← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذه هي الطهارة المعقولة؛ فإنه ليس هنالك نجاسة، وإنما يحصل المرءُ في دَنَسٍ في الدين، وربَّما آلَ إلى دَنَسِ معقول أيضًا- في الدنيا، من التعريض للفاحشة، فيكون عِرْضُ المرء وَسِخًا غير طاهر ولا نقي، وقد بيَّنَّا ذلك في تأويل قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (١) قبل هذا. وقال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥]، وأولئك هم المطهرات، وتلك هي الطهارة المحسوسة حقيقة، كما بيَّنَّاه في صفة الجنة، كما أنه ليس هنالك طهارة معقولة (٢) حقيقة (٣) إلَّا قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤)، على ما ياتي بيانُه إن شاء الله (٥). [طهارةُ مريم ﵍]: وقد (٦) قال لمريم (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]. قال النبي: "مريم سيدة نساء عالمها، وخديجة سيدة نساء عالمها (٨) " (٩).

стр. 2067

وكان اصطفى (١) مريم بإفرادها عن أشكالها، واصطفاها من المعصية، واصطفاها من الخُلطة، واصطفاها بأن نَفَخَ فيها من روحه، وطهَّرها من المعاصي والفحشاء، وطهَّرها من دماء النساء؛ فخرج عيسى فَصِيلًا غَسِيلًا، دَهِينًا نَظِيفًا، ولم يكن منها ما يكون من النساء، فلم تُشْبِهْكِ امرأة، ولا تشبهك (٢) إلى يوم القيامة، وهذا هو الاصطفاء للخلق (٣)، وكان لثلاثة؛ لمُحَمَّدٍ، وإبراهيم (٤)، ومريم، وقد بيَّنَّاه في كتاب "الأنوار". [خصائصُ عيسى ﵇]: وقال الله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٤]. فخصَّه بأربعة: الأولى: قَوْلُه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، واختلف الناسُ فيه؛ فمنهم من قال: "وفاة الموت" (٥)؛ وأسندوه إلى ابن عباس، ولم يصح. ومنهم من قال: "وفاة القبض" (٦).

стр. 2068

والصحيح أنها وفاة قبض لا وفاة موت، حتى لقد رُوِي: "أنه توفي ثلاث ساعات من النهار فرفعه (١) الله فيها" (٢)، وهذا تحكم بغير أثر، أوقعهم فيه لفظ ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، والدليلُ على صحة ما قلناه قَبُوْلُ النبي ﷺ في الصحيح: "لينزلنَّ فيكم ابنُ مريم حَكَمًا مُقْسِطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويَفيض المال فلا يقبله أحد، وليُهِلَّنَّ على الروحاء حاجًّا أو مُعْتَمِرًا، أو ليُثَنِّيَنَّها (٣)، الأنبياء أولاد عَلَّاتٍ، أمهاتهم شتَّى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم، لم يكن بيني وبينه نبي" (٤). ومن الحسن: "وهو خليفتي على أمتي، وإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجل مَربوع إلى الحمرة، سبط الشعر، يقطر ماء وإن لم يصبه بَلَلٌ، بين مُمَصَّرتين، يقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها، ويُهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الدجال الكذاب، وتقع في الأرض الأَمَنَةُ؛ حتى يرتع الأُسْدُ مع الأبل، والنمور مع البقر، والغنم مع الذئاب، ويلعب الغلمان بالحيَّات، تُذهَبُ (٥) حمتها (٦)، لا يضر بعضهم بعضًا، فيلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتَوَفَّى، ويصلي المسلمون عليه ويدفنوه" (٧).

стр. 2069

قال الطبري: "وهذا نصُّ أنه حيٌّ من وجوه؛ منها: قوله: "لينزلنَّ"، ولو كان مَيِّتًا لقال: "وليُحْيِيَنَّ الله عيسى"، ولكن الله لمَّا أخبر عنه أنه قبضه من الأرض أخبر عنه النبي أنه سيرجع إلى الموضع الذي رُفِعَ منه" (١). الثاني: قوله: ﴿وَرَافِعُكَ﴾، وهذا تشريف له؛ لأنه كان يجوز أن يتوفَّاه منهم ولا يرفعه إليه، فشرَّفه بأن رفعه إليه مقبوضًا عنهم. الثالث: قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: مُذْهِبٌ عنك ما هَمُّوا به فيك من المكروه، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٦]، أي: ما قتلوه حقيقة، ولكن شُبِّهَ لهم فتنة. وقال أهل الزهد: "أمَّا تَوَفِّيه عنهم فإنه قَبَضَهُ عن صفات البشرية، وجعل فيه خصائص القدرة؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والتحديث عن الغيب" (٢). ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، يعني: إِلى مكان كرامتي لأوليائي، ﴿وَمُطَهِّرُكَ﴾، أي: من حال الكفار في جميع الصفات والأغيار، حتى لا يكون في أحد نَقْصٌ إلَّا جعلتُ له كمالًا أعظم من كل كمال، وهو (٣): الرابع: قَوْلُه: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 2070

واختلف الناس في المراد "بالذين اتبعوه" على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم المؤمنون (١). والثاني: الروم (٢). الثالث: جاعلُ النصارى الذين آمنوا به فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة (٣). فإن كان المراد به النصارى واليهود فالخَبَرُ على عمومه، ومُطْلَقُهُ صحيح صِدْقٌ، فإنَّ الحال كذلك، ما اجتمعت قط يهود ونصارى في بلد إلَّا والنصارى فوقهم فيه. وكذلك إن كان المراد به الروم، فإنهم طائفة عيسى وأمته، كما قدَّمنا. وإن كان المراد به مَن آمن به فيكون معناه: أنهم فوق الذين كفروا بالبرهان، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:.١٤]، المعنى: في البرهان، فإن ظهرت الكَفَرَةُ على المؤمنين في اليد فلم يظهروا عليهم في الحق؛ لأن الدليل لا ينقلب، والحق لا يُغلب، أَمَا إنه يُنْكَرُ ويُكْفَرُ. فطهارتُه منهم- كما بيَّنَّا- بثلاثة أوجه؛ ببدايته العالية، وصفاته الهادية، وعصمته الكافية.

