← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وبيَّنَّا (١) ألَّا يلتفت فيها، وقد كان عمر بن عبد العزيز لم يكن يومئ بعينيه، ولا يشير بيديه (٢)، ولا يرفع شيئًا ولا يضعه في الصلاة، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة (٣)، وقد روى الأئمة: "أن النبي ﷺ كان يلتفت" (٤)، وما أظنه صحيحًا، والله أعلم. [كراهةُ استعمال الخشوع]: ومن أعظم الآثام أن يستعمل الرجل الخشوع والخضوع؛ فإنه رياءٌ في الطاعة. قال ابنُ عَوْنٍ: "كانوا يكرهون أن يتماوت الرجل حتى يُشار إليه". ومن مرسلات الحسن: "كفى للمؤمن من الشر أن يُشار إليه بالأصابع" (٥). [رَفْعُ الخشوع]: وإذا رُفِعَ الخشوع كَثُرَ الظُّرْفُ، وهو حلاوة المنطق، وكثرة البشاشة، من غير اعتقادٍ ولا عملٍ ولا وفاءٍ.

стр. 2172

وفي الصحيح عن حُذَيفة -واللفظ للبخاري- قال: "حدَّثنا رسول الله حديثين؛ رأيتُ أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جِدْرِ قلوب الرجال، قال: ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثرِ الوَكْتِ، ثم ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل، كجَمْرٍ دحرجته على رجلك فنَفِطَ، فتراه مُنتَبِرًا، وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، وبقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه (١)، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، ولئن كان نصرانيًا ليردَّنه علي ساعة (٢)، فأمَّا اليوم فما كنتُ لأبايع إلَّا فلانًا وفلانًا" (٣). وكم لهذا الزمان، ثم كان وقد كان الناس، كما قال النبيُّ في الصحيح: "الناس كإِبِل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة" (٤)، وكانت الأمانة قبل اليوم تُرْفَعُ في النوم، وأراها الآن تُرْفَعُ في اليقظة. ومعنى الحديث: إن الرجل ينام فيتوفَّاه الله، فإذا رَدَّ إليه روحه باليقظة فقد يردها بصفتها التي توفَّاها عليه، وقد يزيد فيها، وقد ينقص منها، وأشدُّه أن يستيقظ غير أَمِينٍ، وربما غير مؤمن. واذا اجتمعت له هذه الأوصاف كان من "التابعين".

стр. 2173

التَّابع (١): وهو الاسمُ التاسع عشر والمائة (٢) وحقيقته في العربية: هو فِعْلُ العبد مِثْلًا لفِعْلِ السَّابق منه (٣)، على معنى الاقتداء به (٤) والاحتذاء له. قال الله تعالى في إبراهيم ﷺ : ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ يقول (٥): من كان على شريعتي فإنه مني، أي: على ديني ومن أهله، ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ غفورٌ للمُذْنِبِ بالتوبة، غفورٌ للمشرك بالإيمان. وقيل: تبعه في الوفاء بالخصال التي بيَّنها الله في ثلاث سُوَرٍ؛ في "براءة" في قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى آخرها [التوبة: ١١٣]، وعَشْرٍ في "المؤمنين"، قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ إلى آخرها (٦) [المؤمنون: ٢ - ١١]، وعَشْرٍ في ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ على نحوها [المعارج: ٢٢ - ٣٥].

стр. 2174

وأشدُّ هذه الخصال المحافظة على الصلاة، والخشوع فيها، والاستكانة معها، وغايته من الخشوع أن ينهدم المسجد على الناس فلا يشعر المصلي به، أو تقطع رجله في الصلاة لدَاءٍ إن كان به فلا يشعر بذلك (١)، كما جرى لمسلم (٢) ولثابت. وقيل: "تبعه في الخلال العشر؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد" (٣)؛ فخصال الرأس: فَرْقُ الشعر، وقص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك؛ وخصال الجسد: قَلْمُ الظُّفْرِ، والختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء. قال بعضُ المفسرين: "بالحجارة". وأخطأ في هذا (٤) التعيين خصوصًا (٥)، كما أخطأوا في تعيين ما وفَّى به إبراهيم عمومًا.

стр. 2175

والذي كان عليه إبراهيم شريعتُه؛ بخصالها، وأبوابها (١)، وشُعَبِها، وخلالها، ووظائفها، فمن تبعه في ذلك كله فهو منه، أي: "مؤمن"، "مُوَحِّدٌ"، "مسلم"، "عابد"، "مخلص"، "وَفِيٌّ"، "تابع"، ومن عَصاهُ فالله غفور رحيم؛ رحيم في الإمهال، غفور للمؤمن على ما كان من حال. ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من غشَّنا فليس منَّا، ومن حمل علينا السِّلاح فليس منَّا" (٢). يريد: ليس من مُتَابِعِينَا، أو من مخلصينا، أو نحو ذلك، ممَّا يَنْفِي الكمال ويُبقِي أصل الإيمان. [السَّابقون الأوَّلون]: وقد قال الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فالسَّابقون الأوَّلون هم أهل العقَبة الأولى (٣)، وأهل العقبة الثانية، وأهل القبلتين، وأهل الهجرتين، والسَّابقون في الحقيقة رَجُلٌ، وهو أبو بكر، وامرأةٌ؛ وهي خديجة، وما عداهم تابعٌ لهم، وثاني إليهم، ولَاحِقٌ بهم. والسَّابِقُ من المريدين شَابٌّ نشأ في عبادة الله، وحقيقتُه رجل كُتِبَ في أهل توفيق الله. وقيل -وهو مثله-: "السَّابق من سبقت له رحمة الله" (٤).

