← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] من الملائكة والحيوانات، والصِّدِّبقُ ذلك اليوم لم يحزن لنفسه، إنَّما حزن لأجل خوفه على النبي ﷺ (١). [حُزْنُ رسول الله ﷺ على ولده إبراهيم]: وقد يحزن العبدُ رِقَّةَ قلب ورحمة، وله في ذلك خير قدوة وأفضل أسوة؛ قال أنس: "دخلنا مع النبي على ابنه إبراهيم وهو يَجُودُ بنفسه، فجعلتْ عَيْنَا رسول الله تذرفان بالدمع، فقال عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال: يا ابن عوف، إنها رحمة، ثم أَتْبَعَها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلَّا ما يُرضي ربنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (٢). [بكاءُ رسول الله على سعد بن عبادة]: وقال ﷺ (٣) حين دخل على سعد بن عبادة فوجده في غاشية، فبكى النبي وبكى القوم، فقال النبي: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعَذِّبُ بدمع العين، ولا بحُزْنِ القلب، ولكن يعذب بهذا؛ وأشار إلى لسانه، أو يرحم" (٤).

стр. 2102

[حُزْنُ يعقوب ﵇]: وقد قال الله سبحانه مُخْبِرًا عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]، ولكنه لم يَقُلْ شكوى، وإن عظمت البلوى، ولمَّا تَوَارَدَ القَرْحُ على القرح فأوجعه مَسُّه قال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾. وبُكَاءُ داود كان أعظم، ولم يذهب بصره، وذلك بمشيئة الله تعالى وقَدَرِه. وقال بعضهم: "بكاءُ داود كان (١) خوفًا من ربه فأمسك الله بصره، ويعقوبُ بكى على يوسف؛ وليس في قدرة يوسف إمساك بصر ولا رده" (٢). ويحتمل أن يكون يعقوب (٣) بكى مدَّة طويلة فأثَّر في بصره، وبكى داود مدَّة (٤) قصيرة فلم يُؤَثِّرْ. [حُزْنُ لوط ﵇]: وقد قالت الملائكة للُوطٍ لمَّا رأوا ضيق ذَرْعِه بقومه وغَلَبَةَ حزنه بما هَمُّوا به في أضيافه: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨٠]، ولم يقولوا: "إلينا"؛ لأن قُدَرَهم لا تتعلق

стр. 2103

بالملائكة عادةً، وإنما تتعلق بالآدَمِيِّينَ، فلمُّا أخبرت (١) الملائكة لُوطًا أنَّ ما جرت به العادة من تسليط الأعداء على الأنبباء والأولياء فد أمَّنك الله منه، فنحن رُسُلُ ربك لإنجائك وإهلاكهم، فحينئذ اتَّسع صدره وانشرح، وأَمِنَ أن يفضح، وأيقن أنه قد أنجح، وتحقَّق أنه قد أفلح، وأقرب ما يكون العبد من الفرج إذا اشتدَّ البلاء. [الفَرَجُ بعد الشدة]: ومن الأمثال المشهورة (٢): "اشتدِّي أزمة تنفرجي". قال علماؤنا: "وإنما كان الفرج عند شدة البلاء لأنه يكون مُضْطَرًّا، والباري سبحانه وعد المضطر بالإجابة وكشف السوء (٣)، ووعد الداعي مطلقًا بالأجابة". وقد يكون بثلاثة (٤) أوجه كما بيَّنَّاه في اسم "الداعي"، والمضطر إنما يكون بكشف السوء، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سبق من كلامنا، ما لم يَرُدَّ الدعاءَ قَدَرٌ، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلَّى صلاة أطال (٥) فيها، فلمَّا سلَّم قال له أصحابه: "يا رسول الله، صلَّيت صلاةً لم تكن تصليها، قال: أجل، إنها صلاة رغبة ورهبة، إنِّي سألت ربي فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته ألَّا يهلك أمَّتي بسنة عامَّة فأعطانيها (٦)، وسألته ألَّا يُسَلِّطَ

стр. 2104

عليهم عَدُوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها (١) " (٢). ونحن مضطرُّون إلى أن لا يكون بأسُنا بيننا، ولكنه أَمْرٌ لم يُمَكَّنْ منه، والله المستعان عليه. وقد نفى الله الحُزْنَ عمَّن آمن واتَّقى (٣). فقيل: أراد في الآخرة (٤). وقيل: لا حزن عليه بمقتضى الحق. ولكن الحزن نراه (٥) غالبًا على الخلق بفَوْتِ الشهوات، وذلك ممَّا لم يضمن الله نفيَه، بل يضاعفه لمن لم يُرِدْ به خيرًا، فلذلك لا ينبغي الحزن على شيء من الدنيا إلَّا من جهة الرحمة في رقَّة الجنسية، وزوال الأُلفة، أو ذهاب المُعِين على الطاعة، أو فوات الحسنة في بقاء الولد بعد الوفاة. وانظر إلى الأوَّاه إبراهيم كيف جاء الله في صفته بأبدع بيانٍ، أثبت له فيه أشرفَ منزلةٍ، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٦)، يعني: حزين.

стр. 2105

أمَّا حُزْنُه فلِمَا فَاتَه (١). وأمَّا حِلْمُه فصبرُه عن (٢) الحزن في موضع الحزن؛ حين أُمر بذَبْحِ ولده فصبر (٣) عليه، وغلَّب الطاعة على المَحْزَنَةِ (٤). وكذلك وصف ولده بالحلم؛ لأنه قال له (٥) في نفسه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، أي: عزيمتي الآن الصبرُ على إنفاذ أمر الله، فإن شاء الله أن يُديم هذه العزيمة أدامها، وإن شاء أن يُذهبها أذهبها، فجمع بين سعة العلم وحسن الطاعة، والإقرار بالتوحيد لله والمشيئة لله. وأمَّا وصفه بأنه مُنِيبٌ فمعناه (٦) راجع إلى الله، وكذلك فَعَلَ في كل أحواله؛ بما أتاه الله من رُشْدِه في مبدئه ومآلِه. [مَرَاجِعُ إبراهيم ﵇]: ومَرَاجِعُه سِتَّةٌ: المرجع الأوَّل: فإنه رجع إلى الله عن الكواكب، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ولم يعتقد قط في أن واحدًا من الأنوار ربُّه، ولا شَكَّ في ذلك ولا استراب به، وإنَّما كان ذلك حجة على قومه.

