← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وكان قويًّا في العبادة، ضعيفًا (١) عن تدبير الخليقة، قويًّا في الطاعة القاصرة عليه، ضعيفًا فيما يتعدَّى من المصلحة إلى غيره، فكان عظيمًا في وجه، ضعيفًا في آخر. [فضائلُ أبي موسى الأشعري ﵁ -]: وهذا أبو موسى الأشعري قوِيٌّ في الإمارة، قَوِيٌّ في العبادة، عَظِيمٌ كَيِّسٌ فَطِنٌ، وظنَّ الأدباء بما كذبوا عليه في "التواريخ" أنه ضعيف الرأي، غَفُولٌ عن سُبُلِ النظر؛ بما جرى بينه وبين عمرو، وتلك الحكاية على وجهها التي أوردها الأدباء والمؤرخون كَذِبٌ (٢)، وقد قال أنس: "أرسلني أبو موسى إلى عمر، فأتيته فسألني عنه، فقلت: تركته يُعَلِّمُ الناس، فقال: أما إنه كَيِّسٌ، فلا تُسْمِعْهَا إيَّاه" (٣). ووَلَّاه عمر البصرة، وبعثه رسول الله إلى اليمن أميرًا، وجعله قَرِينَ معاذ. وقال عَلِيٌّ فيه: "أبو موسى صُبغَ في العلم صَبْغَةً" (٤). وقال أبو موسى: "كان العلم في ستة من أصحاب رسول الله، نصفهم أهل الكوفة؛ عمر، وعلي، وعبد الله، وأبو موسى، وأُبي، وزيد بن ثابت".

стр. 2207

[عظمةُ أبي الدرداء]: وكان أبو الدرداء من العظماء، قال معاذ حين مات: "التمسوا العلم عند فلان وفلان" (١)، وذَكَرَ أبا الدرداء. وقد رُوي عن أبي الدرداء أنه قال: "سَلُونِي، فوالذي نفسي بيده لئن فقدتموني لتفقدنَّ رجلًا عظيمًا من أمة مُحَمَّدٍ" (٢). [حقيقةُ العظيم]: فيتنخُّل (٣) من هذا أن العظيم القدر هو الممتثل للأمر، المجتنب للنهي، المُعَظِّمُ للحُرمة، المنتدب (٤) للخِدمة، المُتَمَكِّنُ المعرفة، القائم بالمصلحة، التالي من الأولياء للأنبياء في المرتبة؛ بالصدق والصلاح، والمواظبة على المحافظة على الحدود والإلحاح، فحينئذ يكون "مُفْلِحًا". * * *

стр. 2208

المُفْلحُ (١): وهو الاسمُ [الثاني] والعشرون والمائة (٢) وقد علَّقه الله على شروط؛ أوَّلها: التقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وعلَّقه على خصال عشر، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ إلى آخرها [المومنون: ١ - ١١]؛ وعلَّقه على الهجرة فقال في المهاجرين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) [الحشر: ٩]؛ وعلَّقه مع التقوى على أربعة أفعال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢، ٣]؛ وعلَّقه على التزكية فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] ومتعلَّقاته في القرآن والحديث كثيرة، وقد سردناها في "الأنوار". وبعد الرغبة في ذلك كله وصِدْقِ النية فيه والعمل به يكون "مُفْلِحًا".

стр. 2209

ودخل عمَّار بن ياسر مَكَّةَ على رسول الله فقال: "أفلح وجهُ أبي اليقظان، فقال: ما أفلح ولا أنجح، فقال: وما ذلك (١)؟ قال: لم يزل المشركون حتى أعطيتهم الذي أرادوا، قال رسول الله: إن استزادوا فَزِدْ" (٢). وفي الصحيح: "أن النبي لمَّا دخل عليه رجل يسمَع دَوِيُّ صوته ولا يُفقَه ما يقول، فسأله عن الإسلام، فبيَّن له الأركان، قال له: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلَّا أن تتطوَّع (٣)، قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال: أَفْلَحَ إن صدق" (٤). وأرسل رسول الله عبد الله بن أُنَيْسٍ إلى سفيان بن خالد فقتله بعرفة، وحَزَّ رأسه، فدخل غارًا، وخرج الطلب وراءه، فوصلوا إلى الغار فنسج العنكبوت عليه، وبلغه رجل منهم معه نعلان وإداوة، فقال لهم: "هذا غار ليس فيه أحد، وترك الإداوة والنعلين هناك (٥) "، فخرج عبد الله وهو يبكي

стр. 2210

حَرَّ تِهامة والحفاء، فوجد النعلين والماء، وسار حتى بلغ النبي ﷺ ، ووجد رسول الله في المسجد، قال (١): "أفلح الوجه، قلت (٢): أفلح وجهك يا رسول الله، فوضعتُ (٣) رَأْسَهُ (٤) بين يديه، وأخبرته خبري، فدفع إليَّ عصًا وقال: تخصَّر بهذه في الجنة، فإن المختصر بها قليل، فدُفِنت مع عبد الله في أكفانه" (٥). وقال ابنُ عباس: "سمعت النبي يقول: أنا فَرَطُكم على الحوض، من ورد عليَّ الحوض فقد أفلح" (٦)، وذكر الحديث. وإن شئت أن تذكر المفلحين بصفاتهم فالقانون عندك إن شاء الله. ويَحِقُّ عليك -وقد وصلت إلى هذه المرتبة- أن تكون عارفًا بمقدار نفسك، مُتَفَطِّنًا لوحدتك، فإنَّك "غريب".