стр. 2176

ويقال: "السَّابق في رَوح النعيم، واللَّاحق في النصب الأليم" (١). وأنشدوا: السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلًا وفِعْلًا … حَذِّرِ (٢) النفسَ حَسْرَةَ المَسْبُوقِ (٣) [الخَلْقُ أتباعُ الرسل]: والخَلْقُ كلهم أتباع الرسل؛ فإن الرسل أوَّلُ من يؤمن، قال الله مخبرًا عن موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقال لمُحَمَّدٍ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٤) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، وفي الحديث الصحيح: "وأنا أول المسلمين" (٥)، وهو أوَّلهم إذا كان الخطاب لنا، وهو منهم إذا خُوطِبَ الناس من إبراهيم إلينا، وآدم أوَّل المؤمنين حقيقة، وإبراهيم أوَّل المسلمين اسمًا، قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. وقالت طائفة: "إن الضمير في قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ عائد إلى الله" (٦). فيكون على هذا آدمُ أوَّل المسلمين، وأوَّل المؤمنين من الآدميِّين.

стр. 2177

فأمَّا أوَّل المؤمنين ممَّن (١) خلق الله؛ فلم يَرِدْ في ذلك أثرٌ يُستنَد إليه، ولا خبر يعوَّل عليه. [قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾] وكذلك قال الله لمُحَمَّدٍ ﷺ مُخْبِرًا عن عيسى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قيل: اتبعوك في قوله: ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وهي أوَّل كلمة تكلَّم بها، وقد بيَّنَّاه في "الأنوار"، وذَكَرْنَا طَرَفًا منه قبل هذا آنِفًا. [اتِّبَاعُ موسى للخَضِرِ]: وقد قال الله لمُحَمَّدٍ مُخْبِرًا عن عَبْدَيْهِ موسى وخَضِر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، فكان موسى كليم الله، وصار مُتَعَلِّمًا فيما لم يعلم لعَبْدٍ من عَبِيد الله هو تحته، وموسى خيرٌ منه وأكرم، فسأله الاتِّبَاعَ وأجابه، وقال له: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]، فشَرَطَ عليه في الاتِّبَاعِ الأصغاءَ، والاستماعَ، وتَرْكَ الاعتراض، وهذا حُكْمُ المُتَعَلِّم مع المُعَلِّمِ (٢) وأَدَبُه له، وقد بيَّنَّا طَرَفًا منه في اسم "العالم" (٣). وكان عِلْمُ الخَضِرِ فيما يقال: "من غير تعليم، وإنما كان شيئًا يُلقى في نفسه؛ وهو الإلهام" (٤)، لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]،

стр. 2178

وتقول له الصوفية: "العِلْمُ اللَّدُنيُّ"، وهذه دعوى عريضة، كل عِلْمٍ اللهُ يُعَلّمُه، وكيفية التعليم لا تُعلم إلَّا بمشاهدة، أو بخَبَرِ (١) صِدْقٍ. وقد قال الخضر لموسى في الحديث الصحيح: "إنك لن تستطيع معي صبرًا؛ إنِّي على عِلْم من عِلْمِ الله عَلَّمَنِيهِ لا تعلمه، وأنت على عِلْمٍ من علم الله علَّمكه لا أعلمه" (٢). يعني: أنت على الظاهر، وأنا على الباطن المغيَّب، فإذا رأيت خلاف ما تعرف فلا تنكره؛ لأنه عِلْمِي الذي يخالف عِلْمَك، والذي أنت مُرِيدٌ لتَعَلُّمهِ، قال له: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ (٣) [الكهف: ٦٩، ٧٠]. فنَسِيَ موسى واعترض عليه، فعفا عنه وغفر له؛ لأنه احتجَّ عليه بشرْطِ التكليف، وأن النسيان لا يدخل تحته، ولا يؤاخذ به في الآخرة إجماعًا، واختُلِفَ هل يؤاخذ به (٤) في الدنيا؟ على تفصيل بيانُه في "حُكْم (٥) الفقه"، والصحيح أنه لا يؤاخذ به في الإثم ولا في الحُكْم فيما كان حقًّا لله؛ كالطلاق ونحوه، وما كان حقًّا للآدَمِيِّ فإنه (٦) يؤاخذ به باتفاق، وقد بيَّنَّا ذلك في "كتب الفقه" (٧).

