← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

المُوَفِّي ثمانين ومائة: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١) كما أنه هُدًى لهم (٢) في الابتداء يكون تَذْكِرَةً لهم في الأثناء (٣) والانتهاء، وقد يتصوَّر أن يكون تذكرة في الابتداء لما (٤) تقدَّم من التزام العهد الأوَّل. الحادي والثمانون ومائة: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا﴾ (٥) المعنى: لا عِطْرَ بعد عَرُوس، لا تقوى مع الكفر، وهو سؤالُ تقرير على فَوْتِ المراد. الثاني والثمانون ومائة: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٦) قال الله: "أنا أَهْلٌ أن أُتَّقَى، فمن اتَّقاني فأنا أَهْلٌ أن أغفر له" (٧)، وقد تقدَّم بيانُه.

стр. 1997

الثالث والثمانون ومائة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) وقد تقدَّم، وزاد قوله: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢]، يعني: أنه جمع لهم فيها لَذَّةَ الأكل والشرب، وكل أمر يُحَبُّ (٢). أخبرني الحضرمي (٣) وغيرُه عن الأَذَرِي (٤): أنه كان يقول: "لا أُحِبُّ الجنة لحُورِها ولا لنعيمها، ولا أُحِبُّها إلَّا لقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٦] ".

стр. 1998

وهنالك من يُحِبُّها لبطنه، وهنالك من يُحِبُّها لفرجه، وهنالك من يُحِبُّها لربه، والكلُّ مأذون فيه، والثالث هو المقصود الأعظم، ولا يُمنع ما (١) قَبْله في الآخرة كما مُنع منه في الدنيا. الرابع والثمانون ومائة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ (٢) المعنى: مَوْضِعًا يفوزون فيه من المكاره، ويفوزون فيه بنيل الأمل. والمَفَازُ: مَكَانُ الفوز. ثم وصفه فقال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٢ - ٣٤]؛ منزهة عن اللغو والكذب. الخامس والثمانون ومائة: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٣) يعني: منفعتها ومَضَرَّتها، فهي فيمن أُمِر ونُهِي ووُظِّفَ عليه التقوى اسمٌ ومعنى، وهي في سائر الأنفس التي لم تتعبد (٤) اسمٌ بمعنى المنفعة، والفجور اسمٌ بمعنى المضرَّة. السَّادس والثمانون ومائة: قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (٥) لفظًا (٦)، وهو:

стр. 1999

السَّابع والثمانون ومائة: قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (١) يعني: فإنَّ ما جُنِّبَ الأتقى أدركه الأشقى، وما جُنِّبَ الأشقى أدركه الأتقى. المعنى: وسيُجَنَّبُها من اتَّقاها بالصدقة، كما تقدَّم بيانه في "المقامات" (٢) واسم "المُصَّدِّقِ" (٣)، وفي هذا الاسم آنِفًا (٤). الثامن والثمانون ومائة: ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (٥) قسَّم الله فيه الأحوال على معنى الاستدلال، فقال: أرأيت (٦) هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلى؟ أرأيت إن كان على الهدى ويأمرهم (٧) بالتقوى؟ أليس نهيُه ضلالًا؟ أرأيت هذا الذي ينهاه أن كذَّب به وتوَّلى عنه؟ ألم يعلم أن الله يطَّلع (٨) عليه؟ فأيُّ منفعة له في أن يقتحم هذا الغرر (٩)؟

стр. 2000

وهذا تقريب في الترتيب (١)، وتفصيل في بعض الدليل، وقد استوفاه سبحانه في إحدى عشرة (٢) آية، على ما بيَّنَّاه في كتاب "المشكلين" خصوصًا، وفي كتاب "الأنوار" عمومًا. قال الإمام الحافظ (٣): ولكثرة ذِكْرِ الله لها لم تَجْرِ في لسان النبي إلَّا قليلًا، كقوله: "اتقوا الله في النساء، فإنهن عَوان عندكم" (٤)، وكقوله: "اتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة" (٥)، وقوله: "اتقوا الملاعن الثلاث، البَراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل (٦) " (٧). ومن أعظم ما فيها (٨) وأكثر فوائدها وأَجَلِّ ثمراتها قوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فأَكْرَمُ الخلق على الله أكثرهم وقاية، وقد بيَّنَّا وجوهها، فمن استوفاها فهو أقربكم إلى الله وأرفعكم مرتبةً لديه.

стр. 2001

وهي (١) من أعظم ما علَّق عليها القبول بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، فعَمَلُك الصالح من وَجْهٍ إن لم يصحبه تقوى من وجه آخر وإلَّا بقي موقوفًا، حئى يخلص عملك إلى ميزانك؛ فيظهر فيه رجحانك بكثرة تقواك، أو تقصيرك بقلة تُقاك (٢)، فيتقبَّل كل العمل، أو يتقبَّل بعضه ويَرُدُّ البعض، وفي الحديث: "أوَّلُ ما يُنظر فيه من عمل العبد الصلاة، فإن لم يأت بها لم ينظر له في شيء من عمله (٣) " (٤)، فيتقبَّل (٥) العمل إذا اتَّقيت الإخلال بشروطه، ونَفَيْتَ الآفات عنه، فيبقى (٦) قَبُولُه في خلاصك من العذاب على فِعْلِ غيره، حتى إذا كانت التقوى على العموم كان القبول على الكمال. وما يرويه الزهاد من قوله: "إنه لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس له حَذَرًا ممَّا به البأس (٧) " (٨)، أو قوله: "إنما سُمِّي المُتَّقُونَ مُتَّقِينَ

стр. 2002

لتركهم ما لا بأس به حَذَرًا ممَّا فيه بأس" (١)؛ حديثان باطلان موضوعان، لا أصل لهما. أمَا إنَّ تُقاة الشبهات من أنواع التقوى، كما بيَّنَّاه في تفسير الآيات، ويجمعها سَدُّ مداخل الشيطان إلى العبد؛ بصرامة وعزيمة تكون في القلب، على امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وصيانةٍ للجوارح (٢) عن ارتكاب الذنوب، وذلك لا يقدر عليه المرءُ إلَّا بمواظبة النوافل. قال النبي صلى الله عليه (٣): "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها" (٤). المعنى: صُنْتُ جوارحه عن المخالفات، فانقطعت عن قلبه الشهوات وأسباب (٥) العلاقات، فإن وَاقَعَ ذنبًا أو اقترف خطيئةً أو ارتكب معصيةً (٦) توجَّه عليه فَرْضُ العودة إلى ما ينبغي، وهو "التوبة". * * *

