← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ويختص في العُرْفِ (١): العفة (٢) بصيانة الفرج، والورع بصيانة الفم؛ فيجننب الحرام والشبهة، ويجتنب آفات اللسان العشرين (٣)، ويلتزم الصدق فلا ينطق إلَّا بالحق والعلم. [ذِكْرُ ما يدخل في الورع من الأعمال والأحوال]: وإذا أَشْرَفَ على طمع فقَدَرَ عليه فتركه فهو "الوَرعُ"، قال يحيى بن أبي كثير: وروى صهيب عن أبيه قال (٤): "كان (٥) يقال (٦): لا يعجبنكم صيام امرئ ولا قيامه حتى تنظروا إلى ورعه، فإن كان وَرِعًا مع ما رزقه الله من العبادة فهو عبد الله حقًّا" (٧). ومن الوَرَع ألَّا يضع لَبِنَةً على لَبِنَةٍ؛ فإن العبد المؤمن يؤجر في كل شيء يُنفقه من المباحات، إلَّا فيما يضعه في التراب، يعني: إذا خَرَجَ عن حَدِّ الحاجة. ومن الورع ألَّا يَصُبَّ فَضْلَةَ الوَضوء في الأرض، روى أبو عُبَيد عن النبي: "أنه توضَّأ وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فأمر برَدِّها إلى النهر، وقال: يُنتفع بها" (٨)، ولم يأذن في إراقتها.

стр. 2137

ومن الوَرَعِ عند قَوْمٍ ألَّا يدهن رأسه حتى يشعث، ولا يغسل (١) ثوبه حتى يتسخ، فأمَّا لباس الثوب حتى يتسخ فسُنَّةٌ، وأما ترك الرأس حتَّى يشعث (٢) فلا أراه سنة، وما أراهم أخذوا هذا إلَّا من حديث العباس بن سالم اللخمي، قال: "بَعَثَ عمر بن عبد العزيز إلى أبي سلام الحبشي؛ فحُمل إليه على البريد (٣) ليسأله عن الحوض، فقُدِمَ به عليه (٤) فسأله، فقال له: سمعت ثوبان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن حوضي من عدن إلى عُمان البلقاء، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأَكَاوِيبُه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ أبدًا، أوَّلُ الناس ورودًا عليه فقراء المهاجرين، فقال عمر بن الخطاب: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الشُّعْثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذين لا ينكحون المُتَنَعِّمَاتِ، ولا تفتح لهم أبواب السُّدَدِ، قال عمر بن عبد العزيز: لقد نكحتُ المتنعمات؛ فاطمة بنت عبد الملك، وفُتِحت لي السدد، إلَّا أن يرحمني الله، لا جرم لا أدهن رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي الذي على جسمي حتى يتَّسخ" (٥).

стр. 2138

قال الإمام الحافظ ﵁ (١): وهؤلاء الفقراء من المهاجرين كانوا أهل حاجة، فأمَّا من قَدَرَ فينبغي أن يكون نظيف الهيئة، حسن الشارة؛ فإن الحديث الحسن قد ورد بأن الله طَيِّبٌ يحب الطيب، نظيف يحب النظافة (٢). وفي حديث جبريل إذ دخل إلى (٣) النبي بحضرة الخلق، "حسن الهيئة، حسن الثياب، ليس عليه سحناءُ السفر، ولا يعرفه منَّا أحد" (٤). وعلى العبد أن يختصر في ملبسه، ويكثر من طِيبه، وقد رُوِيَ -من الورع-: "أن عمر بن الخطاب كان إذا قسَّم الطيب أمسك على أنفه، ولا يُسْهِمُ منه لزوجه" (٥). ورُوِيَ عن عمر (٦) -التَّالِي له في الاسم والولاية والدِّينِ-: "أنه أُتِي بطِيب يُصنع للخلفاء من بيت المال، فأمسك على أنفه، وقال: إنما يُنتفع برِيحِه" (٧). ومن الورع: أنْ كَتَبَ عاملُ الكوفة إلى عمر بن عبد العزيز يقول له: "إنَّ رَدَّ الظُّلامات وإعطاء اليتامى والمساكين قد أخلى بيت المال، فكتب إليه: امض لما أنت بسبيله، فإذا فرغ فاملأه سِرْقِينًا (٨) ".

стр. 2139

ومن الورع (١): أن يكره طول السَّلامة، قال الحسن: "كان الرجل من المسلمين إذا طالت سلامته أحب أن يؤخذ منه، يذكَّر به المعاد، ويكفَّر به السيئات". وفي البخاري عن أبي هريرة: قال النبي: "من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" (٢). ومن الورع: ألَّا يُحَدِّثَ بعمله السِّرِّي، قال الأحموشي العابد -واسمه عامر بن جشيب (٣)؛ من التابعين-: "إن العبد ليعمل العمل سِرًّا ما يطلع عليه أحد، فيطلبه إبليس ثلاثين سنة، فإن أدركه وإلَّا تركه، يقول له: حَدِّثْ بعملك؛ فإنه قد رُفع إلى الله، وليس بناقصك شيء (٤)، فإن حَدَّثَ به مُحِيَ عنه أجر السر، وحُفِطَ (٥) عليه أجر العلانية، لم يراوده (٦) سنة، يقول: قد تحدث به، ليس بناقصك شيء (٧) سنة (٨)، فإن حدَّث به مُحِيَ عنه أجر العلانية وكُتِبَ عليه الرياء". ومن الورع: ما روي عن النبي أنه مرَّ بتمرة، وقال: "لولا أن أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها" (٩).

