← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

[توبةُ الله على المؤمنين يوم أحد]: تاب الله على المؤمنين يوم أُحُدٍ؛ حين خالفوا أمر النبي في ألَّا يبرحوا عن مواضعهم، فلمَّا رأوا الكفَّار قد انهزموا والفيء قد شرع فيه الناس تركوا مقامهم، ونَسُوا ما حُدَّ لهم، فتمكَّن الكفار، وكانت الهزيمة على المسلمين، ثم عفا الله عنهم (١)، وغفر ذلك لهم. [توبةُ الله على المؤمنين يوم حُنَين]: تاب الله على المؤمنين يوم حُنَين حين (٢) أعجبتهم كثرتهم، فلم تغلى عنهم شيئا وولوا مدبرين، ثم أنزل الله السكينة عليهم ونصرهم، وتاب عليهم بعد ذلك وغفر لهم (٣). [توبة الله على عائشة وحفصة]: تاب الله على عائشة وحفصة حين تظاهرتَا على النبي ﷺ ، حسب ما تقدَّم في (سورة التحريم). قال المفسرون: ورُوي عن مالك (٤): "في شأن مارية جاريته" (٥). وقال أهل الصحيح في شأن العسل الذي شرب منه (٦): "عند زينب" (٧).

стр. 2032

ويحتمل أن يكون فيهما، والثاني أصح. فقال الله لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وذلك مُوجِبٌ للتوبة، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ﴾ معه (١) ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وأبوكما (٢)؛ أبو بكر وعمر، وهما ﴿صَالِحُ الْمُومِنِينَ﴾، ومن كان مثلهما، ولا مِثْلَ لهما. حتى آلت القصة إلى الإيلاء، وإلى أن يَجَأَ عُمَرُ قَفَا حفصة، وإلى أن يقول لرسول الله في بعض الروايات: "إن أمرتني ضربتُ عنقها". [توبةُ قاتل المائة نَفْسٍ]: تاب الله على رَجُلٍ كان قبلنا؛ "قَتَلَ تسعة وتسعين رجلًا، ثم خرج يسأل: هل له (٣) من توبة؟ فلقي راهبًا فقال له: ليس لك توبة، فقتله، ثم خرج يسأل، فلقي آخر، فقال له الأمر (٤) وسأله: هل لي (٥) من توبة؟ فقال له: ومن يسد باب التوبة دونك؟ ولكن ائْتِ الأرض المقدَّسة، فخرج إليها فجاءه الموت فُجَاءَةً في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمرهم الله أن يجعلوا بينهم رَجُلًا يأتي على الطريق، وأرسل إليهم مَلَكًا في صورة رَجُلٍ فاستفتوه، فأمرهم أن يقيسوه، فإلى أي أرض وجدوه أقرب قبضوه على صفتها؛ إن كان أقرب إلى الأرض التي عصى فيها قَبَضَتْهُ ملائكة العذاب، وإن كان إلى الأرض المقدَّسة قبضته ملائكة

стр. 2033

الرحمة، فوجدوه أقرب إلى الأرض المقدسة بشِبْرٍ، فقبضته ملائكة الرحمة" (١). وفي رواية: "فوجدوه لمَّا جاءه الموت وهو (٢) في المَنْصَفِ نَاءَ بصدره إلى جهة الأرض المقدسة" (٣)، فبذلك المقدار استحقَّ عند الله أن تقبضه ملائكة الرحمة. [توبةُ رجل لم يعمل خيرًا قط]: تاب الله على رَجُل كان قبلكم؛ قال النبي: "إن رَجُلًا فيمن (٤) كان قبلكم قال لبنيه: أيُّ أَبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإذا مِتُّ فاحرقوني، حتى إذا صِرْتُ حُمَمًا فاسهكوني، ثم انظروا يومًا رائحًا فاذْرُوا نصفي في البَرِّ، ونِصْفِي في البحر، فوالله لئن قَدَرَ الله عليَّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، ففعلوه (٥) ورَبِّي (٦)، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن خَلْقًا سَوِيًّا، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب (٧)، فما تَلَافَاهُ غيرُها" (٨).

стр. 2034

[تَوْبَةُ رجل كان يداين الناس ويتجاوز عن المُعْسِرِ]: تاب الله على رَجُلٍ كان فيمن (١) قبلكم؛ كان يُدَايِنُ الناس ويقول لغلمانه: "أَنْظِرُوا المُوسِرَ، وتجاوزوا عن المُعْسِر، فقال الله (٢) له: نحن أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه (٣) " (٤). [توبةُ بَغِيٍّ سَقَتْ كَلْبًا]: غَفَرَ الله لبَغِيٍّ من بغايا بني إسرائيل؛ مرَّت بكلب يأكل الثَّرَى من العطش، فنزعت مُوقَها فسَقَتْهُ، فغفر الله لها (٥). معناه: يسَّر لها بسبب ذلك التوبة، وإلَّا فإحياءُ الكلب لا يعادل الصلاة، والصلاة لا تعادل الزنى، فكيف أن يعادله سَقْيُ الكلب؟ وقد بيَّنَّا ذلك في "القبس" و "شرح الحديث" وغيره. [توبةُ رَجُلٍ يضع عليه الجبَّارُ كَنَفَه]: غفر الله لعَبْدٍ - تقدم ذِكْرُه (٦) - يؤتى به يوم القيامة فيضع عليه- الجبَّار كَنَفَه، يقول له: "عبدي؛ تَذْكُرُ يوم كذا، حين فعلتَ كذا، فلا يزال يُعَدِّدُ