стр. 2211

الغَرِيبُ (١): وهو الاسمُ [الثالث] (٢) والعشرون والمائة وأشدُّ أنواع الغربة فَقْدُ النظير، وعَدَمُ المساعد، والاضطرار إلى صحبة الجاهل. [غُرْبَةُ بَقِيِّ بن مَخْلَدٍ]: فهذا بَقِيُّ بن مَخْلَد من حُفَّاظِ الأمة؛ رحل إلى المشرق واغترب فيه مدة، ولقي أحمد بن حنبل وعبد الله بن أبي شببة، وأكثَرَ من الشيوخ والرواية (٣)، وجلب ما لم يجلبه (٤) أحد، ولا يُجلب (٥) في ظني، وعند وصوله ثارت إليه (٦) المطالبات، وتعصَّبت عليه الجماعات، وعُزِم على صاحبه في الرحلة والغربة محمد بن وضَّاح (٧) أن يكون معهم عليه، فقال: وما عسى أن أقول فيه وهو من هو؟ ففيل له: تحيَّل، ولم يَرَ أن يخرج عنهم لئلَّا يتَّخذوه غَرَضًا كما فعلوا به، فكتب شهادته عليه أن عنده مناكير، وعَنَى

стр. 2212

بذلك أنه روى أحاديث ضعافًا، فاقتُنع (١) منه بذلك (٢)، واستُظهر عند الأمير بشهادته، ودفع الله عنه بصلاحه على وجه طويل (٣). [غربةُ محمد بن مَوْهَب]: وقد اغترب في طلب العلم محمد (٤) بن مَوْهَب (٥)؛ جدُّ أبي الوليد الباجي (٦) لأُمِّه، ولم يُبعِدْ وعاد، فلمَّا تكلَّم بشيء ممَّا كان عنده وقال: "إن النسوة قد كان منهن نبي"؛ ثاروا عليه، وشَنَّعُوا وأَخْمَلُوهُ. [غربةُ أبي الوليد الباجي (٧)]: وهذا أبو الوليد الباجي رحل وأَبْعَدَ، وجلب عِلْمًا جَمًّا (٨)، وقُرئ عليه

стр. 2213

البخاري وفيه: "أن النبي ﷺ محا وكتب" (١)، فقيل له: وعلى من يعود قوله: "كتب (٢) "؟ فقال: على النبي، فقيل له: وكتب بيده؟ قال (٣): نعم؛ ألا ترونه يقول في الحديث: "فأخذ رسول الله الكتاب -وليس يُحْسِنُ يكتب- فكتَبَ: هذا ما قاضى (٤) عليه محمد رسول الله"، فأَعْوَلُوا عليه، وحملوا كل تكذيب وتعطيل عليه (٥)، وانتدب له (٦) جاهل من المقرئين (٧)، فأخبرني أبو محمد عبد الله (٨) بن أبي عصام (٩) بالمسجد الأقصى قال: "رأيتُه يصيح في المسجد الجامع ويُعْلِنُ بالزندقة إليه" (١٠).

стр. 2214

بَيْدَ أن الأمير كان مُتَثبِّتًا، فدعا الفقهاء إلى المسألة؛ فاتَّفقوا على أن هذا القول كُفْرٌ، فاستظهر الباجي ببعض الحجة في ذلك، وقال للأمير: "هؤلاء جهلة، ولكن اكتب إلى علماء الآفاق (١) "، فكتب إلى إفريقية وصقلية (٢)، فجاءت الأجوبة بتصديق الباجي وتصويب قوله، وكان من قوله: "إن النبي الأمي يجوز أن يكتب بعد أُمِّيَته، فيكون ذلك من معجزاته (٣)، ولا يطعن أحد بذلك عليه؛ لأنهم قد (٤) تحقَّقوا أُمِّيَته، ثم شاهدوا معجزته" (٥)، فوقفوا، ولم يطعنوا ولا آمنوا، حتى فاء فضلُ الله عليهم في وقت آخر، وهذه حكمة الله في خلقه، وابتلاؤه لحَمَلَةِ علمه، والعاقبة للمتقين (٦). قال الإمام الحافظ (٧) ﵁: ويتعلَّق الغريبُ باسم "المُفْرِدِ" (٨) الذي أُهْتِرَ بذِكْرِ الله؛ فإنه إذا كان بهذه الصفة لم يجد نظيرًا، ولا عاين لنفسه

стр. 2215

مشاركًا، وقد تقدَّمت روايتنا للحديث: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" (١)، وفي الحديث: "طوبى للغرباء" (٢)، وقال صلى الله عليه (٣): "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ" (٤). [حقيقةُ الغريب]: وهو اسم عزيز، وأصله في العربية: البعيد؛ فإنه بَعُدَ عن الأهل والولد، وربما المال، وفَقْدُ النظير في الغُرْبَةِ أعظمُ من فَقْدِ هذه الثلاث المتقدم ذِكْرُها؛ فإن الرجل إذا كان في غير أقرانه كان ذلك سبب هوانه. وقد سمعتم حَالَ من تأخَّر موته من الصحابة وقد ذهب أقرانهم كيف كانت حالهم، كسهل بن سعد السَّاعدي، وأنس بن مالك، ومن عُمِّرَ طويلًا؛ فإن أراد الحق لم يجد له عاملًا، وإن طلب العلم لم يُلْفِ به عارفًا، وإن تعرَّض للطاعة أو عرَّض بها لم يُبصِرْ فيها راغبًا. قال علماؤنا ﵏: المعنى في قوله: "بدأ الإسلامُ غريبًا، وسيعود غريبًا" (٥): أنه بدأ في واحد؛ وهو المصطفى، ولما يزل يُنْمَى حتى أكمله الله، فلمَّا استأثر الله برسوله وأخذ في النقصان لا بد له أن يرجع إلى واحد، ثم إلى العدم، وقد أنذر به الصادق في قوله: "لن تقوم السَّاعة حتى

