Полный текст (2 248 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فهذا هو حُكْمُ الإمام الحافظ فيمن يتكلم في فاطمة وعلي وأبي بكر رضوانُ الله عليهم، يحكم فيه بالجلد والحد؛ لمنزلتهم عنده، هذا قوله الذي قاله في كتابه، فهل رآه الغماري وطوى ذِكْرَه ودَلَّسَ أمره وأخفى موضعه فلم يُظهره؟ كل ذلك جائز، فإذا كان صحيحًا ظهر أن غَرَضَ الغماري هو الافتراء، وأنه فعل ما فعل قاصدًا ومُدَبِّرًا لأمر، فأظهر بعض الكتاب وأخفى آخَر، وتلك خصال أهل الأهواء وأصحاب الأغراض، والله حسيبُه فيما فعل وصنع.
ولم يقف الأمرُ عند هذا الحد حتى قال شقيقه عبد العزيز الغماري: "ومن يشك في كفر من يُفَسِّرُ القرآن بمثل هذا فهو كافر" (١)، هكذا قال، لم يكتف بتكفير الإمام ابن العربي حتى أضاف إليه تكفير من شَكَّ في كفره، نعوذ بالله من الهوى.
وأمَّا ما زعمه الغماري من كون الإمام ابن العربي كان يناصب العداء لآل بيت النبي ﷺ فهي من أوابده وصنائعه، وقد اتهم بالنصب علماء جِلَّةً، منهم: الإمام ابنُ حزم الظاهري، قال فيه - وفي الأندلسيين وفي جماعة من العلماء -: "وإن كان الأندلسيون كلهم أو نواصب على دين ملوكهم بني أمية؛ إلَّا أنهم يستترون ولا يجترؤون على التصريح بما في نفوسهم، ولا سيما في الطعن في علي والحُسَين وفاطمة ﵈، بل هذه الجرأة ما عهدناها إلَّا في ابن حزم الخبيث من الأندلسيين، وفي ابن خلدون من المغاربة، وابن تيمية وطائفته من أصحابه الشوام، وأتباعه وأذنابه المقلدة له على سائر الأقطار، إلى يومنا هذا، الذين هم الخوارج
_________
(١) السفينة: (ص ١٢).
стр. 282
كلاب النار، وشر الخلق والخليقة، والمارقين من الدين مروق السهم من الرمية" (١).
هكذا قال، ونفث في ذلك الكتاب ما نفث، واجترأ وتطاول، وظنَّ أنه لا يناقش ولا يحاسب، وسيبقى كلامه هذا شاهدًا عليه.
منزلةُ آل البيت - رضوان الله عليهم - عند الإمام ابن العربي:
وقد جعل الإمام أبو بكر بن العربي مودة قرابة رسول الله فرضًا مُتَعَيِّنًا (٢)، وقال: "ولا يكون العبد وَدُودًا حتى يودَّ قرابة رسول الله ﷺ " (٣).
وقال ابنُ العربي في مناقب وفضائل ومنزلة علي ﵁:
" ذِكْرُ عَلِيٍّ ﵇:
أمَّا منْزلته في التربية؛ فإنه لما عقل هجر أباه وأمه، ونشأ في حجر الإسلام، وجنَّبه الله مخالطتهم في الدناءات، ومتابعتهم في عبادة الأصنام، واختاره النبي ﷺ لابنته، ورضيه لدُخْلَته، والأفاضل لا يفعلون ذلك إلَّا على الاختيار، فاختياره له من بين عشيرته دليل على فضيلته، وكانت منْزلته الأولى في ذلك منْزلة الولد، وربَّى عَلِيٌّ زَوْجَه وأسباطه فصار مُرَبِّيًا وأبًا، جمع في التربية بين طرفيها، ولكن دون المنْزلة الأولى.
وأما منْزلته في العلم؛ فإنه - مع صغر سِنِّه - أدرك فيه بالأكابر، وتَفطَّنَ للدقائق، وأفتى الخلفاء، وعُوِّل عليه في الفتوى، ولو لم تكن له إلا
_________
(١) الإقليد: (ص ٤٤٩).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣٣٨).
(٣) سراج المريدين: (٤/ ٣٣٧).
стр. 283
المسألة المعروفة بالمِنْبَرِيَّة وجوابه فيها على البديهة بأحسن جواب وأخصر عبارة، ولم يشغله ما كان فيه من الخطبة.