стр. 2035

عليه ذُنُوبَه، حتى يَرَى أنه قد هلك، فيقول الله (١) له: عبدي؛ أنا سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (٢). قال الإمام الحافظ (٣) ك وهذا فيمن زلَّ في معصيته وسَتَرَ على نفسه، فأمَّا المجاهر فلا غُفران لذنبه إلَّا بأَمْرٍ آخَرَ من ربه، وفي حالة أخرى من وقته. [توبةُ مَاعِزٍ]: وقد تاب الله على مَاعِزٍ حين جاء إلى النبي مُعْتَرِفًا بالزنى فرجمه، وقال: "استغفروا لماعز، فلقد تاب توبة لو قُسمت بين أُمَّةٍ لوَسِعَتْهُمْ" (٤). [توبةُ الجُهَنية]: وقال في الجُهَنِيَّة (٥) بعد أن رجمها: "لقد تابت توبةً لو قُسِمَتْ بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعَتْهُمْ، وهل وجدتَ أفضل من أن جادت بنفسها؟ " (٦).

стр. 2036

ومن الحكمة (١): "الجُودُ بالنفس أقصى غاية الجود". ولم يختلف أَحَدٌ من العلماء في أن سَتْرَ الإنسان. على نفسه وتوبته مع ربه أفضل من فضيحته لنفسه. ومن حديث أبي بَكْرَةَ من طريق النسائي وأبي داود: "أنَّ النبي رَجَمَ امرأةً وقال: لو قُسم أجرها بين أهل الحجاز لوَسِعَهُمْ" (٢). فالله أعلم؛ هل هي غير الأولى أم هي نفسها (٣)؟ [توبةُ كعب بن عمرو]: وجاء أبو اليُسْرِ كعبُ بن عمرو البدري (٤) إلى النبي فقال: "إني أصبتُ من امرأة كل شيء إلَّا النكاح (٥)، فقال له: أصليتَ معنا؟ قال: نعم، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، قال له: يا رسول الله؛ ألي هذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال له (٦) رسول الله: بل للناس عامة" (٧).

стр. 2037

وزاد (١) النسائي على الأئمة: "فقال له: أخلفتَ رجلًا من المسلمين غازيًا في سبيل الله [بهذا]؟ فظننتُ أني من أهل النار، وأن الله لا يغفر لي أبدًا، وأطرق عنِّي نبيُّ الله، حتى نزلت الآياتُ (٢) فقرأهنَّ عليَّ" (٣). [توبةُ رجل من الأنصار أَسْلَمَ ثم ارتدَّ ثم أَسْلَمَ]: وروى (٤) النسائي عن ابن عباس: "كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم، وأرسل إلى قومه (٥): سلوا لي النبي؛ هل لي من توبة؛ فجاء قومُه إلى رسول الله فقالوا: إن فلانًا قد ندم، وقد أَمرنا أن نسألك هل له من توبة؟ فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]:، فأرسل إليه فأسلم" (٦). [توبةُ آدَمَ ﵇]: وروى. الأئمة عن أبي هريرة: قال النبي ﷺ : "تحاجَّ آدَمُ وموسى، فقال موسى: يا آدمُ أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من رُوحِه، أغويتَ الناس وأخرجتهم من الجنة، قال: فقال آدم: وأنت موسى الذي

стр. 2038

اصطفاك إليه (١) بكلامه؛ أتلومني على عمل عَمِلْتُه كَتَبَهُ الله عليَّ قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ ثمَّ (٢) قال رسول الله: فحجَّ آدمُ موسى" (٣). قال علماؤنا: "لَامَ موسى آدمَ (٤) بعد التوبة، والتائبُ لا يُعاقَب ولا يُعاتَب، والمذنبُ قبل التوبة معاتَب معاقَب". وقد أصَّل النبي قوله: "إذا زنت أمةُ أحدكم فليجلدها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ" (٥)، فأخبر أنه إذا جلدها الحدَّ لم يَجُزْ له أن يُثَرِّبَ عليها، يعني: يعاتبها، فجُرْحُ اللسان كجرح اليد، والله أعلم. [توبةُ من قَرَفَ أمَّ المؤمنين عائشة وقذفها]: تاب الله على من قَرَفَ عائشة وقَذَفَها حين برَّأها وطهَّرها، ولذلك أدخل العلماءُ حديثها في كتاب التوبة (٦). ومن أعظم المحن عليها قَوْلُ رسول الله لها: "أمَّا بعد يا عائشة؛ فإن كنتِ ألممت بذنب أو قارفت سُوءًا أو ظلمت فتوبي إلى الله؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده، قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار، وهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شَيْئًا؟ فوعظ رسول الله فالتفت إلى أبي، فقلت: أجبه، قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه، قالت: أقول ماذا؟ قالت: فلمَّا لم يُجِيبَا تشهَّدت، فحمدتُ الله

стр. 2039

وأثنيتُ عليه بما هو أهله، لم قلت: أمَا والله لئن قلت لكم: إني لم أفعل، والله يشهد إني لصادقة، ما ذلك (١) بنافعي عندكم، لقد تكلَّمتم وأُشْرِبَتْهُ قلوبكم، ولئن قلت: إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولنَّ إنها قد باءت به على نفسها، ولئن قلت: إني لم أفعل؛ لا تصدقوني، فما أجدُ لي ولكم مَثَلًا، قالت: والتمستُ اسم يعقوب فلم أقدر عليه، فقلتُ: إلَّا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، قالت: وأُنزل على رسول الله من ساعته فسكتَ (٢)، فرُفِعَ عنه وإني لأتبيَّن السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه ويقول: أبشري (٣) يا عائشة؛ قد أنزل الله براءتك، قالت: وكنت أشد ما كنت غَضَبًا، فقلت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لي أبواي: قُومِي إليه، فقلتُ لهم: لا، والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيَّرتموه" (٤). فانظروا إلى جزالة عائشة وفصاحتها وسَعَةِ علمها، وعظيم توحيدها لربها ومُنَّتها في نفسها، لله دَرُّها ورضوانُ الله عليها، إنها لخَيْرُ نساء زمانها. والذين تِيبَ عليهم: حَمْنَةُ بنت جحش، مِسْطَحُ بن أُثاثة، حسَّان بن ثابت، وقد انضاف (٥) إليهم جماعة، حتى كانوا عُصْبَةً كما قال الله، منهم