стр. 2179

[اتِّباعُ الصراط المستقيم]: وقد ذكر الله الأمر مُحْكَمًا، وأَمَرَ به جَزْمًا مُبْرَمًا، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣] الصراط المستقيم: هو الإسلام والقرآن والدين والمِلَّةُ، فاسلكوا كل ذلك، اتبَّعوا الإسلام؛ وهو الدين والملة، واتبعوا القرآن، فهو الهدى والنور والسبيل الذي (١) لا عِوَجَ فيه (٢)؛ دليل قويم، وكلام قديم، وفصيح عَرَبيٌّ مُبِينٌ، وهدى للمتقين، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ وهي البُنَيَّات، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، أي: تَعُوجُوا عنها، فسبحان العدل الحكيم، نهى الخلقَ عنها، ثم قدَّرها عليهم وقضاها فيهم. قال النبيُّ ﷺ : "افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، وسيأتي على أمَّتي ما أتى على بني إسرائيل؛ حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ" (٣)، الحديث. وهذا أَمْرُ الله لنا ووَصِيَّتُه وعَهْدُه عندنا، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، يعني: وما بينهما ممَّا ﴿وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ثم أخبر تعالى في كل موضع عنهم أنهم ما تفرَّقوا إلَّا من بعد ما

стр. 2180

جاءهم العلم؛ بغيًا بينهم، وعَايَنُوا البيِّنة، وعلموا الحق؛ لينفذ عليهم القَدَرُ، وابتدعوا (١) وما اتَّبعوها، رهبانيةً ما رعوها حقَّ رعايتها، وقد بيَّنَّا قوله ﵇ (٢): "عليكم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديِّين بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ (٣) " (٤). [حُجِّيَّةُ قَوْلِ التَّابِعِيِّ]: وقد (٥) ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "تسمعون ويُسمع منكم، ويُسمع ممَّن يَسمع منكم" (٦). واختلف الناسُ في قول الصحابي؛ هل هو حجة أم لا إذا كان بخلاف القياس؟ ورأى مالكٌ وحده أن قول التابعي حجة (٧) ودليلٌ إذا خالف النظر ولم يكن إليه طريقٌ إلَّا الخبر، والصَّحِيحُ قولُه، وقد بيَّنَّاه في كتاب "التمحيص" و"التخليص" (٨)، فلينظر هنالك (٩).

стр. 2181

[متابعةُ النبي ﷺ -]: فمن اتَّبع ما يؤمر وامتثل ما يُحَدُّ له واستمع ما يقال له فهو "التَّابع". رُوي (١) أنَّ ابن عمر لم يدخل على باب من أبواب مسجد النبي بعد أن قال رسول الله ﷺ : "هذا بابُ النساء" (٢)، فلم يدخل منه عبد الله بن عمر (٣) أبدًا؛ لا مع النساء ولا دونهم. وسئل عمَّن نذر صوم يَوْمٍ فقال: "أَمَرَ الله بالوفاء بالنذر، ونهى عن صيام يوم النحر" (٤). وسئل عن الوتر فقال: "أَوْتَرَ رسول الله، وأوتر المسلمون" (٥)، ولم يزد. وقال سعيدُ بن المسيَّب بن حَزْنٍ: "قال النبي لجَدّي حَزْن: ما اسمك؟ قال: حَزْن، قال: بل أنت سَهْل، فقال: لا أُغَيِّرُ اسمًا سمَّانِيه أبي، قال سعيد: فما زالت تلك الحُزُونَةُ فينا بعدُ" (٦). وبذلك يكون "مُعْتَصِمًا" بالله وبحَبْلِه.

стр. 2182

المُعْتَصِمُ (١): وهو الاسمُ المُوَفِّي عِشْرِينَ والمائة (٢) كما قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ (٣) [الحج: ٧٨]. والاعتصام بالله: هو اتخاذ عِصَامِ؛ وهو الذي يُشَدُّ به كل إناء فيه شئ يُخاف عليه التبديد إن لم يُشَدَّ فَمُه. ضُرِبَ به المثل لمن يُهمل نفسه للمعاصي وللآفات، فيقال فيه: لم يعتصم، إذا لم يتخذه عِصَامًا في الوجهين. [حقيقةُ الاعتصام]: والعِصَامُ من الله والاعتصام به: هو التبِّري من الحول والقوة لله، والاعتماد في كل حالة ومعنى عليه، والمحافظة في كل حال على المُثول في الخدمة بين يديه، والنهوض لعبادة الله بالله وحده، لله وحده (٤). [معنى الاعتصام بحبل الله]: وقيل: "الاعتصام بالله: التمسك بكتابه وسنة رسوله" (٥)، كما قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