стр. 2071

وكذلك طَهَّرَ مُحَمَّدًا ﷺ . فإن قيل: فإن كان هذا تطهيرًا (١) لعيسى؛ فكيف لم يُطَهَّرْ يحيى بن زكرياء حتَّى (٢) تمكَّن منه الأعداءُ وتحكَّموا فيه بأشد أنواع العذاب؟ قلنا: إن الله سبحانه يعصم من شاء من الخلق من الذنوب والبلاء جميعًا، فمنهم من يجمع له العِصْمَتَيْنِ، ومنهم من يعصمه من البلاء خاصَّة، ومنهم من يعصمه من الذنوب خاصَّة. فأمُّا الأنبياء فهم معصومون من الذنوب، على ما بيَّنَّاه في مواضع من (٣) هذا الكتاب. وأمَّا العصمة من البلاء فإن البلاء على قسمين: منها (٤): ما يكون من الله ابتداءً، كالأوصاب، والآفات البدنية والمالية. ومنها: ما يكون على يَدَيِ الأعداء يُسَلِّطُهم (٥). ولو شاء ربك (٦) لعَصَمَهُمْ، ولكنه فعَّال لما يريد، حكيم فيما يُدَبِّرُ (٧)، عَدْلٌ فيما يُنفِذ، مُتَفَضِّلٌ بما يَعْصِمُ.

стр. 2072

وكم من نَبِيِّ قُتِل، وكثير منهم نُصِر وظَفِر، فإذا عُصِم وظَفِر ففَضْلٌ آتَاهُ الله، كعيسى وإبراهيم ونُظرائهما (١). وإذا سلَّط الأعداءَ ومكَّن فحُكْمٌ أمضاه؛ كيحيى وأمثاله، وعليهم وعلينا التسليم والرضى (٢) بما ينفُذ في ذلك كله (٣) من القضاء (٤). [تطهيرُ عامر بن فُهَيرة]: وقد طهَّر الله من هذه الأمة ورَفَعَهُ إليه عامر بن فُهَيْرَةَ، كان في غزوة بئر معونة؛ غزوة القُرَّاء، فغدرت بهم عُصَيَّةُ وقوم معها، وقتلوهم، وطَعَنَ جبَّار بن سُلم (٥) عامر بن فُهَيرة، فقال: "فُزْتُ ورَبِّ الكعبة، قال قاتله جبَّار بن سلم (٦): فقلتُ في نفسي: ما قوله: فزت ورب الكعبة؟ فلقيت الضحَّاك بن سفيان الكلابي فسألته، فقال: هي الجنة، وعرض عليَّ الإسلام فأسلمت، ودعاني إلى الإسلام ما رأيتُ من مقتل عامر بن فُهَيرة" (٧).

стр. 2073

ورَفَعَه إلى السماء عُلُوًّا، فقال النبي: "إن الملائكة وارت جثته، وأُنْزِلَ عِلِّيِّين (١) " (٢). قال الإمام الحافظ (٣): فهو فيها شهيد حَيٌّ يُرْزَقُ. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٧]، وقد تقدَّم بيانُ كيفية هذا التطهير في اسم "المصلي". وقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]. قال علماؤنا: "كانوا على جنابة وفي مَوْضِع لا ماء به، وبمكان دَهْسٍ مُنهال لا تثبت فيه قدم، فأنزل الله عليهم الماء؛ فاغتسلوا من جنابتهم، وثبتت على الرمل المنهال أقدامهم، وغسل الله عن قلوبهم وساوس الشيطان، وتلك كانت الطهارة الكبرى" (٤). وكذلك نصَّ الله على الطهارة في المعقول في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٧]، وهذه طهارة المعقول ضرورة؛ فإنه أراد: هُنَّ أَحَلُّ لكم وأعدم للمكروه ممَّا نويتم (٥)، وكذلك قال في صفة قوم لوط: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]، أراد الطهارة المعقولة؛ باجتناب الفواحش والمعاصي والدناآت، ولم يُرِدْ طهارةَ المحسوسات.

стр. 2074

[قوُله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾] ومن "فوائد أبي سَعْدٍ الشهيد" وغيره: أن الله تعالى قال: " ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، فهذا كَلْبٌ خَطَا مع الأولياء خطوات؛ ذَكَرَهُ الحق وذَكَرَهُ الخلق إلى يوم القيامة، مع نجاسته في أصله، فقد طهَّرته الصحبة، ورفعت من ذِكْرِه تلك القُربة" (١). ومن أَجَلِّ ما أعطانا أنه قال في هؤلاء الأولياء: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، تشريفًا له (٢)، وقال لنا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] تشريفًا لنا (٣). وانظر إلى عَقْلِ الكلب كيف لَزِمَ مرتبته فجلس بالوصيد، فكذلك التابع ينبغي أن يلزم (٤) منزلته مع المتبوع ولا يساويه، وسَنُبَيِّنُ "التابع" بعد هذا إن شاء الله. [قوُله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾] وقد قال الله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٤].

стр. 2075

قالوا: "طَهِّرْهُ من الشِّرْكِ" (١). وقيل: "من الأنجاس التي تُجعَل حوله" (٢). وقيل: "من قَوْلِ الزُّورِ". وقالت طائفة: "طَهِّرْ قلبك من الكفر والمعصية والغفلة؛ فإنه بَيْتِي" (٣). وفي الإسرائيليات: أن الله قال لنبي: "فَرِّغْ لي بيتًا أسكنه، فقال له: وأيُّ بَيْتٍ يسعك؟ قال له: قلب عبدي المؤمن" (٤). وهذا إن أرادوا به أنه المراد بالآية فهو كَذِبٌ على الله، وإن أرادوا به أن الآية تَدُلُّ عليه من حيث المعنى فليس ذلك بممنوع، وقد بيَّنَّا وجهَ ذلك كله في "قانون التأويل" (٥)، وفي كتاب "العواصم من القواصم" (٦). وأَحْوَجُ ما هو العبد إلى تطهير قلبه، فإنه الأصل، كما بيَّنَّاه، وكلُّ ما سواه فرع (٧)، ونَهْرٌ، وما وراءه خُلْجَان، وعَيْنٌ، وما يكونُ عنه فسَوَاقِي (٨)،