стр. 2003

التائب (١): وهو الاسم الخامس ومائة (٢) وهُوَ اسمٌ عظيم، له مقامٌ كريم، مُتَّصِلٌ بالآدَمِيِّ لَزِيم، فإن الله سبحانه وإن كان أَمَرَ العبدَ بالعبادة؛ فإنه جَبَلَه على الراحة، وإن كان خَلَقَ له العقل؛ فإنه أَمَالَهُ بالطبع إلى الشهوة، وإن كان له مَلَكٌ يُرْشِدُه؛ فإنَّ (٣) له شيطانًا يُضِلُّه ويُلْحِدُه، ولا يزال بينهما مُرَدَّدًا حتى يصير إلى ما كَتَبَ الله عليه، وينتهي إلى ما سبق (٤) من عِلْمِ الله إليه، فإذا أطاع يعصي (٥)، وإذا عبد ترك، وإذا امتثل خالف، والتنازعُ- أبدًا- بين الحالين يُرْهِقُه، والحالةُ المقدَّرة تَلْحَقُه. ولملازمة المخالفة له تَلْزَمُهُ التوبة؛ فهي فَرْضٌ عليه بإجماع الأمة في كل وقت، وعلى كل حال، ومن كل ذنب أو تقصير في كمال أو غفلة، وما رُئِيَ (٦) أَحَدٌ من الخلق خَلَا عن ذنب، حتى إنَّ جماعة من العلماء قالوا:

стр. 2004

"إن الأنبياء أذنبت- وصدقوا-، وسَرَدُوا (١) ذنوبهم- وكذبوا-" (٢)، إنما كانت ذنوبهم ما لو أدركناها حسنات لسبقنا إلى الجنة بها، وقد بيَّنَّا ذلك في كل ما أمليناه من كتاب. ولابد للقلب من ذنب، ولابد للجوارح من ذنب. والتوبة: هي الرجوع في العربية. وهي في الشريعة: "عبارة عن رُجُوع عن حال مذمومة إلى حال محمودة" (٣)، على سيرتها في تخصيص بعض المسمَّيات (٤) ببعض (٥) مدلولاتها. وتكون حال التوبة حال الذنب؛ فإن كان المُوَاقَعُ حرامًا كانت التوبة واجبة. وإن كان مكروهًا كانت التوبة مستحبة. وإن كانت عن شهوه كانت توبة الزهاد. وإن كانت عن غفلة كانت توبة المؤمنين (٦) المقرَّبين المحبين.

стр. 2005

ذِكْرُ ابتداء التوبة: ولا تحصل للعبد التوبة إلَّا بخلق الله لها في العبد، فهو التوَّاب، أي: قابلها وخالقها، ومُيَسِّرها ومُهَيِّء أسبابها، ومُدِيمها إلى الخاتمة، قال الله سبحانه: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال الناس: "عَسَى من الله واجبة" (١). قال الإمام الحافظ (٢): الذي يتحقَّق أن وعد الله واجب، فما أخبر به من وَعْدٍ (٣) فلابدَّ من حصوله على كل حال، كما بيَّنَّاه في "كتب الأصول" (٤)، وما رَجَّى به عبده فقد يُمْكِنُ أن يكون، وحروف الترجي لعلَّ وعسى، وليست بحروف قَطْعِ على ما عُلِّقَ عليها ليُوجَد، وإنَّما يكون القَطْعُ من أدلَّة أُخَر تقترن بها، فحَصِّلُوا هذا فإنه عِلْمٌ (٥) بالغ. ومن أرجى ما قال العلماء في هذه الآية أنَّ قوله: " ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾، يعني: التوبة، ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾، قال: نقضوا التوبة، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الزلَّة" (٦).

стр. 2006

فربَّما عُدْنا عليهم بإعادة الرجوع إلى التوبة لهم، وفي هذا دليل على أن الزلة لا تُحْبِطُ ثواب الطاعة (١)، وأن الباري يُظْهِرُ الطاعة بفضيلة النمو والزيادة، ويختم الأمر فيها بتيسير التوبة، فهذا رجاء أو وجوب. ثم حقَّق ذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، وفيه ثلاثة أقوال: الأوَّل: يريد أن يقبل توبتكم (٢)، فقبول التوبة واجب بإجماع من الأمة، فلا تلتفتوا إلى من يقول لكم: "إن صاحب التوبة في المشيئة"، فهو كاذب على الله. الثاني: يريد به خطاب من تاب، دون من لم يَتُبْ. الثالث: يريد به أن يتوب عليكم في الجملة، أي: يخلق فيكم التوبة ثم يخص بها من شاء، كما قال: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٤]، وقد بيَّنَّاها في "كتب الأصول"، إذ لو أراد التوبة على العموم لكانت قطعًا؛ فإنه يستحيل ألَّا يكون ما يريد أن يكون. يُحَقِّقُ ذلك قوله: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥]، وقد قال سبحانه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وذلك فيما وقع منهم من المخالفة في وَطْءَ النساء في ليل رمضان بعد النوم، فكانت مخالفة تستوجب العقوبة، فعفا وتاب ورجع بهم إلى الإباحة بعد الحظر، وتلك تَوْبَةُ الله بالفعل، ورجعوا هُمْ إلى التزام الأمر، وعفا عمَّا دار بين الحالين،

стр. 2007

وشتَّان بين هذا القول في حُرْمَة عمر بن الخطَّاب حسب ما بيَّنَّاه في "الأحكام" (١)، وبين قوله لبني إسرائيل: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٣]، عَظُمت ذنوبهم وفَحُشت، فغُلِّظَتْ عقوباتهم وضُوعِفت، وتوبتُه عليهم بقبولهم لمَّا ألزمهم من ذلك، إذ خَلَقَ فيهم الرضى به والامتثال له، فقَتَلَ بعضُهم بعضًا، حتَّى نَزَلَ العَفْوُ. قال علماء الزُّهْدِ: "فالتوبةُ قَتْلُ النفس كانت لبني (٢) إسرائيل بالمُحَدَّدِ، وهي لهذه الأمة بالتَّجَلُّدِ، فالمفروضُ على العباد أن تكون نفوسهم مقتولة؛ حتى لا تكون لها حياة في شهوة ولا راحة في لذة إلَّا بامتثال أمر الله، والتجرد لخدمته، والمحافظة لحدوده، والقيام بحقوقه، فكانت توبة بني إسرائيل قَتْلَةً (٣) في لحظة، وتوبةُ هذه الأمة في كل لحظة قَتْلَةٌ" (٤). ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ … إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ (٥) ووَجْهُ رحمته لنا قَبُولُه لتوبة الكل بعد اقتحام المخالفة وارتكاب الجُرْمِ.