стр. 2040

قائل، ومنهم مستمع راضٍ، ومنهم من كان يجمعه ويَسْتَوْشِيهِ ويُذِيعُه؛ وهو عبد الله بن أُبي المنافق (١). ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور: (١١)]؛ قيل: هو حسَّان (٢). وقيل: عبد الله بن أُبَي (٣). وهو الأصح. ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]. قيل: هذا في أزواج النبي (٤). وقيل: في كل مُسْلِمَةٍ (٥). وهو الصحيح. فأمَّا لَعْنُهم في الدنيا فبحَدِّهم، وإسقاطِ حرمتهم وشهادتهم وإمامتهم؛ وأمَّا لَعْنُهم في الآخرة فبطردهم عن رحمة الله. قال جماعة: "هذه الآية في الكفَّار، بدليل قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وهو عبد الله بن أُبَي".

стр. 2041

ثم ابتدأ سبحانه تأكيدًا لتبرئة عائشة (١) وسائرِ أزواج النبي (٢) محمد ﷺ وسائرِ أزواجِ الكرامِ رُسُلِه (٣) صلى الله عليهم (٤)، فقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، وقد اختلف الناسُ- لغفلتهم عن المعاني- في هذه الآية على ستة أقوال: الأوَّل: قال: "معناه: الخبيثاث من الكلام؛ معونة (٥) للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال قائلون للخبيثات من الكلام، والطيبات منه للطيبين منهم، والطيبون منهم للطيبات كذلك" (٦)، قاله ابنُ جرير (٧) وعطاء ومجاهد. الثاني: قيل (٨): "إن معناه: إن خبيثًا لا يلتصق إلَّا بخبيث، ولا يُلْصِقُه إلُّاخبيث" (٩). الثالث: "إنَّ الخبيثات من النساء للخبثاء من الرجال" (١٠)، وكذلك في الطَّيِّبِ، قاله ابن زيد.

стр. 2042

الرابع: "الخبيثاتُ من الأعمال للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الأعمال" (١)، وكذلك الطيِّب مثله، قاله مجاهد أيضًا، ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، يعني: الطيِّب مُبَرَّأٌ من الخبيث، وقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾، أي: جعلنا بلاءهم مغفرة لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ عندنا. الخامس: "الخبيثات من الأحوال للخبيثين من الرجال" (٢). السَّادس: "الخبيثات من الأموال (٣) " (٤)، ورَكِّبْه كذلك. قال الأمام الحافظ (٥): هذه الأقوال كلها صحيحة محتملة، وإن كان سببُ الآية وما قبلها يدلُّ على الأشخاص فلا يمتنع أن يدلَّ على المعاني؛ من الأحوال، والأفعال، والأقوال، والأموال، فيكون العمل الخبيث لا يصدر الَّا من الرجل الخبيث، كُلٌّ مَرْبُوطٌ بما يليق به، والفعلُ لائق بفاعله، والفاعلُ لائق بفعله؛ في الطهارة والقذارة، والنفاسة والخساسة، والشرف والسَّرَف. وإذا قلنا: إنها الأحوال؛ فالخبيثات من الأحوال كالمُنَى والشهوات لأصحابها والسَّاعين لها لميلها لها، غير ممنوع أحدهما من صاحبه، فالصفة للموصوف لازمة، والموصوف لصفته لازم.

стр. 2043

وإن قلنا: الخبيثات من الأشخاص للخبيثين من الأشخاص؛ وهم الراضون بالمنازل السَّخيفة، والتناحر على الجيفة. وإن قلنا: الخبيثات من الأموال، وهي التي ليست بحَلَالٍ لمن بها تَرْبِيَتُه (١)، وعليها تعتكف هِمَّتُه، والخبيثُ من الرجال لا يميل إلَّا إلى مثل تلك الأموال، وتلك الأموال لا يكسبها (٢) إلَّا مثل أولئك الرجال. وإن قلنا: إنها الأقوال؛ فالخبيثُ من الأقوال لا يكون إلا للخبيثين من الرجال، والخبيثُ من الرجال لا يبالي من أين قال (٣)، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (٤): "وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلَّا حصائد ألسنتهم" (٥). وإن قلنا: إن الطيبين (٦) من الأعمال للطيبين من الرجال؛ فهي الطاعات والقُرَبُ (٧) للطيِّبين، الذين يؤثرونها ويسعون في تحصيلها، والطيبات من الأحوال- وهي: تحقيق الواصلات (٨) ممَّا (٩) هو حَقُّ الحق

стр. 2044

مُجَرَّدًا عن الحظوظ- للطيِّبين من الرجال؛ وهم الذين سَمَتْ هِمَّتُهم عن كل تَبَذُّلٍ خسيس، ولهم نُفُوسٌ سمت إلى المعاني بالتَّجَملِ مع التَّذَلُّلِ لرب العزة ومن (١) هي له على الإطلاق (٢). والطيِّب من المال (٣) - وهو (٤): الذي صَفَتْ جِهَةُ كسبه وتطهَّر في ذاته، وعَرِيَ عن مِنَّةِ مخلوق عليه- للطيِّبين من الرجال؛ وهم الأحرار الذين خلصوا لرِقِّ المولى (٥) عن رِقِّ الكون في الدنيا (٦). والطيبات من الأشخاص- هن المُبَرَّآتُ من رهج الخطر، المنتفيات (٧) عن سفساف أخلاق البشرية، من التعريج على (٨) أوطان الشهوات- للطيبين من الرجال؛ الذين يقومون بحق الحق (٩)، لا يصحبون الخلق إلَّا للتعب (١٠) دون استجلاب المنافع (١١).