стр. 2106

وقد جهل المفسرون ذلك، وقد بيَّنه النبي ﷺ في الحديث الصحيح فقال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلها مَاحَلَ بها عن دين الله، قوله في الكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]، وقوله في سارة: هذه أختي، وقوله في الأوثان: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] " (١). فالصادق يقول: إنها كلها- ثلاثتها- حجة ناضل بها عن الحق. وكلهم من أهل التفسير والتقصير يقولون: "اعتقد ذلك حتى يتبيَّن (٢) له خلافه" (٣). والمُسْرِفُ منهم في الجهل على نفسه (٤) يقول فيه (٥): "كان صغيرًا" (٦)، فلمَّا خرج من الغار ورآه شكَّ فيه. فكذب على إبراهيم وكفَّره، واعتذر عنه بأنه كان صغيرًا، فسبحان الذي شاء هذه الجهالات، وقدَّر بنشر هذه المقالات، ولو أن هؤلاء الذين (٧) ظلموا أنفسهم بقراءة "كُتُبِ التفسير" تطَّلبوا في القرآن والحديث

стр. 2107

المعاني؛ حتَّى يفسروا كتاب الله بكلام رسول الله لا بآرائهم الفاسدة المُرَكَّبَةِ على عقولهم الناقصة؛ لسَلِمُوا من العثرة التى لا لعًا (١) لها (٢). المرجع الثاني: لمَّا رأى أن قومه معاندون له مكابرون، عاصون له منكرون، متربصون به الدوائر معذِّبون (٣)، حتَّى أنَّ أباه معهم؛ خرج إلى ربه مهاجرًا، ورجع إليه معتزلًا منفردًا، فأقام ببيت رامة (٤) على فرسخ من مولده، مُتَعَبِّدًا في محرابه لا يبرح منه. [مُقَامُ ابنِ العربي ببيت رامة عاكفًا وعابدًا وذاكرًا]: وقد دخلناه ليلًا ونهارًا، وذكرنا الله فيه سِرًّا وجِهارًا، واعتكفنا وقرأنا وصلَّينا أطوارًا، شهورًا وسِنِين، على سَنَنٍ من الهدى مُسْتَبِين، وفي أطيب حياة، في مسيرة أشهر- لا ليالي- آمنين، ثم جاء القَدَرُ بفُرْقَةٍ غَشَتِ القلوب حُرْقَة، فلَبِسَ (٥) ثوبَ الحزن بقيَّة الدهر حين فَقَدَ أولئك الأصحاب، وحال القَدَرُ بينه وبين أولئك الأحباب، استبدل الأُنْسَ بالوحشة، والعلماء بالجهَّال، والأولياء بالأعداء، والمعين بالقاطع، وأَخَذَ

стр. 2108

الضارَّ بدلًا من النافع، وجَالَسَ الزاهد في العلم عِوَضًا من الراغب، وخَالَطَ الأَبِيَّ عن الطريق، النَّافِرَ عن الشريعة؛ بعد المُرِيدِ (١) للعبادة، السَّالك سبيل الإرادة، وثافن الحاسد، فصار: غريبًا عن الأمثال في كل بلدة … إذا عظم المطلوب قَلَّ المساعد (٢) فإنَّا وإيَّاهم كما قلتُ (٣). المرجع الثالث: لمَّا تمادى إبراهيم على عَيْبِ الآلهة ورأى أنهم لا يرجعون اعتمد سبيلًا (٤) من (٥) الحيلة في الحُجَّةِ لعلهم يهتدون، فرَصَدَ يوم فِصْحِهم (٦) وخروج جماعتهم إلى مجتمعهم، فخالفهم (٧) إلى الآلهة فكسرها بالفأس، إلَّا أكبرها جِرْمًا، وعلَّق الفأس على الأكبر الباقي، فلمَّا فَضَوا شِرْكَهم -لا نُسُكَهم- وانصرفوا إلى أصنامهم وجدوها حَطَبًا، فأفنَوا الوقت والقول والفعل عَجَبًا، ورَمَوا بالخواطر؛ مَن عسى أن يكون لهذا الخطب فاعلًا؟ فقال قائلهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، فيحتمل أن يكون (٨) هذا من فِعْلِه، فأُحضر إبراهيم، فقيل له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا

стр. 2109

بِآلِهَتِنَا﴾؟ فلم يُصرِّحْ بالإنكار؛ لأنه لم تكن (١) في ذلك حجة لله ولا انتصار، وكان يكون كذبًا، فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وهو كذب في الظاهر كما أخبر عنه مُحَمَّدٌ؛ الصادقان (٢) هو (٣) وإبراهيم صلى الله عليهما، ولكنه على التقرير في معرض الحجة والدليل. والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، ولم يكن حرامًا لعينه كما قال الأدباء والقدرية، وإنما هو حرام إذا ضَرَّ، وجائز إذا نفع، وفَرْضٌ إذا دفع مكروهًا عن أحد. قال لهم إبراهيم: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ مُتبيّنِينَ للحجة عالمين، ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤)، إقرارًا بوجه الدلالة، ثم غلبتهم سابق (٥) الأَنَفَة، واستولت عليهم الألفة بسابق المقادير، فنُكِسُوا على رؤوسهم، ومشوا في المقال مُكِبِّينَ على وجوههم، فقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، قال لهم مُصَرِّحا عن الرُّغْوَةِ، متدانيًا إليهم عن غَلْوَة (٦)، سابقًا في ذلك جميع الخلق لأقصى (٧) رُتْوَة: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ

стр. 2110

أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ٦٦]، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٧]، فعرَّضوه لأعظم بلاء الله، وهو الحرق بالنار، وقصدوا الأُشنوعة به (٢)، فبَنَوا له بنيانًا، وأضرموا النار أيَّامًا، وتواعدوا له، ثم رَمَوْهُ بالمنجنيق فيها؛ لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يَدْنو أَحَدٌ منها لعِظَمِها، فلمَّا ألقوه فيه (٣) قال الله لها (٤): ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ ليَعْلُوا به عليه، فجعلهم (٥) الأسفلين تحته، وليربحوا الراحة بفَقْدِه (٦)، فجعلهم ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾؛ بأن أظهره وأخفاهم، وأَقْدَرَهُ وعجَّزهم (٧). [اعتكافُ ابن العربي وشيخه برابطة المنجنيق]: كنَّا نخرج مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي على "باب أَرِيحَا" إلى "عين لِفْتَة" (٨)، ونركب الطريق في منزل بعد منزل، أربعة بُرُدٍ إلى ثلاثة بُرُدٍ، إلى "نَابُلس"؛ خَيْفَيْنِ (٩) بين جبلين، يخرج من أحد الجبلين عين كبيرة،