стр. 2183

فيه خمسة أقوال: الأوُّل: الجماعة (١). الثاني: القرآن (٢). الثالث: عهد الله (٣). الرابع: الإخلاص (٤). الخامس: الإسلام (٥). قال الإمام الحافظ (٦) ﵁: الذي فسَّر به المُفَسِّرُ الحَبْلُ بحضرة النبي ﷺ هو الحق، وهذا كلُّه من الحق الذي أَمَرَ الخلق بالاعتصام به، والاتباع له، والإنذار به، والذي يحقق ذلك قولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فأكمل التوحيد ببرهانه، وأكمل الملة ببيان أركانها، وشرح فرائضها وحدودها. [الاعتصامُ بسُنَّةِ رسول الله ﷺ -]: وقد قال عُمَرُ في اليوم الثاني من بيعة أبي بكر، واستوى على منبر رسول الله، تشهَّد قبل أبي بكر فقال: "هذا الكتابُ هو (٧) الدي هُديَ به رسولكم، فخذوا به تهتدوا" (٨).

стр. 2184

وقد كره رسول الله المسائل وعابها، وعلى العبد أن يعمل بما علم، ولا يزيد حتى يعمل بما حصل عنده. دخلتُ يومًا على ذَانْشْمَنْد (١) الأصغر (٢) وعلى كُمِّي كُتب، فقال لي: "مَالَكَ تستكثر من الشهود عليك؟ ما منها حَرْفٌ إلا وأنت مُطالب إذا وَعَيْتَه بالعمل به، فقَلِّلْ من الشهود عليك، وكَثِّرْ ممَّا تَقَيَّدَ عندك" (٣). وفي الحديث الصحيح: "نهى النبي صلى الله عليه عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (٤). وما أَذِنَ رسولُ الله في السؤال إلَّا مرتين أو ثلاثًا، من صحيح ذلك ما ثبت -واللفظ للبخاري- قال أنس بن مالك: "إن النبي ﷺ خرج حين زاغت الشمس فصلَّى الظهر، فلمَّا سلَّم قام على المنبر فذكر السَّاعة، وذكر أنَّ بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: من أحبَّ أن يسأل عن شيء فليسألْ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلَّا أخبرتكم به ما دمتُ في مقامي هذا، قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء، وأكثر رسول الله أن يقول: سلوني، قال: أنس فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: النار، فقام عبد الله بن حُذافة فقال: من أبي؟ قال: حُذافة، ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر على ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمُحَمَّدٍ رسولًا، قال: فسكت رسول الله حين قال عمر ذلك، ثم قال النبي ﷺ : والذي (٥) نفسي

стр. 2185

بيده، لقد عُرضت عليَّ الجنة والنار آنِفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أَرَ كاليوم في الخير والشر" (١). [الاقتداءُ بأفعال النبي ﷺ -]: ومن الاعتصام والاتباع الاقتداءُ بأفعال النبي؛ فقد "اتخذ النبيُّ خاتمًا من ذَهَبٍ ونبذه، فنبذ الناسُ (٢) خواتيمهم" (٣). وقد قال الجواب بفِعْلِه في قُبْلَةِ الصائم وغير ذلك (٤). وقد حضَّ (٥) مطلقًا حضًّا عامًّا فقال: "خُذُوا عَنِّي مناسككم" (٦)، وخاصًّا (٧) فقال: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (٨)، والآثارُ في ذلك كثيرة.

стр. 2186

ومن الاعتصام تَرْكُ الغُلُوِّ فيما تقصر (١) عنه قُوَى البشر عادة، فقد مرَّ النبي بحبل ممدود في المسجد لامرأة تصلي، فإذا مَلَّتْ تعلَّقت به، فكرهه، وقال: "إن الله لا يمل حتى تملُّوا" (٢). وقد قال أبو بكر: "أعمل لما عمل به رسول الله، وقال عمر: أعمل بما عمل به أبو بكر" (٣). [العلماءُ المنذرون المُبَلِّغُونَ]: وقد بيَّن النبي الاستقامة وأخبر عن دوامها إلى أن تقوم السَّاعة، فروى معاوية -واللفظ للبخاري- قال رسول الله: "من يُرِدِ الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنَّما أنا قاسم، والله يعطي، ولن يزال أمرُ هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم السَّاعة، وحتى يأتي أمرُ الله جلَّ وعزَّ" (٤). وإذا قَويَتْ عِصْمَتُه ولزم السنة باتِّباعه واهتدى بهَدي النبي ﷺ وأصحابه وتفقَّه بفقههم وحصَّل على جُزْءٍ من الدِّينِ فلا يخزنه، وليَبُثَّه، وليُبَلِّغْهُ، وليُنْذِرْ به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].