стр. 2045

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: فهذه الأقوال بمتعلقاتها صحيحة كلها، والمقصود منها تَبْرِئَةُ المطهَّرات من أزواج المطهَّرين، فقد قال ابنُ عبَّاس: "ما بغتْ امرأةُ نَبِيٍّ قط، وإنَّما كانت خيانتهما في كُفْرِهما" (٢). والآيةُ مخصوصة قطعًا في الأنبياء، عامَّةٌ في سائر الطيِّبين من الخلق، فقد يكون الرجلُ عفيفًا ولكن امرأته غير عفيفة. والذي أعتقدُه في ذلك أنه لا يكون إلَّا (٣) طَيِّبًا، فيعاقبه الله على ما اقترف من الخطايا في فراشه أو في (٤) ذريته، كما يصون فراشه وذريته بالصلاح، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢]، فيقال: "إنهما حُفِظَا في حُرمة الجد السَّابع" (٥)، ولكن خَرَجَ الكلامُ مخرج الغالب من الأحوال. وأمَّا إذا تأوَّلنا الأقوال والأعمال والأموال فإنها على العموم لا تخصيص فيها، والأَصْلُ في هذه الثلاثة وخُبْثِها (٦) وطِيبِها القَلْبُ. وقال (٧) مولى لقمان للقمان: "جئني بأطيب بضعة في الجزرة، فجاءه بالقلب، وقال له يومًا آخر: جئني بأخبث بضعة في الجزرة، فجاءه بالقلب، فعَلِمَ حكمته".

стр. 2046

وقال النبيُّ حكيمُ الخلق وسَيِّدُهم: "أَلَا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صَلَحَ الجسد، وإذا فسدت فَسَدَ الجسد؛ أَلَا وهي القلب" (١). وقال النبي ﷺ : "وهل يكب الناس في النار (٢) على مناخيرهم إلَّا حصائد ألسنتهم" (٣). ولهذا كان الخلاف واقعًا بين الناس في الصمت والكلام؛ أيهما أفضل؟ فمذهب الطائفة الأدبية والتاريخية أن الكلام لو كان من فضة لكان الصمت من ذهب، ولو كان الكلام من ذهب لكان الصمت دُرًّا وياقوتًا (٤). قلت للطُّرْطُوشِي: ما تقول في هذا (٥)؟ قال: الكلام أفضل. ولا شك في هذا للمحقق (٦)، والدليل عليه أن الكلام صفة الخالق، والصمت صفة المخلوق، وما كان صفة للخالق فهو أفضل ممَّا يتصف به المخلوق وحده. قال الإمام الحافظ (٧): وهذا إنَّما أخذه من الذي قدَّمنا عن أبي علي الدقَّاق الصوفي؛ أنه قال: "الغنى أفضل من الفقر؛ لأن الغنى صفة الحق، والفقر صفة الخلق" (٨).

стр. 2047

وإنَّما ذهب من تكلَّم عليه من الغَفَلَةِ الأُدَبَاءَ والمُؤَرِّخِينَ إلى ما رأى من كثرة (١) آفات الكلام، وأن السَّلامة في الصمت. وفي الحقيقة: قد يكون الهلاكُ في الصمت؛ إذا سكت عن الإيمان وقَوْلِ الحق حيث يجب عليه، ولكن الكلام كثير الآفات لشَرَفِه، فلمَّا كثرت آفاتُه عَسُرَ على المُقَصِّرِينَ تجريدُه عنها؛ فصاروا يتهافتون عليها ولا يُخَلِّصُونَهُ (٢) منها، فهربُوا إلى السكوت، وإلَّا فلا (٣) يجهل مُحَصِّلٌ أن الكلام أفضل، ولأجل كثرة آفاته قال ابن مسعود: "ما رأيتُ شيئًا أحق بطُولِ سِجْنٍ من لسان" (٤). ومن الحكمة: "إيَّاك أن يضرب لسانُك عنقَك" (٥). وفي البخاري عن أبي هريرة: أن النبي قال: "إن الرجل ليتكلَّم بالكلمة ما يُلْقِي لها بالًا؛ يهوي بها في النار سبعين خريفًا" (٦). شُرُوطُ التوبة: ولا تصح التوبة للمرء إلَّا بأن يندم على ما فرَّط، ويعزم على ألَّا يفعل في المستقبل، ويؤدي الحقوق التي تعدَّى فيها إلى أربابها إن عَلِمَهُمْ، وإلَّا تصدَّق بها عنهم، وكل معصية- ما عدا شرب الخمر- مُتَعَلِّقٌ (٧) بها

стр. 2048

حَقُّ الآدَمِيِّ، ولكن لا يحسن في بعضها أن يخرج عنه إلى أربابه، مثل أن يزني بقريبة أحد، فلله حَقٌّ في الزنى؛ وهو (١) تحريمُه له، وللعبد فيه حَقٌّ، وهو ما يلحقه من العار في عِرْضِه، فإذا ارتكب أَحَدٌ زِنًى ثم تاب إلى ربه فلا ينبغى أن يقول لرجل: "زنيتُ بقريبتك فاجعلني في حِلٍّ"، ولكن يفعل من الخير ما أمكن، عسى أن يقابل ذلك ويوازنه، وغير ذلك من الحقوق يخرج إلى ربِّها عنها مُصَرِّحًا بها، ويستغفره فيها، وحينئذ يكون من "المستغفرين". * * *