стр. 2008

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: (٢٧)]، أخبر أنهم وقعوا في بَحْرِ الإعجاب، وتدنَّسوا برُخَصِ الافتخار، فخَلَقَ الله الاضطرابَ في القلوب، وخارت القُوى، وولوا مدبرين، ولم يبق (١) معه ﷺ (٢) إلا قليل من الأصحاب، فاستخلص الله أسرارهم بصِدْقِ الرجوع، وخلق لهم قبول إجابة الدعاء بهم، فرجعوا رُجُوعَ الجياد إلى أذوادها، والعِشَارِ إلى أولادها، وأنزل سكينته وجنوده، وقَلَبَ الحال على الأعداء، وحلَّت بهم الفاقرة، ووقعت بهم الدائرة، وارتدت عليهم الهزيمة. والسكينة: "ثَلَجُ القلب عند جريان حُكْمِ الرب بالثبات والاطمئنان" (٣). وقيل: "السكينة هي الملائكة" (٤). وقيل: "السكينة عدم الحركة في جهة الفرار". وقيل: "السكينة ذكرى وعد الله بالنصر" (٥). وقيل: "السكينة ذكرى ما التزموا للنبي من نُصْرَتِه وحمايته؛ ممَّا يحمون منه أنفسهم". وقيل: "السكينة ذكرى ما أُلْزِمُوا (٦) من فَرْضِ القتال عن المِلَّةِ".

стр. 2009

قال الإمام الحافظ ﵁ (١): لم يَبْقَ في ذلك المشهد أَحَدٌ ممَّن فَرَّ إلَّا تاب الله (٢) عليه، فقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾، يعني: هؤلاء الذين قد شاء أن يتوب عليهم، ولم يضمن ذلك لغيرهم من الذين يفعلون مثل فعلهم بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد الفرار من الكفَّار مطلقًا، إلَّا (٣) من هؤلاء المعيَّنين، وقد قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧]، يعني: كل من رجع إلى ربه ولام نفسه واعترف بذنبه قبل معاينة الآخرة وأشراطها الأربعة المعيَّنة؛ التي بيَّنَّاها في كتاب "الأحكام" و"الأصول (٤) " (٥). وقال: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]. أخبر سبحانه أن عَرْضَ الأمانة كان ليُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات (٦)، فأفاد ذلك أنه لابد من الذنب، ويتوب الله بعد ذلك على من يشاء من العاصين، ولم يذكر العابدين ولا الصالحين. فيا أيُّها العاصي لعلك أن تكون في جملتهم فيُتاب عليك فتلحق بدرجتهم، أو تترك كما أنت فتزهق عن مرتبتهم.

стр. 2010

وقال: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]. والمراد هاهنا: قَبِلَ توبتهم، وكذلك في أوَّل الآية في قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. فأمَّا توبته على النبي فقد بيَّنَّاها في تأويل قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وكان النبيُّ أَخَذَ بظاهر الحال على تفصيلٍ تقدَّم، فعفا عنه ربُّه وعاتبه. وأمَّا توبته على الذين كانوا معه فلِمَا أصابهم من الجوع والعطش، هَمُّوا بالانصراف ثم ثبتوا، كما قال الله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٨]، فتدارك قلوبهم بالثبات فكانت تلك توبته عليهم، وهكذا (١) سُنَّةُ الله مع أوليائه؛ إذا (٢) قاربوا التَّلَفَ تداركهم (٣). وأمَّا توبته على الثلاثة فبِصِدْقِهِمْ واعترافهم؛ فإن الإقرار والاعتذار يُذْهِبُ الإصرار، ويُخَلِّصُ من النار، كما قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِم﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقد تقدَّم. وفي (٤) الحديث الصحيح: "إذا قال العبدُ رب اغفر لي قال الله: عَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، قد غفرت له" (٥).

стр. 2011

والدليلُ على صحة نقض التوبة قوله سبحانه: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧٣]، ولم يكن العَوْدُ (١) بعد التوبة لجميعهم، إنَّما كان (٢) لبعضهم، ومنهم من عاد إلى الكفر، ومنهم من عاد إلى التعسُّف. وأَوَّلُ الخلق تاب آدَمُ، وأوُّل الخلق أَصَرَّ إبليس، وقد أخبر الله بقصة آدم؛ وأنه لمَّا وَاقَعَ الذنب ألقى إليه تعالى الكلمات فقالها فتاب عليه (٣). قال بعضهم: "ألقى الله إليهما الكلمات ولم يُسَمِّها، وأجمل القول في الحال ليبقى الأمر مستورًا؛ فهو أكرم لآدَمَ، وهو من عظيم كَرَمِ الله على العبد" (٤). وقال آخرون: "بل هي مفسَّرة في موضع آخر؛ وهو قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] " (٥). وقيل: "كلمات آدم تنصُّل، وكلمات الله ابتداء (٦) وتفضُّل" (٧).