стр. 2076

وهو مَحَلٌّ لتوحيد الله، وبه يُعبَد الله، وفيه كتاب الله محفوظ، وبالألسنة (١) مقروء (٢)، وفي المحارب مَتْلوٌّ. [جوابٌ مُسْكِتٌ لمن يقول بشُرْبِ النبيذ]: وقد قيل لبعض أشياخي: ما تقول في شُرْبِ النبيذ؟ قال للسَّائل: صُبَّه على المصحف. قال: لا. قال له: ففي قلبك من كلام الله محفوظًا ما في مصحفك مكتوبًا. فطارت له في الآفاق حُسْنًا. [قَوْلُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]. اعلموا- رحمكم (٣) الله بعِلْمِه- أن هذه الآية من المشكلات؛ لأن المعنى الذي يُحيَى به (٤) البلد الميت وتُسقى (٥) به الأنعام لا يكون به الطهور، فلأجل ذلك ضَلَّ به قَوْمٌ فقالوا: "إنَّ ماء الطهارة ليس ما (٦) أحيى

стр. 2077

البلاد وسقى الناس"، وقد بيَّنَّا الردَّ عليهم في "القانون" مُجْمَلاً، وفي "الأنوار" مُفَسَّرًا. والمعنى في الآية: أن المقصود في إزالة الطهارة من الأنجاس والأدناس لإقامة العبادات، وإحياء الموات (١)، ورِيِّ الغليل، ففيه الدِّينُ؛ وهو المقدَّم، والدنيا؛ وهي التالية التابعة (٢). [طهارةُ من أقيم عليه الحَدُّ]: ومن الطهارة: ما ثبت أن الزاني تكرَّر على النبي ﷺ يقول له: "طَهِّرْنِي" (٣)، فرأى الصحابةُ أن الطهارة المعقولة في الدين والعِرْضِ كالمحسوسة في البدن والثوب. وكما أن الحدود طهارة كذلك هي كفَّارة، قال النبي ﷺ : "من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فعُوقِبَ به فهو كفَّارة له، ومن ستره الله فأمرُه إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه" (٤). وكلُّ مكروه يخالف الملائمَ دِينًا أو دنيَا فإنه تطهير، ولذلك يقول المُعَبِّرُ لمن رأى أنه يغتسل: "إنَّه إنْ كان مهمومًا زال هَمُّه، أو مِدْيَانًا زال دَيْنُه، أو مريضًا زال مرضه".

стр. 2078

فالطهارة (١) حِسًّا وعقلًا، يقظةً ومنامًا، دنْيا (٢) وآخرة؛ إنَّما هي عبارة عن زوال المكروهات فيها كلها. والجنةُ دارٌ طَيِّبَةٌ لا يدخلها إلَّا "طَيِّبٌ" نَقِيٌّ مُهَذَّبٌ. * * *

стр. 2079

الطَّيِّبُ (١): وهو الاسم التاسع والمائة (٢) في الحديث الصحيح- كما تقدَّم- في صفة القيامة: "يُحْبَسُونَ (٣)، حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُدْخِلُوا (٤) الجنة" (٥). والشيءُ الطَّيِّبُ هو الخالص عمَّا يُكره؛ إمَّا من طريق اللذة والعادة، وإمَّا من طريق الشريعة. فالعبد الطَّيَّبُ هو الذي تَجَرَّدَ (٦) قلبُه عن الخبائث (٧)، وقولُه عن الآفات، وجوارحُه عن المعاصي. وبقَدْرِ خُلُوصِه يكون طيبه، وبقدر مزجه يكون خُبْثُه؛ فأمَّا إن تَخَلَّصَ (٨) لأحد الطرفين (٩) فيكون طَيِّبًا أو خبيثًا، وإمَّا يمتزج فيغلب في

стр. 2080

الأكثر الطيبُ، أو يغلب الخبيث، فذلكم الذي يُحْبَسُ على قنطرة بين الجنة والنار ويُهَذَّبُ، كما تقدَّم في الحديث (١). [قوُلُه تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾] فإذا (٢) كان طَيِّبًا في أصله قُبِضت رُوحُه على الطَّيِّبِ، كما قال تعالى: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، واختُلِفَ في تأويلها على ستة (٣) أقوال (٤): الأوَّل: طابت بالتوحيد (٥). الثاني: طابت من دماء أهل القبلة. الثالث: طيبة الأفواه من آفات اللسان. الرابع: طيبة (٦) الأبدان من المعاصي. الخامس: طيبة بالشهادة. السَّادس: طيبة بقولها (٧).

стр. 2081

وقال (١) أهل الزهد: "أسباب طِيبهم مختلفة؛ فمنهم (٢) من طاب وقته لأنه غُفِر ذنبُه وسُتِر عيبُه. ومنهم من طاب قلبه لأنه سَلَّمَ عليه محبوبه (٣). ومنهم من طاب وقته لأنه لم يَفُتْهُ مطلوبه (٤)، ولا تعذَّر عليه مرغوبه (٥). ومنهم من طاب وقته لأنه يعود إلى أقاربه، ويصل إلى مآربه. ومنهم من يطيب وقته لأنه أَمِنَ زوال حاله، وحَظِيَ بسلامة مآلِه. ومنهم من طاب وقته لأنه وصل إلى أفضاله. ومنهم من طاب وقته لأنه شاهَد شريف جماله؛ وكُشِف (٦) له عن جلاله. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (٧)، وسلَّم الله لهم مذهبهم" (٨). قال الإمام الحافظ (٩)، ﵁: هذا مرتبطٌ بالعَقْدِ الأوَّل الذي قدَّمنا؛ من عموم الطيب وخصوصه، وصفاء الحال وكدرها، وخُلوص العلم أو شَوْبِه