стр. 2049

وهو الاسمُ السَّابع ومائة (١): المستغفر (٢) [وهو ما يطلبون] (٣) من المغفرة (٤)؛ فإنه لا يكون طالبًا لها (٥) إلَّا إذا هيَّأ أهليتها، وطهَّر محلَّها، وأخرج ثمنها، وإلا فكيف يصحُّ له طلبها؟ وقد أنشدناكم مِرَارًا قول بعضهم: أستغفر الله مِن أستغفر الله … من لفظة صدرت خالفتُ معناها وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد … سددتُ بالذنب عند الله مجراها (٦) فإن قيل: فهل يصح من المُصِرِّ على الذنب المُسْتَمِرِّ العزيمة (٧) على فِعْلِه أن يطلب المغفرة؟ قلنا له: نعم، بل يلزمه ذلك ويتعرَّض له، ويسأله فيه، وبذلك يزول عنه معظم الإصرار؛ فإن العاصي إذا كان مُنْهَتِكًا (٨) بعصيانه مُنْهَمِكًا في

стр. 2050

خذلانه مُتَمَادِيًا على طغيانه مُسْتَمِرًّا على غُلَوَائِه كان من جملة المعرضين عن الله الذين (١) أعرض الله عنهم، ومن الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ومن الذين ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، وهو شخص يُخاف عليه سوء الخاتمة. وإذا عصى واستغفر كان من اللوَّامين، ورُجِيَ له الخروج عن الفتنة بما هو عليه؛ الفينة بعد الفينة، فإذا كانت فينة (٢) في معصية وفينة (٣) في استغفار رُجِيَ له تأثير القلب بالانكفاف، ومن الحسن له أن يسأل في الدعاء غيره ممَّن يرجو عنده بركته؛ من ذي موَّدة أو ذي صلاح. ومن الحديث الصحيح: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون ويغفر لهم" (٤)، وهذا صحيح صحيح. المعنى: فإنه غفَّار؛ فلا بد أن يكون- هنالك ذنب يُغْفَرُ. ومن الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "إذا قال العبد: اللهم اغفر لي، قال الله: عَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، قد غفرت له" (٥). وفيه: أن النبي ﷺ (٦) قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السَّماء (٧) الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر، - وفي رواية: حين يذهب ثلث الليل الأوَّل-

стр. 2051

فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (١). وقد عَلَّمَ النبي سيِّد الاستغفار، فقال: "اللهم أنت ربي، لا إلهْ إلَّا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوأ لك بنعمتك علي، وأبوأ بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" (٢). وقد صحَّ وثبت أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة وكبَّر يقول (٣) بعد التكبير: "وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٣) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبحانك، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إِلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلَّا أنت، لبَّيك وسعديك، وأنا بك وإليك، لا منجى منك ولا ملجأ إلَّا إليك، أستغفرك وأتوب إليك- ثم يقرأ-، فإذا ركع كان كلامه في ركوعه أن يقول: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي، خشع سمعي وبصري ومُخِّي وعظْمي لله رب العالمين، فإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ثم يتبعها: اللهم ربنا ولك الحمد، ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء

стр. 2052

بعد، وإذا سجد قال في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي؛ سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره (١)، وشقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين، ويقول عند انصرافه من الصلاة: "اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلَّا أنت، من قالها من النهار مُوقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمْسِي فهو من أهل الجنة، ومن قالها بالليل وهو مُوقِنٌ بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة" (٢). وكان النبي يقول في دعائه: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّه وجِلَّه، علانيته وسِرَّه" (٣)، "اللهم اغفر لي جِدِّي وهزْلي، وخطئي وعمْدي، وكل ذلك عندي" (٤). وقال له أبو بكر الصديق: "يا رسول الله، عَلِّمْنِي دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: قل: سبحانك اللهم وبحمدك، رَبِّ إني ظلمت نفسي

стр. 2053

وعملتُ سوءًا، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (١). [استغفارُ موسى ﵇]: قال الإمام الحافظ (٢): وهذا كله اقتداء بمن سَلَفَ من المصطفَيْن الأخيار، قد قال الكليم بعد رُقِيِّ المنزلة وعُلُوِّ المرتبة: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، إشارة إلى وجوب الاستغفار في عموم الأحوال؛ لعِلْمِ الخلق بأن لله أن يعذب البريء في حُكْمِ سلطانه، وأن يأخذ بالذنب الواحد العبد في جميع زمانه (٣). فأمَّا موسى فكان (٤) [استغفارُه] تجديدًا للمغفرة واستدامة لها. وأمَّا لهارون فكانت لما توقَّع من التقصير عليه في خلافته له أيَّان مغيبه للكلام. وقد كان سؤال المغفرة تقدَّم من موسى حين قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، هذا؛ وما كان ذلك الذنب إلَّا خطأً، فقال موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: (١٧)]، يعني (٥). من التوبة، فلا أعود إلى مثل ذلك الفعل بعدها.