стр. 2012

وقال أهل الزهد: "لمَّا قال له: "اهبط"؛ زوَّده بكلمات كريمة؛ لأنه (١) كان على بِسَاطِ الكرامة، فلمَّا خالف أُخرج من الدار (٢)، ولكنه بشَّره بأن رجوعه إليها يكون قريبًا بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] " (٣)، وقد بيَّنَّاه في "التفسير". وقد سألها إبراهيمُ في حال الوصال وكمال الخُلَّةِ، فقال: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ [البقرة: ١٢٨]، يريد: بعد قيامنا بجميع ما أمرتنا به، فإنه خشي التقصير فسأل التوبة منه؛ إذ عِظَمُ المنزلة تُوجِبُ كثرة الخدمة، ومراعاة الحُرمة، وملازمة الصلاح والإِصْلَاح، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]، وقد تقدَّم؛ فإنَّ مواقعة المعاصي تُوجِبُ ضَرَاوَةً بها وأُنْسًا معها؛ حتى ربَّما لم تُمْكِنْ مفارقتُها. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: (١٣٧)]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠]. ومعناه: لن (٤) تُوجَد؛ لأن المعدوم لا يقبل، وإنَّما يقبل الموجود من فعل أو ترك، والتَّرْكُ فِعْلُ من الأفعال، خلافًا للقدرية، وقد مهَّدناه في "كُتُبِ الأصول".

стр. 2013

فإن أذنب وتاب فتلك سَلِيقَةُ (١) الآدَمِيِّ وجِبِلَّتُه، وذلك قَوْلُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواْ﴾ (٢)، كما تقدَّم بيانُه، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦]، أي: رَبَطُوا أنفسهم برباط الطاعة فلم ينحلَّ إلى المعصية، وقَتَلُوها بالزُّهْدِ فلم تَحْيَ بالشهوة. وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣) [النساء: ١٦]. قال جماعة من العلماء: "إذا تاب الزاني أسقطت التوبةُ حَدَّه" (٤). وكما قال الله أيضًا في المُحَاربة (٥): ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٦]. فأمَّا المُحَارِبُ فمُتَّفَقٌ عليه، وأمَّا سقوطُ حَدِّ الزنى بالتوبة فمختلف فيه، وقد بيَّنَّاه في "الأحكام" (٦). وقد قال جماعة أخرى (٧) من العلماء: "إن الذي يسقط بالتوبة حَقُّ الله؛ من هَجْرِ الزاني، وتَرْكِ قبول شهادته، وعَزْلِه عن إمامته" (٨).

стр. 2014

فأمَّا الحَدُّ فلا يسقط؛ على ما أوضحناه في "مسائل الخلاف" (١). ثم أخبر تعالى بوقت قبول التوبة كما تقدَّم، وأنها لا تكون عند المعاينة لأمور الآخرة، وإنما تكون على الغيب، كما قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢]، فما أعطى الله جَزَاءً إلا لمن آمَنَ بالغيب؛ على الرجاء والخوف، فذلك هو طريقُ التوبة، وبظهور الغيب يُسَدُّ طريقُها (٢)، وفي مثلها قال الحَكِيمُ: قلتُ للنفس إن أردت رجوعًا … فارجعي قبل أن يُسَدَّ الطريقُ (٣) وقال تعالى (٤) في بيانه (٥): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. والمَجِيء إنما يكون مع الإمكان. [مناجاةُ ابنِ العربي رسولَ الله ومعاهدتُه له]: وقد كنتُ جِئْتُه ﷺ فناجيتُه من قِبَلِ رأسه الرفيع، بإزاء البلاطة، وقلت له: يا رسول الله، إني فلان بن فلان، قَصَدْتُكَ مُسْتَغْفِرًا من ذنبي، مُتَشَفِّعًا بك إلى ربي، وقد بلَّغتنا عنه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، وقد فَعَلْتُ، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، فافعل

стр. 2015

صلَّى الله عليك ما أخبرتَنا به عنه تعالى، وفارقتُه على هذا، ثم لم أَقْدِرْ على العصمة، فلمَّا خرج إلى الحج بَعْضُ أصحابنا المريدين قلت له: أَبْلِغْ سلامي رسول الله، وقل له: إن العهد الذي كان نذرته لم أقدر على الوفاء به، وهو القائل: سيد الاستغفار أن يقول: "اللهم أنت لا ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي" (١)، يعني (٢): غير مُوفٍ شُكْرَها، "وبذنبي"، غير مقلع عنه، فأنا ذلك الرجل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولعل الله يختم بتوبة. [من شرائط التوبة]: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ في باقي أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] أي: يقبل توبته، وما لنا لا نتوب وقد حَضنَّ الله عليها، فقال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤]، لا يتعاظمه ذنب؛ ولا سيما العاصون الذين أَتَوُا (٣) الذنوب بجهالة، لا بعناد واستكبار، وهم الذين تغلبهم الشهوات، وتستولي عليهم الغفلات، فلا يُقابَلون في أوَّل مرجعهم إلا بما يَلْقَى بهم الأكابر، يقال لهم: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٠]، وهي التحية الكريمة؛ تحية الإسلام، وتحية دار السَّلام، وتحية السَّلامة من عقوبة الآثام، وهو قوله في الآية الأخرى ﴿ثُمَّ

стр. 2016

إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]. وعلامةُ إتيانِ ذلك بجهالةٍ الندمُ على قُبْح ما فرَّط وقدَّم، والأسفُ على ما أسلف، ومَحْوُ العثرة بإفاضة العَبرة، فحينئذ تُقبَل التوبة، وتُوهَب الرحمة، وتُبذَل المغفرة، كما قال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] فالتوبة من الذنب والإيمان شَرْطُ صحتها أو أهلية قبولها، والمعنى: "آمِنٌ في المَآلِ كما هو آمِنٌ (١) في الحال" (٢). وقال أهل الزهد: "آمِنٌ: بأن أَمْنَه ليس بتوبته وإيمانه (٣)، وإنما هي برحمة ربه ورضوانه" (٤). وقوله: ﴿ثُمَّ آهْتَدى﴾، أي: في آخِر الأمر، ولذلك ألحقها بكلمة "ثُمَّ"؛ التي هي موضوعة للمُهْلَةِ، وهو حينئذ "المُجْتَبَى". * * *

стр. 2017

المُجْتَبَى (١): وهو الاسمُ السَّادس والمائة (٢) وهو: الذي جُعِلَ في جَبَأٍ من المخالفات، وهو الحَيِّزُ والجانب. ويرجع بصفاته كلها إلى "الصالح"، و"المتقي"، و"المخلص"، و"الصادق"، و"الصدِّيق"، ونحو ذلك، ويكون "طَيِّبًا" كما بيَّنَّاه. وهذا عَهْدُ الله لكل نَبِيٍّ في كل أمة؛ قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣]. ولا سيئة أعظم من عبادة العجل؛ كبُرت ذنبًا، وقبُحت دُنيا، وسخُفت عاده (٣) ومرأى، ولكنها غُفِرت (٤). وبعد التوبة يرجع المرء إلى أشرف ما كان عليه من الحالة، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وذلك خير لهم؛ كما قال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤].