стр. 2187

قال علماؤنا: "لو اشتغل الكُلُّ بالتفقه لهلك الخلق وتعطَّل المعاش" (١). وما خلق الله الخليقة ليكون مكانهم سواء؛ في الخير والشر، والعلم والجهل، والنعيم والثواب، ولكنه فاضل بينهم، وفضَّل بعضهم على بعض، كلُّ ذلك لتَتِمَّ الحكمة، ولتظهر السنة التي لا تبديل لها. ومن "فوائد الشهيد أبي سَعْدٍ (٢) الزَّنْجَانِي": "إن الله جعل المسلمين على مراتب؛ فعوامُّهم كالرعيَّة للملك، والذين يكتبون الحديث كالخُزَّانِ، والذين يُقَيِّدُونَ في قلوبهم القرآن خُزَّانُ الذخائر ونفائس الأموال، والمفتون وُكَلَاءُ الملك؛ لأنهم يُوَقِّعونَ عن الله، وعلماء الأصول كقُوَّاده وأمراء أجناده، والعُبَّاد كخاصة (٣) حَصْرَتِه، المعدودون في أهل مؤانسته" (٤). وكلُّ مُنْذِرٌ بقَوْله وفِعْلِه، وأكثرُهم نِذارةً أهلُ الأصول والفتوى والحديث. والذي عندي أن الأصل في ذلك برجع إلى حافظ مُبلِّغ، تَفَهَّمَ وتَفَقَّهَ (٥)؛ فذلك الأعلى، وإلى حافظ لم يَفْقُهْ فيه؛ فذلك أقل منه حظًّا، حسب ما تقدَّم بيانُه في المَثَلِ الذي قال النبي ﷺ فيه: "مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَلِ غَيْثٍ أصاب أرضًا" (٦)، الحديث.

стр. 2188

[النافرون الرحَّالون من المغاربة]: والنَّافِرُونَ الرَّحَّالُونَ (١) المُنْذِرُونَ المُبَلِّغُونَ كثير، وقد رتَّبهم علماء الحديث، وممَّن كان بهذه الصفة في المغرب جماعةٌ نحو المائة، من أَجَلِّهم بَقِيّ بن مَخْلَدٍ (٢)، ومحمد بن وضَّاح (٣)، أدخلَا المغرب ما لم يُدْخِلْ أحدٌ (٤) قبلهما من العلم والفوائد الدينية (٥)، والفقه العظيم والمعرفة الجمَّة. وعبدُ الملك بن حبيب (٦) أدخل من المسائل المدنيَّة ما لم يُدخله أحدٌ قبله ولا بعده، عالمٌ بها، مُتَأَصِّلٌ فيها، مُتَحَقِّقٌ بجُملتها (٧) وتفاصيلها، فَحْلٌ من فحولها، إذا تكلَّم فيها فاستمع لما يُوحَى منها، وإذا تكلَّم في الحديث أو في شيء سواها (٨) فأَعْرِضْ عنه؛ فإنه لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، على رَأْسِ جَبَلٍ وَعْرٍ، لا سهل فيُرتقى، ولا سَمِين فيُنتقى.

стр. 2189

وممَّن أدخل العلم إليه وجلبه حتى أوقفه عليه أبو علي القالي، فإنه ملأها (١) عربيَّة، وأفادها (٢) منها ما لم يَدْخُلْ في حساب (٣).

стр. 2190

وممَّن رحل (١) وخاب (٢)، فلم يجلب لنفسه عِلْمًا ولا أفاد شيئًا نَفَرٌ يَعُدُّهُمُ الناس بالخناصر، وحقُّهم أن يُدفعوا بالمخاصر (٣)، تعرفونهم بسيماهم (٤).

стр. 2191

[فوائدُ رحلة ابن العربي]: والحمد لله الذي جعلنا ممَّن رحل وحصَّل، وقيَّد وبلَّغ (١) وأوصل، وأنذر بما لم يُنْذَرْ به من قبْل. ومن الفوائد المذكورة: "كتاب ابن مَاكُولَا في المُؤْتَلِف والمختلف" (٢).

стр. 2192

كتاب "جُذوة المقتبس في (١) تاريخ الأندلس" (٢). "اختصار تفسير القرآن للطبري" (٣). "تفسير القرآن" (٤) للقُشَيري؛ المُسَمَّى باللطائف والإشارات (٥). "أسماء الله" (٦) لابن فورَكَ. "أسماءُ الله" (٧) للقُشَيري. "الأحاديثُ التي خُولفَ فيها مالك" (٨) للدَّارُقُطْنِي.

стр. 2193

"السُّنَنُ" (١) للفِرْيَابِي. "من (٢) الأفراد" (٣) للدارقطني. "صحيح الحديث" (٤) للإسماعيلي. "نسخة أبي زكرياء يحيى بن معين من حديث يحيى بن يحيى التميمي" (٥). "حديث هلال الحفَّار" (٦).

стр. 2194

"مشيخة أبي (١) علي بن شاذان" (٢). "تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة" (٣) لمسلم (٤). "وفاة (٥) الشيوخ" (٦) لابن المنادي (٧). و"نسخة همَّام بن مُنبِّه" (٨). "كتاب الشجرة (٩) " (١٠) للجُوزَجاني في أسماء المحدثين. "المدخل إلى معرفة كتاب البخاري" للإسماعيلي.