стр. 2140

قال علماؤنا: معناه: "أنه وجدها في جُوخان (١) التمر وطريقه (٢)، ولم يكن قربها جوخان، ولا كان لها طريق لم يكن فيه تقاة". وقال آخرون: "هذا مقدار من الورع يختص بالنبي، ولو كان غيره لكان تَكَلُّفًا". ونظامُ الأمر وعَقْدُه أن كل أمر لا تجده في صحيفة حسناتك، أو تُسأل عنه كيف أتيته، أو يحتمل وجهًا خارجًا عن البر؛ فتَرْكُه هو الوَرَعُ، والله أعلم. وبهذه الصفة يكون الرجل "حَيًّا". * * *

стр. 2141

الحَيُّ (١): وهو الاسمُ الخامس عشر والمائة (٢) قال الله سبحانه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]؛ المؤمن من الكافر، والمطيع من العاصي، والعالم من الجاهل، والخَيِّر من الشِّرِّير، وذلك كثير (٣)، وعَيْشُه مِثْلُه، فرَكِّبْهُ عليه. وهذه الآية وإن كان فيها خَمْسُ تأويلات للمفسرين وللمُتَزَهِّدِين خمسة (٤)؛ فإنها بتأويل المتزهدين أقوى، يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فأخبر هاهنا باسم "الميت" عن الكافر، وباسم "الحي" عن المؤمن. ومن المعاصي ما يكون به مَيِّتًا؛ وهو الكفر (٥). ومنها (٦): ما يكون به مَذْبُولًا؛ وهي الكبائر. ومنها: ما يكون به مريضًا؛ وهي الصغائر.

стр. 2142

ومنها: ما يكون به لَقِسًا كسلان؛ وهي الغفلات. والعرب تُسَمِّي كل متعذر الأمل مَيِّتًا (١)، كما قال الحكيم (٢): ليس من مات فاستراح بمَيْتٍ … إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ إنما الميت من يعيش كئيبًا … كاسفًا باله قليل الرجاءَ والحي بالحقيقة إنما هو المؤمن المطيع، ودار الحياة بالحقيقة هي الآخرة، فإنها لا موت فيها، وإنما هي حياة دائمة محققة، مجردة عن الآفات والأنكاد، فهي حياة خِلقة، وحياة عيشة، وحياة لذَّة، وحياة سلامة. والحَيُّ على سبعة أقسام: الأوَّل: المؤمن. الثاني: السَّامِعُ اللَّقنُ لما يُلقى إليه. الثالث: القابل له. الرابع: الحافظ. الخامس: العامل. السَّادس: المجتهد. السَّابع: المُوَافِي به. وعلى كل قِسْمٍ من هذه الأقسام حِجَابٌ، والأمر بيد الله، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وذلك لأنه خَتَمَ على قلبه بحجاب، فصارت مخاطبته (٣) كمخاطبة الميت، وكذلك

стр. 2143

طَبَعَ على سمعه، فلا ينفذ إلى مَحَلِّ درجة (١) إِدْرَاكِه -وهو القلب- شيءٌ ممُّا يُخاطب به، فالتحق بالميت في المعنى والحقيقة، وإن لم يكن مَيِّتًا مشاهدةً وحِسًّا، وإذا وقع الختم فقد نفذ القضاء الحتم، فلا ينفذ إليها شيء، ولا يخرج منها شيء، لا جهالة تظهر عنها، ولا هداية تظهر فيها، ولا محل يَطْهُرُ (٢) منها، وما على أسماعهم من الختم يمنعهم من سماع كلام الحق، فهي في وساوس الشيطان، وهواجس الخذلان، وخواطر البهتان، فأظلمت قلوبهم، وسُكرَتْ أبصارهم، وصُمُّتْ آذانهم، فإذا نقص من ذِكْرِه شيء كان لَقِسًا، أو من عمله كان مريضًا، أو اقتحم كبائرَ كان دَنِفًا، أو شكَّ كان مَيِّتًا (٣)، فإن خلص وسلمت الأعضاء من هذه الآفات حَيِيَ مَيْتُه (٤)، وذلك الذي يستنير بنور الله، وقد شرح الله صدره للإسلام، وصار على نور من رَبِّه؛ فتَلِينُ قلوبهم لذِكْرِ الله، وتتأثَّر بما يَسْرِي منه إلى جلودهم فتَقْشَعِرُّ من خشية الله. [أنوارُ الله تعالى]: وأَنْوَارُ الله عظيمة، احتجب منها بسبعين حجابًا (٥)، وبرز (٦) منها للخلق بجُمَلٍ؛

стр. 2144

فمنه: نور في البداية، وهو العقل؛ فإنه من نور الله؛ ونور البصيرة، وهو التحصيل والتدبير؛ ونور الفرقان؛ يفرَّق به بين الحق والباطل، والبيِّن والمشكل. [من آثار نور الله]: وقد يُنَوِّرُ الله قَلْبَه حتى يُطْلِعَه على غيبه، فأوَّلُ ما تبدو له نقائصُ نفسه التي أغامها عليه فرطُ الشهوة وطول الأمل، وعلامةُ ذلك ما قال في الآثار الحسان، وقد سئل عن شرح الصدور وتنويرها، فقال: "علامة ذلك التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" (١). وبنُورِ القلب يُبْصِرُ الرجل ما غاب عنه، وعنه وَقَعَ البيانُ بقول النبي ﷺ (٢): "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل من الأمم رِجَالٌ مُحَدَّثُونَ، يُكَلَّمُونَ من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم (٣) أَحَدٌ فعُمَرُ" (٤). * * *

стр. 2145

المُحَدَّثُ (١): وهو الاسمُ السَّادس عشر والمائة (٢) فقالت (٣) الصوفية: ذلك لصفاء (٤) القلب، فيطَّلع على الغيب. والحقيقة فيه: أن القلب وإن صفا فلا يتجلى فيه شيء، ولكن صاحب القلب الصافي تُلْقِي في رُوعِه الملائكة، فيكون إلهامًا وحديثًا (٥). والقَلْبُ المظلم يلقي الشيطان في نفسه (٦) فيكون كهانة، وكلٌّ منهم يخبر عمَّا يكون. وقد بيَّن النبي ذلك في الصالحين أنهم مُكَلَّمُونَ محَدَّثُونَ، وأنه كلام يُلقى في قلوبهم، وحديث يُحَدَّثُونَه (٧) في نفوسهم، وبيَّنه في الفاسقين؛ فقال النبي ﷺ -في رواية عائشة عنه-: "الملائكة تُحَدَّثُ في العَنان -والعَنان: الغمام- بالأمر يكون في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة فتَقُرُّها في أُذُنِ الكاهن، كما تُقَرُّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة" (٨).