стр. 2018

وقد بيَّن الله سبحانه أنه يقبل التوبة وأنه (١) يُوجِبُ العقوبة، وأنه في قَوْمٍ إمَّا يعذبهم وإمَّا يتوب عليهم، كما قال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بذلك كُلِّه، ﴿حَكِيم﴾ (٢) في فِعْلِه. قال المفسرون: "المرادُ بالمُرْجَوْنَ الثلاثةُ من العشرة (٣) المتأخرين عن رسول الله ﷺ ، لم يربطوا أنفسهم مع أبي لُبابة، وهم: هلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، فقال تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن لم يعلم صحة توبتهم، والثاني: أنه يعذبهم وإن عَلِمَ صحة توبتهم" (٤). قال الإمام الحافظ (٥) ﵁ هذا دَبَشٌ (٦)؛ أبو لُبابة جرت قصته في غزوة بني قريظة، وهؤلاء الثلاثة جرت قصتهم في غزوة تبوك بعد نَحْوِ (٧) خمسة أعوام، فكيف يقول: "لم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة"، وكيفيَّة ما جرى لهم مع النبي ﷺ معلومة في الصحيح (٨).

стр. 2019

وأمَّا قوله: "إمَّا يعذبهم بعد عِلْمِه بتوبتهم"؛ فَطَامَّةٌ لم يَقْدُروها قَدْرَها، غفر الله لهم قولها (١)، إذا عَلِمَ الباري تعالى تَوْبَةَ رجل (٢) استحال أن يُعَذِّبَه شرعًا، فلا يَحِلُّ لمسلم أن يعتقد غير ذلك، ولا يقوله. وفي البخاري عن أبي هريرة: "كُلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون؛ فإنَّ (٣) من المجاهرة (٤) - وفي رواية مسلم (٥): من الإجهار (٦) - أن يعمل الرجل في ليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان؛ عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويُصْبحُ يَكْشِفُ ستر الله عنه" (٧). وأشدُّ ما على العبد أن يرى العقوبة عليه نازلة وبه محيطة ولا يَتُوبُ ولا يتذكَّر، والخلقُ الذين ابتلاهم الله بالأمر والنهي لا يُخليهم الباري من دلائل التعريف في كل وَقْتٍ، بنوع من البيان والتنبيه في كل أوان، بضَرْبٍ من الامتحان، وقد يكون (٨) المرءُ بزيادة البرهان وتجديد (٩) الخذلان، ومنهم

стр. 2020

من إذا رأى الزَّجْرَ ازدَجَرَ، يُنَوِّرُ الله بصائرهم ويُصَفِّي خواطرهم، فإن سقطوا غفلة (١) استقلوا بلا مُهْلَةٍ فاستغفروا، فقد قال النبي ﷺ في الصحيح: "إنه ليُغَانُ على قلبي؛ فأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم والليلة مائة مرة" (٢). وهو مُطَهَّرٌ من الخطايا، فكيف بالمُغْرِقِين (٣) فيها؟ وكل نبي قال لأمته: "استغفروا ربكم ممَّا مضى، وتوبوا إليه الآن وفيما تستقبلون". وقد قال - من جملتهم صلَّى الله عليهم (٤) - شُعَيْبٌ: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: (٩٠)]. واختُلِفَ في تفسيره؛ فقيل " ﴿وَدُودٌ﴾، أي: يرحم العاصين لأنه يودهم" (٥). وقيل: "يرحمهم لمودتهم له ورجوعهم إليه" (٦). فيكون وَدُودًا (٧) بمعنى مودود، والله مودود (٨) لعبده، والعبد وَدُودٌ لربه، وقد تقدَّم شرحُنا للودود في كتاب "الأمد الأقصى" (٩)، وهو يرجع

стр. 2021

إلى المحبة الثابتة التي لا تُزَعْزِعُها رياحُ الخواطر، ولا تُؤَثِّرُ فيها عوارضُ المخالفات (١). وقد قال النبي ﷺ (٢) - في الصحيح-: "مَثَلُ المسلمين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عُضْوٌ (٣) منه تداعى سائره بالحمَّى والسَّهر" (٤). المعنى: إن الصور والأجرام وإن فرَّقتْ (٥) بينهم فإن المودة قد جمعتهم، وإن الأزمنة والأمكنة إن (٦) غايرتهم وعدَّدتهم (٧) فإن المحبة قد وحَّدتهم، وإنما صحَّث المودة لأنهم قاموا بحُرْمَةِ الأخوَّة وحافظوا على (٨) حقوقها، ألا ترى أن الله أخبر عن الذين اخترموها ولم يحترموها، فإن أصابتكم مصيبة قال- كأن لم يكن بينكم وبينه مودة-: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ

стр. 2022

بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١) [النساء: ٧١ - ٧٢] كأن لم يكن بينكم وبينه مودة. فتقديرُ الآية (٢): طرحوا جلباب الحياء، وأسقطوا حُرْمَةَ الأخوَّة، فقالوا: كان لم يكن بينكم وبينه مودة ولا صحبة، أو قالوا: كذا وكذا، كما يقول الذين ليس بينكم وبينهم (٣) مودة. فإن شئت أن تُقَدِّرَ النفي للمودة أوَّل الكلام، وإن شئت آخِرَه، وإن شئت وسطه، وهو الأفصح، كما في جاء في القرآن، لسِرٍّ بيَّنَّاه في "عِلْمِ النَّظْمِ" (٤) الذي نبَّهناكم عليه. المعنى: كأنه لم تثبت قط بينكم وبينهم (٥) معرفةٌ. تقتضي حقوقًا مرعية، ولا خُلْطة تُوجِب عُلْقَةً نفسية، ومَيْلًا بحكم الآدمية؛ التي تقتضي رِقَّةَ الجِنسية، فكيف إذا اتَّصلتْ بأسباب شرعية؟ وهكذا (٦) المودة إذا كانت لغير الشَّرْعِ زهقت بأقل سبب، قال الله تعالى ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآية.