стр. 2054

[استغفارُ داود ﵇]: وكذلك داود؛ استغفر ربه من ذنبه، وما كان ذنبه إلَّا أمرًا جائزًا، لم يكن مكروهًا ولا حرامًا، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص: ٢٢]، وليس على الرجل حرج في أن يقول لصاحبه: "طَلِّقْ لي زوجتك (١) "، بل هذا من تمام المودة، ومن حكم التبسط في المحبة (٢). فإن قيل: فكيف (٣) قال: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾؟ قلنا: المعنى: وعزَّني بمنزلته؛ فإنه رأى أنه نبي وكريم، وذو حق مَرْعِي، وصاحب ووَلِي، فأمضى (٤) ذلك كله قضاء الحاجة. [الأميرُ سَيْرُ بن أبي بكر]: وقد أمليتُ عليكم أنه كان عندنا أَمِيرٌ أعجمي (٥)؛ فقلت له: اطلب لي من فلان حاجة، فقال: أَمَا علمت أن طلب السلطان للحاجة غصب، فقلت: إذا كان ظالمًا، فأمَّا إذا كان عدلًا مأمون الجانب فهي صلة، فعَجِبَ من هذا

стр. 2055

الجواب وسبَّح وهلَّل، كما عجبتُ أنا من فِقْهِه ومعرفته بهذه الأغراض على عُجْمَته، وكان من سادة فرقته (١). [الاستغفارُ بالأسحار]: وأفضلُ أوقات (٢) الاستغفار (٣) السَّحَرُ، إلَّا على ما بيَّنَّاه من نزول الرب فيه، من الإمساك إلى الإجابة، فعبَّر عنه بنزوله إلى السماء الدنيا؛ خزانة الأرزاق، ومبدأ البركة. [استغفارُ يعقوب ﵇]: وقد قيل في قوله تعالى مُخْبِرًا عن يعقوب (٤): ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (٥) [يوسف: ٩٨]: إنَّه أخَّر لهم الاستغفار لأحد ثمانية أوجه: الأوَّل: أنه (٦) لم يتفرَّغ للاستغفار لأجل الاستبشار (٧). الثاني: لم يمكنهم (٨) للوهلة، لما سبق لهم من سوء الفَعْلَةِ (٩).

стр. 2056

الثالث: أن الحق لم يكن له وحده، وإنما كان ليوسف معه، وكان غائبًا، فأراد أن يَحْضُرَ ليَطِيبَ المحضر والمخبر، ويوسف كان الحق له، فوهبه على الفور (١). الرابع: لم يعلم يعقوبُ بمغفرة يوسف. الخامس (٢): أن يوسف فتى، والفتوة أقرب إلى الانفعال من المشيخة (٣). السَّادس: أنه أراد نية خالصة. السَّابع: أنه أراد وقتًا صالحًا فأخَّرهم إلى السَّحَرِ (٤). الثامن: أنه لم يكن على طهارة، وإنما يكون الاستغفار والدعاء كاملًا إذا كان الداعي والمستغفر (٥) مُتَطَهِّرًا (٦). [فوائدُ الاستغفار]: فوائد الاستغفار كثيرة، أمهاتها عشرة (٧): غفرانُ الذنوب؛

стр. 2057

ستر العيوب؛ إدرار الرزق؛ سلامة الخلق؛ العصمة في الاستقبال؛ تأتِّي الأمل؛ جريان البركة في الأموال؛ قرب المنزلة؛ إجابة الدعوة؛ بذل الجنة (١). وفي كُلِّ واحدٍ آيةٌ وحديثٌ (٢). [الاستغفارُ للغير]: رُوي: أن عبد الله بن عمر قال له ابنُ عامر- أمير البصرة-: "ادع لي، فقال له (٣): سمعتُ رسول الله يقول: لا صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غُلول" (٤).

стр. 2058

وقال أبو موسى الأشعري للنبي ﷺ : "استغفر لأخي (١) أبي عامر، وقد كان استشهد بأوطاس، فتوضأ النبي ﷺ ، ورفع يديه فقال: اللهم اغفر لأبي عامر" (٢). [استغفارُ رسول الله]: وقد قدَّمنا أنه ﷺ (٣) قال: "إنه (٤) ليُغان على قلبي؛ فأتوب إلى الله في اليوم مائة مرة" (٥). ورُوي عنه (٦): "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة (٧) "، وفي رواية: "سبعين مرة" (٨). وكل ذلك بحسب ما كان يُرى من مواظبته، فتارة كانت أكثر؛ فيكون الاستغفار أقل، وربما كانت في بعض الأحايين (٩) أقل من (١٠) غيرها (١١) منها في أوقات، فيزيد في الاستغفار، وذلك تعليمٌ لنا، والله أعلم.

стр. 2059

قال الإمام الحافظ (١): وإذا سأل المغفرة فليقرن بها سؤال الرحمة، كما فعل الكليم في شأنه وشأن أخيه هارون، وكما علَّم النبي للصِّدِّيق؛ فإن المغفرة إسقاطُ الحق الواجب عليكم، والرحمة إفاضة الإحسان إليكم بجزيل الثواب وكريم المآب، ودخول الجنة، والنظر إلى وجهه الكريم. وفي الحديث الصحيح: "إن الله خلق مائة رحمة، بثَّ منها في الخلق واحدة؛ فبها يتراحم الخلق، وبها ترفع البهيمة حافرها عن ولدها، فإذا كان في القيامة انتزعها منهما وردَّها إلى التسعة والتسعين وبثَّها في الخلق" (٢). وفي الصحيح: "إن رحمتي غلبت غضبي" (٣). ومن الحديث الحسن: "أنَّ النبي نزل في بعض مغازيه فألفى أحدُ أصحابه وَكْرًا، فأخذ فراخه فلفَّها في كسائه، فأقبلت أمهن فاستدارت علي، فكشفتُ لها عنهن فوقعت عليهن، فجئتك بهن، فأمر النبيُّ بردها مع فراخها إلى مكانها، وقال: أترون رحمة هذه بأولادها؟ فالله أرحم من هذه بأولادها" (٤). فإن قيل: وكيف رَدَّهَا النبيُّ ﷺ إليها وهو أَمْرَّ قد يسَّره الله لواجده؟ قلنا: أجاب الناس عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن الحيوان كان ممَّا لا يؤكل؛ كَذِي مِخْلَبٍ من الطير، وهذا الجواب على قول (٥) من يرى تحريمها.