стр. 2146

وروى سفيان عن عكرمة عن أبي هريرة يَبْلُغُ به النبي ﷺ قال: "إذا قضى الله أمرًا (١) في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَانًا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا -للذي قال-: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، وتسترق (٢) السمع هكذا؛ واحد فوق آخر، ووصف سفيان بيده، ففرَّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بَعْضًا فوق بعض، فربَّما أدرك الشهابُ المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربَّما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، يرمي بها الأعلى إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض، حتى تنتهي إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر؛ فيكذب معها مائة كذبة فيُصَدَّق، فيقولون: ألم نخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا؟ فوجدناه مُحِقًّا للكلمة التي سُمعت من السماء" (٣)، لفظُ البخاري. [نقضُ قول الصوفية: إن صفاء القلب مُوجِبٌ لتجلي المعلومات]: وتزعم الصوفية من الغُلَاةِ أنه صفاء في القلب، تتجلَّى فيه المعلومات عند مقابلة مكتوب الله بها (٤) للقلوب، وقد بيَّنَّا فساد هذا في كتاب "العواصم" (٥) وغيره. ومن أَبْيَنِ (٦) ما يُرَدُّ عليهم به: أنه لو كان تَجَلِيًّا للقلوب بما في اللوح المحفوظ لمقابلته للصَّافي منها لما خَفِيَ عليه شيء، ولعَلِمَ مائة ألف شيء

стр. 2147

في لحظة واحدة، فالتَّعْدَادُ لها والنُّدُورُ فيها يُنْبِئُ أنه ليس بمقابلة لمكتوب، وإنما هو بما يخلق الله له من العلوم، ويُنْشِئُهَا إنشاءً في القلوب، وتُسْمَعُ (١) من الأصوات، فهذا عمر قد قال: "يا سارية الجبل، من استرعى الذئب ظَلَمَ" (٢)، وسارية بالعراق، فسَمعَ صوته من المدينة في أثناء الحرب، والكَرةُ على المسلمين، فلجأوا إلى الجبل بصوته على مسيرة ثلاثين مرحلة، واعتصموا من العدو فيه، والأخبار في ذلك كثيرة. [الكلامُ على الخاطر]: ولقد أخبرنا (٣) شيخنا أبو الحُسَين بن الطُّيُوري كما تقدَّم، قال: "كنتُ أختلف من داري بدرب المروزي بقطيعة الكَرْخ إلى الحربية؛ لأسمع على الشيخ الزاهد أبي الحسن علي بن عمر الحَرْبِي كتاب "غريب الحديث" لابن قُتَيبة، صلاة الظهر كل يوم، فخرجت مع صاحبي عند انتصاف النهار، فمشينا في خَرِبِ مدينة المنصور نقطع إلى الحربية، فقال لي صاحبي أو قلت له: شيخنا أبو الحسن لا يُخرج يديه عن كُمَّيه بحال (٤)، إنما يُنَاوِلُ بها مستورة، حتى إذا أعطانا أجزاء الحديث أو أخذها منَّا، فقلنا: لعلَّ به بَرَصًا يكتمه، وسِرْنَا في سبيلنا حتى أتينا إلى الحربية، فدخلنا المسجد مع الأذان، ولقينا الشيخ حين خرج وصلَّى، ثم استند إلى القبلة وأقبل علينا، وناولنا الأجزاء الذي كنَّا نقرأه بيديه (٥) مكشوفتين عن كُمَّيه،

стр. 2148

وهو يقول: الحمد لله على العافية، ثم ردهما في كُمَّيه، فما رأيناهما بعد ذلك". وقد كان عمران بن حُصَين يُسَلَّمُ عليه، فلمَّا اكتوى ترك التسليم، فلمَّا ترك الكي عاد السَّلام عليه (١). وكان الأسود بن يزيد سَيِّدُ القُرَّاءِ بالكوفة إذا أصبح (٢) يسَلِّمُ عليه مَلَكَاهُ. وكان الأستاذ أبو بكر بن فُورَكٍ يُكَلَّمُ (٣). والكلام على الخاطر كثير في تلك الديار، ينكره أهل هذه البلاد، حتى إذا تَبَحْبَحُوا هنالك وشاهدوه مع الأحيان اطمأنَّت به نفوسُهم. [الفراسة]: قال علماؤنا: "وقد يتفق دَرْكُ ذلك من طريق الفراسة". فقد ذَكَرَ الأستاذ أبو القاسم القُشَيري من ذلك عجائب، منها: "أن الشافعي ومحمد بن الحسن كانا جالسين إلى الكعبة، فدخل رجل على باب المسجد، فقال أحدهما: هو حدَّاد، وقالا الآخر (٤): هو نجَّار، فقام إليه من سأله فقال: كنت حدَّادًا، وأنا الآن نجَّار" (٥).

стр. 2149

وقد يُدْرَكُ ذلك بالفَأْلِ (١)، كما جرى لعمر بن الخطاب؛ إذ قال لرجل: "ما اسمك؟ فقال: جمرة، فقال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بالحَرةِ (٢)، قال: بأيِّها؟ قال: بذات اللَّظَى، قال عمر: أَدْرِكْ أهلك؛ فقد احترقوا" (٣)، فكان كما قال عمر، فجمع عليه من اسمه في قلبه ما أوجب احتراقه، وذلك كما يحصل في نَفْسِ العائن على المَعِينِ، مجموعٌ يكون فيه هلاكه أو سقمه، وإنما جاز ذلك لعمر من جمعه نفسه عليه، وحُكمه به فيه؛ للتنبيه على تحسين الأسماء واجتناب مكروهها، فإنه قاعدة شرعية، وكم اسم بدَّله النبي ﷺ (٤). وهذا هو الذي يسمَّى "المُتَوَسِّم"، أو هو نوع منه، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، وهو مأخوذٌ من الوَسْمِ؛ وهو العلامة، وقد تكون حِسِّيَّةً؛ فيشترك فيها الناس، وقد تكون معقولةً؛ فيختصُّ بها المُلْهَمُون (٥). قال سَلَمَةُ بن كُهَيل: "أبو جعفر -يعني: محمد بن علي بن الحسَين (٦) بن علي بن أبي طالب- من المُتَوَسِّمِين" (٧).