стр. 2216

لا يقال في الأرض: الله، الله" (١)، يعني: لا يبقى فيها مؤمن، كما تقدَّم بيانُنا (٢). وأوَّل غريب وقع في الإسلام أبو ذَرٍّ، وقصته مشهورة. وسَرْدُهم (٣) طويل. [غُرْبَةُ ابن العربي (٤)]: وعَجِلَتْ (٥) عليَّ الغربةُ ابن ستة عشر عامًا، فكنتُ فيها نحو الأحد عشر عامًا كأنَّني في أهلي ومالي؛ طَيِّبًا عيشي، ناعمًا بالي، مُيَسَّرًا لي في جييع أحوالي (٦) وآمالي، وكان لي هنالك (٧) صاحبُ (٨) صِدْقٍ، وأخٌ من غير مَذْقٍ، جئتُ من أقاصي المغرب (٩)، وأقبل من أقاصي المشرق (١٠)، والتقينا على موسطة من الأرض، سِطَةٍ (١١) من البلاد (١٢)، وَسَطٍ في الخِيَارِ، فالتقينا على الطلب، وكنّا كما قالْ الأوَّل:

стр. 2217

نزلنا على قَيْسِيَّةٍ يَمَنِيَّةٍ … لها نَسَبٌ في الصالحين هجان فقالت وأرخت جانب الستر دوننا (١): … لأَيَّةِ أَرْضٍ أَمْ مَنِ الرَّجُلان؟ فقلت لها: أمَّا رفيقي فقومه … تميم وأمَّا أُسرتي فيَمَان رفيقان شتَّى ألَّف الدهر بيننا … وقد يلتقي الشتَّى فيأتلفان (٢) ثم قدَّر الله أن عُدْتُ إلى مسقط رأسي، فذهب أُنسي، وأرجو أحسن العاقبة؛ فإنه لم يُرجعني إلَّا حَقُّ الوالدة، وصِرْتُ الآن غريبًا بين قومي، وقد كنتُ غريبًا بين الغرباء؛ رفيعًا، شهيرًا، موصولًا، مُمَدَّحًا، مقبولًا، وذلك لفساد النيات، وقلة الإنصاف، واعتقاد المنافسة، ونبذ التواضع للشرف، والعناد للحق. أليس غريبًا أن يؤمل طاعة … ويدعو إليها والزمان مباعدُ يباعدك الأدنون في كل حالة … ويمسح عِطْفَيْكَ الرجال الأباعدُ وأنت مُعَنًّى لا سُلُوٌّ ولا أَسًى … تَكَنّفَكَ الغاوون؛ وَاشٍ وحَاسِدُ غريبٌ عن الإخوان في كل فرقة … إذا عظُم المطلوب قلَّ المساعدُ (٣) كنت بالمُقْتَدِيَّة (٤) أصلي المغرب في مسجد شيخنا سلمان القَيْسَراني

стр. 2218

الإمام الزاهد (١)، فلمَّا قضينا الصلاة رَكَعَ إلى جانبي الإمام سلمان، وإذا بقائم يقول في المسجد: انظروا مِنِّي، أنا غريب من ذلك الجانب، يعني: الكَرْخَ، آوَانِي الليل عندكم، فقال لي سلمان: أنت تشكو الغربة، وهذا يشكوها، فكم بين بلديكم؟ ولكن هؤلاء أرق قلوبًا، وأصبر على طاعة الله، فلو لم يكن من فوائد الغربة إلَّا تحصيل الشريعة، وجمع أدلتها، وتأليف أخبار رسول الله ﷺ والحُجَّة (٢) فيها. [إسنادٌ]: ومن غريب ذلك سَنَدًا ومَتْنًا ما أخبرنا به (٣) محمد بن طَرخان: أنا محمد بن فتُّوح، وأخبرنا أبو الفضائل بن طوْق عن الأستاذ الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيري قال (٤): سمعت حمزة بن يوسف السَّهْمِي يقول: سمعت أبا الفتح نصر بن أحمد بن عبد الملك يقول: سمعت عبد الرحمن بن أحمد (٥) يقول: سمعت أبي يقول: "جاءت امرأة إلى بقي بن مخلد فقالت: إن ابني قد أسره الروم، ولا أقدر له على مال أكثر من دُوَيرةٍ، ولا أقدر على بيعها، فلو أشرتَ إلى من يَفْدِيهِ بشيء، قال:

стр. 2219

فأطرق الشيخ وحرَّك شفتيه (١)، قال: فلبثنا مدة؛ فجاءت المرأة ومعها ابنها، فأخذت تدعو له وتقول: قد (٢) رجع سالمًا (٣)، وله حديث يحدثك به، قال الشاب: كنت في يَدَيْ (٤) بعض ملوك (٥) الروم مع جماعة من الأُسارى، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم؛ يُخْرِجُنا إلى الصحراء للخدمة ثم يردنا وعلينا قيودنا، فبَيْنَا نحن نَجِيءُ من العمل مع صاحبه الذي كان يحفظنا فانفتح القيد من رجلي ووقع على الأرض، ووصف اليوم والساعة، فوافق الوقتَ الذي جاءت المرأة إلى الشيخ ودعا فيه، قال (٦): فصاح عليَّ الذي كان يحفظني، وقال: كسرتَ القيد؟ فقلت: لا، إلَّا أنه سقط من رجلي، قال: فتحيَّر وأخبر صاحبه، وأحضر الحدَّاد فقيَّدُوني، فلمَّا مشيتُ خطوات سقط القيد من رجلي، فتحيَّروا في أمري، فدَعَوا رهبانهم فقالوا لي: ألك والدة؟ فقلت: نعم، فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة، وقد أطلقك الله، فردوني إلى بلاد المسلمين" (٧)، فهذه غرابة مَتْنِه، وأمَّا غرابة سنده؛ فرَجُلٌ (٨) رَحَلَ من إشبيلية فلقي بمدينة السَّلام رجلًا حدَّثه عن رَجُلٍ من

стр. 2220

أهل نيشاغور (١)، أخبره عن رجل كان بالأندلس، وهذا من فوائد الرحلة (٢) ومفاخر هذه الأمة (٣). فالعلمُ حدَّثنا عمرو وأخبرنا … وما سوى ذلك وسواس الشياطين (٤) وحينئذ يكون مُنْقَطِعًا إلى الله "مُتبتِّلًا". * * *