стр. 2060

الثاني: أن النبي ﷺ كان مع قوم قد غلبت عليهم الجفوة، واستولت على قلوبهم القسوة، فأراد النبيُّ ﷺ أن يُكْسِبَهم الرقة ويُعَوِّدَهم الرحمة. وقد ثبت عن النبي من كل طريق من الصحيح، وعند كل فريق من الحسن وغيره: أن النبي ﷺ قال: "لله (١) أفرح بتوبة العبد حين يتوب من أحدكم كان بأرض فلاة على راحلته فانفلتت منه؛ وعليها طعامه وشرابه، فأَيِسَ منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، - وفي رواية: فنام فاستيقظ (٢)؛ فإذا هو (٣) بها عند رأسه- فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (٤). وقال ﷺ في حديث طويل، حاكيًا عن ربه (٥) -: "يا عبادي؛ إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم" (٦).

стр. 2061

وقال النبي: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسِيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب (١) مسيء (٢) الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" (٣). وقال صلى الله عليه (٤): "إن العبد إذا اعترف ثم تابَ تاب الله عليه" (٥). وقال ﷺ : "إنَّ عَبْدًا أذنب ذنبًا فقال: ربِّ أذنبت فاغفر (٦) لي، فقال ربه: علم (٧) عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب ويأخذ بها، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت فاغفر (٨) لي، فقال: أعلم (٩) عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب ويأخذ بها؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت آخَر فاغفره لي (١٠)، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب ويأخذ بها؟ غفرتُ لعبدي، فليعمل ما شاء" (١١).

стр. 2062

قال الأمام الحافظ (١): ويحتمل هذا أن يكون ذلك الذنب بعينه، ويحتمل أن يكون غيره، وهو عندي أظهر في الكلام المتقدم، وأقرب إلى المراد من المغفرة. وعن جُنْدُبٍ: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألَّا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك، أو كما قال" (٢). ومن الحديث الحسن: قال النبي ﷺ : "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضِيقٍ مخرجًا، ومن كل هَمٍّ فَرَجًا، ورَزَقَهُ من حيث لا يحتسب" (٣)، وهذا الحكم مُعَلَّقٌ في القرآن على التقوى، فربُّك أعلم بهذا الحديث. وقال النبي صلوات الله عليه وسلامه (٤): "ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة (٥) " (٦).

стр. 2063

وقال النبي ﷺ : "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب واستغفر صُقل قلبه، وإن زاد زادت؛ حتى تعلو قلبه، فذلك الرَّانُ الذي ذَكَرَ الله؛ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] " (١). وقد ثبت عن النبي أنه قال: "الجنةُ أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله (٢)، والنارُ كذلك" (٣). والجنة دارٌ مُطَهرَةٌ فلا يدخلها إلَّا "طاهر". * * *

стр. 2064

الطَّاهِرُ (١): وهو الاسمُ الثامنُ والمائة (٢) والطهارة في العربية هي: النظافة من كل مُسْتَنْجَسٍ (٣) مُسْتَخْبَثٍ مُتَكَرَّهٍ (٤)؛ كان محسوسًا أو معقولًا. وطهارة المحسوس والمعقول الماء، إلَّا أن المحسوس يُطَهِّرُه الماء المنزل من السماء، وطهارة المعقول تكون بالماء الذي ينزل من العين، والماء يطفئ النار؛ فلا يَحُولُ بين ابنِ (٥) آدم وبين النار شيءٌ مثل البكاء، كما قال النبي: "عينان لن تمسهما النار أبدًا؛ عين سهرت في سبيل الله، وأخرى عين بكت من خشية الله" (٦). وكما لا يُطَهِّرُ المستخبثَ المعقولَ إلا ماءُ الدموع، كذلك لا يُطَهِّرُ المستنجسَ المستخبثَ المحسوسَ إلا ماءُ السماء، وهذا أَمْرٌ غاب على (٧)

стр. 2065

أهل العراق ومن قال بقولهم؛ حين قالوا: "إن المائعات غير الماء تُطَهِّرُ" (١)، وهيهات لهم هيهات. وإذا كان الخُبث الذي (٢) في المحل (٣) المحسوس لا يُطَهِّرُهُ الماء طهَّره التبديل، كذلك المستخبث المعقول يُطَهِّرُه التبديل، وذلك بالنار؛ حتى إذا صارت حُمَمًا وزال ما كان به من الصفات التي سَدَكَ به (٤) الخبث طُهِّرَ بماء الحياة (٥)، واستُنبت نبتة (٦) أخرى مطهَّرة (٧)، كما بيَّناه في حديث الشفاعة (٨) في صدر الكتاب (٩). فطَهِّرْ نفسك بماء التوبة، قبل أن تفوتك الإنابة والأوبة؛ فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. قال أهل الزهد: "التوابين من الذنوب، المتطهرين من العيوب؛ من مخالطة شبهة، أو ملابسة غفلة" (١٠).