стр. 2150

والفِرَاسَةُ نَحْوٌ منها، وهي: الاستدلال بالخَلْقِ على الأخلاق (١)، وهو عِلْمٌ عظيم تركه الناس، وقد يظهر من الصفات معنًى عُنْوَانًا، فيجعله لما وراءه بيانًا، ويترتَّب (٢) عليه من النظر تِبْيَانًا. قرأتُ في الصخرة المقدَّسة المسمَّاة بالواقعة (٣) مع شيخنا أبي بكر محمد بن الوليد الصوفِي، قال بعضُ المفسرين- واختصرته وأوضحته-: "إن الله سبحانه قال في مُحْكَمِ كتابه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فأثبتَ الله المماثلة بيننا وبين سائر البهائم، ومعلوم أنهم ما ماثلونا في عقول ولا في صُوَرٍ، وإنما ماثلونا في الأخلاق، فلا أَحد في الخلق إلَّا وفيه خُلُقٌ من البهائم، تختلف أخلاق الناس بحسب اختلاف أخلاق البهائم؛ فالغليظُ الطِّباع القَوِيُّ البدن المُفْرِطُ في الطغيان نَمِرٌ؛ والمتناولُ للأموال على وجه السرقة والأخد على الاختفاء فَأْرٌ؛ والمُتَبَسِّطُ على الأعراض كلب؛ والمخالف في كل حال، البائن بكل عمل -إذا قيل له: أَقْبِلْ، أَدْبَرَ، وإذا قيل له: أَدْبِرْ، أَقْبَلَ- حمارٌ؛ والطالب للعثرات ذُباب؛ فإنه يسقط من البدن على كل موضعِ قَرْحٍ منه مُمِدٍّ، ويجتنب الصحيح (٤)؛

стр. 2151

قال (١): والمُتَحَيِّلُ الرَّوَّاغُ ثعلب؛ والنمَّام ظَرِبَانٌ، تقول العرب في القوم تفسدُ ذاتُ بينهم: فَسَا بينهم ظَرِبَانٌ؛ والذي يزهد في مجالس العلم ويطلب مواضع اجتماع أهل الدنيا لحديثهم خُنْفُسَاء؛ فإنها تَذَرُ المسك وتطلب الخُرْءَ (٢)، وإذا (٣) طُرِحَ المِسْكُ عليها ماتت؛ والوثَّاب على الناس من غير حياء (٤) ولا رِقْبَةٍ أَسَدٌ؛ والمتناول لذلك بشَرَكِ الدماثة والسكينة ذِئْبٌ. قال الشَّاعر: ذِئْبٌ تراه مُصَلِّيًا … فإذا مررت به رَكَعْ يَدعو وجُلُّ دعائه … ما للفريسة لا تَقَعْ عَجِّلْ بهايا ذا العُلَى … إنَّ الفؤاد قد انصدعْ (٥) قُلْتُ (٦): يا ذئابًا بَدَتْ لنا … في ثياب مُلَوَّنَهْ أَحَلَالًا رأيتمُ … أَكْلَنا في المُدَوَّنَهْ (٧)؟

стр. 2152

والكذَّاب في الحديث مَيِّتٌ، لا أقول: أخرس؛ والمتجمل بِشَارَتِه وهيئته -ولا فائدة تحتها- طَاوُسٌ يتبختر في مِشْيَتِه، ويُقَوِّسُ ذَنبه تاجًا على رأسه، ويصيح (١) عُجْبًا به؛ والحقود جمل؛ وذو الوجهين يَرْبُوعٌ؛ فإنه ذو نَافِقاء، وقَاصِعاء، ودَامَاءَ؛ أبوابٌ لجُحْرِه، إذا دُخِل من واحد خَرج من آخر، وهي صفة المنافق" (٢). وهذه أخلاقُ الناس، ولأجل هذا يُفَسِّرُ لك المُعَبِّرُ ما رأيتَ في النوم من هؤلاء بما ذكرناه لك من الأخلاق، ويُحِيلك على أمثالها في الأناسي، فيحذرك أو يبشرك، بحسب ما يظهر من قرائن الرؤيا، وذلك مُبَيَّنٌ في بابه. وقد أفادنا أبو الفضائل بن طَوْقٍ العَدْلُ الصُّوفيُّ بمدينة السَّلام: "أنَّ قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، يعني: مخلوقة بمشيئة الله، موجودة على صفة، موضوعة بحِكْمَةٍ، مقرونة بدلالة على توحيد الله وحُجَّتِه (٣) ". والوجهان عندي صحيحان، وقد بيَّنَّا الآية على الاستيفاء في "أنوار الفجر"؛ حين الإملاء في المجالس العامَّة، فعلى القول الأوَّل يكون الاستدلالُ لمن عرف طُرُقَ الاستدلال ولَزِمَه حتَّى دَرِبَ فيه وأَحْكَمَهُ. قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: وهذا إنما يكون الرجل بعد تقدم الفضل التام، والجلالة السَّابقة، والحالة المُتَمَكِّنَةِ في الدِّينِ الظاهرة.

стр. 2153

ورُوي عن عبد الله بن عمر قال: "ما سمعتُ عمر يقول قط لشيء: إني لأظنه كذا، إلَّا كان كما ظنَّ؛ بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرجل، فدُعِيَ له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلَّا ما أخبرتني، قال: كنتُ كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جِنِّيَتُكَ؟ قال: بينما (١) أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت: ألم تر الجِنَّ وإبلاسها، ويأسَها من بعد (٢) إِنساكها، ولُحُوقها بالقِلاص (٣) وأحلاسها؟ قال عمر: صدق، بَيْنَا أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعِجْل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح (٤) حتى أعلم ما وراءهم، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح -وفي رواية: نطيح (٥) -، يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نَشَبْتُ أن قيل لي (٦): هذا نبي" (٧)، وروى مالكٌ في "الموطأ" ما تقدَّم (٨).