стр. 2111

وباقيهما (١) عيون تسقي الأخياف، وينحدر (٢) إلى الوادي فيسيل لبساتين، فيها من كل فاكهة زوجان، ونخل ورمَّان، وما تشتهي من ثمار الدنيا نَفْسُ الإنسان، وفي أعلى الجبل الأدنى إلى بيت المقدس البُنيان الذي كان فيه المنجنيق، وقد اتخذه الناس رابطة، فنُقِيم هنالك معتكفين مُتَدَرِّسِينَ للعلم أيَّامًا مُتَنَعِّمِين، وبجنبها في بطن الوادي مُسْتَوْقَدُ النار، رمادًا مُتَّصِلًا في باطن الأرض إلى الماء. [سببُ تسمية نابلس بهذا الاسم]: فسألتُ قاضيها ابن خالد (٣) ورئيسها ابن مزهر (٤) عن معنى تسميتها "نَابُلس"، فقالوا لنا بأجمعهم: إن هذا الوادي كانت به حيَّة يقال لها: "لُس"، وكان (٥) قد حَمَتْ غِياضه وحرَّمت مياهه، حتى قُتلت بحكاية طويلة، ثم عُلِّقَ نابُها لعِظَمِه على باب المدينة، آية وعبرة، فقال الناس: "نَابُ لُسَّ"، وكتبوها مُتَّصِلَةً لكثرة الاستعمال. [عِفَّةُ نساء نابلس]: وهي بلدة مشحونة بالزهَّاد والعلماء والأخيار، وما رأيتُ أعفَّ من نسائها، ولا حَيَاءَ مُخَدَّرَةٍ؛ تمشي عمرك في الطريق لا يقع (٦) عينك فيها على امرأة إلَّا يوم الجمعة؛ فإن النساء في المسجد أكثر من الرجال، فإذا

стр. 2112

صلَّين ركعتين (١) رجعن (٢)، فلا تقع عَيْنٌ على امرأة إلى الجمعة الأخرى (٣). [مناظرةُ ابن العربي ليهود نابلس]: وهي في الأصل بلد "السَّمَرَة (٤) " (٥)، لهم كانت، وفيها كنَّا نجتمع معهم للمناظرة، ونُفاوض أحبارهم في الحجاج والأدلة، وهم في اليهود كالمُشَبِّهَةِ والحَشَوِيَّة في الإسلام. [نصرُ بن إبراهيم النابلسي]: وهذه البلدة (٦) هي مولد شيخنا أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي؛ إمام الشام في العلم والتعرف (٧)، وزاهده في العمل والتصرف (٨). قال الإمام الحافظ (٩): فرجع إبراهيمُ حينئذ إلى الله مُصَرِّحًا بالدلالة، كاشفًا لوجه الحجة، مجاهرًا بالحق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كائنًا في ذلك ما كان، وأَعْرَضَ عن الخلق ونَبَذَ التقيَّة، فلو شاء ربنا لعصمه

стр. 2113

من يد نُمروذ ولم يُمَكِّنْ منه إلى المنجنيق، وكان في الظاهر أقرب إلى النصرة (١)، ولكنْ حِفْظُه في النار من أن يمسَّه أَلَمُها (٢) أَتَمُّ في باب النصرة، وأَبْيَنُ في الحجة، وأثبت للمعجزة، ولولا أن النار قيل لها: ﴿وَسَلَامًا﴾؛ لقتله البَرْدُ كما كان يقتله الحَرُّ، ولكن الباري قَلَبَ لهم نارهم إلى الضِّدِّ في البرد من الحر، وسَلَّمَ وَلِيَّهُ، فكانت آيَتَيْنِ في آية. وقال (٣) أهلُ الإسرائليات: "إنه لمَّا صار في المنجنيق تعرَّض له جبريل، فقال له (٤): ألك حاجة؟ فقال له: أمَّا إليك فلا، زاد بعضهم: فقال له الله: إن قال لك: "نعم"؛ فاتركه، وإن قال لك: "لا"؛ فامْرُرْ بجناحك على النار؛ حتى يكون (٥) عليه بَرْدًا وسلامًا" (٦)، وذلك كله ممكن، فربك (٧) أعلم بما كان. المرجع الرابع: إنَّه لمَّا سار بزوجه سَارَةَ في أثناء الهجرة نزل بمصر (٨)، فتحدَّث الناس بجمال سارة، فأرسل إليه مَلِكُها (٩) أن ببعث بها إليه، فسلَّمها ورجع

стр. 2114

إلى الله فيها، ونصب قَدَمَيْهِ يصلي، فغطَّ الكافر عنها ثلاث مرات، وقال للذي جاءه بها: "لم تأتني بإنسان، وإنما جئتني بشيطان" (١)، وصرفها وأخدمها هاجر، وكان قال لها (٢): "إن سألك فقولي له: إنك أختي؛ فإنه ليس على الأرض مسلم غيري وغيرك" (٣)، ولو شاء لقال لها: قولي: إنَّك (٤) زوجتي (٥)، ولكنَّه عَدَلَ إلى الأخوَّة عن الزوجية لفائدتين عظيمتين، بيَّنَّاهما في "كتاب النَّيِّريْنِ في شرح الصحيحين". وقد قال النبي ﷺ في بعض الروايات: "ثِنْتَيْنِ منها في ذات الله، قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] " (٦). المرجع الخامس: مبادرته إلى الامتثال بذَبْح (٧) ولده إسماعيل، واعجبوا لصبر إبراهيم على ذبح ولده، ولصبر إسماعيل لذبح نفسه، حتَّى لقد تكلم الناس في أَيِّ الصبرين كان أعظم؟ وأيِّ البلاءين كاد أشد؟ فقيل: "بلاءُ إسماعيل أشد؛ لأنه جاءه الذبح من يد المُرَبِّي، والهلاك من سبب العيش، والإتلاف من طريق الإيجاد، فلمَّا جاءه الأمر من حيث