стр. 2221

المُتَبَتِّلُ (١): وهو الاسمُ [الرَّابع] والعشرون والمائة (٢) قال الله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. والمُتبتِّل في العربية: هو القاطع (٣)، فقيل في الشريعة لمن قطع نفسه عن غير الله (٤)، وأقبل على الله بالكُلِّيِّةِ، وبهذا أمر الله نبيَّه، قال (٥): ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، أي: أَخْلِصْ له (٦)، وقد بيَّنَّاها في "الأحكام" (٧) وغيرها على ما اقتضاه ذلك الغرض. [قولُه تعالى: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾] وقوله تعالى: ﴿قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ فيه ستة أقوال (٨):

стр. 2222

الأوَّل: أنه القرآن (١)، وثقَلُه كثرة علومه، ضَرَبَ الله (٢) له الثِّقلَ مَثَلًا. الثاني: كلمة لا إله إلا الله (٣)، ثقيلة على الكفار. الثاك: ثِقَلُ القرآن في الميزان (٤). الرابع: ثِقَلُه عليك في التحصيل (٥). وقد قيل له: "كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلى الله عليه (٦): أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيَفْصِمُ عني وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي المَلَكُ رجلًا؛ فيُكَلِّمُنِي فأعي ما يقول، ولقد كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيَفْصِمُ عنه وإنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا" (٧). وصَحَّ عن عمر بن الخطاب -أنه- قال: "كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي سُمع (٨) عند وجهه كدَوِيِّ النحل، فأُنزل عليه يومًا فمكثنا ساعة فسُرِّيَ عنه، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تُنقصنا، وأكرمنا ولا تُهِنَّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ علينا، وأَرْضِنا وارْضَ عنَّا،

стр. 2223

ثم قال: أنزل علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة، وقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١]، حتى ختم عشر آيات" (١)، وهذا صحيح. ورُوي أنه كان ينزل عليه الوحي فتُلْقِي ناقته بجِرَانِها إلى الأرض من ثِقَلِ الوحي (٢). الخامس: ثِقَلُ سماعه على من جَحَدَهُ (٣). السَّادس: ثِقَلُه: أنه لا يبُوءُ (٤) بعبئه إلَّا من أُيِّدَ بقوَّة سماوية (٥)، وكذلك هو، ما أعلم من حصَّله بعد الصحابة والتابعين إلَّا محمد بن جرير الطبري (٦). [قولُه تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾] وقال له: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. قيل: أعطه قلبك. وقيل: تعبَّد له (٧).

стр. 2224

والذي عندنا ما قدَّمناه في تأويله؛ أن ينقطع المرء عن غير الله، فلا يكون له في غيره حظ، ويَبُتُّ العلائق التي بينه وبين الدنيا، فلا يتعلق له بها بال، وينبذ المنابذ التي بيَّنَّاها في اسم "الزاهد" (١). ولا يلزم في أفضل التبتل قَطْعُ الخلق عن الصحبة إلا عند فساد الناس (٢)، فتكون النجاة في طرحهم عن القلب، ونبذهم عن الصحبة، وتطليق ما بين المرء وبينهم من عُقْدَةٍ. [المُتَبَتِّلُونَ بالمسجد الأقصى]: وقد رأيتُ منهم بالشَّامِ -وخصوصًا بالأرض المقدَّسة وبالحجاز وبالعراق- جماعة، لا أُحصي لهم عددًا، وكان يَرِدُ علينا في بيت المقدس كل عام من جبال الشام جماعة من المُتبتِّلِينَ؛ يصومون بالمسجد الأقصى شهر رمضان، ثم يرجعون إلى جبالهم وكهوفهم (٣). [رَغْبَةُ الطُّرْطُوشِي في التبتل]: وكان الطُّرْطُوشِي يقول لنا: "هل لكم في أن نخرج بأنفسنا، ونتبتَّل إلى ربنا، ونعلوَ ظهر جبل نجعله دارنا، ونلتزم فيه العبادة حَجْرَةً عن الخلق، ونَبْذَةً من الناس؟ ". فكنتُ أقول له: إذا حَصَّلْتُ ما أؤمِّل من العلم كنتُ لك صاحبًا في هذا الغرض.

стр. 2225

والذي ظهر إليَّ أنَّ شيخنا أبا بكر ﵀ لم يكن له عزيمة على هذه القصة؛ فإن من أرادها لم يحتج فيها صاحبًا، إلَّا الذي يتبتَّل له، أو كانت له في ذلك نيَّة، ولكن بمحبته في العلم كان يريد صاحبًا يتعالم معه ويتذاكر، لما في ذلك من اللذَّة الشرعية. فكُنَّا ارتبطنا أن يكون ذلك بعد أعوام؛ نُحَصِّلُ فيها نحن مُرَادَنا من العلم، فلمَّا كان بعد ثلاثة أعوام اجتمعت معه بالثغر، وقد زال عن تلك الطريقة؛ من لباس العباءة، والاقتصار على الطعام الجَشِبِ، والنوم على المضجع القضيض، وإهمال النظر في المعاش، إلَّا ما جاء على الفُتوحِ، ولَبِسَ الرقيق، وأَكَلَ المُلَوَّقَ (١)، ونام على الفراش الوثير. فقلت له: ما هذا الذي تعاهدنا عليه! فقال: ماطلبناه؛ ولكن لمَّا جاء من وجهه قَبِلْنَاهُ. فبقي على الخُلطة في زهده وعبادته (٢) حتى افترقنا، وكذلك كان فيما بلغني؛ حتى مات على خير طريقة، والله يكتب له أمانه، ويُبَوِّئُه جِنانه، ويُلحقه رضوانه، بفضله ورحمته (٣). تنويعُ المُتَبَتِّلِينَ: والمتبتِّلُونَ على أنواع: منهم من يتبتَّل للقرآن؛ فهو يتلوه آناء الليل والنهار.