стр. 2082

بالجهالة، وسلامة الطاعات أو غشها (١) بالمعصية، والذي أعتقده في ذلك: أنَّ من غلبت حسناته على سيئاته تقبضه الملائكة على أنها نفس مطمئنة طيِّبة، مُسَلَّمٌ عليها، مُبَشَّرَةٌ بحالها، ومن غلبت سيآتُه حسناتِه- وهو في المشيئة- فلا يكون له في ذلك مدخل، وإنما أمره مُغَيَّبٌ عنَّا، فإذا طاب بالتوحيد خلص عن التخليد، وإذا طاب على الإطلاق فقد أخذ على الفوز الميثاق، وإذا اختلط (٢) حالُه فقد جُهِل مآلُه، فلا معنى لطلب ذلك فيه، ومن غُفِر ذنبه وسُتِر عيبه طاب بفضل الله حالُه (٣) لا بعمله. وأمَّا من قال له (٤) محبوبه أو رسوله (٥): "سلامٌ عليكم"؛ فقد طاب قلبه، وذلك قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]. فإن كان شهيدًا- فالأمر على الفور-، ورُوحُه تخرج من البدن إلى الجنة بغير واسطة، وإن لم يكن شهيدًا فالأمر على التراخي، ولكنها بُشْرَى يُطَمْئِنُ (٦) بها أهلُ (٧) السَّلامة النفسَ المطمئنة بالطاعة. وأمَّا من لم يَفُتْه مطلوبه؛ فهو الذي وحَّد الله بالمعرفة، ولم يُضرَب بينه وبينه حجاب، ودون الله حُجُبٌ، وما (٨) رُفِعَتِ الحُجُبُ ولا حصلت

стр. 2083

المعرفة إلَّا لمن يقول: إنه واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد في مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء، ولا يَشِذُّ عن قدرته شيء (١)، ولا يفعل أَحَدٌ شيئًا غيره، وأنه فعَّال لما يشاء، إن عَذَّبَ الخلق أجمعين فبِعَدْلِه، وإن رحمهم أجمعين فبِفَضْلِه، وإن نوَّعهم فبِحِكْمَتِه وحُكْمِه، وأنَّ رسوله بلَّغ وبيَّن وعلَّم، وما كَنَى ولا أبهم ولا أعجم، وأن رسله الكرام مطهرون طيِّبون، إلى غير ذلك من شروط التوحيد الذي (٢) هذه أصولها. وأمَّا من طاب وقته بالعَوْدِ إلى أقاربه والوصول إلى مآربه؛ فهو الذي تخلَّى (٣) عن الخلق، فلا يرى إلَّا من هو مثله، وقَطَعَ الدنيا وعلائقها؛ فلم تبق له مَأْرُبَةٌ إلَّا بلغها، ولا مأربة أعظم من ترك الدنيا؛ فإن الحاجة الصحيحة تَرْكُ الحاجة، والغنى تَرْكُ الغنى (٤)، والمُنَى قَطْعُ المُنى. وأمَّا الذي أَمِنَ زوالَ حاله ووَثِقَ بمآله؛ فما أعلم منهم (٥) إلَّا نحو العشرين، منهم: العشرة، وابن عمر، وابن سلَّام، وأبو ذَرٍّ، وبلال، وقد عددناهم في موضعهم من "شرح الحديث" بأدلة ذلك، فليُخْرَجْ (٦) منه على القانون.

стр. 2084

قال الإمام الحافظ (١): وكما يتوفَّى (٢) هؤلاء الملائكة طيِّبين فكذلك (٣) يتوفَّى الجاحدين ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وما بين الدرجتين- كما بيَّنَّا- مجهول، ليس فيه حديث صحيح، ولا للعقل فيه مجال، وقد أراد بعضُ أشياخنا أن ينزله منازل، ويجعل له مراتب، ونَصَبَ فلم يُصِبْ. [الطَّيِّبُ على الحقيقة هو مُحَمَّدٌ ﵇]: والطَّيِّبُ على الحقيقة والإطلاق والأوَّليَّة واحد؛ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ، وقد قال العباس للنبي ﷺ : "إني أريد أن أمتدحك، فقال له النبي: قل، فأنشد: من قبلها طِبْتَ في الظلال وفي … مستودع حيث تخصفُ الوَرَقُ ثم هبطت البلاد لا بشر أنت … ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَق بل نطفة تركب السفين وقد … أَلْجَمَ نَسْرًا وأهله الغَرَقُ تنقل من صالبٍ (٤) إلى رحم … إذا مضى عَالَمٌ بدا طَبَقُ حتى استوى بيتُك المهيمن من … خندف علياء تحتها (٥) النُّطُقُ

стр. 2085

وأنت لمَّا ولدت (١) أشرقت الـ … أَرض وضاقت بنورك الأُفُقُ فنحن في ذلك الضياء وفي النْـ … ـنُور وسبل الرشاد نخترقُ فقال له النبي: لا يَفْضُضِ الله فاك" (٢). ولقد كان طَيِّبًا في الأصل، طَيِّبًا في النشأة، طَيِّبًا في المطعم، طَيِّبًا في المسكن، طَيِّبًا في المعيشة، طَيِّبًا في الوفاة، طَيِّبًا في المدفن (٣)، طَيِّبًا في الدنيا (٤)، طَيِّبًا في الآخرة. فأمَّا طِيبُ أصله؛ فإنه ﷺ (٥) قال- في رواية واثلة بن الأسقع عنه-: "إن الله اصطفى كِنانة من وَلَدِ إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم" (٦). وأمَّا طِيبُ منشئه؛ فقد بيَّنَّا في غير موضع أنه ﷺ (٧) كان حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء؛ فيتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد (٨)، معتزلًا

стр. 2086

عن الخلق، مُهَيَّأً لنزول الحق، وقبل ذلك كان يرعى غنمًا لأهل مكة على قراريط معلومة (١)، يخرج صباحًا ويرجع إلى منزله مساء، لا يجالس بَشَرًا، ولا يُكَلِّمُ أحدًا. وأمَّا طِيبُ المسكن فكان بمكَّة، ثم خرج إلى طابة؛ وهي المدينة، كما سمَّاها (٢) صلى الله عليه (٣)، وهي كما أخبر عنها: "كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها، ويَنْصَعُ طَيِّبُها" (٤)، وقد أخبر أن الدجَّال لا يدخلها (٥)، وأنها ترجف ثلاث رجفات (٦)؛ فلا يبقى فيها منافق إلَّا خرج إليه (٧)، ولا يصبر على لأوائها وشِدَّتِها أحدٌ إلَّا كان له شهيدًا أو شفيعاً يوم القيامة (٨).

