرفوا (٣) صفة البهائم في أودية الخذلان، لأنَّ الموسوم (٤) بوَسْمِ (٥) الحرمان، الأَصَمَّ عن سماع الرُّشْدِ، المَصْدُودَ (٦) عن سلوك القصد؛ إن أُمِرُوا بالإنفاق أمسكوا خشية الإملاق، وقالوا معارضين: إن (٧) الله خلق الأنام، إن شاء رزقهم ونظر إليهم بالإنعام، ويستعجلون هجوم الساعة لِمَا غَشِيَ (٨) قلوبهم من الإظلام (٩). الثاني والخمسون ومائة: قوله في الصَّافَّات: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١٠) كما تقدَّم غيره، فاذكره واجعله جوابه (١١).

стр. 1981

الثالث والخمسون ومائة: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (١) أنَّه لا يفعل ذلك بفضله، وإن كان له ذلك (٢) جائزًا بحقه وعَدْلِه، وقد أكَّد ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]، وأَنَّ الله سبحانه قد أخبر بمنزلة كل واحد منهما (٣) وحالته. الرابع والخمسون ومائة: قوله (٤): ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ (٥) وتقدَّم نحوُه، وهاهنا زيادة؛ وهي (٦) ألَّا يتعلَّل المرءُ بالأعداء في تَرْكِ التقوى، فأرضُ الله واسعة، فاخرجوا منها إلى موضع آخَرَ تَتِمُّ فيه لكم عبادتكم، ويَسْلَمُ فيه دينكم، واصبروا على مفارقة مَوَاطِنِكم وأهليكم وأموالكم، فلكم الأَجْرُ بغير حساب. الخامس والخمسون ومائة: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ﴾ هذه منازل المتقين في عِلِّيِّين، في مقام أَمِينٍ (٧) آمِنِين (٨)، وهو:

стр. 1982

السَّادس والخمسون ومائة: لا خوف فيه ولا حزن (١)، ولا فقدان لذة ولا عاهة، وذلك خَيْرٌ ممَّن ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٢٣]، يعني: كمن ليس. كذلك، وهو: السَّابع والخمسون ومائة: المؤمن وجهه (٢) مُسْفِرٌ، والكافر وجهه (٣) مُسْوَدٌ (٤)، يُساق إليه مسحوبًا على وجهه، ويرمى به في النار (٥)، فالمؤمن إنَّما أسفر وجهه وصِينَ وجهه الذي هو (٦) الجارحة؛ لأنه اتقى بوجهه- الذي هو قصده- المعصية. الثامن والخمسون ومائة: قولُه: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٧) الطعن فيه، والمخالفة (٨) بفهمهم (٩) له ومعرفتهم به، فجعله الله للذين آمنوا هدى وشفاء، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٣]؛ لأنه يُضِلُّ به من يشاء ويهدي من يشاء.

стр. 1983

﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] (١)، وهو: التاسع والخمسون ومائة، اتقى المبلِّغ عقوبة الكتمان، واتقى المبلَّغ إليه عقوبة العصيان، فلهم ما يشاؤون، ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١]. وكان ذلك كله لئلَّا يقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، وهو: المُوَفِّي ستيق ومائة، وصدَّق من وجه وكذُّب من آخر، وذلك أنَّ الله لو هداه لكان من المتقين، فإن كان قال هذا باعتقاد صحيح فلا يخلو أن يكون يوم القيامة أو في الدنيا، فإن كان في القيامة فهو صِدْقٌ، ولكن في وقت لا ينفع، وإن كان في الدنيا فهي سخرية، كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٢٠]، والصحيحُ أنه في وقت لا ينفع، لأنها كلمات ثلاث؛ ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، و ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: ٥٤]، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٥]، وشَيْءٌ من من ذلك لم يكن فيما يصح أن يكون، ولا يكون من جميعها في المستقبل شيءٌ (٤)، وإن جاز أن يكون.