стр. 2226

ومنهم من يتبتَّل للذِّكْرِ؛ فيكون مُهَلِّلًا مُسَبِّحًا مُكَبِّرًا. ومنهم من يتبتَّل للصَّلاة؛ فيكون راكعًا وساجدًا. ومنهم من يتبتَّل للصوم عن الطعام والشراب وقول الزُّورِ والعمل به. ومنهم من يتبتَّل للصدقة. ومنهم من يتبتَّل لإصلاح الخلق بالتعليم. ومنهم من يتبتَّل لتأويل القرآن. ومنهم من يتبتَّل لجَمْعِ حديث النبي صلى الله عليه (١). ومنهم من يتبتَّل للذَّبِّ عن المِلَّةِ عن شُبَهِ الأئمة المُضِلِّين (٢). وكُلُّ باب من هذه إذا خلصت فيه النيَّة لا يوازنه إلَّا ما في علم الله من ثوابه، وما أَعَدَّ للمُعْتَمِلِ فيه القائم به. ومن هذه الأنواع ما يكون مع الوحدة والعزلة، ومنها ما يكون مع الخُلطة، فأمَّا الاشتغالُ بالنوازل فإحدى المصائب النوازل. [حكاية]: وقد قرأتُ بمدينة السَّلام على أبي بكر التُّرْكِي الصوفي: أخبركم محمد بن فتوح: أنا أحمد بن رشيق: أنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الصوفي قال: "كنت بمصر أيام سياحتي فتاقت نفسي إلى (٣) النساء،

стр. 2227

فذكرتُ ذلك لبعض إخواني فقال لي: هاهنا امرأة صوفية لها ابنة مثلها جميلة، قد ناهزت البلوغ، قال: فخَطَبْتُها وزُوِّجْتُها، فلمَّا دخلت عليها وجدتها مستقبلة القبلة تصلي، قال: فاستحييت أن تكون صبية في مثل سنها تصلي وأنا لا أصلي، فاستقبلت القبلة وصليَّتُ ما قُدِّرَ لي، حتى غلبتني عيني، فنامت في مُصَلَّاهَا، ونمتُ في مُصَلَّايَ، فلمَّا كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك أيضًا، فلمَّا طال عليَّ قلت لها: يا هذه، ألاجتماعنا معنى؟ قال (١): فقالت لي: أنا في خدمة مولاي (٢)، ومن له حَقٌّ فما أمنعه، قال: فاستحييت من كلامها، وتماديتُ على أمري نحو الشهر، ثم بدا لي في السفر، فقلت لها: يا هذه، قالت: لبيك، قلت: إني قد أردت السفر، فقالت: مُصَاحَبًا بالعافية، قال: فقمت، فلمَّا صرتُ عند الباب قامت فقالت: يا سيدي، كان بيننا في الدنيا عَهْدٌ لم يُقْضَ بتمامه، فعسى في الجنة إن شاء الله، فقلت لها: عسى، فقالت: أستودعك الله خير مُسْتَوْدع، قال: فتودَّعت منها وخرجت، قال: ثم عدت إلى مصر بعد سنين، فسألتُ عنها، فقيل لي: هي على أفضل ممَّا تركتَها عليه من العبادة والاجتهاد" (٣). وهذا لما خُصَّتْ به تلك الديار من رِقَّةِ الحواشي، وحِدَّةِ الخواطر، وصفاء القلوب، فترى لنسائها المُخَدَّرات وعامَّتِها المسترسلات على المعاش ما لا ترى لأحد من نُبَلاء بلادنا.

стр. 2228

[العالمةُ الشيرازية (١)]: لقد كان في بيت المقدس نِسْوَةٌ يُفْخَرُ بهم على الأزمنة؛ يَلْتفِفْنَ (٢) على العالمة الشيرازية؛ فقيهة واعظة، مُتَعَبِّدَةٌ مُتبتِّلَةٌ، فلمَّا دخل الروم بيت المقدس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت لشعبان من سنة ثنتين وتسعين وأربع مائة لجأت بهم أجمعين إلى المسجد الأقصى، وجلسوا في قُبّةِ (٣) السِّلْسِلَةِ التي كان يحكم بها داودُ ﷺ وفيها، فلمَّا غشيتهم (٤) الرومُ قُمْنَ (٥) إليهم بالسَّبِّ ورَمْي التراب في وجوههم، فحَصَدُوهُنَّ (٦) بالسيوف، وأنزلوا (٧) بهن الحُتوف، قال لي من عَايَنَ ذلك وهو في سطح المسجد الأقصى (٨): "كُنَّ (٩) قريبًا من ألف امرأة". [أَدَبُ نساء بغداد]: ولقد خرج بعضُ الغرباء ببغداد في فُرْجَةٍ ليوم هو عندهم بها معروف، في رفقة (١٠) من أهل الطلب، وكان منهم من يحسن الأدب، فساروا، فلمَّا برزوا عن المنازل وصاروا في صحراء البلد على شاطئ

стр. 2229

الوادي يتماشون لارتياد مجلس، إذ بامرأة لها حشمة، يَحُفُّ بها جَوَارٍ لها (١)، لهنَّ (٢) منظرة وشارة، فتقدَّم منهم (٣) واحدٌ إليهن، فلمَّا دَانَاهُنَّ (٤) قال مخاطبًا لهن -يعني: سيدتهن-: من أين يأتي ذا الغزال الذي … قد كُحِلت بالسحر عيناهُ (٥) فصَرَفَتْ سيدتهن رأسها إليه (٦) بأسرع من لمح البصر فقالت: من دوحة المجد ودار التقى … فسعيُه يرضى به اللهُ (٧) فسُقِطَ في يده لِمَا سمع من الفصاحة، وتبيَّن من العفة والجلالة، وكَفَّ ورجع إلى أصحابه من خلف، وطفقوا يُصَفِّقُونَ عجبًا، ويُفنون القول؛ حَسُنَ ذَا دِيَانَةً (٨) وأدبًا، ونزلت مع جواريها في ظِلٍّ، وضربوا الرواق من المُلاء الصِّفاق، ولم يكن بأقرب من أن أرسلت إليهم جاريتين من جواريها معهما أطباق، فيها طعام وحلاوة، فأكلوا وأقاموا هنالك، حتَّى لما حان انصرافهم أرسلت إليهم جارية تقول لهم: تقدَّمُوا في الرجوع، فليس يَحْسُنُ أن نتدانى في المشي، حتى إذا أبعدتم أخذنا نحن في الرجوع، فقمنا متعجبين ممَّا رأينا فيها من الكرم والأدب والعفة. واختصرتُ الحكاية.