стр. 2087

وأمَّا طِيبُ المطعم فلم يأكل إلَّا من كَسْبِه، كان قبل النبوة راعيًا، وكان بعد النبوة مجاهدًا، ولهذا (١) قال النبي: "جُعل رزقي تحث ظِلِّ رُمْحِي، وجُعلت الذِّلَّةُ (٢) والصَّغار على من خالف أمري" (٣)، وكان يعيش بين الأمرين بقِرَاضِ خديجة ومن مالها، طيِّبةً بها (٤) نفسُها. وبذلك أَمَرَ الله جميع الخلق، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٧]، وطيب الحلال أنه هَنِيُّ الحال، مَرِيُّ (٥) المآل، والحرام وَبِيُّ (٦) المآل (٧). وقيل: "الطَّيِّبُ: ما لم يَنْسَ فيه مكتسبُه حقَّ الله" (٨). وقال للذين آمنوا: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧١]، فالحلال ما لا تَبِعَةَ عليه، والطَّيِّبُ ليس للمخلوق فيه مِنَّةٌ (٩). وقال للرُّسُلِ (١٠): ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وهي آية غريبة، بديعة التفسير.

стр. 2088

قال المفسرون: معناه: "كُلُوا من الحلال، واعملوا ما أمرتكم به" (١). ومن حديث أبي هريرة الصحيح ما خرَّجه الترمذي عن النبي: "إن الله طَيِّبٌ لا يقبل إلَّا طَيِّبًا، وإن الله أَمَرَ المؤمنين بما أَمَرَ به المرسلين، فقال للرسل: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال للمؤمنين؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢)، وذك الحديث. وهذا كلام من لم يفهم مقطع الآية (٣). وقال الأَحْبَارُ: المعنى: " ﴿كُلُوا مِنْ الْطَيِّبَاتِ﴾؛ يأكل كل أحد ما كان حلالًا وَقْتَه (٤)، مباحًا في شريعته، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، يعمل كل أحد بما كان موافقًا لأمر الله في زمانه، مُوَظَّفًا عليه في شريعته" (٥). فالخطاب للرُّسُلِ مُشْتَرَكُ اللفظ منفصلُ المعنى؛ لانفصال أحوالهم في مللهم، والخطابُ للمؤمنين مشتركُ اللفظ مشترك المعنى؛ لاستواء أحوالهم في جملتهم وتفصيلهم، واجتماعهم وافتراقهم. وأمَّا طيب المعيشة؛ فإن طيب العيش في قول العلماء لا يُعْرَفُ بالنُّطْقِ، وإنما يُعْرَفُ بالذوق، وذلك الطيب من لذه المناجاة، وحلاوة

стр. 2089

الطاعة، وهِمَّةِ اليقين (١)، وروح القناعة، والرضى عن الله، والمعرفة بحُسْنِ العاقبة (٢)، وبذلك طابت المعيشة. وقيل: "طيب العيش اليأس عن الدنيا، والقيام بحق المولى". وذلك على التمام للنبي ﷺ . وإذا شبع من الحلال ونال منه ما اشتهى فهو طَيِّبٌ مُمَدَّحٌ مهما أعقبته طاعة. قال رسول الله ﷺ : "الصحةُ لمن اتقى خَيْرٌ من الغنى" (٣). وطيب النفس من النعيم؛ وتَفَرُّغُ (٤) بَالِه لعبادة المولى، وفي خِلَافِه (٥) المعيشةُ الضنْك؛ وهي قبض القلب عن المعرفة، واستيلاء الوحشة من الله، والركون إلى البطالة، والخلود إلى الشهوات والراحة. وأمَّا طيب الوفاة فإنه خُيِّرَ فاختار الرفيق الأعلى كما تقدَّم، وجاءه أبو بكر فكشف عنه ثم قبَّله، وقال: "بأبي أنت وأمي، طِبْتَ حيًّا ومَيِّتًا" (٦)، وفي الأثر: "أنهم لمَّا غسَّلوه لم يخرج منه شيء ممَّا يخرج من الميت" (٧).

стр. 2090

وكذلك كان طَيِّبًا في الحياة أيضًا، ففي حديث جابر بن عبد الله أنه قال: "رأيتُ من النبي ثلاثًا؛ لو لم يأت بالقرآن لآمنتُ به، خرجنا سفرًا فمررنا بحي من العرب، فخرجت إلينا جارية كأنها فِلْقَةُ قَمَرٍ، قالوا: إنها مجنونة، فقال له النبي ﷺ : يا عدو الله، اخرج عنها، قال: فغطَّت وجهها في الحال، واستحيت وانصرفت، وبَيْنَا نحن نسيرُ إذ عرض لنا ثعبان عظيم، فخرج إليه النبي ﷺ فأعطاه أُذنه، فناجاه مَلِيًّا، فلمَّا رجع النبي قلنا: ما هذا يا رسول الله؟ قال: ذلك رسول الجن؛ نَسُوا سورة فجاء يَسْتَذْكِرُنِيهَا، ونزلنا منزلًا فقال لي: يا جابر؛ اذهب إلى تينك الشجرتين فاقرأهما منِّي السَّلام، ومُرْهما أن يسيرا إلي، ويثبتا (١) علي ويستران حتى أقضي حاجتي، فذهبت فبلَّغت كلامه، فأقبلتا تخرقان (٢) الأرض، حتى التقيا (٣) عليه، فلمَّا قضى حاجته رجعتا (٤) إلى مكانهما، فجئت لأتبلع (٥) ما يخرج (٦) منه فلم أجده، فأخبرته فقال: أما علمت يا جابر أنَّا معشر الأنبياء تواري الأرض ما يخرج منا" (٧). وأمَّا طيب مدفنه فإن أبا بكر الصديق لمَّا جاءه فقبَّله وقال: "بأبي أنت وأمي، طبتَ حيًّا وميتًا، قال الناس له: كذا، قالوا له: كذا، قال: أله

стр. 2091

كذا (١)؟ وذكر الترمذي حديثًا طويلًا، قال في آخره: فقالوا له (٢): أين يدفن؟ قال أبو بكر: في المكان الذي قُبض فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلَّا في مكان طيب، فعلموا أن قد صدق" (٣). قال الإمام الحافظ (٤): ويعضد هذا ما جاء في الحديث الصحيح، قال ابن مسعود: "حدَّثنا رسول الله- وهو الصادق المصدوق-: إنَّ أحدكم يُجمع خَلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله (٥) الملك، ثم ينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (٦). قال- في الحديث الحسن-: "ثم يكون مُضْغَةً، ثم يأمر الله الملك فيأخذ قبضة من تراب الأرض، فيخلطها بها، ثم يُصَوِّرُه، فإذا جاء أجلُه الذي كَتَبَ الله له لمُ يدْفَنْ إلَّا من حيث أُخِذَتِ التربة الأولى، وذلك قولُه سبحانه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] ".