стр. 2195

"تسمية كل من روى عن مالك بن أنس (١) " (٢)؛ ألف رجل، تأليف (٣) الخطيب. "الفَصْلُ للوَصْلِ المُدْرَجِ في النَّقْلِ" (٤) له. "طبقات الفقهاء" للشِّيرَازِي. "أوهام البراذعي" لعبد الحق. "الخصال" (٥) للعبدي. "الشَّامل" (٦) لابن الصبَّاغ. "الأساليب" (٧) لأبي المعالي.

стр. 2196

و"الغنية" (١) له. "تعليقة الخُجَندي" (٢). "تعليقة أبي المطهَّر المعداني" (٣)؛ خطيب أصفهان (٤). "المُشَجَّرُ في نُكَتِ النظر" للحاكم الإِسْتَرَابَاذِي (٥) السعيداني، في عشرين ورقة (٦)، بأدلة مسائل الفقه أجمع، لم يؤلف بَشَرٌ مثله، يقول فيه: دليل يثبت مائة مسألة، وهي: كذا وكذا، دليلٌ يثبت تسعين مسألة، دليلٌ يثبت سبعين، دليلٌ يثبت سِتِّين (٧)، دليلٌ يثبت عشرة، وتسميتُها هكذا، حتى تمَّت المسائل كلها. "بُلْغَةُ النظر" للخُجَندي.

стр. 2197

"أسرار الله في المسائل" (١) للدبُّوسي، في عشرة أسفار. وقد كنتُ وَرَدْتُ من تلك الديار الكريمة سنة خمس وتسعين، فنزلتُ بتلمسان وبفاس، وكنت أذكر منها مسائل، وأُعَجِّبُهُمْ من أغراضها، فما تحرَّكت لذلك همَّة، ولا نشأت عزيمة، إلَّا لرجل واحد؛ عَلِمَ أنِّي إذا سُئِلْتُ قراءتها أو إعارتها أقول: هي من أواخر العلم، فإذا أخذتم أوائله (٢) مكَّنتكم (٣) منها، وتاقت نفسه إليها فرحل إلى العراق، وكتبها من مدرسة الحنفيَّة بمدينة السَّلام، وجاء بها، وكان ذلك من جميل صُنعْ الله معى (٤)؛ فإنه (٥) لمَّا ذُهِبَ ببعضها (٦) عند فَيِّ (٧) الدار (٨)، أَسِفْتُ لها ولمَا مضى من أمثالها، ممَّا لا أجبره إلَّا بالرحلة مرة أخرى، فأُعْلِمْتُ بأن هذا الرجل جلبها، فاستدعيتُها وجبرت ما فاتني منها، ولكن النسخة التي جلبها هذا

стр. 2198

الرجل سقيمة؛ لم يَعْرِضْهَا (١) بالأُمِّ، ولا قرأها على شيخ، ففيها سقم كثير، فما سلم منها عندي صُحِّحَتْ منه، وبقي ما لم يكن عندي على سقمه، والله يُصِحُّ (٢) لنا أدياننا وعلومنا برحمته. "الإكسير الأحمر" لقاضي العسكر (٣) في مسائل الخلاف. و"أصول الفقه" له. "تعليقة ابن عمروس" (٤) في نصرة مذهب مالك؛ ستون جُزْءًا. "تعاليق مسائل الفرائض باختلاف معانيها إِلْقَاءً ودليلًا"، تأليف أبي عبد الله (٥) الفَرَضِي الشقَّاق (٦) الزاهد (٧).

стр. 2199

"اختصار التقريب والإرشاد" للرازي (١) الحنفي الإسكندراني (٢). "مدارك العقول (٣) " (٤) لأبي المعالي. "البرهان" (٥) له. "المنخول" و"المنتخل" و"التعليقة" للطُّوسِي. "شفاء الغليل" (٦) له. "غَوْرُ الدَّوْرِ" (٧) له (٨). "تحقيقُ سؤال الكَسْرِ" للشَّاشي. "نفيُ السُّرَيجية" لابن الصبَّاغ.

стр. 2200

"تحقيقُها" لشيخنا أبي بكر الشَّاشي. "العقيدةُ النظامية" (١). "الجامعان؛ الجلي والخفي" (٢) للإسفرايني (٣)؛ عشرة أسفار. "الأوسط" (٤) لأبي المظفر؛ صاحبه. "غِيَاثُ الأُمَمِ في الْتِيَاثِ الظُّلَمِ" لأبي المعالي. "المِحَكُّ". "المعيار". "تهافت الفلاسفة".

стр. 2201

"الأرباع في شرح الزهر (١) ". "إعجاز القرآن" للخطَّابي. "إعجاز القرآن" لابن الطيِّب القاضي. "نقض التسديد" (٢) لعبد الجليل. "الاقتصاد (٣) في الاعتقاد". "نَقْضُ نَقْضِ التَّمْهِيدِ للطَّبَرِي" لمهدي الورَّاق (٤). "استدراكُ" أبي عمرو الزاهد على ابن قتيبة في غريب الحديث (٥). "فضلُ الوضوء" لابن شاهين (٦). "الفقيه والمتفقه" للخطيب.