стр. 2154

قال (١) الفقهاء: "هو حُسْنُ الفهم"، كقول عمر: "وافقتُ ربي في ثلاث" (٢)، فأخذ بعلمه وحُسْنِ فهمه من الشريعة ما أنزل الله به الحق. وقالت الصوفية: ما هو إلَّا أَمْرٌ يُلقيه الله في النفس بواسطة المَلَك، ويدلُّ عليه قراءة ابن عباس (٣): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ (٤)، وذلك صحيح عنه. قلنا: معنى الآية غير ظاهره (٥)؛ لأن النبي لا يكون رسولًا، ولا المُحَدَّثُ لا يكون نَبِيًّا، وإنما تقدير الآية: وما أرسلنا من رسول، ولا نَبَّأْنا من نبي، ولا ألهمنا من مُلْهَمِ (٦)، ولا حدَّثنا من مُحَدَّث، وتُضْمِرُ لكل واحد من الأسماء ما يليق بها من الأفعال، كما قالت العرب: ورأيتُ زوجك في الوغي … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا (٧) وقالوا: وأطفلتْ بالجَلْهَتَيْنِ … ظباؤها ونعامُها (٨)

стр. 2155

وقالوا (١): شَرَابُ ألبانٍ وتَمْرٌ وأَقِطْ (٢) فيرجع إلى كل واحد ما يليق به من الأفعال، وإن كان الكلُّ مُشْتَرِكًا في العطف. ويَعْضُدُ ما قالت الصوفية قوله في الحديث الصحيح: "مُكَلَّمُون" (٣)، فلا يكون ما يجد في نفسه إلا من إلقاء الملك ذلك إليه ووجوده له في نفسه، والله أعلم. [نقدُ إطلاق الصوفية اسم الوحي على أخبارها وخواطرها (٤)]: قال الإمام الحافظ (٥) ﵁: فإذا كلَّمه المَلَكُ أو حدَّثه فهو مُكَلَّمٌ

стр. 2156

مُحَدَّثٌ، وإن ألقى ذلك في نفسه خَلْقًا (١) من عنده أو بواسطة الملك فهو إلهام، ويسمَّى -لُغَةً- وَحْيًا، والصوفية تطلقه على أخبارها، فيقولون فيما يجدونه في أنفسهم من هذه الأخبار: "أُوحِيَ إليَّ"، وفي الخواطر التي تأتي بالخبر: "أُوحِيَ إليَّ"، وكَرِهَ ذلك علماءُ الفقه؛ لِمَا فيه من التلبيس على الناس، والتشبيه بالأنبياء في هذا اللفظ المخصوص بالاستعمال فيهم، فإذا أخبرتَ بذلك عن غير الآدمي جاز، كقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. [وَحْيُ أُمِّ موسى وَحْيُ مشافهة من الملائكة]: قال الإمامُ الحافظ (٢) ﵁: والذي أرى في ذلك أنه كان وَحْيَ مشافهة من الملائكة؛ فإنها أمران، ونهيان، وخبران، وبِشَارَتَانِ، وذلك كله ممَّا لا تستقل (٣) به الأفهام عادة، ولا يقبل من النفس خاطرًا إلا أن يخلقه الله ثابتًا، بحيث لا يكون معه تردد ولا استرابة، فيكون ذلك في القوة كمشافهة الملك به، وذلك كله ممَّا ذكرناه إنما يكون في القلب الممتلئ علمًا، الفارغ شهوة وأملًا، اللَّيِّنِ خشوعًا، الذي قُطعت علائقه عن الدنيا، ووصلت أسبابه بالله تعالى، فاستمرَّ (٤) على ذلك ولم يَطُلْ عليه الأمد؛ فإنه إذا طال

стр. 2157

عليه الأمد وتكاثف النكد مَلَّ منازعة (١) الجسد، ولم يصبر على ذلك إلا الآحاد، وإن وقعت غفلة وطرأت (٢) فترة زال اللِّينُ، ونزلت القسوة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. قيل: "الفترة التي كانت بين (٣) عيسى ومحمد، وهي ست مائة عام" (٤). وكلُّ عضو من الأعضاء له راحة يَكُفُّ بها عن عمله أو يُكَفُّ، إلَّا القلب؛ فإنه في عمل دائم؛ ليلًا ونهارًا، يقظةً ونومًا، فلكثرة الشواغل عليه وقَصْدِ العَدُوِّ إليه وتَعَلُّقِ الهوى به ربما زاغ أو (٥) راغ؛ فإن زاغ هلك، وإن راغ ربَّما لم يقدر أن يتمسَّك. ومن "فوائد أبي الفضائل (٦) بن طوق العدل الصوفي": "إن الله تعالى قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فقال القُشَيري له: عَجَبًا للقدرية؛ كيف تبقى على قلوبها شبهة بهذه الآية؟ وقد أخبر أنَّ تقليب القلوب والأبصار إليه ومنه وبه، وأضاف الفعل إليه، فكيف يخرجونه عنه؟ " (٧).

стр. 2158

وقد كان النبي ﷺ يقول: "لا ومقلب القلوب" (١)، ولا دواء أنفع للعبد (٢) من قَمْعِ القلب وقهره إذا نزع (٣) إلى الفتن أو أصابه رَيْنٌ. كان الحسن يقول: "حادثوا هذه القلوب بذِكْرِ الله؛ فإنها سريعة الدثور، واقذَعُوا هذه الأنفس فإنها طُلَعَةٌ، وإنها لتنزع إلى شر غاية، وإنكم إن تطيعوها في كل ما تنزع إليه لم تُبْقِ لكم شيئًا" (٤). وللاهتمام (٥) بصلاح القلب ما قال سلمانُ الفارسي: "إن لكل امرئ جَوَّانِيًّا وبَرَّانِيًّا، فمن يُصلح جوانيَّه يصلح الله برَّانيَّه، ومن يُفسد جوانيَّه يفسد الله برَّانيَّه (٦) " (٧). وقد كان أبو برْزة (٨) نضلة بن عُبَيد الأَسْلَمِي صاحب رسول الله يقول: "اللَّهم لا أَزْنيَنْ، قيل له: مَالَكَ ولهذا؟ وأنت صاحب رسول الله، قال: آمنتُ بمُحَرِّفِ القلوب، إني إذا أصبحت لم أَدْرِ على ما أمسي، وإذا أمسيتُ لم (٩) أدر على ما أُصبح" (١٠).