стр. 2115

لم يحتسب كان بلاؤه أشد، وكانت إنابته ورجوعه عن نفسه إلى ربه أعظم" (١). وقيل: "بل بلاءُ إبراهيم كان أشد، ورجوعه إلى الله كان أعظم؛ لأنه كُلِّف أن يذبح ولدًا ربَّاه، ورجاءه في حياته ومماته، فابتُلِيَ بفَقْدِه، وأن يعيش من بَعْدِه" (٢). وقال إبراهيم: ﴿يَابُنَيَّ﴾، وهذه غاية اللَّطافة، ثم عقَّبه بقوله: ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، وهذه نهاية الغلظة، فكيف يجتمعان (٣)؟ المعنى: ﴿يَابُنَيَّ﴾؛ على لُطْفِكَ في قلبي لا بد أن أُطيع فيك ربي، قال له ابنُه -وكان مثله-: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]. قال العلماء: "اتخذ الله إبراهيم خليلًا؛ فكان قلبه كله له، فلمَّا وُلِدَ إسماعيل صار له من فؤاده جزءًا (٤)، فابتلاه الله بذبحه حتى تفرَّغ عن قلبه حبه (٥)، ويبقى لله صَفِيًّا (٦) في الحقيقة والجلالة (٧)، ويتمكن في التّامُورِ والجُلْجُلَانِ (٨)، ولا يبقى لإسماعيل هنالك مكان، وحتى يكون حبُّ

стр. 2116

إسماعيل عَوَّامًا على صفحة الفؤاد، خارجًا عن موضع الاعتماد والاعتداد؛ وهي السُّوَيداء التي تعرف بالسواد، وليست عَلقة الدم التي هي حَظُّ الشيطان، ولكنها التي ينشأ الفؤاد عنها، وهي أدهم بقعة فيه وأخضرها". فلَعَمْرُ إلهكم لقد كان كذلك، ولقد ظهر (١) من فراغ دخيل قلب إبراهيم من إسماعيل بحيث بادر إلى ذبحه واستهلاكه في أمر الله، ويرجع بعده إلى الله. المرجع السَّادس: بَدَنُه؛ أمر فيه بثلاثين خصلة، قد بيُّنَّاها مشروحة في "التفسير" (٢)، فانقلوها منه، واسردوها إن احتجتم إليها على الترتيب القانوني. فرجع إبراهيم عن نفسه إلى ربه، ووفَّى بجميع ما ابتلي به وفيه (٣)؛ من صبوته إلى مشِيخَتِه، دون ضلالٍ عن رُشْدٍ، ولا غفلةٍ عن ذِكْرٍ، ولا إسقاطٍ لحق، ولا إخلالٍ بقَدْرٍ. فرأيتُ (٤) لبعض العارفين (٥) في ذلك كلامًا بديعًا، قال: "وفَّى بأربع؛ بمَالِه للضِّيفان، وبدنه للنِّيران، وولده للقُربان، وقلبه للرَّحمن". وقد قال النبي (٦) ﷺ : "عشر من الفطرة"، فذكر المهم من خصال الفطرة، ولم يذكر في الصحيح باقيها، فربكم أعلم بها، والعَشْرُ (٧) هي ما

стр. 2117

خرَّج مُسْلِمٌ عن عائشة: "عشر من الفطرة؛ قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء" (١). قال مصعب بن شيبة -راويه (٢) -: "ونسيتُ (٣) العاشرة، إلَّا أن تكون المضمضة" (٤)، ولم يروه غير هذا الناسي، وقد تكلَّموا فيه. وقد قال الله تعالى لنا: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣٠]. يعني: راجعين إليه بالاعتقاد والأقوال والأعمال. وقال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٤]. قال أهل الزهد: "المُنِيبُ هو الراجع إليه حقًّا، من غير أن تبقى له بقيَّة في نفس". وكذلك كان النبي، فقد امتثله على الإطلاق، واهتدى بهديه وحقَّق الاقتداء بأبيه إبراهيم فيه، وبذلك مع ما زاد من فضل الله عليه سبقه ولسائر الأنبياء في المنزلة. وقال لنا: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥١]. قال لنا أبو الفضائل بن طَوْقٍ: قال الأستاذ أبو القاسم القُشَيري: "الفرق بين التوبة والإنابة، أن التوبة هي الرجوع خوف العقوبة، والإنابة الرجوع حياءً من كَرَمِه" (٥).

стр. 2118

وقال: "التوبةُ الرجوع عن المعاصي والذنوب، والإنابة الرجوع بكل شيء". ويحتمل أن يقال: التوبة الرجوع عن ذنب إلى طاعة، والإنابة الرجوع إليه من الرأيين. فلَعَمْرُ إلهكم لقد فعلتْ ذلك هذه الأمة، فلذلك سبقت مع رسولها، وفي حُرمته سائر الأمم، فقال النبي ﷺ : "نحن الآخرون السَّابقون" (١)، وجاء من هذا أن "المُنِيبَ" هو "المُطِيعُ". * * *

стр. 2119

المُطِيعُ (١): وهو الاسمُ الثالث عشر ومائة (٢) وهو اسمٌ عظيمٌ، انفرد به أهلُ السُّنَّةِ، ليس للمبتدعة -وخصوصًا القدرية- فيه حَظٌّ، وقد أحكمنا فيه الكلام -بفضل الله- في "المتوسط" (٣) و"التمحيص"، فلينظر فيها (٤) إن شاء الله. وحقيقةُ الطاعة عندنا: هو الفعل الواقع على مقتضى الأمر والنهي. وحقيقةُ الطاعة عندهم: وقوع الأمر على مقتضى المراد. بناءً على أصلهم الفاسد وعَقْدِهم الحائد في أن الله لا يريد المعاصي ولا يُقَدِّرُها، وقد بيَّنَّا فساد ذلك في موضعه، فتعالى أن يكون في مُلْكِه ما لا يريد، ولو أن شيخ قرية يكون فيها ما لا يريد لنُسِبَ إلى العجز (٥) والوهن، فكيف (٦) يكون في مُلْكِ رَبِّ العالمين ما لا يريد؟ والطاعة عندنا أعمُّ من القُرْبَةِ؛ فإن النظر الأول يقع طاعة، ولا يصح أن يقع قربة للجهل بالمتقرَّب إليه، حسب ما بيَّنَّاه من قول العلماء، وأوضحناه في حقيقته في "كتب الأصول".