стр. 2023

المعنى: إن هذه المودة التي بينكم إنما هي في الحياة الدنيا؛ دار الغفلة، ومَحَلِّ المحنة، ومَعْدِنِ الجهالة، ومأوى الاغترار، ومحل الإمهال، ومجال الشيطان، حتى إذا انكشفت الحقائق بالقيامة انقلبت بُغْضًا، وهذا كثيرٌ في القرآن، فاجْمَعْه بالقانون إن احتجت إليه، فلا تعول على العداوة فيها ولا على المودة، وإنما يُعَوَّلُ على مودة الشرع، قال الله سبحانه: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]. فقد (١) ترون إبراهيم لم تنفع أباه (٢) قرابتُه، ولا مُحَمَّدًا لم تنفع عمَّه صِلَتُه وحمايتُه، وقال الله (٣): ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ (٤)، وعسى للتجويز والرجاء والتوقع، حتى يُظهر (٥) الله ما (٦) عَلِمَ، وينفد ما حكم، وقد تقدَّم كثيرٌ من معانيها في اسم "المُحِبِّ"، و (الأخ)، و (الصاحب)، فلا وجه لإعادته. قال الأمام الحافظ (٧): وكما للمَرْءِ اسمُ العاصي والفاسق قبل (٨) التوبة، فله بعدها المُطِيع العادل، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْقاسِفُونَ

стр. 2024

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] أي (١): ما تُبْتُمْ. يعني: ما خرجتم من هذا المشكل الذي وقعتم فيه؛ وهي مسألة اللعان، فلا ينبغي لعبد أن يدخل في مشكل، بل يخرج من المشكلات إلى البيِّنات، ومن الأفعال المذمومة إلى الخصال الممدوحة، كما قدَّمنا؛ من توبة الزلَّة، وتوبة الغفلة، وتوبة الفترة، وتوبة الرؤية للأعمال أو اعتقاد المنزلة، فإنَّ من كانت حاله في المعصية دائمة إلى المَنِيَّةِ خُلِّدَ في النار مُهَانًا، إلَّا من تاب (٢) وآمَنَ وعمل عملًا صالحًا، كما قدَّمنا؛ فـ ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]. وهذه الكلمات لم يتعرَّض لها المُفَسِّرُونَ، وفيه فائدة، وهي: أنَّ التوبة المُعَقَّبَةَ (٣) بالعمل الصالح هو المتاب المُعْتَدُّ به. فتقدير الآية: ومن تاب واستمر على العمل الصالح فهي التوبة المُعْتَدُّ بها، المرجو لصاحبها أن يكون من المفلحين، كما قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]، وسنُشِير إلى ذلك (٤) إن شاء الله (٥) فإنه من "الأسماء"، وسيأتي بيانُه إن شاء الله.

стр. 2025

ومن أَجَلِّ كتابٍ جاء من عند الله إلى عباده قَوْلُه لنا: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر ١ - ٢] فأُلْقِي هذا الكتابُ الكريم إلى العاصي دليلًا؛ فقال له: من غَافِرِ الذنب وقابل التوب، يغفر الذنوب، ويقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، مع أنه شديد العقاب، وهو ذو الطول، أي: ذو الفضل (١)، أو ذو القدرة، فإن كان معناه ذا الفضل فقد غلب الرجاء، وإن كان معناه ذا القدرة فقد استوت الحال، "فهو سبحانه غافر الذنب لمن اجترم، قابل التوب لمن ندم، شديد العقاب لمن جحد، ذو الطول لمن عَرَفَ ووحَّد" (٢). وقيل: "غافر الذنب للظالمين، قابل التوب للمقتصدين، شديد العقاب للمشركين، ذو (٣) الطول على المذنبين، يتفضَّل عليهم بالمغفرة" (٤). وقد قال العلماء بكتاب الله: "إن الله إذا خوَّف العباد باسْمٍ آنَسَهُم باسْمَيْنِ فزَائِد" (٥). قال علماء الزهد: "إذا كان إليه المصير، فقد طاب المسير (٦) " (٧).

стр. 2026

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: وناهيك بمنزلة، ويا لها من مرتبة، وما أسوغها من نعمة، وما أكرمها من حُرمة، وما أمكنها من منزلة، وما أشرفها من مرتبة! قال الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. فخَوَاصُّ الملائكة مأمورون بالتسبيح، يستغفرون للعصاة، ويدعون لهم بالنجاة، ثم برَفْعِ الدرجات، ويُحِيلون الأمرَ فيه على رحمته بقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ (٢) [غافر: ٩]. فيا معشر المريدين: "لئن سَلَّطَ علينا أراذل خَلْقِه وهم الشياطين، لقد قيَّض لشفاعتنا (٣) أكرمُ- الأكرمين أفاضلَ الخلق من الملائكة المقرَّبين" (٤). قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا﴾ الآيةُ كلها، فَوَصَفَ الله حال النشأة الحسنة بالعصمة الدائمة والتوبة القائمة في رَجُلٍ؛ من بِرِّ الوالدين، وشُكْرِ الله على نِعَمِه عليه وعليهما، بما قام به (٥) من حَقِّ خِدْمَتِه في نِعْمَتِه، والانكفاف عن معصيته، ورؤية طاعة الأبوين كطاعة ربه، ولم