стр. 2092

وأمَّا طيبه في الآخرة فأَجَلُّ معنى (١) الطيب وهو الشرف، وشَرَفُه بكل معاني الطيب في العربية، يقال: كذا طَيِّبٌ، أي: لا مكروه فيه ولا آفة، وكذا طيب، أي: ملائم موافق، ومنه الأطيبان؛ الأكل والنكاح. [عمَّار الطَّيِّبُ المُطَيَّبُ]: وقال النبي ﷺ حين رأى عَمَّارًا: "مرحبًا بالطيِّب المُطَيِّبِ" (٢)، إشارة إلى تطهيره عن تَكَلُّمِه بالكُفْرِ عند تعذيب أبي جهل له؛ إذ لا يتدنَّس الأنسان من الدناآت إلَّا بما يأتيها مختارًا، وإشارة إلى تَطَهُّرِه (٣) أُخْرَى عن الدخول فيما لا ينبغي، والتورُّع عمَّا يكره، وإن كان مع عَلِيٍّ؛ فإنه كان مع الحق، ولو كنتُ في القوم لاتَّبعت عَلِيًّا دون سواه. وقد قال الله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، فطِيبُ الكلمة شرفها، وهي: لا إله إلا الله، وطيب الشجرة أنها نَفْعٌ كلها، وقد بيَّنَّاه في "شرح النيِّرين" بغاية الإيضاح، فلينظر هنالك، وليُورَدْ (٤) على القانون. قال الإمام الحافظ (٥): ويلحق باسم "التوَّاب" ثلاثة أسماء، وهي:

стр. 2093

الاسم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والمائة (١): الأَوَّابُ والمُنِيبُ والأَوَّاهُ قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]. فأمَّا "الحليمُ" (٢) فقد سَبَقَ الكلامُ عليه. [معاني الأوَّاه]: وأمَّا "الأَوَّاهُ" فذكره المُفَسِّرُونَ على عشرة أوجه: الأوَّل: الكثير الدعاء (٣). الثاني: الرحيم (٤). الثالث: المؤمن (٥). الرابع: المُسَبِّحُ (٦).

стр. 2094

الخامس: التالي للكتاب (١). السَّادس: المتأوه على زَلَلِه (٢). السَّابع: الفقيه (٣). الثامن: الخاشع (٤). التاسع: المتواضع (٥). العاشر: المصلي. فصعَّدوا وصوَّبوا فما عرفوا، ورمَوا فصافوا وما أصابوا. والصحيح: أن بناء "أوْه" للصَّوْتِ الذي يدل على أَلمٍ يكون بالنفس مكروه ينزل؛ من (٦) مرض أو هَمٍّ. قال المُثَقِّبُ العبدي (٧) يصف ناقته (٨): إذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بليلٍ … تَأَوَّهُ آهَةَ الرجل الحزينِ (٩)

стр. 2095

وكلمة الحزين أو المريض (١): أوَّه، وأوْهِ، ويقال: أُوه (٢)، ويقال: آوْه (٣)، فإذا سُمع ذلك منه قيل: تأوَّه الرجل، وأوَّه، أي: تفجَّع (٤)، كذلك قرأتُه، وجاء لفظُ "آهَةَ" على "أوَّه" دليلًا. فأمَّا من قال: إنه الدعَّاء؛ فالدعَّاء من ثمرات الحزن. وأمَّا من قال: إنه الرحيم؛ فالرحمة رِقَّةٌ، والحُزْن رقة تبعث عليها، وليس بها. وأمَّا من قال: إنه مؤمن؛ فالإيمان أصل لأهلية الحزن، وليس به، كالمؤمن أصل لأهلية العبادة؛ من صلاة وصوم وصدقة، وليس بها. وأمَّا من قال: إنه المُسَبِّحُ؛ فقد يُسَبِّحُ (٥) عن القُرْبَةِ (٦)، ولا يصحُّ إسناده إلى من نُسِبَ إليه. وأمَّا من قال: إنه التالي لكتاب الله؛ فالتأوُّه صفة للتلاوة، وليس بها، أو ثمرة للحزن وليس به. وأما من قال: إنه الفقيه؛ فإنه تسمية الشيء باسم ثمرته. وأمَّا من قال: إنه الكثير التأوه؛ ففسَّر قوله: فعَّال؛ بناء التكثير، وليس بتفسير.

стр. 2096

وأمَّا من قال: إنه الخاشع، فقد قَرُبَ أكثر من غيره من معناه، فإن الخشوع لَزِيمُ الحزن، أو من ثمراته. [حُزْنُ إبراهيم ﵇]: وكيف لا يكون إبراهيمُ حزينًا ولم يكن في الأرض مؤمن غيره، وغير زوجه سارة، وهو خليل الرحمن، والدنيا طافحة بالكفَّار، ليس فيها من يقول: الله، ولا من يعرفه، وفي آخر الأمر آمَنَ له (١) لوط وحده، وبعثه الله رسولًا معه، عَضُدًا لإبراهيم وقوَّة له، كما عَضَدَ موسى بهارون أخيه، والأصنام تُعبد، والرب يُجحد، والدين يُعَاثُ (٢) فيه ويلحد، والحق يُلوى، والعيش ينكد، وليس في الأرض عن ذلك ملتحد، أينما خرج مهاجرًا لقي فاجرًا؛ إمَّا يعترضه في أهله، أو يعارضه في ربه، وهو على ذلك صابر مُتَحَزِّنٌ مُتَأَوِّهٌ، وليس أحد من الأنبياء إلَّا كذلك، ولكن الفضل للمتقدم، إمَّا في السَّابقة كإبراهيم، وإمَّا في الصفة كمُحَمَّدٍ، فإنه كاد ينتهي من حُزْنِه أنه يَوَدُّ قَتْلَ نفسِه أَسَفًا على كفرهم. [أسبابُ الحُزْنِ]: والحُزْن إمَّا (٣) أن يكون على عدم الحق، وإمَّا أن يكون على جهل المرء بخاتمته، فلا يُرى مسرورًا؛ إلَّا بحق يظهر، أو خاتمة (٤) تُعلَم، وقد جُهِلت الخاتمة حديثًا وقديمًا، فوجب أن يكون الحزنُ لَزِيمًا، وقد تُرِكَ الحق فلا ينبغي لأحد أن يُرَى (٥) مسرورًا.