стр. 2120

وقالت الصوفية: "إن الطاعة موافقة المحبوب على ما يحب (١) ". وهذا لا يصح؛ فإن موافقه المحبوب على ما يريد أوقع، ولكنه لا يصح أن تُعَلَّقَ به الطاعة. وهذه كلها أقوال غير محققة؛ أمَّا مِن المبتدعة فقَصْدُ الفتنة وإضلال الخلق؛ وأمَّا من الصوفية فمُسَامَحَةٌ في الألفاظ من غير فساد عقيدة، والحقائق لا تحتمل مسامحة الألفاظ. قال الإمام الحافظ (٢): وحيثما وقعت الطاعة في القرآن فإن المراد بها ما قدَّمناه آنِفًا في حقيقتها؛ وهي موافقة الفعل للقول المتوجه عليه، وكذلك هو في كتاب الله وفي حديث رسول الله، إلَّا أن المبتدعة تحيَّلُوا (٣) فخَيَّلُوا على الضعفاء في أن الأمر هو الإرادة، فلم يتم لهم ذلك إلَّا على ضعيف. وقد قالْ الله مُخْبِرًا عنَّا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٤]، فمن قالها فله ما قال في الحديث: "نَعَمْ نَعَمْ، نَعَمْ نَعَمْ"، فاُعْطُوا الإجابة في الخصال الأربعة لمَّا قالوا فيها (٤): ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.

стр. 2121

وجعل طاعة رسوله من طاعته فقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (١) [آل عمران: ٣٢]، وجعل النبي طاعة أميره من طاعته فقال: "من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله" (٢)، وقد تقدَّم بيانُ ذلك كله في اسم "الأمير (٣) " (٤). ونصَّ في موضع آخر فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فقال الناس: هم الأمراء (٥). وقال قوم: هم العلماء (٦). وإنَّما أوقع الناسَ في هذا أنهم رَأَوُا الأمراء جُهَّالًا، والحَقُّ ألَّا يكون العامل إلَّا عالمًا، إلَّا لضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك. وتلزم طاعة الأمير فيما أَمَرَ وحَكَمَ، وطاعةُ العالم فيما أفتى وأخبر، وكلَّما تأكَّد الأمر تأكَّد الأمر (٧) فيه بالطاعة، ألا ترى أنَّ الخمر لما قيل فيها: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٣]، وهذا وعيد عظيم، فَهِمَه عُمَرُ وأمثاله، ثم

стр. 2122

أكدَّه فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائده: ٩٢]، فمن انصرف عن الطاعة وتمادى على المخالفة لم يلحق للرسول من ذلك وَصْمٌ؛ لأنه قد أدَّى ما عليه. وفي البخاري عن أبي هريرة: قال النبي: "كل أمتي يدخل الجنة إلَّا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة" (١). والطاعة موجودة صورة في كل مخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ﴾ [الرعد: ١٥]، واختلف الناسُ في هذه الطواعية؛ هل هي مقرونة بإرادة، أم هي عبارة عن تصورها بالفعل المأمور به؟ وقد بيَّنَّا حقيقة ذلك في "المشكلين" و"التفسير" وغيره. وقد ذَمَّ الله من سمع فلم يُطع، وعصى ولم يمتثل، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: ٤٦]، وهذا يدخل فيه كُلُّ من ترك الطاعة وخالف الشريعة. [التحذيرُ من رواية الإسرائيليات]: وقال لنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، وهذه آية عظيمة، مُنبَّهَةٌ من الشريعة على منزلة كريمة، وقد تركها قوم فقبلوا من أهل الكتاب وأطاعوهم ورَوَوا عنهم

стр. 2123

ما لا يجوز على الله، ولا يصح في دين الله، كقولهم: "إن الله كلَّم موسى بكل لسان، وأنه كلَّمه بالبربرية، وسمَّى له نفسه بها" (١)، وهذا كذب بواح (٢)، وكُفر صُراح، الباري كلَّم موسى دون واسطة، وليس لكلامه كيفية؛ لا عربية، ولا عجمية، ولا مِثْلَ لذاته، ولا لصفاته، ولا لكلامه، فكَفروا من حيث لا يشعرون، وباؤوا بغضب على غضب من حيث لا يعلمون. أمَّا ربنا فأَسْمَعَ موسى كلامه الذي ليس له كيفية، على الوجه الذي بيَّنَّاه في "كتب الأصول" (٣). وأمَّا ما أَنْزَلَ عليه وكَتبه له من التوراة وفي الألواح من قولهم: "يوشاف" (٤)؛ فإنما كتبه له (٥) بالعبرانية؛ "هبرثى أُوثُوا هِفرْيَثى أوثوا هُوَّذْ لِأَذُو نَاْي"، وشِبهه من قولهم: "يوشاف أَذُونَايْ يَانَ أَحَارْ"، فيما ذَكَرَ له من الفضلاء، وسمَّى (٦) له من الأنبياء. [جوازُ التكلم بغير اللسان العربي]: وقد تكلَّم النبي بالعبرانية فقال (٧): "بَالَام (٨) "، وتكلَّم بالفارسية فقال

стр. 2124

لسلمان: "اشكفه دَرْد (١) "، وتكلَّم بالاصطلاحية (٢) مع العجم من الصبيان وأمثالهم من البهائم، فقال للحسن: "كَخْ كَخْ" (٣)؛ يأمره (٤) بطرح التمرة الصَّدَقِيَّة مِن فِيهِ، كما يُحَذَّرُ الصبيان، وكما يقال للدابة: "بسْ بَسْ (٥) "، و"حَلْ حَلْ (٦) " للعِجل، و"أَرْ أَرْ (٧) ". وقال البخاري (٨): "بابُ ما يجوز من الكلام بالفارسية" (٩). وذكر بعضُ أصحابنا أنه لا يجوز التكلم بالعجمية، وزاد آخرون فقالوا: "إنَّ من فعل ذلك أَثِمَ". وتحقيق القول فيه أنَّ لكل أمة لسانهم، كذلك أُنزلت عليهم الكتب، وأرسلت عليهم الرسل، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، ولو أنَّ الله يكلم أحدًا بكل لسان لكان مُحَمَّدٌ ﷺ بذلك أولى؛ لعظيم منزلته على الخلق، لكن إذا كان الناس في جماعة وكلهم من صِنْفٍ واحد فليتكلَّموا بلسان واحد، وإن كانوا صِنْفَيْنِ فليتكلَّم العربي بعربيَّته، فإن كان فيهم أعجميون لا يعلمون غير لسانهم فلهم أن يتكلموا به، فإن