стр. 2027

يزل مُتَضَرِّعًا إلى ربه في إِيزَاع الشُّكْرِ الذي كان عن الإيعاز إليه على نِعَمِه عليه وعلى أَبَوَيْهِ، وإتمام ذلك في العَقِبِ حتى يتَّسق (١) الأصل والثمرة على الفرع، وتلتقي الأطراف على الأوساط، فذلك الذي يتقبَّل الله عنه (٢) أحسن ما عمل، ويتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة؛ حسب وَعْدِ الصِّدْقِ النافذ من الحق للخلق. وأكَّد الله التوبة (٣) من المعاصي المتعلقة بالخلق في مواضع، منها: قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ الآية (٤)، وقد تكلَّمنا عليها، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال في القتل: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وجعل توبة القاتل خَطَأً مقرونة بكفَّارة يُخْرِجها، فقال: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، ولم يجعل في العَمْدِ توبة في هذه الآية، ولكنه جعلها في آية أخرى، وقد تكلَّمنا عليها في (الناسخ والمنسوخ) (٥) وغيره بما فيه غُنية، والصحيح أنَّ له توبة. وقال هاهنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقد يكون نَسْخُ الله للأمر الشاقِّ بالأمر الخفيف توبة، كقوله في صدقة المنجاة: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]، يعني: أَسْقَطَ عنكم ما شَقَّ

стр. 2028

عليكم، ووَجْهُ استعمال التوبة فيه أنة لو كلَّفهم لتركوه فعصَوا، فاحتاجوا إلى التوبة، فإذا تابوا تاب الله عليهم؛ فكفاهم المؤونة في ذلك كله، وتاب عليهم بإسقاط ما أحوجهم (١) إلى التوبة، فتعالى ربنا وتَقَدَّسَ. وكذلك فَعَلَ في قيام الليل؛ أسقطه عنَّا رَحْمَةً منه لنا، فعبَّر عن إسقاطه بالتوبة، كما تقدَّم. وقد قال بعضهم: - "إنَّ فَرْضَه بَاقٍ" (٢). وقد بيَّنَّا فساده في كتاب "الأحكام" (٣) وغيره. تَتْمِيمٌ: [في الاستغفار للصغير] فإن قيل: فهل يُسْتَغْفَرُ للصغير؟ قلنا: نعم، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم اغفر لحَيِّنا ومَيِّتنا، وصغيرنا وكبيرنا" (٤). فإن قيل: وأيُّ ذنب يقابل المغفرة؟ قلنا: تكون له مُعَدَّةٌ، إذا جَاءَ بذنب وَجَدَ مغفرة قد سبقته، وهي أفضلُه، كما قال الله لأهل بدر: "اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم" (٥)، يعني: ما تستقبلون.

стр. 2029

ونَعَى النبيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ للناس يوم مات فقال: "استغفروا لصاحبكم" (١)، وقد كان على درجة عظيمة من الفضل عند الله؛ بدليل ما كان له عند رسول الله من المنزلة، ولكنه قال: "استغفروا له"، كما يُفعَل بكل مَيِّتٍ فاضل، فإن صادف الدعاءُ ذنبًا كان له فائدة المغفرة، وإن لم يصادف ذنبًا كان له رِفعة الدرجة. ذِكْرُ التوَّابين من المؤمنين: [تَوْبَةُ أبي لُبابة]: تاب الله على أبي لُبابة في ذنبه؛ "وذلك أنه خرج إلى بني قُرَيظة حين حاصرهم النبي، وقد طلبوا من النبي أن يصل إليهم، وكان لهم حَلِيفًا وصاحبًا في الجاهلية، وكانوا له مُكْرِمين، فلمَّا دَخَلَ حِصْنَهم تعلَّقوا به، وجَهِشَ إليه النساء والصبيان، وقالوا له: يا أبا لبابة، ما ترى في نزولنا؟ ففال لهم قولًا جميلًا، ثم أشار إلى حَلْقِه أنه الذبح، وحين فَعَلَها سُقِطَ في يده، وعَلِمَ أنه قد وَاقَعَ كبيرة، فخرج عنهم ولم يرجع إلى النبي ﷺ ، وسار إلى المسجد ورَبَطَ نفسه بسِلْسِلَةٍ في سارية من سواريه، وأَقْسَمَ ألَّا يأكل طعامًا ولا يشرب شرابًا حتى يتوب الله عليه، وبلغ أمرُه رسولَ الله ﷺ فقال: لو جاءني لاستغفرت له، فإِذْ (٢) قد صار إلى ما هنالك فسيحكم الله فيه، فأقام كذلك بضع عشرة ليلة حتى سقط كلامه، وكان لا يُرِيمُ تلك الحال إلَّا أوقات الصلوات؛ تأتي أهلُه (٣) فتحلُّه، فإذا قضى عبادته أعادت

стр. 2030

عليه حالَته، حتى أنزل الله توبته، وأمر بحَلِّه رسولُ الله، فقال: "والله، لا حَلَّنِي غيرُه"، فجاء رسولُ الله فحلَّه" (١). [توبةُ كعب بن مالك]: تاب الله على كعب بن مالك وهلال بن أمية ومُرارة بن الربيع (٢)؛ تخلَّفوا عن رسول الله في غزوة تَبُوك في جملة المنافقين، استوت حالتهم في الظاهر، واختلفت نيَّاتهم، فهؤلاء الثلاثة قعدوا تكاسلًا، والمنافقون تقاعدوا تكذيبًا وخيانة لله ورسوله، وتزهيدًا للناس عن الجهاد، فلمَّا قَدِمَ النبي ﷺ حَلَفَ المنافقون وكذبوا، فقَبِلَ النبي علانيتهم، ووَكَّلَ سرائرهم إلى الله، فلمَّا جاء هؤلاء الثلاثة إلى النبي وصَدَقُوه في التخلف أمرهم بالتخلف حتى يحكم الله فيهم، فأقاموا خمسين ليلة في هجران من النبي ومن الناس وفِرَاقٍ من الأهل، وإِرْجَاءٍ من الأمر خمسين ليلة، حتى أنزل الله توبة من مضى مع النبي وضَجِر (٣)، وتوبة من أقام وصَدَقَ حين اعتذر المنافقون (٤)، وأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧]، وثبَّت توبة من أقام وصدق حين اعتذر، حتى أنزل الله تعالى (٥): ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ﴾ الآية، كما تقدَّم بيانُها آنفًا.