стр. 2066

قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذه هي الطهارة المعقولة؛ فإنه ليس هنالك نجاسة، وإنما يحصل المرءُ في دَنَسٍ في الدين، وربَّما آلَ إلى دَنَسِ معقول أيضًا- في الدنيا، من التعريض للفاحشة، فيكون عِرْضُ المرء وَسِخًا غير طاهر ولا نقي، وقد بيَّنَّا ذلك في تأويل قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١) قبل هذا. وقال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥]، وأولئك هم المطهرات، وتلك هي الطهارة المحسوسة حقيقة، كما بيَّنَّاه في صفة الجنة، كما أنه ليس هنالك طهارة معقولة (٢) حقيقة (٣) إلَّا قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤)، على ما ياتي بيانُه إن شاء الله (٥). [طهارةُ مريم ﵍]: وقد (٦) قال لمريم (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]. قال النبي: "مريم سيدة نساء عالمها، وخديجة سيدة نساء عالمها (٨) " (٩).

стр. 2067

وكان اصطفى (١) مريم بإفرادها عن أشكالها، واصطفاها من المعصية، واصطفاها من الخُلطة، واصطفاها بأن نَفَخَ فيها من روحه، وطهَّرها من المعاصي والفحشاء، وطهَّرها من دماء النساء؛ فخرج عيسى فَصِيلًا غَسِيلًا، دَهِينًا نَظِيفًا، ولم يكن منها ما يكون من النساء، فلم تُشْبِهْكِ امرأة، ولا تشبهك (٢) إلى يوم القيامة، وهذا هو الاصطفاء للخلق (٣)، وكان لثلاثة؛ لمُحَمَّدٍ، وإبراهيم (٤)، ومريم، وقد بيَّنَّاه في كتاب "الأنوار". [خصائصُ عيسى ﵇]: وقال الله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٤]. فخصَّه بأربعة: الأولى: قَوْلُه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، واختلف الناسُ فيه؛ فمنهم من قال: "وفاة الموت" (٥)؛ وأسندوه إلى ابن عباس، ولم يصح. ومنهم من قال: "وفاة القبض" (٦).

стр. 2068

والصحيح أنها وفاة قبض لا وفاة موت، حتى لقد رُوِي: "أنه توفي ثلاث ساعات من النهار فرفعه (١) الله فيها" (٢)، وهذا تحكم بغير أثر، أوقعهم فيه لفظ ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، والدليلُ على صحة ما قلناه قَبُوْلُ النبي ﷺ في الصحيح: "لينزلنَّ فيكم ابنُ مريم حَكَمًا مُقْسِطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويَفيض المال فلا يقبله أحد، وليُهِلَّنَّ على الروحاء حاجًّا أو مُعْتَمِرًا، أو ليُثَنِّيَنَّها (٣)، الأنبياء أولاد عَلَّاتٍ، أمهاتهم شتَّى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم، لم يكن بيني وبينه نبي" (٤). ومن الحسن: "وهو خليفتي على أمتي، وإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجل مَربوع إلى الحمرة، سبط الشعر، يقطر ماء وإن لم يصبه بَلَلٌ، بين مُمَصَّرتين، يقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها، ويُهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الدجال الكذاب، وتقع في الأرض الأَمَنَةُ؛ حتى يرتع الأُسْدُ مع الأبل، والنمور مع البقر، والغنم مع الذئاب، ويلعب الغلمان بالحيَّات، تُذهَبُ (٥) حمتها (٦)، لا يضر بعضهم بعضًا، فيلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتَوَفَّى، ويصلي المسلمون عليه ويدفنوه" (٧).

стр. 2069

قال الطبري: "وهذا نصُّ أنه حيٌّ من وجوه؛ منها: قوله: "لينزلنَّ"، ولو كان مَيِّتًا لقال: "وليُحْيِيَنَّ الله عيسى"، ولكن الله لمَّا أخبر عنه أنه قبضه من الأرض أخبر عنه النبي أنه سيرجع إلى الموضع الذي رُفِعَ منه" (١). الثاني: قوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، وهذا تشريف له؛ لأنه كان يجوز أن يتوفَّاه منهم ولا يرفعه إليه، فشرَّفه بأن رفعه إليه مقبوضًا عنهم. الثالث: قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: مُذْهِبٌ عنك ما هَمُّوا به فيك من المكروه، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٦]، أي: ما قتلوه حقيقة، ولكن شُبِّهَ لهم فتنة. وقال أهل الزهد: "أمَّا تَوَفِّيه عنهم فإنه قَبَضَهُ عن صفات البشرية، وجعل فيه خصائص القدرة؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والتحديث عن الغيب" (٢). ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، يعني: إِلى مكان كرامتي لأوليائي، ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾، أي: من حال الكفار في جميع الصفات والأغيار، حتى لا يكون في أحد نَقْصٌ إلَّا جعلتُ له كمالًا أعظم من كل كمال، وهو (٣): الرابع: قَوْلُه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 2070

واختلف الناس في المراد "بالذين اتبعوه" على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المؤمنون (١). والثاني: الروم (٢). الثالث: جاعلُ النصارى الذين آمنوا به فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة (٣). فإن كان المراد به النصارى واليهود فالخَبَرُ على عمومه، ومُطْلَقُهُ صحيح صِدْقٌ، فإنَّ الحال كذلك، ما اجتمعت قط يهود ونصارى في بلد إلَّا والنصارى فوقهم فيه. وكذلك إن كان المراد به الروم، فإنهم طائفة عيسى وأمته، كما قدَّمنا. وإن كان المراد به مَن آمن به فيكون معناه: أنهم فوق الذين كفروا بالبرهان، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:.١٤]، المعنى: في البرهان، فإن ظهرت الكَفَرَةُ على المؤمنين في اليد فلم يظهروا عليهم في الحق؛ لأن الدليل لا ينقلب، والحق لا يُغلب، أَمَا إنه يُنْكَرُ ويُكْفَرُ. فطهارتُه منهم- كما بيَّنَّا- بثلاثة أوجه؛ ببدايته العالية، وصفاته الهادية، وعصمته الكافية.
следующие страницы →