стр. 2159

وهذا صحيح؛ فإنه إذا خاف على نفسه من الشك في الإيمان والرَّيْبِ في اليقين، فأولى أن يخاف من المعاصي في الجوارح. والفَاسِدُ القَلْبِ المُتَّبعُ الهوى، قد ضرب الله له (١) مثلًا الكلب، فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. قال علماؤنا: "إن آدم سَكَنَ في الجنة وطمع في الخلود فيها فأُخرج عنها، وهي دار الخلود، فكيف يجهل من يركن إلى الدنيا ويتخذها دارًا، ويمحو الله من قلبه العِلْمَ بحقيقتها ومآلها، ويُذْهِلُه عن النبْذِ لها! " (٢). ومن صفة الكلب الوُقُوعُ فيما لم يحَقِّقْهُ على جهة الابتداء، ثم الرضى عنه بلقمة، كذلك الذي له جِدٌّ في الإرادة؛ إذا ابتدأَ قُطِعَ بأدنى لَامِع، وبما عرض من خاطر، واستوى عنده الجهل والعرفان، والإساءة والإحسان؛ فهو تارة في ضجر، وأخرى في نظر، لا يفضي به إلى بصر، يُقابِلُ النعمة بالتُّهْمَة، ويعارض المحبة بالحُجْبَة. والكلبُ نَجِسُ الذات، وكذلك الذي يرى أن الدنيا هي الدار ويُنْكِرُ الآخرة؛ معدومُ الذات في الخير والانتفاع.

стр. 2160

ولقد ساء هذا المثلُ لمن ضرِبَ له وساءت حالُه، والأُنْسُ (١) في آخره أنه إنما (٢) ضُرب مثلًا للمُكَذِّبِ بعقيدته، فليحذر المُكَذِّبُ له بأعماله من أن يناله بعضه، وليَخَفْ يومًا تتقلَّب فيه القلوب والأبصار، وبهذا كما قدَّمنا يكون القلب صافيًا سليمًا حاضرًا، إن أراد صاحبه به ذِكْراً حافظًا، إن أراد به تحصيلًا مُصَافِيًا، إن أراد به جارًا أو صاحبًا (٣) قبولًا، إن أراد به الأحدَ واحدًا. وقال بعضهم: "القلب السليم هو اللَّدِيغُ" (٤). يعني: الذي لم يزل في مضاربات ومكافحة، فبه (٥) فُلُولٌ من قوارع الخواطر. والصحيح: أنه الذي سَلِمَ من الشرك والبدعة، والمعصية والغفلة (٦). قال بعضُ شيوخ الصوفية: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ غير قُلَّبٍ" (٧). وقد بيَّنَّا أنه حينئذ يقال له: "صوفي"، أي: قُبِلَ صفاؤه، وثبت ولاؤه، ويُشْبِهُ أن يكون يقال فيه: "صَفِيٌّ"، لا "صوفي"، وهو الاسم الذي

стр. 2161

تقدَّم بيانه، ولكن قد بيَّنَّا أنه "المصطفى" لا "المُصَفَّى (١) "، وأنَّ المخصوص بهذا الاسم على معنى التشريف للخِطَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، فلا يُعْطَى لأحد، وتلزمه بهذه الأحوال الخشوع، فيكون: * * *

стр. 2162

الاسم السَّابع عشر ومائة (١): الخاشع (٢) وهي صفة محمودة؛ كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]. والخشوع: هو سُكُون ينشأ عن ذلة وإطراق بسبب خوف (٣). وقد جعله الله تَالِيَ الإيمان في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ لأن الإيمان والإسلام (٤) واحد كما قلنا، وقد تبيَّن لكم (٥) أن أحد معاني القنوت القيام، أي: الإدامة للعمل. والخشوع: هو هيئة تظهر على ظاهر العبد، تنبئ عن حالته المحمودة من قوة العبودية لله وعظيم الذلة، كما أن المَجَانَةَ هيئة تظهر على العبد، تنبئ عن فراغ قلبه من الله، والخشوع ينبئ عن صدق الباطن والصبر على

стр. 2163

المكروه؛ فيعطي ذلك صدقته بنفسه على الطاعة، وبمَالِه على الجماعة، كما قال النبي: "الأكثرون (١) هم الأقلون، إلا من قال هكذا، وهكذا" (٢)، ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾؛ المُمْسِكِينَ عن كل شيء حرَّمه الله عليهم، "فمن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامه وشرابه" (٣)، وقد كان من سبق من الصالحين يقول: "صَوْمِي في الدنيا، وفِطْرِي لقاءُ الله تعالى". ثم قال: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (٤)، والفرْج من أعظم أمانة جُعلت عند العبد، وإن كان المراد بالفرج الذكَر والرحِم، فإنَّ كل ثَقْبٍ فرج، وفَمُك أشدُّ عليك من ذَكَرِك، فقد رأينا كثيرًا يمسك فرجه، ولم نرَ إلَّا قليلًا من (٥) يمسك لسانه، بل لو قلتم: لم يُرَ قط، ما كذبتم، فمن صان الفرجين عن الأَطْيبيْنِ دخل الجنة، والفرجان: الفم، والذكر (٦) أو الرحم، والأطيبان: الأكل والنكاح. قال النبي ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر: ورَجُلٌ دعته امرأة ذات حسب وجمال إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله" (٧)، وقد تقدَّم ذلك في باب الخوف، وخبر الرجل الذي نشب في الغار ودعا

стр. 2164

ابنة عمِّه، فلمَّا أَمْكَنَتْهُ قالت له: "اتق الله، ولا تَفُضَّ الخاتم إلَّا بحقه" (١)، فتركها لله فنجَا (٢)، قد سبق أيضًا. وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، سبق أيضًا في اسم "الذاكر" (٣)، وبيَّنَّا (٤) أنَّ ذِكْرَ الله على وجهين: أحدهما: باللسان؛ [الثاني]: والذكر بالامتثال والكف؛ وهو المقصود المعوَّل عليه، الدائم الوجوب، المستمر الكون. والخشوع والخضوع بمعنَى واحدٍ (٥)، وهو: * * *

стр. 2165

الاسم الثامن عشر والمائة (١): الخَاضعُ (٢) وقد قال الليث: "الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في البدن والبصر" (٣). والأمر عندي فيهما متقارب. وقيل: خضع: بمعنى انقاد (٤). وقد قال الله تعالى لنساء النبي ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وذَكَرَ المفسرون فيه سبعة أقوال: الأوَّل: لا ترفعن بالقول. الثاني: لا تُرَخِّصْنَ (٥). الثالث: لا تَلِنَّ (٦).