стр. 2202

"المجلَّة (١) " (٢) لأبي عبيدة معمر (٣) بن المُثَنَّى. ومن العربية والأشعار جملة كبيرة ممَّا تعود إلى تفسير القرآن والحديث. وجَرَّدْتُ منها جملة عظيمة في: "أنوار الفجر في مجالس الذِّكْرِ". "معجزاتُ مُحَمَّدٍ ألفُ معجزة". "قانون التأويل". "شرح المشكلين". "الناسخ والمنسوخ". و"الأحكام". "سراج المريدين؛ في القسم الرابع من (٤) عِلْمِ التذكير". "المحصول". "التمحيص". "العواصم من القواصم". "شرح الترمذي".

стр. 2203

"المتوسط في الاعتقاد". "عوالي (١) الحديث "؛ جملة وافرة. فهذه جملة واحدة (٢) ممَّا نَفَرْتُ إليه ورجعتُ به، ممَّا لم أُسبَق إليه، وتفقَّهت فيه وبه، وأنذرتكم (٣) به، اقتداءً بمن تلزمني طاعته؛ خَيْرُ البَشَرِ، وأكرم البدو والحضر، ورغبةً في أن أُكتب فيمن أخبر الله عنهم وبشَّر بهم؛ والله ينفعني وإياكم برحمته. وقد قال الله في القرآن العظيم: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فكما بلَّغ إلينا نُبَلِّغُ عنه، كما قال: "تسمعون ويُسمع منكم، ويُسمع ممَّن يَسمع منكم" (٤). [فضيلةُ الإسناد]: والله كرَّم هذه الأمة بالإسناد، لم يُعْطِه لأحد غيرَها، فاحذروا أن تسلكُوا مسلك اليهود والنصارى، فتُحَدِّثُوا بغير إسناد، فتكونوا (٥) سَالِبِينَ لنعمة الله عن أنفسكم، مُطَرِّقِينَ للتهمة (٦) إليكم، وخافضين لمنزلتكم، ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم، وراكبين لسَنَنِهم، وقد حذَّركم النبي ﷺ عنه، وأنذركم به، والنبي نذير بالعقوبة، بشير بالثواب، والنِّذارة

стр. 2204

قبْل البشارة، قال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، فالحجة ظاهرة، والداعي يُنادي، والمُهْلَةُ متَّسعة، والرسول مُبلِّغٌ، وخلفاؤه المؤدُّون لسُنتَّه قائمون بأمره، والقيام بالإجابة ممكن، ولكن القسمة سابقة، والتوفيق مبذول لقوم، ممنوع عن آخرين، والربُّ فعَّال لما يريد، وعلامة النجاة القبول والامتثال، وعلامة الهلكة الإعراض والإدبار، وهذه الصفة هي أكرم الأسماء وأوعبها وأوعاها، والله يجعلنا وإيَّاكم من أهلها، ويخلع علينا مُلَاءَةَ فضلها برحمته. وإذا كان كذلك دُعِيَ في ملكوت السَّماوات "عظيمًا". * * *

стр. 2205

العَظِيمُ (١): وهو الاسمُ [الحادي والعشرون] والمائة (٢) وإن كان حقير الشَّارة والذات، قال النبي ﷺ : "رُبَّ أَغْبَرَ ذي طِمْرَيْنِ لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرَّه" (٣)، وقد كان أسامةُ أسودَ أفطسَ (٤)، والنبي يمسح رُغامه، ويمصُّ دمه (٥). وقد بيَّنَّا في كتاب "الأمد" (٦) معنى العظيم في السماء، وأن العرب تستعمله في المحسوس في كثرة الأجزاء، وتُعَبِّرُ به عن كثرة المعاني، كشرف المقدار، وسعة المعرفة، وصرامة القلب في الله، وقوة الخاطر في النظر، فتقول (٧) في الأوَّل: عظيم الجسم، وتقول: عظيم القدر. وقد يكون عظيمًا قَوِيًّا وإن كان ضعيفًا، قال النبيُّ صلى الله عليه (٨) لأبي ذَرٍّ: "إِنّي (٩) أراك ضعيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا توَلَّيَنَّ على مال يتيم" (١٠).