стр. 2097

وقد رُوي (١) أن عمر (٢) - واللفظ لابن حنبل-: قال جابر بن عبد الله: "سمعت عمر بن الخطاب يقول (٣) لطلحة بن عبيد الله: مالي أراك قد شعثت واغبررت (٤) منذ (٥) توفي رسول الله ﷺ ؟ لعلك إنما بك يا طلحة إمارةُ ابن عمك، قال: معاذ الله؛ إني لأقدركم (٦) أن لا أفعل ذلك منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل عند حضره الموت إلَّا وجد رُوحه لها رَوْحًا حتى تخرج من جسده، وكانت له نُورًا يوم القيامة، فلم أسال رسول الله عنها، ولم يخبرني بها، فذلك الذي دخلني، قال عمر: فأنا أعلمها، قال: فلله الحمد، ما هي؟ قال: التي قالها لعمه؛ لا إله إلا الله، فقال طلحة: صدقت" (٧). وروى قتادة: "أن النبي لمَّا رأى ما يُصاب (٨) به أمته من بعده ما رُئِيَ ضاحكًا مستنشطًا حتى قبضه الله" (٩). وذلك موجود في قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١]، وقد قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٠) [الأنفال: ٣٣].

стр. 2098

وأخبرنا (١) القاضي أبو المُطَهَّرِ الأصفهاني ببغداد: أنا أبو نُعَيم الحافظ بأصبهان قال (٢): حدَّثنا (٣) أبو محمد بن حيَّان (٤): حدَّثنا الحسن بن سفيان: حدَّثنا جُبارة (٥) بن مُغَلِّس: حدَّثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حَوْشَب عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ بن جبل قال: "خرجتُ مع رسول الله في غزوة تبوك، فلما رأيتُ بِشْرَه وخلوته قلت: يا رسول الله، أتاذن لي أن أسألك عن مسألة قد أمرضتني وأسقمتني وأحزنتني؟ فقال معاذ: يا رسول الله، دُلَّنِي على عمل يدخلني الجنة، لا أسالك عن شيء غيره، فقال رسول الله: بَخٍ بَخٍ، لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليَسِيرٌ على من أراد الله به الخير، ثَلَاثًا، قال: تؤمن بالله واليوم الآخر، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتعبد الله لا تشرك به، حتى تموت وأنت على ذلك، قال: فلم أَزَلْ أساله حتى قلت: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ " (٦)، وذَكَرَ الحديث.

стр. 2099

ومع لُزُوم الحُزْنِ للمؤمن فإنه قد تأتيه (١) وجوهٌ من السرور، يظهر عليه أثرُه كما يظهر عليه أثر الحزن، وقد يأتي عليه معاني من الحزن فيُسْلِيانه عنها الثقة بالله، والقطع على الوفاء بوعده، ألا ترى إلى (٢) قول (٣) النبي ﷺ (٤) لأبي بكر في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. [من فوائد أبي سَعْدٍ الشَّهِيد في قَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾]: من (٥) "فوائد أبي سعد الشَّهِيد" (٦): "أنَّ في الغار غرائب؛ منها: أن النبي كان أمانًا لأهل الأرض، قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وكان أمانًا لأصحابه، كما أخبر عن نفسه حين قال: "أنا أمان لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون" (٧)، وإنَّ الله جعله في أَمَانِ حَمَام وعنكبوت، لمَّا وصلت الأعداء إلى فم (٨) الغار نَسَجَ العنكبوتُ على الغار بيتَه، وبنى الحمامُ عليه وَكْرَه، وصار ذلك الغار مأوًى ومنجًى للأفاضل والأخيار، وللبقاع دُوَلٌ، وللأماكن مكانات، وللجبال جلال" (٩).

стр. 2100

قال بعضهم: أَرْضٌ مُصَرَّدَةٌ وأخرى تَثَجَّمُ (١) … منها التي رُزِقْتَ وأخرى تُحْرمُ وإذا تأمَّلتَ البلاد وجدتها … تُثْرِي كما يُثْرِي الرجال وتُعْدِمُ (٢) [نَفْيُ الجهة عن الله تعالى]: وهو سبحانه يختص بتفضيله ما يشاء، كما يختص برحمته من يشاء، والغِيرَانُ وإن كانت مأوى الحيَّات فإنها مأوى المَكْرُمَاتِ، ويا شرف الغار إذ قيل فيه عن العزيز الجبار: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وهما في الغار، فتَعِسَ أصحابُ الجهة الذين يطلبون الله في العرش، وهو مع النبي في الغار، وبين الناس وبين رؤوس رحالهم إذا ركبوا في الغزو ودَعَوا، وهو المُتَقَدِّسُ عن النسبة إلى مكان؛ من العَرْشِ إلى الفَرْشِ، بل هو بعد خلق العرش والمخلوقات كما كان قبل ذلك؛ لم يتغيَّر بمخلوقاته، وإنما يُقَرِّبُه (٣) النجوى والقُرَبُ، وتُبَاعِدُه الذنوبُ والرِّيَبُ. [من مناقبِ أبي بكر الصدِّيق]: فصار أبو بكر ثانيه في الإيمان، ثانيه في الغار، ثانيه في الولاية، ثانيه في المدفن، ثانيه في الجنة كما أخبر، أنزل الله سكينته على المؤمنين عمومًا بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، وخَصَّ أبا بكر وحده، فقال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ

стр. 2101

لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] من الملائكة والحيوانات، والصِّدِّبقُ ذلك اليوم لم يحزن لنفسه، إنَّما حزن لأجل خوفه على النبي ﷺ (١). [حُزْنُ رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم]: وقد يحزن العبدُ رِقَّةَ قلب ورحمة، وله في ذلك خير قدوة وأفضل أسوة؛ قال أنس: "دخلنا مع النبي على ابنه إبراهيم وهو يَجُودُ بنفسه، فجعلتْ عَيْنَا رسول الله تذرفان بالدمع، فقال عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال: يا ابن عوف، إنها رحمة، ثم أَتْبَعَها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (٢). [بكاءُ رسول الله على سعد بن عبادة]: وقال ﷺ (٣) حين دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية، فبكى النبي وبكى القوم، فقال النبي: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعَذِّبُ بدمع العين، ولا بحُزْنِ القلب، ولكن يعذب بهذا؛ وأشار إلى لسانه، أو يرحم" (٤).

стр. 2102

[حُزْنُ يعقوب ﵇]: وقد قال الله سبحانه مُخْبِرًا عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]، ولكنه لم يَقُلْ شكوى، وإن عظمت البلوى، ولمَّا تَوَارَدَ القَرْحُ على القرح فأوجعه مَسُّه قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾. وبُكَاءُ داود كان أعظم، ولم يذهب بصره، وذلك بمشيئة الله تعالى وقَدَرِه. وقال بعضهم: "بكاءُ داود كان (١) خوفًا من ربه فأمسك الله بصره، ويعقوبُ بكى على يوسف؛ وليس في قدرة يوسف إمساك بصر ولا رده" (٢). ويحتمل أن يكون يعقوب (٣) بكى مدَّة طويلة فأثَّر في بصره، وبكى داود مدَّة (٤) قصيرة فلم يُؤَثِّرْ. [حُزْنُ لوط ﵇]: وقد قالت الملائكة للُوطٍ لمَّا رأوا ضيق ذَرْعِه بقومه وغَلَبَةَ حزنه بما هَمُّوا به في أضيافه: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨٠]، ولم يقولوا: "إلينا"؛ لأن قُدَرَهم لا تتعلق

стр. 2103

بالملائكة عادةً، وإنما تتعلق بالآدَمِيِّينَ، فلمُّا أخبرت (١) الملائكة لُوطًا أنَّ ما جرت به العادة من تسليط الأعداء على الأنبباء والأولياء فد أمَّنك الله منه، فنحن رُسُلُ ربك لإنجائك وإهلاكهم، فحينئذ اتَّسع صدره وانشرح، وأَمِنَ أن يفضح، وأيقن أنه قد أنجح، وتحقَّق أنه قد أفلح، وأقرب ما يكون العبد من الفرج إذا اشتدَّ البلاء. [الفَرَجُ بعد الشدة]: ومن الأمثال المشهورة (٢): "اشتدِّي أزمة تنفرجي". قال علماؤنا: "وإنما كان الفرج عند شدة البلاء لأنه يكون مُضْطَرًّا، والباري سبحانه وعد المضطر بالإجابة وكشف السوء (٣)، ووعد الداعي مطلقًا بالأجابة". وقد يكون بثلاثة (٤) أوجه كما بيَّنَّاه في اسم "الداعي"، والمضطر إنما يكون بكشف السوء، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سبق من كلامنا، ما لم يَرُدَّ الدعاءَ قَدَرٌ، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلَّى صلاة أطال (٥) فيها، فلمَّا سلَّم قال له أصحابه: "يا رسول الله، صلَّيت صلاةً لم تكن تصليها، قال: أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، إنِّي سألت ربي فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته ألَّا يهلك أمَّتي بسنة عامَّة فأعطانيها (٦)، وسألته ألَّا يُسَلِّطَ

стр. 2104

عليهم عَدُوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها (١) " (٢). ونحن مضطرُّون إلى أن لا يكون بأسُنا بيننا، ولكنه أَمْرٌ لم يُمَكَّنْ منه، والله المستعان عليه. وقد نفى الله الحُزْنَ عمَّن آمن واتَّقى (٣). فقيل: أراد في الآخرة (٤). وقيل: لا حزن عليه بمقتضى الحق. ولكن الحزن نراه (٥) غالبًا على الخلق بفَوْتِ الشهوات، وذلك ممَّا لم يضمن الله نفيَه، بل يضاعفه لمن لم يُرِدْ به خيرًا، فلذلك لا ينبغي الحزن على شيء من الدنيا إلَّا من جهة الرحمة في رقَّة الجنسية، وزوال الأُلفة، أو ذهاب المُعِين على الطاعة، أو فوات الحسنة في بقاء الولد بعد الوفاة. وانظر إلى الأوَّاه إبراهيم كيف جاء الله في صفته بأبدع بيانٍ، أثبت له فيه أشرفَ منزلةٍ، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٦)، يعني: حزين.

стр. 2105

أمَّا حُزْنُه فلِمَا فَاتَه (١). وأمَّا حِلْمُه فصبرُه عن (٢) الحزن في موضع الحزن؛ حين أُمر بذَبْحِ ولده فصبر (٣) عليه، وغلَّب الطاعة على المَحْزَنَةِ (٤). وكذلك وصف ولده بالحلم؛ لأنه قال له (٥) في نفسه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، أي: عزيمتي الآن الصبرُ على إنفاذ أمر الله، فإن شاء الله أن يُديم هذه العزيمة أدامها، وإن شاء أن يُذهبها أذهبها، فجمع بين سعة العلم وحسن الطاعة، والإقرار بالتوحيد لله والمشيئة لله. وأمَّا وصفه بأنه مُنِيبٌ فمعناه (٦) راجع إلى الله، وكذلك فَعَلَ في كل أحواله؛ بما أتاه الله من رُشْدِه في مبدئه ومآلِه. [مَرَاجِعُ إبراهيم ﵇]: ومَرَاجِعُه سِتَّةٌ: المرجع الأوَّل: فإنه رجع إلى الله عن الكواكب، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ولم يعتقد قط في أن واحدًا من الأنوار ربُّه، ولا شَكَّ في ذلك ولا استراب به، وإنَّما كان ذلك حجة على قومه.
следующие страницы →