стр. 2125

علموا العربية فلا يتكلَّموا بحضرة العرب إلَّا بلسانها؛ لأنَّهم إنْ خرجوا إلى لسانهم كان من باب المناجاة المنهي عنها، ولا ينعكس هذا في العرب، لأنَّ لسانهم الأصل في الشريعة، والفَرْعُ يُرَدُّ إلى أصله. وقد روى مالك في "الموطأ": "أن عمر رأى بيد كَعْبٍ مُصْحَفًا قد تَشَرَّمَتْ حواشيه، فقال له: ما هذا؟ قال له كعب: التوراة، فقال له عمر: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أُنزلت على موسى يوم طُورِ سيناء فاقرأها" (١). وهذا نهيٌ عنها له، وتحذيرٌ من التعلق بما لا أصل له. [من شروط رواية الإسرائيليات]: ولا ينبغي أن يُحكى عنهم إلَّا ما يشهد القرآن بصحته، فإذا قالوا هم أمرًا جائزًا لم يكن له عندنا أصل لم نُصدِّقهم ولم نكذبهم، وإن قالوا ما يَرُدُّه العقل رددناه عليهم، ولم يَحِلَّ لنا أن نسمعه، فكيف أن نرويه؟ [من شروط الطاعة]: ولا تتحقَّق الطاعة للعبد إلَّا إذا كان دائرًا مع الأوامر والمندوبات، والنواهي والمكروهات، ومع الذكرى دون الغفلات، والحذر من المعاقبات، ففي الصحيح -واللفظ للبخاري-: قال العلاء بن المسيب: "لقيت البراء، فقلت: طوبى لك؛ لقيتَ رسول الله، وبايعته تحت الشجرة، قال: يا (٢) ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده" (٣).

стр. 2126

وإلَّا فبذلك المقدار ينقص من طاعته، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة وعنه كانت العبارة بالحديث الصحيح: "بايعتُ رسول الله على السمع والطاعة، والنصح لكل مسلم" (١). وقال ﷺ : "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (٢). وفي الحديث الصحيح: "الطاعة في المعروف" (٣). وطاعة الأب متعينة كبِرِّه، وطاعة المتعلم لمُعَلِّمِه، وطاعة الصغير للكبير في تصريفه، وفي كل واحد خَبَرٌ وسُنَّةٌ، بيانُها في "أنوار الفجر". نكتة: قال الإمام الحافظ ﵁ (٤): كل آية فيها ذِكْرُ السمع والطاعة مُعَقَّبَةً (٥) بقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، فإن الأمر بالسمع والطاعة مُحْكَمٌ، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ منسوخ.

стр. 2127

مغالطة: وقد غالط بعضُ الناس بأن قال: "إن الطاعة إنما هي موافقة المحبوب"، كما قدَّمنا، قالوا: وفي الحديث الصحيح: إن النبي قال: "المرء مع من أحب" (١)، ولا يطاع إلا المحبوب، ولا يحب إلَّا المطاع. قلنا: قد (٢) بيَّنَّا فيما سلف أنَّ محبة الله فرض، وبيَّنَّا معنى محبَّته، وكما أن محبته فرضٌ فطاعته فرضٌ، وليس أحدُ الفَرْضَيْنِ مُوجِبًا للآخر، وإنما فَرَضَ (٣) الله كل واحد منهما، وإن وجد الإنسانُ في نفسه طاعةَ المحب وحُبَّ المطاع فإنما ذلك لما له فيها من الأغراض الدنياوية، ويتوكَّف (٤) عليها من الأعواض (٥)، وتقاضي الآمال، وانكفاف الأذى، وطاعةُ الله إنما مُتَعَلَّقُها الأمر والنهي، والثواب والعقاب؛ إِقْدَامًا وكَفًّا، وقد سبق تحقيقُ ذلك كله. [بعضُ معاني الودود]: أَمَا إنَّ الناس قد تكلَّموا في اسم "الودود"، وذكروا -كما بيَّنَّا في "الأمد الأقصى" (٦) -أنه قد يكون ودود بمعنى أنه يَوَدُّ غيره، ويكون بمعنى أنه يودُّه غيرُه، وإن الباري سبحانه لودود ومودود (٧)، ولكنْ لأهل ولايته،

стр. 2128

وأرباب طاعته، وأصحاب خِدمته، وقد يكون "الودود" من أسماء العبد، وهو الاسم الذي تقدم بيانه، وتمامه هاهنا، ويكون معناه: أنه يَوَدُّ الله ورسوله وأصحابه، والعلماء والأخيار، والخير كله في الدنيا والآخرة. والعَبْدُ لا يَوَدُّ في الدنيا إلا العافية، دخل النبي على مريض يعوده وهو مثل الفرخ، فقال له: "ما كنت تقول؟ قال: كنت أقول: اللهم ما كنت مُعَاقِبِي به في الآخرة فعَجِّلْه لي في الدنيا، قال: إنك لن تطيقه، قل: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] " (١)، فتكون حسنة الدنيا في هذه الآية: العافية. قال القاضي أبو بكر (٢): وقد تكلَّمنا عليها في صدر الكتاب؛ في اسم "الحاجِّ" (٣). وقد يدخل "الودود" مدخل "المتمني"، في الترمذي: قال النبي ﷺ : "يودُّ أهل العافية في القيامة حين يُعْطَى أهلُ البلاء الثوابَ لو أن جلودهم كانت قُرِضَتْ في الدنيا بالمقاريض" (٤). وفي مقابلة قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، إذا رأى المشركون أن المسلمين قد دخلوا الجنة وقد غفر لهم، وَدُّوا لو كانوا مسلمين، فيسألون الرَّجْعَةَ ليستدركوا العمل، فلا

стр. 2129

يُرَاجَعُونَ، فينكرون أنهم كانوا مشركين، فتنطق الجوارح شاهدةً عليهم، فيسقط ما بأيديهم. قال أهل التفسير: "كلمة ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ للتقليل، وهي هاهنا للتكثير" (١). وهذا كلام من لم يفهم القرآن (٢)، بل هي على بابها للتقليل، والمراد بذلك: أن وُدَّهم يكون مرة واحدة في ساعة واحدة، وآمَالُهم ووُدُّهم كان مرارًا في أزمنة متعددة، فـ "ربَّما" على بابها، والحمد لله. [مَوَدَّةُ قرابة رسول الله ﷺ -]: ولا يكون العبدُ وَدُودًا حتى يَوَدَّ قرابة رسول الله؛ فإن ذلك أجرُه في تبليغ الرسالة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ من مال الدنيا، ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، والناس في تأويل ذلك على أربعة أقوال: أحدها: ألا تؤذوني في نفسي لقرابتي منكم (٣). الثاني: أن تَوَدُّوا قرابتي (٤). الثالث: أن توَدُّوا الطاعة التي يُتقرَّب بها إلى الله (٥). الرابع: ألَّا تؤذوا قرابتكم وتقطعوا أرحامكم (٦).