وأما منْزلته في السياسة والتدبير؛ فإنه لما ابتُلِيَ بكثرة المخالف واضطراب الأمر جرى في ذلك على أشد مجرى، بالمداراة لهم والدعاء إلى الحق، حتى تبيَّن له الباطل، فَقَتَل أَهْلَه، ولولا ذلك ما بقي للإسلام في تلك الفتنة رَسْم.
وأما منْزلته في الشجاعة؛ فظاهرة، بات في فراش النبي ﷺ فداءً لَه بنفسه، وبَرَز يوم بَدْر وخَيْبَر - وغير ذلك - مكاشِفًا لأعداء الله، وذلك ظاهر جدًّا.
وأما منْزلته في العفَّة والإنصاف؛ فكان لا يستأثر بالعطاء، وتَرَك الدِّيوان مخافة التفضيل، حتى اضطرب الأمر فعاد إليه، ومِن عَدْله وحُسْن سياسته أنه لم يدَّخِر مالًا ولا حسَمه ساعة، ومن إنصافه إجابته إلى التحكيم مع ظهور فَضْله على من تحاكم معه.
وأمَّا منْزلته في الزهد؛ فإلى الغاية؛ فإنه لم يطلب الإمامة ولا نازع فيها حتى صارت إليه، حتى عَدَّ ذاك أهل الجهالة - من أتباعه (١) - أنه فعل ذلك تَقِيَّة، وإنما فَعَله إعراضًا عن الدنيا، فلما قُتِل عثمان لم يسعه القعود، ولا جاز لَه تضييع الخَلق مع صلاته وصومه، وسار بين الأعداء والمخالفين أحسن سيرة، حين لم يُذَفِّفْ على جريح، ولا نهب مالًا، ولا استرقَّ حرمة، وسَنَّ الحُكْمَ في حرب المسلمين، وهذه منازل شريفة" (٢).
_________
(١) يقصد ابن العربي بهم الرافضة ومن شايعهم.
(٢) العارضة: (٩/ ١٩١ - ١٩٣).
стр. 284
فهذه منزلة علي ﵁ عند ابن العربي، وهي دالة على عظيم رتبته، وجليل موضعه، وأنه من السَّابقين الأُوَلِ، ويظهر بهذا أن ما أشاعه الغماري ما هو إلا محض افتراء وكذب واختلاق.
وقال في شأن الفتنة الحاصلة بين علي ومعاوية: "ولو أدركتُ الحال في صبوتي لكنتُ مع عمَّار وعَلِيٍّ، ولو أدركته في مشيختي للزمتُ غنمي أو ضيعتي، ولخاصمت معاوية مع علي، وأنا لهما مُحِبٌّ ومُعَظِّمٌ، ولعَلِيٍّ مُقَدِّمٌ؛ لعظيم منزلته، وعُلُوِّ درجته، وإن أحدًا بعد الثلاثة الخلفاء لا يدرك شأوه، ولا يلحق منزلته، ولا خلافة بعده" (١).
وقد قدَّمنا قول الإمام ابن العربي في الحُسَين ﵁، وفسَّرنا ما أشاعه ابنُ الأحمر في كتابه "بيوتات فاس"، وبيَّنا ما اختلقه في كتابه هذا؛ في فَصْلٍ خاصٍّ بذلك، وقد قال ابنُ العربي في شأن خروج الحُسَين ﵁: "وبهذا التأويل خرج الفاضلان الحُسَين بن علي وعبد الله بن الزبير" (٢).
وقال أيضًا: "ولو أن عظيمها وابن عظيمها، وشريفها وابن شريفها الحُسَين؛ يسعه بيته، أو ضيعته، أو إبله .. ما أدري ما هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن رسول الله ﷺ بقية الدهر" (٣).
فهذا قَدْرُ الحُسَين ﵁ عند ابن العربي، وهذه فجيعته فيه، وثناؤه عليه، وموضعه عنده، ولكن الناس لا يعلمون.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ١٩٥).
(٢) العارضة: (٨/ ٦٤).
(٣) العواصم: (ص ٣٣٨).