стр. 2166

الرابع: لا تذكرن رَفَثًا (١)؛ وهو حديث النساء. الخامس: هو الكلام الذي يُهَوِّنُ الذنب. السَّادس: ما يدخل من كلام النساء في قلوب الرجال (٢). السَّابع: أَمَرَ نساء النبي بأن يراعين حرمة الرسول؛ ويَتَصَاوَنَّ عما يُطمع المناففين في ملابستهن (٣). قال الإمام الحافظ (٤) ﵁: وهذه الأقوال منها قريب ومنها بعيد، وقد بيَّنَّاها في "الأنوار"، والمعنى بقوله: ﴿تَخْضَعْنَ﴾: تَلِنَّ؛ فإن المرأة مأموره بألَّا تتكلم، فإن تكلَّمت فليكن قولها جَزْلًا في المعنى، بَريًّا في المراد عن كل وجه يعلق طمعًا لأحد بها، والأمر لنساء النبي أوكدُ في ذلك لحُرمتهن، كما أكد عليهن ترك الفاحشة وهُنَّ من ذلك بَرَاءٌ (٥). وفي الحديث: "إذا قضى الله في السماء أمرًا -كما تقدَّم ذِكْرُه في الاسم قبل هذا- خرَّت الملائكة خُضْعَانًا" (٦). معناه: ظهر أثرُ الخوف في أبدانها بالسقوط على وجوهها. وتبيَّن من هذا معنى بديع؛ وهو أن الخضوع أكثرُ من السجود في باب الدلالة على ما في النفس من أثر الافتقار والذلة إلى المعبود.

стр. 2167

وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. قيل: منهم: النجاشي (١)، وعبد الله بن سَلَام (٢)؛ فلقد كانوا أعزَّاء في حالهم، أذلة لربهم ولإخوانهم المؤمنين كأمثالهم منهم. [نَقْدُ قول الليث في تفسير الخشوع]: وقد قال الله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، يعني: انخفضت بالذلَّة والخوف، وهذا يدلُّ على تقصير الليث في تفسيره وقَصْرِه الخشوع على البدن والبصر، ونسي الكلام؛ فإنه يخشع به صاحبُه ويَذِلُّ، ولا يرفعه حتى لا يسمعه إلَّا هَمْسًا، وهو الخفي منه من عظيم الذلة وقوة الخشية وشدة الرهبة. [من معاني الخضوع]: وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء: ٤]، كما فُعِلَ ببني إسرائيل حين نُتِقَ الجبلُ فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، فخرُّوا سُجَّدًا مبادرين، مخافه حلول العذاب بهم، وهذا إخبارٌ عن قدرته على تحصيل مراده من عباده أن لو أراده، فهو قادرٌ على أن يؤمنوا طوعًا بأن يخلقه لهم بعد النظر والدليل، قادرٌ على أن يخلفه لهم كرهًا، فلا تَقْتُلْ نفسك همًّا عليهم؛ فإنه لا بد أن ينفذ كتاب الشقاء على من كتبناه عليه.

стр. 2168

[خُشُوعُ المؤمن]: قال الإمام الحافظ (١) ﵁: والمؤمنُ خاضعٌ ذليلٌ لله تعالى (٢)، يخلق الله له ذلك؛ فإنه خَلَقَهُ لَيِنًّا هَيِّنًا قابلًا للحق، وخَلَقَ الكافر معاندًا، فلا خضوع عنده إلَّا عند الإلجاء، الذي لا ينتفع به في باب الثواب، إذ كَتَبَ ربُّنا أنه لا يُثِيبُ من آمن بالمشاهدة ولا من أسلم على الكُرْهِ والإلجاء، إلا أن يكون على الغيب باختيار، وهو سبحانه واهبُ ذلك له إذا أراده، وقد وصف الله حال ثلاثة عشر نَبِيًّا في حالهم وفضلهم، وما أنعم به عليهم وما أعطاهم، وما سألوه فأجابهم، ثم قال فيهم ما علم به عباده المؤمنين مصلحة أحوالهم وهادية (٣) آمالهم، فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فأخبر بمبادرتهم إلى كل خير، ودعائهم ولجائهم إلى الله؛ في الرغبة والرهبة، مع لزومهم وصف الخشوع وحالة الذلة، وهيئة الخضوع والمسكنة، والافتقار إلى واهب النعمة وكاشف الكربة. [خُشُوعُ المخلوقات]: وليس الخشوع من صفة الآدمي، بل هو صفة لكل مخلوق، فقد رُوي عن ابن عمر أن إمحاق القمر من خشوعه (٤)، وكذلك وصف (٥)

стр. 2169

الأرضَ سبحانه بذلك، فقال: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] (١)، كما قال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥]، أي: ساكنة؛ لا يخرج منها شيء، بهيئة الحزن والذلة، عارية من كسوتها، عاطلة من حُلِيِّ زهرتها، حتى يحييها الله بالماء، وكذلك القلوب والأبدان؛ إذا اكتسبت الذنوب عليها ذلة الخوف، حتى إذا غسلتها بماء التوبة ظهرت الأفعال الجميلة على الجوارح، ولكن يبقى خوفُ عدم القبول مُوجِبًا عليها خشوعًا وخضوعًا، حتى يُعلم الأمن، وإن الذي فعل ذلك بالأرض قادرٌ على أن يحيي قلوبنا بالاعتقاد الحسن واليقين الثابت برحمته. وقد أخبر النبي (٢) ﷺ في الصحيح: "أنه يُرفع العلم، ويظهر الجهل" (٣). وروى جُبَير بن نُفَير عن عوف بن مالك: "أن رسول الله نظر إلى السماء فقال: هذا أوان يرفع العلم، فقال له: لَبِيد بن زياد أو زياد بن لبيد (٤): يا رسول الله، يُرفع العلم؛ وقد أُثْبِتَ ووعته القلوب؟ فقال له (٥) رسول الله ﷺ : إني كنت لأحسبك من أفقه أهل المدينة، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما بأيديهم من كتاب الله، قال: فلقيتُ شدَّاد بن أوس