стр. 2130

والذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس: قال طاوس: "سئل ابن عباس عن قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فقال سعيد: قُرْبَى آل محمد، فقال ابن عباس: أُعْجِلْتَ؛ إن رسول الله لم يكن بَطْنٌ سن قريش إلَّا له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة" (١). والذي تقتضيه الآية بظاهرها أن الله لا يطلب من العباد أجرًا؛ لأنه يتقدَّس عن ذلك (٢)، وقال (٣) لرسول الله تشريفًا له (٤): لا تطلب عليه أجرًا لأنك شفيع وكريم، فلا تأخذ عليه عِوَضًا، فذلك تمامُ الشرف والكرم الذي بلَّغناك إليه، إلَّا أنَّ عليكم أن توَدُّوا قرابتي فَرْضًا مُتَعَيِّنًا، فالخطابُ يتناول جميع الأمم، فحَظُّ آل هاشم يختصُّ بقريش، وحظُّ قريش يختص بالعرب، وحظ العرب يختص بالأمم، وهذا نفيس لمن تأمَّله، لم أُسبق إليه، ولم أُزْحَمْ عليه، والله ينفع به. قال النبي ﷺ : "اللهم أَذَقْتَ أَوَّلَ قريش نَكَالًا، فأذق آخِرَهم نَوَالًا" (٥).

стр. 2131

ورُوِي عن النبي أنه قال: "الناس تَبَعٌ لقريش؛ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لمُسْلِمِهِمْ، وكافرُهم تَبَعٌ لكافرهم" (١). وفي الصحيح -أيضًا-: أنَّ معاوية قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول:. "إن هذا الأمر في قريش؛ لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين" (٢). وفيه -أيضًا-: "قريش والأنصار وجُهَينة ومُزَينة وأَسْلَم وأَشْجَع وغِفار موالي، ليس لهم مولى دون الله ودون رسوله" (٣). ورُوي عنه أنه قال: "إنَّ (٤) سَامَ أبو العرب، ويافثَ أبو الروم، وحامَ أبو الحبشة" (٥). ورُوي أن النبي قال لسلمان: "لا تبغضني فتفارق دينك، قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: تبغض العرب فتبعضني" (٦)، وهو حديث حسن، صحيح المعنى.

стр. 2132

وقال النبي ﷺ -في الصحيح-: "إن الصدقة لا تحل لآل مُحَمَّدٍ، إنَّما هي أوساخ الناس" (١). وفي الصحيح: "الأئمة من قريش" (٢). وهي دعوة إبراهيم صلَّى الله عليه (٣) في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]. [مَوَدَّةُ أصحاب رسول الله]: ولا يكون وَدُودًا حتى يَوَدَّ أصحاب محَمَّدٍ، وقد بيَّنَّا فَضْلَهم، وقد قال الله مُعَلِّمًا لنا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، فمن كان له في قلب أحد منهم غِلٌّ فلا حَظَّ له في الفيء، كما قال مالك (٤). وقال النبي ﷺ : "لن تمسَّ النارُ أحدًا رآني" (٥)، خرَّجه الترمذي. [قولُه تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾] وقد قال الله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] الآية، فيها ثلاثة أقوال:

стр. 2133

الأوَّل: أنه مَثَلٌ للمرائي في النفقة؛ ينقطع عنه نفعها أحوج ما كان إليها (١). الثاني: أنه مَثَلُ المُفَرِّطِ في طاعة الله بملاذِّ الدنيا (٢). الثالث: أنه مَثَلُ الذي يختم عمله بالمعصية (٣). وهو الذي عليه المعوَّل. في الصحيح عن ابن أبي مُلَيكة عن ابن عباس: "أن عمر قال يومًا لأصحاب النبي ﷺ : فيما ترون هذه الآية أنزلت؛ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾، قالوا: الله أعلم، فغضب عمر وقال: قولوا: نعلم، أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا ابن أخي، قُلْ ولا تحقرنَّ ما في نفسك، قال ابن عباس: ضُرِبَ مَثَلًا لعَمَل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله" (٤). قال الإمام الحافظ ﵁ (٥): ومسألةٌ دارت بين عمر وابن عباس لم يبق لأحد فيها كلام. ومع هذا التوَدُّدِ يكون "صَفِيًّا".

стр. 2134

الصَّفِيُّ (١): وهو الاسمُ الرابع عشر والمائة (٢) ويتداخل مع غيره، وربَّما توارد معه عليه إذا تتبَّعت معانيه. والصافي: هو الماء الذي لم يخالطه شيء، فبقيت عليه أوصافه على هيئتها؛ لونه، وطعمه، وريحه، ومن ذلك سُمِّيَ المصطفى. وقيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾، كما تقدَّم، ﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣]، كما وصفنا، وختم الصَّفْوَةَ بخيرها وأطيبها؛ مُحَمَّدٍ ﷺ (٣). [ذِكْرُ الصوفية]: وبذلك سَمَّتِ (٤) الصوفيةُ أنفسَهم (٥)؛ يريدون أنهم صَفَوا لله وخَلَصُوا له، ولم يعبدوا غيره، لا عقيدة، ولا كلامًا، ولا استعمالًا. وبتصفية المطعم والمشرب والملبس يكون التصوف، ويحصل المقصد، وبنَبْذِ الدنيا يَبْلُغُ المراد.

стр. 2135

ومن الحديث المشهور: "مَثَلُ الدنيا مَثَلُ ثَغْبٍ؛ شُرِبَ صَفْوُه وبَقِيَ كَدَرُه" (١). وإن من خطبة عتبة بن مروان (٢): "إن الدنيا قد ولَّت حدَّاء، ولم يبق منها إلَّا صُبابة كصُبابة الإناء". والثَّغْبُ: موضع مطمئن في الجبل، يَستنقع فيه الماء. وبتَرْكِ اللذات يبلغ المراد أيضا (٣)، فقد روي أن عمر أُتِي بشربة من عَسَل فلم يشربها، وقال: "أخاف أن تذهب لذتها وأُسأل عنها" (٤). وبذلك يكون "وَرِعًا"، وهو الاسم الذي تقدَّم بيانُه (٥)، وقد أشرنا إليه، وهذا تمامه. [حقيقةُ الورع]: وحقيقته: الكَفُّ؛ فتكفُّ عن الحرام؛ وهو وَرَعُ الناس، وعن الشُّبهة؛ وهو وَرَعُ المريدين، وعن الشَّهوة؛ وهو وَرَعُ المتقين (٦). وقال أهل الظاهر من الفقهاء: "الكَفُّ عن الشبهة وَرَعُ المتقين"؛ لما رُوي: "أنه لا يبلغ العبدُ درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حَذَرًا ممَّا به البأس" (٧)، خرَّجه الترمذي، وقال: "حسن".