стр. 1984

ثمَّ قال (١) - وهو الموضع الحادي والستون ومائة-: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ (٢) الفَوْزُ في لسان العرب: الخلاص (٣)، يريد: ننجي (٤) الذين أخلصوا بتقواهم لمَّا حُرِّمَ عليهم، فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات وقاهم في القيامة من العقوبات، فلهم اليوم عصمة، وغدًا نعمة، واليوم عناية، وغدًا حماية، واليوم وقاية، وغدًا كفاية. فإن قيل: فقد قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر: ٧١]، والسَّوْقُ حالةُ عُنْفٍ. قلنا: جهلتم السَّوْقَ، لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ للعُنْفِ والبِرِّ، يَدُلُّ (٥) عليه حَالُه ومُقَدِّمَتُه (٦) ومَآلُه؛ فالحالُ أن يَرِدَ وافدًا راكبًا، والمآلُ أن يحصل في الجنة خالدًا راتبًا (٧)، والكافرُ يُساق على وجهه، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك كله في "مقام القيامة" (٨)، وهو الثاني والستون ومائة. وبالجملة فإن (٩) الآخرة للمتقين، وهو الثالث والستون ومائة.

стр. 1985

وقَوْلُ عيسى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (١) كقول غيره، وكان الله قد ذَكَرَ (٢) الأنبياء من نوح إلى إبراهيم وعيسى، ثم أفرد إبراهيم في موضع متقدم، وذكر عيسى هاهنا، وفي ذلك نكتة، بيانُها في "قِسْمِ النَّظْمِ" (٣)؛ فإنَّ التفريق نظم، والجمع نظم، على حُكْمِ الفصاحة. الرابع (٤) والستون ومائة: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥) وهو يتولى الصالحين، وهو ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وهو (٦) وَليُّ المؤمنين بالإرادة، ووَليُّ المتقين بالمعونة، ووَلِيُّ الصالحين بالمضاء والصرامة (٧). الخامس (٨) والستون ومائة: قَوْلُه: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ (٩) أخبر الله أن الدنيا لعب ولهو؛ فإن تعلقتم بها ونسيتم وَصْفَ الله لها وتكريهه فيها ذهب ثوابكم وقبح مَآبُكم، وإن آمنتم بخبره واتقيتموها يؤتكم أجوركم.

стр. 1986

وقد كان من دعاء النبي ﷺ في الصحيح: "اللَّهم آتِ نفسي تقواها، وزَكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وَلِيُّها ومولاها" (١)، وله معان كثيرة، بيانُها في "شرح الحديث". السَّادس (٢) والستون ومائة: قَوْلُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) الآية؛ نَزَلَتْ في أبي بكر وعمر كما تقدَّم بيانُه (٤)، فإنما أمروا بالتقوى تَحَرُّزًا (٥) عن الشبهات والمشكلات (٦)؛ إذ لم يقع في يد أحد منهم حرام (٧)، وإنَّما تكلموا في مشكل بغفلة، فنبَّههم الله بأحسن تنبيهٍ (٨) وأكرمه، فامتثلوا على ما تقدَّم بيانه. وأخبر أن ذلك كان (٩) منهم امتحانًا لقلوبهم؛ هل صَفَتْ فأُلْفِيَتْ على نوع من الغفلة فذكَّرت، فكان عُمَرُ بعد ذلك لا يفهمه النبيُّ ﷺ حتَّى يستعيده الحديث (١٠)، وهو:

стр. 1987

السَّابع والستون ومائة (١): ﴿وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) قال الله لعباده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقد بيَّنَّا حقيقة (٣) اسم "الأخ" (٤)، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، فندب إلى إصلاح ذات البين عد التشاجر الحقيقي أو خوفه قبل أن يقع، وهو من أوكد أمور الدين، وهو فَرْضٌ على كافَّة المسلمين، ومن حضره أولى ممَّن غاب عنه، ومن قَرُبَ أولى ممَّن بَعُدَ، وبعَكْسِه في الإثم النَّمَّامُ والواشي والمُضَرِّبُ، وذلك لا يَتِمُّ للعبد إلَّا مع تسوية القلب مع الله؛ فإن الله إذا عَلِمَ صِدْقَ هَمِّك في إصلاح ذات البَيْنِ رَفَعَ العصبيَّة، وذلك يكون بصحيح الأخوة، وقد قدَّمنا حقيقتها. [حُقُوقُ الأخوة]: ومن حقوقها: ألَّا تُحْوِجَ أخاك إلى الاستعانة بك والتماس النصرة فيك، ولا تُقَصِّرَ في تَفَقُّدِ أحواله حتى يُشْكِلَ عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مُساءلتك. ومِن حَقِّه ألَّا تلجئه إلى الاعتذار، بل تبسط عذره، فإن أَشْكَلَ عليك وَجْهُه عُدْتَ باللَّائمة (٥) على نفسك في خفاء عذره عليك، وتتوب عنه إذا أذنب، وتعوده إذا مرض، وإذا أشار عليك بشيء فلا تُطالبه بحجة.