стр. 285
قاصمة: في نفي الحفظ عن الإمام ابن العربي
قال الغماري: "ابنُ العربي بضاعته في الحديث مزجاة؛ لا يكاد يتعدَّى في معرفة المتون ما في الموطأ والصحيحين وبعض السنن الأربعة، وقد ينكر أحاديث في الصحيحين، ويكفيك أنه ادَّعى في موطأ إمامه أنه أصح الكتب، وأنه أصل الصحيحين، وفيه حديث في فضل عرفة وأهله، ثم يقول: إن جميع تلك الأحاديث لا تساوي سماعها، وقد يُورِدُ حديثًا موضوعًا فيصححه، أو يورده محتجًّا به؛ كما فعل في حديث السؤال عن الإخلاص وغيره" (١).
وقال أيضًا: "من سابر كتبه - ولا سيما سراج المريدين - رأى منه في هذا الباب العجب العجاب؛ فإنه ينكر كثيرًا من الأحاديث الصحيحة المشهورة، ويأتى بكليات يضحك منها صغار طلبة الحديث، فلا أدري كيف عدَّه الذهبي من الحفاظ" (٢).
عاصمة: في بيان حفظ ومعرفة ابن العربي بالحديث
وما ذكره الغماري مناقض لإجماع العلماء على مرتبة الإمام ابن العربي في الحديث، ومعرفته بعلله وأصول نقده، ولم يذكر أحدٌ ممَّن رأى وطالع وأفاد ونقل من "سراج المريدين" - على كثرتهم - هذا الأمر، بل يستشهدون بأقواله، ويرجعون إلى ما صحَّحه أو ضعَّفه (٣)، وكُتُبُ المصطلح
_________
(١) المداوي: (٣/ ٥٠٨).
(٢) المداوي: (٥/ ٤٣٢).
(٣) وممَّن احتج بتصحيحاته وتعليلاته للأحاديث الحافظ ابن الملقن وابن حجر والسخاوي، ينظر: البدر المنير: (٣/ ١٥٣)، وتلخيص الحبير: (١/ ٤٩٠)، والمقاصد الحسنة: (ص ٤٣٥).
стр. 286
وشروح الحديث عامرة بذلك، شاهدةٌ على ما ذكرنا، وقد نثرنا في تعليقاتنا على "السراج" ما يؤكد ذلك وما يُثَبِّتُه، وننظر في هذه الدعوى التي افتراها الغماري وتابعه عليها شيعته؛ ممن انتحل مذهبه في التطاول والجراءة على أكابر العلماء والحفاظ، ونرد عليها بما تيسَّر لنا واجتمع عندنا.
شهادةُ العلماء له بالحفظ:
وقد شهد له بذلك أقرانُه وتلاميذه، وتوارد العلماء على ذلك، إلى يوم الناس هذا؛
منهم: ابن بسَّام الشنتريني (١)، وهو من أقرانه؛
ومنهم: ابن الدبَّاغ (٢)؛
ومنهم: ابن بشكوال (٣)؛
ومنهم: أبو محمد الأشيري (٤)؛
ومنهم: القاضي عياض (٥)؛
ومنهم: ابن مضاء (٦)؛
ومنهم: أبو القاسم السُّهَيلي (٧)؛
_________
(١) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة: (٤/ ٦١٣).
(٢) طبقات علماء الحديث: (٤/ ٧٠).
(٣) الصلة: (٢/ ٢٢٧).
(٤) المقدمة الدراسية للمتوسط: (ص ١٩).
(٥) الغنية: (ص ٦٨).
(٦) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠ / ب).
(٧) الروض الأُنُف: (٤/ ٥٨).
стр. 287
ومنهم: ابن حَسْنون (١)؛
ومنهم: أبو محمد عبد الله بن أحمد المقرئ (٢)؛
ومنهم: ابن وهبون (٣)؛
ومنهم: الضَّبِّي (٤)؛
ومنهم: ابن الدرَّاج السبتي (٥)، وسمَّاه: الحَبْر البحر؛
ومنهم: ابن خَلِّكان (٦)؛
ومنهم: ابن الزبير الغرناطي (٧)؛
ومنهم: الذهبي (٨)؛
ومنهم: ابن عبد الهادي (٩)؛
ومنهم: الصفدي (١٠)؛
_________
(١) نسخة ابن حسنون من جامع الترمذي: (ق ١ / ب).
(٢) مسلسلات ابن الطيلسان: (ق ٣ / أ).