стр. 2136

ويختص في العُرْفِ (١): العفة (٢) بصيانة الفرج، والورع بصيانة الفم؛ فيجننب الحرام والشبهة، ويجتنب آفات اللسان العشرين (٣)، ويلتزم الصدق فلا ينطق إلَّا بالحق والعلم. [ذِكْرُ ما يدخل في الورع من الأعمال والأحوال]: وإذا أَشْرَفَ على طمع فقَدَرَ عليه فتركه فهو "الوَرعُ"، قال يحيى بن أبي كثير: وروى صهيب عن أبيه قال (٤): "كان (٥) يقال (٦): لا يعجبنكم صيام امرئ ولا قيامه حتى تنظروا إلى ورعه، فإن كان وَرِعًا مع ما رزقه الله من العبادة فهو عبد الله حقًّا" (٧). ومن الوَرَع ألَّا يضع لَبِنَةً على لَبِنَةٍ؛ فإن العبد المؤمن يؤجر في كل شيء يُنفقه من المباحات، إلَّا فيما يضعه في التراب، يعني: إذا خَرَجَ عن حَدِّ الحاجة. ومن الورع ألَّا يَصُبَّ فَضْلَةَ الوَضوء في الأرض، روى أبو عُبَيد عن النبي: "أنه توضَّأ وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فأمر برَدِّها إلى النهر، وقال: يُنتفع بها" (٨)، ولم يأذن في إراقتها.

стр. 2137

ومن الوَرَعِ عند قَوْمٍ ألَّا يدهن رأسه حتى يشعث، ولا يغسل (١) ثوبه حتى يتسخ، فأمَّا لباس الثوب حتى يتسخ فسُنَّةٌ، وأما ترك الرأس حتَّى يشعث (٢) فلا أراه سنة، وما أراهم أخذوا هذا إلَّا من حديث العباس بن سالم اللخمي، قال: "بَعَثَ عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلام الحبشي؛ فحُمل إليه على البريد (٣) ليسأله عن الحوض، فقُدِمَ به عليه (٤) فسأله، فقال له: سمعت ثوبان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن حوضي من عدن إلى عُمان البلقاء، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأَكَاوِيبُه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ أبدًا، أوَّلُ الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين، فقال عمر بن الخطاب: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الشُّعْثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا ينكحون المُتَنَعِّمَاتِ، ولا تفتح لهم أبواب السُّدَدِ، قال عمر بن عبد العزيز: لقد نكحتُ المتنعمات؛ فاطمة بنت عبد الملك، وفُتِحت لي السدد، إلَّا أن يرحمني الله، لا جرم لا أدهن رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي الذي على جسمي حتى يتَّسخ" (٥).

стр. 2138

قال الإمام الحافظ ﵁ (١): وهؤلاء الفقراء من المهاجرين كانوا أهل حاجة، فأمَّا من قَدَرَ فينبغي أن يكون نظيف الهيئة، حسن الشارة؛ فإن الحديث الحسن قد ورد بأن الله طَيِّبٌ يحب الطيب، نظيف يحب النظافة (٢). وفي حديث جبريل إذ دخل إلى (٣) النبي بحضرة الخلق، "حسن الهيئة، حسن الثياب، ليس عليه سحناءُ السفر، ولا يعرفه منَّا أحد" (٤). وعلى العبد أن يختصر في ملبسه، ويكثر من طِيبه، وقد رُوِيَ -من الورع-: "أن عمر بن الخطاب كان إذا قسَّم الطيب أمسك على أنفه، ولا يُسْهِمُ منه لزوجه" (٥). ورُوِيَ عن عمر (٦) -التَّالِي له في الاسم والولاية والدِّينِ-: "أنه أُتِي بطِيب يُصنع للخلفاء من بيت المال، فأمسك على أنفه، وقال: إنما يُنتفع برِيحِه" (٧). ومن الورع: أنْ كَتَبَ عاملُ الكوفة إلى عمر بن عبد العزيز يقول له: "إنَّ رَدَّ الظُّلامات وإعطاء اليتامى والمساكين قد أخلى بيت المال، فكتب إليه: امض لما أنت بسبيله، فإذا فرغ فاملأه سِرْقِينًا (٨) ".

стр. 2139

ومن الورع (١): أن يكره طول السَّلامة، قال الحسن: "كان الرجل من المسلمين إذا طالت سلامته أحب أن يؤخذ منه، يذكَّر به المعاد، ويكفَّر به السيئات". وفي البخاري عن أبي هريرة: قال النبي: "من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" (٢). ومن الورع: ألَّا يُحَدِّثَ بعمله السِّرِّي، قال الأحموشي العابد -واسمه عامر بن جشيب (٣)؛ من التابعين-: "إن العبد ليعمل العمل سِرًّا ما يطلع عليه أحد، فيطلبه إبليس ثلاثين سنة، فإن أدركه وإلَّا تركه، يقول له: حَدِّثْ بعملك؛ فإنه قد رُفع إلى الله، وليس بناقصك شيء (٤)، فإن حَدَّثَ به مُحِيَ عنه أجر السر، وحُفِطَ (٥) عليه أجر العلانية، لم يراوده (٦) سنة، يقول: قد تحدث به، ليس بناقصك شيء (٧) سنة (٨)، فإن حدَّث به مُحِيَ عنه أجر العلانية وكُتِبَ عليه الرياء". ومن الورع: ما روي عن النبي أنه مرَّ بتمرة، وقال: "لولا أن أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" (٩).

стр. 2140

قال علماؤنا: معناه: "أنه وجدها في جُوخان (١) التمر وطريقه (٢)، ولم يكن قربها جوخان، ولا كان لها طريق لم يكن فيه تقاة". وقال آخرون: "هذا مقدار من الورع يختص بالنبي، ولو كان غيره لكان تَكَلُّفًا". ونظامُ الأمر وعَقْدُه أن كل أمر لا تجده في صحيفة حسناتك، أو تُسأل عنه كيف أتيته، أو يحتمل وجهًا خارجًا عن البر؛ فتَرْكُه هو الوَرَعُ، والله أعلم. وبهذه الصفة يكون الرجل "حَيًّا". * * *
следующие страницы →