стр. 1988

إذا استُنْجِدوا لم يسألوا من دعاهم … لأية حرب أو لأي مكانِ (١) آخَر (٢): لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانَا (٣) هذا في أهل الباطل، فكيف في أهل الحق؟ ويحفظ عهده القديم، ويراعي حقَّه في أهله والمتصلين به؛ في المشهد والمَغِيب، وفي حالة الحياة والوفاة، كما قال بعض الظرفاء: وخليل إن لم يكن … منصفًا كنت مُنْصِفَا أتحسَّى له الأَمَرَّ … وأسقيه ما صفَا إن يَقُلْ لي: اشْتَوِ … احترقتُ رِضًا لا تَكَلُّفَا (٤) وقد تقدَّم بيانُ الأُخُوَّةِ مُسْتَوْفًى، وهذه نبذة منه، والله يرحم من هذه صِفَتُه، وهو أعلم به، كما قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣١]، وهو الثامن (٥) والستون ومائة.

стр. 1989

التاسع (١) والستون ومائة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ (٢) قال المفسرون: "نزلت في أهل الكتابَين" (٣). قال الإمام الحافظ (٤): الذي أوقعهم في تخصيص أهل الكتاب بها قَوْلُه صلى الله عليه (٥): "ثلاثة يؤتون أجرهم مرَّتين؛ رَجُلٌ آمَنَ بنَبِيِّه وآمَنَ بي" (٦)، والذي عندي أن الآية محتملة لثلاثة (٧) أقوال: الأوَّل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله واستديموا ما بدأتم به. الثاني: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم اتقوا الله وآمنوا بقلوبكم. الثالث: يا أيها الذين آمنوا بأقوالهم وقلوبهم اتقوا الله وامنوا بأفعالكم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٥].

стр. 1990

فهذه الآيةُ تحتمل الثلاثة الأقوال المتقدمة، والآية المتقدمة تحتمل الثلاثة الأقوال، ويحتمل (١) أن يدخل فيها أهل الكتاب. وقوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٧]؛ هذه الأمة تؤتى أجرها مرَّتين، ومن سبق من الأمم يؤتى أجره مرة واحدة، والأصل في ذلك قوله ﷺ ؛ رواه جماعة، منها طريق (٢) ابن عمر، قال النبي: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، أو قال (٣): إنما أَجَلُكم في أجل ما خَلَا من الأمم قبلكم كما بَيْنَ صلاة العصر إلى غروب الشمس" (٤). وقال: "مَثَلُكم ومَثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، وقال: أُوتِيَ أهل التوراة التوراة فعملوا حتى انتصف النهار فعجزوا، فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى إلى العصر ثم عجزوا، فأُوتوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتِينا القرآن، وقال: من يعمل لي من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين (٥)؟ فعملتم حتى غربت (٦) الشمس، فأُعطيتم قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنَّا أكثر عَمَلًا وأقلَّ

стр. 1991

عطاءً؟ قال الله: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: هو فَضْلِي أُوتِيه من أشاء" (١). فالآية عامَّة والحمد لله، وتفسيرُ التقوى فيها على الأقوال الأربعة بَيِّنٌ. فمعناها على القول الأوَّل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا تَرْكَ ما بدأتم به من الإيمان. وعلى القول الثاني: اتقوا الله واعتقدوا بقلوبكم ما أقررتم به بألسنتكم. وعلى القول الثالث: اتقوا الله وافعلوا ما تقتضيه أقوالكم. قال النبيُّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر ولا يسرق ولا ينتهب" (٢)، كما تقدَّم، الحديث. ومعناها على القول الرابع: يا من آمَنَ بيَّن سَبَقَ من الأنبياء آمِنُوا بمُحَمَّدٍ؛ فإن الأمر مُتَّحِد. المُوَفِّي سبعين (٣): ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٤) [المجادلة: ٩]، وهو الحادي والسبعون ومائة (٥)؛ أُمِروا أن يتناجوا بمثل ما أُمِروا أن يتعاونوا به، حتى يستوي السِّرُّ والعلن، وحُذِّرُوا أن يخالفوا ذلك، وقد تقدَّم بيانُه، فإن شئت فأَعِدْهُ وزِدْهُ (٦) بَسْطًا.