стр. 2206

وكان قويًّا في العبادة، ضعيفًا (١) عن تدبير الخليقة، قويًّا في الطاعة القاصرة عليه، ضعيفًا فيما يتعدَّى من المصلحة إلى غيره، فكان عظيمًا في وجه، ضعيفًا في آخر. [فضائلُ أبي موسى الأشعري ﵁ -]: وهذا أبو موسى الأشعري قوِيٌّ في الإمارة، قَوِيٌّ في العبادة، عَظِيمٌ كَيِّسٌ فَطِنٌ، وظنَّ الأدباء بما كذبوا عليه في "التواريخ" أنه ضعيف الرأي، غَفُولٌ عن سُبُلِ النظر؛ بما جرى بينه وبين عمرو، وتلك الحكاية على وجهها التي أوردها الأدباء والمؤرخون كَذِبٌ (٢)، وقد قال أنس: "أرسلني أبو موسى إلى عمر، فأتيته فسألني عنه، فقلت: تركته يُعَلِّمُ الناس، فقال: أما إنه كَيِّسٌ، فلا تُسْمِعْهَا إيَّاه" (٣). ووَلَّاه عمر البصرة، وبعثه رسول الله إلى اليمن أميرًا، وجعله قَرِينَ معاذ. وقال عَلِيٌّ فيه: "أبو موسى صُبغَ في العلم صَبْغَةً" (٤). وقال أبو موسى: "كان العلم في ستة من أصحاب رسول الله، نصفهم أهل الكوفة؛ عمر، وعلي، وعبد الله، وأبو موسى، وأُبي، وزيد بن ثابت".

стр. 2207

[عظمةُ أبي الدرداء]: وكان أبو الدرداء من العظماء، قال معاذ حين مات: "التمسوا العلم عند فلان وفلان" (١)، وذَكَرَ أبا الدرداء. وقد رُوي عن أبي الدرداء أنه قال: "سَلُونِي، فوالذي نفسي بيده لئن فقدتموني لتفقدنَّ رجلًا عظيمًا من أمة مُحَمَّدٍ" (٢). [حقيقةُ العظيم]: فيتنخُّل (٣) من هذا أن العظيم القدر هو الممتثل للأمر، المجتنب للنهي، المُعَظِّمُ للحُرمة، المنتدب (٤) للخِدمة، المُتَمَكِّنُ المعرفة، القائم بالمصلحة، التالي من الأولياء للأنبياء في المرتبة؛ بالصدق والصلاح، والمواظبة على المحافظة على الحدود والإلحاح، فحينئذ يكون "مُفْلِحًا". * * *

стр. 2208

المُفْلحُ (١): وهو الاسمُ [الثاني] والعشرون والمائة (٢) وقد علَّقه الله على شروط؛ أوَّلها: التقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وعلَّقه على خصال عشر، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ إلى آخرها [المومنون: ١ - ١١]؛ وعلَّقه على الهجرة فقال في المهاجرين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) [الحشر: ٩]؛ وعلَّقه مع التقوى على أربعة أفعال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢، ٣]؛ وعلَّقه على التزكية فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] ومتعلَّقاته في القرآن والحديث كثيرة، وقد سردناها في "الأنوار". وبعد الرغبة في ذلك كله وصِدْقِ النية فيه والعمل به يكون "مُفْلِحًا".

стр. 2209

ودخل عمَّار بن ياسر مَكَّةَ على رسول الله فقال: "أفلح وجهُ أبي اليقظان، فقال: ما أفلح ولا أنجح، فقال: وما ذلك (١)؟ قال: لم يزل المشركون حتى أعطيتهم الذي أرادوا، قال رسول الله: إن استزادوا فَزِدْ" (٢). وفي الصحيح: "أن النبي لمَّا دخل عليه رجل يسمَع دَوِيُّ صوته ولا يُفقَه ما يقول، فسأله عن الإسلام، فبيَّن له الأركان، قال له: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلَّا أن تتطوَّع (٣)، قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال: أَفْلَحَ إن صدق" (٤). وأرسل رسول الله عبد الله بن أُنَيْسٍ إلى سفيان بن خالد فقتله بعرفة، وحَزَّ رأسه، فدخل غارًا، وخرج الطلب وراءه، فوصلوا إلى الغار فنسج العنكبوت عليه، وبلغه رجل منهم معه نعلان وإداوة، فقال لهم: "هذا غار ليس فيه أحد، وترك الإداوة والنعلين هناك (٥) "، فخرج عبد الله وهو يبكي

стр. 2210

حَرَّ تِهامة والحفاء، فوجد النعلين والماء، وسار حتى بلغ النبي ﷺ ، ووجد رسول الله في المسجد، قال (١): "أفلح الوجه، قلت (٢): أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعتُ (٣) رَأْسَهُ (٤) بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع إليَّ عصًا وقال: تخصَّر بهذه في الجنة، فإن المختصر بها قليل، فدُفِنت مع عبد الله في أكفانه" (٥). وقال ابنُ عباس: "سمعت النبي يقول: أنا فَرَطُكم على الحوض، من ورد عليَّ الحوض فقد أفلح" (٦)، وذكر الحديث. وإن شئت أن تذكر المفلحين بصفاتهم فالقانون عندك إن شاء الله. ويَحِقُّ عليك -وقد وصلت إلى هذه المرتبة- أن تكون عارفًا بمقدار نفسك، مُتَفَطِّنًا لوحدتك، فإنَّك "غريب".
следующие страницы →