стр. 2230

[أبو الفضل المَرَاغِي]: وكان أبو الفضل المراغي تفقَّه (١) ببغداد، وكانت كُتُبُ أهله ترد عليه من بلده، فكلمَّا ورد كتاب وضعه في الصندوق ولا يقرأه، حتى مرَّت عليه أحوال؛ بلغ فيها ما شاء الله في العلم من الآمال، وعَقَدَ النيَّة على المرجع إلى بلده، فأخرج الكتب فقرأها؛ فإذا في بعضها (٢) ما لو علمه في ذلك الوقت من اختلال حاله هنالك ومن مات من أهله ما لبث لحظة، ولا تَمَّتْ له قراءة، واكترى (٣) وشدَّ رَحْله وعبَّاه على ظهور الدواب، وتقدَّم إلى الحلبة (٤) ليبتاع هنالك (٥) ما يضع من الزاد في السَّفْرَةِ، فساوم فَامِيًّا، وطفقا يتناولان؛ هذا ثمنه، وهذا زاده، وفي أثناء ذلك قال الفامِيُّ لجاره: أَيْ فُلْ، أما سمعت اليوم العالم الفلاني يقول عن ابن عباس: إنه يجوز الاستثناء في اليمين ولو بعد سنة (٦)؟ قال له: نعم، قال له: إني مفكر من ذلك الوقت في هذه المسألة، ولو كان هذا (٧) صحيحًا لما قال الله لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وكان يقول له (٨): قل: إن شاء الله، قال: فقَفَّ شعري تعجبًا، وقلتُ: أخرج من بلد هذه همَّة فَامِيهِ، فضلًا عن حَمَلَةِ الدين وذويه، لا يكون هذا أبدًا، ولحقت المُكاري، وقلت

стр. 2231

له (١): أنت في حِلٍّ من الكراء، حُلَّ رَحْلِي، وأَخَذَهُ وعاد إلى حالته الأولى من الطلب والقراءة (٢). [حكاية]: ولقد كان بعضُ (٣) المغاربة يمشي ببغداد في شارع من شوارع الكَرْخ بالجانب الغربي، إذا سَقَّاءٌ يحمل كأس بِلَّوْرٍ واسعًا مُخَرَّمًا في غاية الجمال، وقد ملأه ماءً (٤)، وجعل في أعلاه وردة في أَنْفِ (٥) زمان الورد، وهو يمشي فيضطرب الماء وتتموَّج الورده باضطرابه، فتتلألأ حمرةُ الورد فتَشِفُّ من بياض البِلَّوْرِ فيسطع لها نُورٌ، فآنقني وأعجبني ما رأيت من ظرفه وحُسْنِ آلته، ووقفتُ لذلك، فقال (٦) لي: ما نظرك يا مغربي؟ فقلت: أنظر (٧) إلى حسن هذه الوردة في بهاء هذا الإناء، فقال لي (٨): لا تعجب من ذلك، واعجب من قولي فيها حيث أقول: للورد عندي محل … فإنه لا يُمَلُّ كل النَّوَاوِيرِ جُنْدٌ … وهو الأمير الأجلُّ (٩)

стр. 2232

[محاسنُ البغداديِّين]: فهذه مراتب الفامِيِّين (١) والسقَّائِين، ولولا خروج هذا الغرض عمَّا نحن بصدده لأوردت عليكم في ذلك غرائب، وإنما قَصَدْنَا بذلك أن كل أحد منهم عاميًّا وخاصيًّا إذا حاول معنًى بَرَّزَ فيه، وأخذه من جميع نواحيه، وضمَّ على أوساطه ما اتَّسع من أطرافه وحواشيه. [أقلُّ أحوال المتبتلين]: وأَقَل أحوال المُتبتِّلِينَ أن يقوم قبل الفجر من نومه؛ فيذكر الله ويقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" (٢)، ويقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]؛ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم يتوضأ ويصلي ثلاث ركعات، ويذكر الله إن كان فارغًا عن شُغْل من خدمة عِلْمٍ أو معاش، حتى إذا طلع الفجر ركع ركعتيه، يقرأ في الأولى بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية بسورة التوحيد، ثم يصلي الصبح، فإذا فرغ منها قال: اللهم اغفر لي؛ ثلاثًا، ثم (٣) قال: "اللهم أنت السَّلام، ومنك السَّلام، تباركت يا (٤) ذا الجلال والإكرام، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] "، ويقول: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، عشر مرات، ولا يتكلَّم.

стр. 2233

ثم يدعو؛ فإنه يستجاب له، وإن شاء قال في دعائه -سيد الاستغفار-: "اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوأُ لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فإذا قالها من النهار مُوقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو مُوقِنٌ بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة" (١). وليقل: "اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيى، وبك نموت، وإليك المصير، اللهم إنا أصبحنا نُشهدك ونُشهد ملائكتك وحَمَلَة عرشك، وجميع خلقك، أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدك ورسولك" (٢)، "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" (٣)، ثلاث مرات، "وباسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء -ثلاث مرات-، فإنه لا يضره ذلك اليوم شيء" (٤). وليقل: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، فإنه إذا قالها كانت له عِدْلَ عشر

стр. 2234

رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أَحَدٌ بأفضل ممَّا جاء به إلا رجل عمل أكثر منه" (١). وليقل: "سبحان الله وبحمده، مائة مرة، فإنه تحطُّ عنه (٢) خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البحر، وهي أفضل الكلام، ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل ممَّا جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك" (٣). قال (٤) النبي ﷺ : "ولأن أقولها أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس" (٥). وعن جُوَيرية بنت الحارث أن النبي ﷺ خرج من عندها بُكْرَةً حين صلَّى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، قال لها: "مازلت على هذه الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ : لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ منذ اليوم لوزنتهن؛ سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضى نفسه، وزِنَةَ عرشه، ومِدَادَ كلماته" (٦).