стр. 1992

الثاني (١) والسَّبعون ومائة: قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) قد تقدَّم بيانُها (٣) في "الأحكام" (٤). الثالث (٥) والسَّبعون: قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٦) في الحديث الصحيح- كما تقدَّم-: "احرُث لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا" (٧). ثم أعادها (٨)، وهو: الرابع والسَّبعون (٩). فقيل: هي تأكيد.

стр. 1993

وقيل: الأُولى: تقوى المرء (١) ما ينزل به من عقوبة، والثانبة: تقوى المراقبة (٢)، وينفصل (٣) على اسم "الرَّاعي (٤) " (٥)، وقد تقدَّم. الخامس (٦) والسبعون: قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٧) معناه: اتقوا الله في محافظة العهد والعمل الذي يعود بتغيير شيء منه. السَّادس والسبعون (٨): قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٩) ظَنَّ بعضُ الناس أن في هذه الآية نَسْخًا لشيء (١٠)، وقد بيَّنا في "الناسخ والمنسوخ" (١١) أنَّ هذا الباب وهذه الآية لم ينسخ منها شيء، وأن

стр. 1994

قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١) و ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ معنى واحد، فليُنْظَرْ هنالك، وحق تُقَاتِه هي التي يستطيع الخلق. السَّابع والسبعون (٢) والثامن والسبعون (٣): قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه سَلَّهُ كالشعرة من العجين؛ تَقِيًّا نَقِيًّا (٥)، وكفاه المُهِمَّ، ولم يبتله بالشغل، ولا كلَّفه طلب الرزق، ولا مكن منه الخلق، وجَلَّى عنه الظلم، ويسَّر له العَسِرَ (٦)، كما قال: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. وإن سبق منه تفريط وعاد إلى التقوى كَفَّرَ عنه ما مضى، وذلك قوله: ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥]. ومن تقواه توكُّله عليه، ولذلك أدخله في أثناء فصول التقوى، والتوكل: إخراجُ نفسك عن القدرة ودعوى المُنَّة، مُقِرًّا بجريان أحكام التدبير عليك، معترفًا بنفوذ المقادير فيك، وسبيلُك الجمود والرضى بما

стр. 1995

قضى، دون استعلام الأمر فيه، فإنه من العِلْمِ الذي لا ينفع، كما ورد في صحيح الخبر الاستعاذة منه. فإذا وقع لك شُغْلٌ أو استقبلك مُهِمٌّ فرأيُ الزهَّاد أنك مُطَالَبٌ بالسُّكون والتسليم، ولا تَسَلْ متى يصلح هذا الأمر، ولا تبحث عن سبب، ولا من أي وجه كان، ولا على يَدَيْ من كان؛ فإنه تخليط، وكُن مُسَلِّمًا لأمره إن كنت من الأكابر، فإذا جاء وقتُ الكشف فترى صورة الحال، وربَّما ينتظر العبدُ في هذه الحالة تعريفًا في المنام، أو ينظر في فَأْلٍ، ويُروى (١). "أنه من الكبائر (٢) تَرْكُ أدب"، وليس إلَّا السكون، فأمَّا الضعفاء فيضطربون مع المولى في كل حال (٣)، وهو السميع العليم، وإذا اضطربوا فلا يخرجوا عمَّا رسمنا لهم في "الأسماء"، إمَّا في ابتداآتها أو في نهاياتها. التاسع والسبعون ومائة: قولُه: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٤) وهو المقام الكريم الأمين على الوجه الذي تقدَّم وصفُهْ، ووصفُ التقوى المُبَلِّغَةِ إليه.