стр. 2031

[توبةُ الله على المؤمنين يوم أحد]: تاب الله على المؤمنين يوم أُحُدٍ؛ حين خالفوا أمر النبي في ألَّا يبرحوا عن مواضعهم، فلمَّا رأوا الكفَّار قد انهزموا والفيء قد شرع فيه الناس تركوا مقامهم، ونَسُوا ما حُدَّ لهم، فتمكَّن الكفار، وكانت الهزيمة على المسلمين، ثم عفا الله عنهم (١)، وغفر ذلك لهم. [توبةُ الله على المؤمنين يوم حُنَين]: تاب الله على المؤمنين يوم حُنَين حين (٢) أعجبتهم كثرتهم، فلم تغلى عنهم شيئا وولوا مدبرين، ثم أنزل الله السكينة عليهم ونصرهم، وتاب عليهم بعد ذلك وغفر لهم (٣). [توبة الله على عائشة وحفصة]: تاب الله على عائشة وحفصة حين تظاهرتَا على النبي ﷺ ، حسب ما تقدَّم في (سورة التحريم). قال المفسرون: ورُوي عن مالك (٤): "في شأن مارية جاريته" (٥). وقال أهل الصحيح في شأن العسل الذي شرب منه (٦): "عند زينب" (٧).

стр. 2032

ويحتمل أن يكون فيهما، والثاني أصح. فقال الله لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وذلك مُوجِبٌ للتوبة، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ﴾ معه (١) ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وأبوكما (٢)؛ أبو بكر وعمر، وهما ﴿صَالِحُ الْمُومِنِينَ﴾، ومن كان مثلهما، ولا مِثْلَ لهما. حتى آلت القصة إلى الإيلاء، وإلى أن يَجَأَ عُمَرُ قَفَا حفصة، وإلى أن يقول لرسول الله في بعض الروايات: "إن أمرتني ضربتُ عنقها". [توبةُ قاتل المائة نَفْسٍ]: تاب الله على رَجُلٍ كان قبلنا؛ "قَتَلَ تسعة وتسعين رجلًا، ثم خرج يسأل: هل له (٣) من توبة؟ فلقي راهبًا فقال له: ليس لك توبة، فقتله، ثم خرج يسأل، فلقي آخر، فقال له الأمر (٤) وسأله: هل لي (٥) من توبة؟ فقال له: ومن يسد باب التوبة دونك؟ ولكن ائْتِ الأرض المقدَّسة، فخرج إليها فجاءه الموت فُجَاءَةً في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمرهم الله أن يجعلوا بينهم رَجُلًا يأتي على الطريق، وأرسل إليهم مَلَكًا في صورة رَجُلٍ فاستفتوه، فأمرهم أن يقيسوه، فإلى أي أرض وجدوه أقرب قبضوه على صفتها؛ إن كان أقرب إلى الأرض التي عصى فيها قَبَضَتْهُ ملائكة العذاب، وإن كان إلى الأرض المقدَّسة قبضته ملائكة

стр. 2033

الرحمة، فوجدوه أقرب إلى الأرض المقدسة بشِبْرٍ، فقبضته ملائكة الرحمة" (١). وفي رواية: "فوجدوه لمَّا جاءه الموت وهو (٢) في المَنْصَفِ نَاءَ بصدره إلى جهة الأرض المقدسة" (٣)، فبذلك المقدار استحقَّ عند الله أن تقبضه ملائكة الرحمة. [توبةُ رجل لم يعمل خيرًا قط]: تاب الله على رَجُل كان قبلكم؛ قال النبي: "إن رَجُلًا فيمن (٤) كان قبلكم قال لبنيه: أيُّ أَبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإذا مِتُّ فاحرقوني، حتى إذا صِرْتُ حُمَمًا فاسهكوني، ثم انظروا يومًا رائحًا فاذْرُوا نصفي في البَرِّ، ونِصْفِي في البحر، فوالله لئن قَدَرَ الله عليَّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، ففعلوه (٥) ورَبِّي (٦)، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن خَلْقًا سَوِيًّا، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب (٧)، فما تَلَافَاهُ غيرُها" (٨).

стр. 2034

[تَوْبَةُ رجل كان يداين الناس ويتجاوز عن المُعْسِرِ]: تاب الله على رَجُلٍ كان فيمن (١) قبلكم؛ كان يُدَايِنُ الناس ويقول لغلمانه: "أَنْظِرُوا المُوسِرَ، وتجاوزوا عن المُعْسِر، فقال الله (٢) له: نحن أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه (٣) " (٤). [توبةُ بَغِيٍّ سَقَتْ كَلْبًا]: غَفَرَ الله لبَغِيٍّ من بغايا بني إسرائيل؛ مرَّت بكلب يأكل الثَّرَى من العطش، فنزعت مُوقَها فسَقَتْهُ، فغفر الله لها (٥). معناه: يسَّر لها بسبب ذلك التوبة، وإلَّا فإحياءُ الكلب لا يعادل الصلاة، والصلاة لا تعادل الزنى، فكيف أن يعادله سَقْيُ الكلب؟ وقد بيَّنَّا ذلك في "القبس" و "شرح الحديث" وغيره. [توبةُ رَجُلٍ يضع عليه الجبَّارُ كَنَفَه]: غفر الله لعَبْدٍ - تقدم ذِكْرُه (٦) - يؤتى به يوم القيامة فيضع عليه- الجبَّار كَنَفَه، يقول له: "عبدي؛ تَذْكُرُ يوم كذا، حين فعلتَ كذا، فلا يزال يُعَدِّدُ

стр. 2035

عليه ذُنُوبَه، حتى يَرَى أنه قد هلك، فيقول الله (١) له: عبدي؛ أنا سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (٢). قال الإمام الحافظ (٣) ك وهذا فيمن زلَّ في معصيته وسَتَرَ على نفسه، فأمَّا المجاهر فلا غُفران لذنبه إلَّا بأَمْرٍ آخَرَ من ربه، وفي حالة أخرى من وقته. [توبةُ مَاعِزٍ]: وقد تاب الله على مَاعِزٍ حين جاء إلى النبي مُعْتَرِفًا بالزنى فرجمه، وقال: "استغفروا لماعز، فلقد تاب توبة لو قُسمت بين أُمَّةٍ لوَسِعَتْهُمْ" (٤). [توبةُ الجُهَنية]: وقال في الجُهَنِيَّة (٥) بعد أن رجمها: "لقد تابت توبةً لو قُسِمَتْ بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعَتْهُمْ، وهل وجدتَ أفضل من أن جادت بنفسها؟ " (٦).
следующие страницы →