стр. 2235

وليقل: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؛ ثلاثًا وثلاثين، ويختم ذلك (١) بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وليقل: "لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة" (٢). فإذا أراد أن يخرج من منزله قال: "اللَّهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أَزِلَّ (٣) أو أَظْلِمَ أو أَجْهَل أو يُجْهَلَ عليَّ" (٤)، وذلك يكون في لحظة. فإن تمادى على الذِّكْرِ بالصَّلاة حتى تطلع الشمس كان حَسَنًا، كما كان النبي ﷺ يفعل فهو أفضل، وإلَّا خرج إلى عمله من خِدْمَةِ عِلْمِ أو معاش بنيَّة، حتى إذا صارت الشمس من (٥) جهة المشرق كهيئتها من جهة المغرب عند صلاة العصر صلَّى ركعتين، قال النبي صلوات الله عليه وسلامه: "صلاة الأوَّابين إذا رَمِضَتِ الفصال" (٦).

стр. 2236

وقال: "يصبح على كل سُلَامَى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة (١)، وأَمْرٌ بالمعروف صدقة، ونَهْيٌ عن المنكر صدقة" (٢). ويُجْزِئُ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى. وقالت عائشة: "كان رسول الله يصلي صلاة الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله" (٣). فإذا زالت الشمس صلَّى أربع ركعات، ويصلي الظهر، ويصلي بعدها ركعتين، ويصلي قبل العصر ركعتين، ويكون نهاره في عمله على الشروط التي قدَّمناها؛ من إخلاص النيَّة في كل قول وعمل لله، وضبط اللسان والجوارح عمَّا لا يرضي الله. ويستعين بنَوْمَةٍ قبل الزوال على عمله وسهره بالليل، فإذا أمسى قال: "اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيى، وبك نموت، وإليك النشور" (٤)، كما تقدَّم في الصباح. ويقول: "اللهم إني أسألك خير هذه الليلة، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهَرَم، وسوء الكبر، وفتنة الدنيا، وعذاب القبر" (٥)، ويقولها في الصباح، ويقول: "اللهم

стр. 2237

هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، وأعقاب صلواتك، فاغفر لي" (١)، ويصلي المغرب، ويركع بعدها ركعتين، يقرأ في الأولى بآية الكرسي والتي بعدها، وفي الثانية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾؛ الآيتين إلى آخر السورة، فإن آية الكرسي تحفظه من الشيطان، ومن قرأ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ في ليلة كفتاه (٢)، ثم يصلي العشاء الآخرة، ويصلي بعدها ركعتين، يقرأ في الأولى (٣) ﴿يس﴾، وفي الثانية بسورة المُلْك؛ فإنها تجادل عن صاحبها (٤)، فإد أَوْتَرَ بركعة صلَّى إذا استيقظ ركعتين، وإن أخَّر وِتْرَه إلى السَّحَر صلَّى في السَّحَرِ ثلاث ركعات، كما تقدَّم قولُنا، فيأتيه من نوافله في اليوم (٥) أربع عشرة ركعة، يقرأ فيها سُبُعَ القرآن إن كان ممَّن جمعه، فيختم القرآن في الجمعة مرَّة، وذلك أوسط الأعمال كما قدَّمنا. ثم يأتي إلى فراشه فيفتقده، وينفضُه إن احتاج إلى ذلك، ثم يضطجع على شِقِّه الأيمن، وهو على وضوءٍ إن قَدَرَ على ذلك، وليقل: "اللهم باسمك أضع جنبي، وباسمك أرفعه، اللهم إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به نفوس عبادك الصالحين" (٦)، ويتفل (٧)

стр. 2238

في يديه جميعًا، ثلاثا، ويقرأ التوحيد والمعوذتين، ويمسح بهما رأسه، وما أدرك من جسده، ثلاث مرات، كذلك كان يفعل النبي ﷺ ، وكان إذا آوى إلى فراشه نام على شِقِّه الأيمن، وقال: "اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك (١)، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك (٢) الذي أرسلت، قال النبي ﷺ : فمن قالها مات على الفطرة" (٣). وقال النبي ﷺ لعلي وفاطمة: "إذا أخذتما مضجعكما سَبِّحَا ثلاثًا وثلاثين، واحمدَا ثلاثًا وثلاثين، وكَبِّرا أربعًا وثلاثين، هو خير لكما من خادم" (٤). وفي رواية: "عند كل صلاة ومنامك، فذلك خير من خادم (٥) ". وكان النبي إذا آوى إلى فراشه يقول: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا (٦)، فكم ممَّن لا كافي له ولا مُؤوي له (٧) " (٨).

стр. 2239

[الصلاةُ على النبي ﷺ -]: ولا يُغفل الصلاة على النبي ﷺ ، ولو مرَّة واحدة في اليوم والليلة، سوى صلواته في صلاته (١)، ولا يقل: صلَّى الله على محمد، وليقل كمَّا علَّمه جبربل له (٢) وعلَّمه لنا (٣): "اللهم صَلِّ على محمد وأزواجه وذريته، كما صلَّيت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٤). صفةُ الصَّلاة: قد تقدَّم ذِكْرُنا لها في اسم "المصَلِّي" (٥)، فإذا كان من المُتبتِّلِينَ فليقل إذا كبَّر قبل أن يقرأ: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّنِي من الخطايا كما يُنَقى الثوب الأبيض من الدَّنَس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبَرَد، وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحيايْ ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاعفر لي ذنوبي

стр. 2240

جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي (١) لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عني سَيِّئَها، لا يصرف عني سَيِّئَها إلَّا أنت، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، إنَّا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك" (٢). وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومُخِّي، وعظمي، وعَصَبي" (٣). فإذا رفع رأسه من الركوع قال: "اللهم ربنا ولك الحمد، ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، وكُلٌّ لك عبد، وأنت أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد" (٤). وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشَقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين" (٥). وإذا رفع رأسه بين السجدتين قال: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني" (٦).