стр. 2170

فحدَّثته بحديث عوف بن مالك، فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأوَّل ذلك: يرفع الخشوع، حتى لا ترى خاشعًا" (١). وكذلك قال عُبادة بن الصامت: "أَولُ عِلْم يُرْفَعُ من الناس الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى خاشعًا" (٢). وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. يعني: المُخْبِتِينَ المتواضعين، وهي صفة أصحاب مُحَمَّد ﷺ ؛ لأنه قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. قال مجاهد: "الخشوع" (٣). وقال غيره: "التراب" (٤)؛ فإن النبي ﷺ انصرف من صلاة الصبح في إِثْرِ سماء نزل بالحُدَيبية، وعلى أنفه وأَرْنَبَتِه أثرُ الماء والطين (٥)، وكذلك رُوي عن عكرمة (٦). [الخشوعُ في الصلاة]: وأَوْكَدُ ما يكون الخشوع في الصلاة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]، وقد تقدَّم ذِكْرُه مُوعَبًا على المعنى (٧)،

стр. 2171

وبيَّنَّا (١) ألَّا يلتفت فيها، وقد كان عمر بن عبد العزيز لم يكن يومئ بعينيه، ولا يشير بيديه (٢)، ولا يرفع شيئًا ولا يضعه في الصلاة، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة (٣)، وقد روى الأئمة: "أن النبي ﷺ كان يلتفت" (٤)، وما أظنه صحيحًا، والله أعلم. [كراهةُ استعمال الخشوع]: ومن أعظم الآثام أن يستعمل الرجل الخشوع والخضوع؛ فإنه رياءٌ في الطاعة. قال ابنُ عَوْنٍ: "كانوا يكرهون أن يتماوت الرجل حتى يُشار إليه". ومن مرسلات الحسن: "كفى للمؤمن من الشر أن يُشار إليه بالأصابع" (٥). [رَفْعُ الخشوع]: وإذا رُفِعَ الخشوع كَثُرَ الظُّرْفُ، وهو حلاوة المنطق، وكثرة البشاشة، من غير اعتقادٍ ولا عملٍ ولا وفاءٍ.

стр. 2172

وفي الصحيح عن حُذَيفة -واللفظ للبخاري- قال: "حدَّثنا رسول الله حديثين؛ رأيتُ أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جِدْرِ قلوب الرجال، قال: ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثرِ الوَكْتِ، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل، كجَمْرٍ دحرجته على رجلك فنَفِطَ، فتراه مُنتَبِرًا، وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، وبقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه (١)، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، ولئن كان نصرانيًا ليردَّنه علي ساعة (٢)، فأمَّا اليوم فما كنتُ لأبايع إلَّا فلانًا وفلانًا" (٣). وكم لهذا الزمان، ثم كان وقد كان الناس، كما قال النبيُّ في الصحيح: "الناس كإِبِل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة" (٤)، وكانت الأمانة قبل اليوم تُرْفَعُ في النوم، وأراها الآن تُرْفَعُ في اليقظة. ومعنى الحديث: إن الرجل ينام فيتوفَّاه الله، فإذا رَدَّ إليه روحه باليقظة فقد يردها بصفتها التي توفَّاها عليه، وقد يزيد فيها، وقد ينقص منها، وأشدُّه أن يستيقظ غير أَمِينٍ، وربما غير مؤمن. واذا اجتمعت له هذه الأوصاف كان من "التابعين".

стр. 2173

التَّابع (١): وهو الاسمُ التاسع عشر والمائة (٢) وحقيقته في العربية: هو فِعْلُ العبد مِثْلًا لفِعْلِ السَّابق منه (٣)، على معنى الاقتداء به (٤) والاحتذاء له. قال الله تعالى في إبراهيم ﷺ : ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ يقول (٥): من كان على شريعتي فإنه مني، أي: على ديني ومن أهله، ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ غفورٌ للمُذْنِبِ بالتوبة، غفورٌ للمشرك بالإيمان. وقيل: تبعه في الوفاء بالخصال التي بيَّنها الله في ثلاث سُوَرٍ؛ في "براءة" في قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى آخرها [التوبة: ١١٣]، وعَشْرٍ في "المؤمنين"، قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ إلى آخرها (٦) [المؤمنون: ٢ - ١١]، وعَشْرٍ في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ على نحوها [المعارج: ٢٢ - ٣٥].

стр. 2174

وأشدُّ هذه الخصال المحافظة على الصلاة، والخشوع فيها، والاستكانة معها، وغايته من الخشوع أن ينهدم المسجد على الناس فلا يشعر المصلي به، أو تقطع رجله في الصلاة لدَاءٍ إن كان به فلا يشعر بذلك (١)، كما جرى لمسلم (٢) ولثابت. وقيل: "تبعه في الخلال العشر؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد" (٣)؛ فخصال الرأس: فَرْقُ الشعر، وقص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك؛ وخصال الجسد: قَلْمُ الظُّفْرِ، والختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء. قال بعضُ المفسرين: "بالحجارة". وأخطأ في هذا (٤) التعيين خصوصًا (٥)، كما أخطأوا في تعيين ما وفَّى به إبراهيم عمومًا.

стр. 2175

والذي كان عليه إبراهيم شريعتُه؛ بخصالها، وأبوابها (١)، وشُعَبِها، وخلالها، ووظائفها، فمن تبعه في ذلك كله فهو منه، أي: "مؤمن"، "مُوَحِّدٌ"، "مسلم"، "عابد"، "مخلص"، "وَفِيٌّ"، "تابع"، ومن عَصاهُ فالله غفور رحيم؛ رحيم في الإمهال، غفور للمؤمن على ما كان من حال. ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من غشَّنا فليس منَّا، ومن حمل علينا السِّلاح فليس منَّا" (٢). يريد: ليس من مُتَابِعِينَا، أو من مخلصينا، أو نحو ذلك، ممَّا يَنْفِي الكمال ويُبقِي أصل الإيمان. [السَّابقون الأوَّلون]: وقد قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فالسَّابقون الأوَّلون هم أهل العقَبة الأولى (٣)، وأهل العقبة الثانية، وأهل القبلتين، وأهل الهجرتين، والسَّابقون في الحقيقة رَجُلٌ، وهو أبو بكر، وامرأةٌ؛ وهي خديجة، وما عداهم تابعٌ لهم، وثاني إليهم، ولَاحِقٌ بهم. والسَّابِقُ من المريدين شَابٌّ نشأ في عبادة الله، وحقيقتُه رجل كُتِبَ في أهل توفيق الله. وقيل -وهو مثله-: "السَّابق من سبقت له رحمة الله" (٤).
следующие страницы →