стр. 1996

المُوَفِّي ثمانين ومائة: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) كما أنه هُدًى لهم (٢) في الابتداء يكون تَذْكِرَةً لهم في الأثناء (٣) والانتهاء، وقد يتصوَّر أن يكون تذكرة في الابتداء لما (٤) تقدَّم من التزام العهد الأوَّل. الحادي والثمانون ومائة: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾ (٥) المعنى: لا عِطْرَ بعد عَرُوس، لا تقوى مع الكفر، وهو سؤالُ تقرير على فَوْتِ المراد. الثاني والثمانون ومائة: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٦) قال الله: "أنا أَهْلٌ أن أُتَّقَى، فمن اتَّقاني فأنا أَهْلٌ أن أغفر له" (٧)، وقد تقدَّم بيانُه.

стр. 1997

الثالث والثمانون ومائة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) وقد تقدَّم، وزاد قوله: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢]، يعني: أنه جمع لهم فيها لَذَّةَ الأكل والشرب، وكل أمر يُحَبُّ (٢). أخبرني الحضرمي (٣) وغيرُه عن الأَذَرِي (٤): أنه كان يقول: "لا أُحِبُّ الجنة لحُورِها ولا لنعيمها، ولا أُحِبُّها إلَّا لقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٦] ".

стр. 1998

وهنالك من يُحِبُّها لبطنه، وهنالك من يُحِبُّها لفرجه، وهنالك من يُحِبُّها لربه، والكلُّ مأذون فيه، والثالث هو المقصود الأعظم، ولا يُمنع ما (١) قَبْله في الآخرة كما مُنع منه في الدنيا. الرابع والثمانون ومائة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ (٢) المعنى: مَوْضِعًا يفوزون فيه من المكاره، ويفوزون فيه بنيل الأمل. والمَفَازُ: مَكَانُ الفوز. ثم وصفه فقال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٢ - ٣٤]؛ منزهة عن اللغو والكذب. الخامس والثمانون ومائة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٣) يعني: منفعتها ومَضَرَّتها، فهي فيمن أُمِر ونُهِي ووُظِّفَ عليه التقوى اسمٌ ومعنى، وهي في سائر الأنفس التي لم تتعبد (٤) اسمٌ بمعنى المنفعة، والفجور اسمٌ بمعنى المضرَّة. السَّادس والثمانون ومائة: قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (٥) لفظًا (٦)، وهو:

стр. 1999

السَّابع والثمانون ومائة: قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١) يعني: فإنَّ ما جُنِّبَ الأتقى أدركه الأشقى، وما جُنِّبَ الأشقى أدركه الأتقى. المعنى: وسيُجَنَّبُها من اتَّقاها بالصدقة، كما تقدَّم بيانه في "المقامات" (٢) واسم "المُصَّدِّقِ" (٣)، وفي هذا الاسم آنِفًا (٤). الثامن والثمانون ومائة: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (٥) قسَّم الله فيه الأحوال على معنى الاستدلال، فقال: أرأيت (٦) هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلى؟ أرأيت إن كان على الهدى ويأمرهم (٧) بالتقوى؟ أليس نهيُه ضلالًا؟ أرأيت هذا الذي ينهاه أن كذَّب به وتوَّلى عنه؟ ألم يعلم أن الله يطَّلع (٨) عليه؟ فأيُّ منفعة له في أن يقتحم هذا الغرر (٩)؟

стр. 2000

وهذا تقريب في الترتيب (١)، وتفصيل في بعض الدليل، وقد استوفاه سبحانه في إحدى عشرة (٢) آية، على ما بيَّنَّاه في كتاب "المشكلين" خصوصًا، وفي كتاب "الأنوار" عمومًا. قال الإمام الحافظ (٣): ولكثرة ذِكْرِ الله لها لم تَجْرِ في لسان النبي إلَّا قليلًا، كقوله: "اتقوا الله في النساء، فإنهن عَوان عندكم" (٤)، وكقوله: "اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة" (٥)، وقوله: "اتقوا الملاعن الثلاث، البَراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل (٦) " (٧). ومن أعظم ما فيها (٨) وأكثر فوائدها وأَجَلِّ ثمراتها قوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فأَكْرَمُ الخلق على الله أكثرهم وقاية، وقد بيَّنَّا وجوهها، فمن استوفاها فهو أقربكم إلى الله وأرفعكم مرتبةً لديه.
следующие страницы →