стр. 2241

وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "أمَّا الركوع فعَظِّمُوا فيه الرب، وأمَّا السجود فاجتهدوا فيه (١) في الدعاء، فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم" (٢)، فالروايتان صحيحتان. فقُلْ في ركوعك: سبحان ربي الأعلى، وسبحان ربي العظيم وبحمده، وإن شئت قُلْتَها في سجودك، فكُلٌّ رُوِيَ. وتَشَهَّدْ وصَلِّ على النبي ﷺ كما علَّم، ولا ترد عليه شيئًا، ثم ادْع بما شئت، قال النبي ﷺ وليكن من أوَّل ما تقول-: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال"، ثم ادع بعد ذلك بما شئت. وتُطَوِّلُ في الصبح والظهر بالقراءة، وتتوسَّط في العصر والعشاء، ولتُخَفِّفْ في المغرب، فهذا كله صحيح. [الوصاةُ بالأحاديث الصحاح]: وقد عَهِدْنَا إليكم ألَّا تشتغلوا من الذِّكْرِ والدعاء إلَّا بما في "الموطأ" و"البخاري" و"مسلم"، فهو اللباب، وبه يستفتح الباب، ويستمنح اللباب، فإن تجاوزتم ذلك فـ "أبو داود" و"الترمذي" و"النسائي"، ولا زيادة لمن أراد لزوم الإرادة، والقيام بحق العبادة. [إسنادٌ]: فإن كان سوى هذا من حديث؛ فليكن كما أخبرنا أبو بكر بن طَرخان: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن فتُّوح: أنا أبو الغنائم القاضي

стр. 2242

محمد بن علي بن علي قراءة: أخبرنا أبو العباس العمري (١) إجازة: أنا أبو الحسن (٢) علي بن أحمد الهاشمي: نا أبو مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم العِجْلي: حدَّثنا أبي أحمد: حدَّثني أبي عبد الله قال: قال عمرو بن قيس: "وجدنا أنفع الحديث لنا ما نفعنا في أمر آخرتنا؛ من قال كذا فله كذا" (٣). [إنشادٌ]: وسمعتُ أبا بكر الطرطوشي قال: سمعتُ القاضي أبا العباس الحرجاني بالبصرة يقول: وصل إلينا فَتًى من أهل الأندلس يُعْرَف بأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، فأنشدني (٤) لنفسه: إذا كنتُ أعلم عِلْمًا يقينًا … بأنَّ جميع حياتي كساعهْ فلِمْ لا أكون ضنينًا بها … وأجعلها في صلاح وطاعهْ (٥) وأنشدني أبو بكر محمد (٦) بن طَرخان قال: أنشدني أبو عبد الله الحُمَيدي لنفسه:

стр. 2243

لقاءُ الناس ليس يفيد شيئًا … سوى الهذيان من قِيلٍ وقَالِ فأَقْلِلْ من لقاء الناس إلَّا … لأخذ العلم أو إصلاح (١) حَالِ (٢) [شرائطُ التبتل في الأمصار]: ولو كان المال الذي في الأرض اليوم حلالًا، والناس خُلصانًا، والوُلاة على الخير أعوانًا؛ لكان التبتل في الأمصار مُمْكِنًا، ولكن عُدِمَ الثلاث، فلم يمكن للمتبتل بها لَبَاث. وقد بيَّنَّا لكم في غير موطن (٣) وإملاء أنَّ من أراد الدنيا فعليه ببغداد، ومن أراد الآخرة فعليه بمكَّة، ومن اجتهد في وطنه فإن الله كما وعد عنه رسوله؛ لن يتِرَه شيئًا من عمله. وإذا كان على هذه الصفات كان "بَدَلًا". * * *

стр. 2244

البَدَلُ (١): وهو الاسمُ [الخامس] والعشرون ومائة (٢) والأبدالُ في هذه الأمة كثير، وهو (٣) اسم مُحْدَثٌ، لم يكن في الصَّحابة، ويُروى فيه أحاديثُ عن النبي ﷺ لا أصل لها (٤). ويعنون بالبَدَلِ أنه يكون خليفة عن النبي ﷺ وعِوَضًا منه في القيام بالدِّينِ؛ يستغني عن الطعام والشراب كما يستغني عن الأصحاب، فقد روى أحمد وابن المبارك وهنَّاد بن السَّرِي في ذلك أخبارًا كثيرة (٥).

стр. 2245

وجاء عن أبي ذَرّ أنه اكتفى بماء (١) زمزم أربعين ليلة (٢). فإن قيل: تلك (٣) بَرَكَةُ النبي ﷺ ؟ قلنا: بَرَكَتُه لم تنقطع بموته، ولا بَطَلَتْ نبُوَّتُه بوفاته (٤)؛ بل النبوة باقية، والحُرْمَةُ باقية (٥)، والبركة باقية، يُفِيضها الله على من يشاء من خَلْقِه. فإن أردت أن تعلم ذلك (٦) فاقرأ هذه الكتب التي عيَّنتُ لك تسمع عجائب، أو هَاجِرْ إلى الفضلاء، وارحل إلى بلاد الخير ترى بدائع، فيجتمع لك ممَّا تقرأ من الروايات وما نرى من ذلك عجائب في الكرامات المعَرِّفَةِ بالدِّين، والتحلِّي بحِلْيَةِ العابدين. وليتكم -يا معشر المريدين- قمتم بالظواهر من الأعمال، ورَعَيْتُم (٧) الصريح من الأقوال، وشَرَعْتُمْ في الاجتهاد في ذلك والاعتمال، فطوبى لكم لو فعلتم ذلك وحُسْنَ مَآبٍ.
следующие страницы →