(٣) المسلسلات لابن الطيلسان: (ق ٣ / أ).
(٤) بغية الملتمس: (١/ ١٢٥).
(٥) الإمتاع: (ق ٥٦ /ب).
(٦) وفيات الأعيان: (٤/ ٢٩٦).
(٧) نفح الطيب: (٢/ ٣٠).
(٨) سير النبلاء: (٢٠/ ١٩٧)، والمعين في طبقات المحدثين: (ص ١٦١).
(٩) طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي: (٤/ ٦٨).
(١٠) الوافي بالوفيات: (٣/ ٢٦٦).
стр. 288
ومنهم: ابن مرزوق (١)؛
ومنهم: ابن المُلَقِّنِ (٢)؛
ومنهم: ابنُ ناصر الدين الدمشقي، وقال: "كان من الثقات الأثبات" (٣)؛
ومنهم: ابن حجر العسقلاني (٤)؛
ومنهم: جلال الدين السيوطي (٥)؛
ومنهم: أبو العباس المقَّري (٦)؛
ومنهم: ابن العماد الحنبلي (٧)؛
ومنهم: محمد بن جعفر الكتاني؛
ومنهم: عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني؛
وغيرهم كثير.
فكيف يقول الغماري: "كيف عدَّه الذهبي من الحفَّاظ؟ "، سبحانك هذا بهتان عظيم.
_________
(١) واسطة العقد الثمين لابن مرزوق: (ق ٨ /ب).
(٢) البدر المنير: (٧/ ٤٧١).
(٣) شذرات الذهب: (٦/ ٢٣٢).
(٤) النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٦٩).
(٥) تنوبر الحوالك: (١/ ٣٧٠)، وطبقات الحفاظ: (ص ٤٦٨).
(٦) نفح الطيب: (٢/ ٢٩).
(٧) شذرات الذهب: (٦/ ٢٣٢).
стр. 289
وأمرٌ آخر نذكره يؤكد ما ذكرنا؛ من شهادة أقرانه وتلاميذه وحفَّاظ الإسلام، وهو أن الحافظ من اجتمعت فيه ثلاث شرائط، وهي (١):
الأولى: الشهرة بالطلب، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف.
الثانية: المعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم.
الثالثة: المعرفة بالتجريح والتعديل، وتمييز الصحيح من السقيم؛ حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون.
وهذه الشرائط الثلاثة قد احتوى عليها الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي واتَّصف بها، وخالطت لحمه ودمه وعظمه، حتى عُرِفَ بها وشُهِرَ بفصولها.
فهو أحد مشاهير الرواة الآخذين عن شيوخ الوقت، وسماعه للأصول من الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء ممَّا طبَّق الآفاق، وتواتر ذِكْرُه عند العلماء، حتى قال الحافظ ابن بشكوال: "وقدم إشبيلية بعلم كثير؛ لم يدخله أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق" (٢).
وأما معرفته بطبقات الرواة فيكفي النظر في كتاب "العارضة"، و"الأحكام"، و"تخليص تلخيص الطريقتين"، و"ترتيب المسالك"، حتى يعاين مبلغه من العلم بهذا الفن.
_________
(١) النكت على ابن الصلاح: (١/ ٢٦٨).
(٢) الصلة: (٢/ ٢٢٨).
стр. 290
وأما تمييزه الصحيح من السقيم فهي مسألة منثورة في كتبه كلها، وقد ذكر ابن العربي الكثير من ذلك هنا كما قدَّمنا، وكما يأتي، وشهد له بها الغماري نفسه، قال: "وهؤلاء كابن العربي المعافري وتلك الطبقة؛ من الفقهاء، والأصوليين، والمتكلمين؛ الذين لهم مشاركة في الحديث، ومعرفة بصحيحه من سقيمه" (١).
وبعد هذا يكون ابن العربي قد استحق هاتين المرتبتين؛ مرتبة الحفظ، ومرتبة النقد؛ بشهادة العلماء، وبالخصال التي استحوذ عليها واتَّصف بها.
ثم ما ذكره الغماري من كون بضاعة ابن العربي في الحديث مزجاة؛ يَرُدُّه قوله الذي حكاه بعد، قال: "لا يكاد يتعدَّى في معرفة المتون ما في الموطأ والصحيحين وبعض السنن الأربعة".
وهل من يعرف أحاديث هذه الكتب يقال فيه: إن بضاعته في الحديث مزجاة؟
قلتُ: ونَقْدُ قوله هذا من وجوه:
الأوَّل: قال الغماري: "وبعض السنن الأربعة"، وكأنه أدخل معها "سنن ابن ماجه"، ولم يَرْوِ ابنُ العربي "سنن ابن ماجه"، فلا يصح أبدًا أن يذكرها ضمن مسموعاته ومعلوماته، وقد تكرَّر منه هذا في مواضع، ويأتي مزيدُ بيان له فيما يستقبل من نقده.
_________
(١) در الغمام: (ص ٧٠).
стр. 291
الثاني: مروياتُ ابن العربي كثيرة جدًّا، بعضُها لم يكن للمغاربة معرفة بها ولا مشاهدة لأصولها حتى أدخلها إلى الأندلس، وبعضها سمعها منه الناس، وتواتر ذلك عند حَمَلَةِ العلم ونَقَلَتِه، وقد ذكر ذلك عياضٌ في ترجمته، وذكره غيره من العلماء، حتى صنَّف ابن الأبَّار في أصحابه وتلاميذه معجمًا حافلًا في ذلك، نثره في "التكملة"، وأفاد منه ابنُ عبد الملك في "ذيله".
وقد ذكرنا بعض هذه الكتب التي جلبها وسمعها، فتنظر في قُطْبِ الصنعة الحديثية، وتنظر في أواخر السِّفْرِ الرابع من "السراج" (١).
الثالث: وما زعمه من كونه يُنكر الأحاديث الصحيحة المشهورة، فهي صحيحة عند الغماري أو عند البعض، ضعيفة عنده، وما العيبُ في أن يستقلَّ إمام حافظ بنقْدِ أحاديث مشتهرة على الألسنة لا يرى هو صحتها؟
الرابع: ولم يسلم حافظ من حفاظ الإسلام من الاستدراك، فهذا البخاري استُدرك عليه، وكذلك مسلم، وغيرهما، فما العيبُ في أن يقول ابنُ العربي قولًا في حديث، ولم نعلم العصمة لأحد من الناس؛ حاشَا الأنبياء، ولكن الغماري يقول ما لا يُفهم، ويعترض بما لا يكون.
الخامس: وغالبُ اعتراضه يكون من جهة عدم فهمه لكلام ابن العربي، وأُبَيِّنُ ذلك بمثالين:
أحدهما: أن ابن العربي يُفَرِّقُ بين الصحيح وبين الحسن، وعندما يقول: لم يصح حديث في الباب، لا يعني أنه لم يثبت بطريق حسن، وقد قدَّمنا بعض الأمثلة على ذلك.
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٣٩٩ - ٤١٠).
стр. 292
ثانيهما: إذا لم يصح عنده الحديث ينسبه إلى الحكمة، أو إلى المثل، فيأتي الغماري فيظن أن ابن العربي لا يعرف أن الحديث قد رُوي، فيعترض عليه، وخفي عليه أن الحديث غير صحيح عنده، وأنه من جملة الضعاف والمناكير، ويأتي مزيد بيان له في الفصل الذي بعد هذا.
وقد تابع هذا الغماري في الجراءة أخوه عبد العزيز، فحاول أن ينزع عنه هذه الصفة، صفة الحافظ، ثم زعم أنه وقف له على أوهام ودعاوى، ولكنه لم يأت بما يثبت أو ينفي، وإنما هو كلام يرسل إرسالًا، وكأنه يرى نفسه في مَأْمَنٍ من التعقب.
قال عبد العزيز - ذاكرًا أوهامًا زعمها للإمام الحافظ ابن العربي -: "وقولُه في حديث جُعل رزقي تحت ظِلِّ رمحي: خرَّجه البخاري" (١).
قلتُ: والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - معلقًا - عن ابن عمر ﵄، في كتاب الجهاد، بابُ ما قيل في الرماح، فتعجَّب من صنيع هذا الرجل الذي يُنسب إلى الحفظ، وهو لا يعرف ما في صحيح البخاري، أيُّ حِفْظٍ هذا؟ وأي معرفة هذه؟
وقال أيضًا: "وقولُه في حديث صَدَقك وهو كذوب: صحَّحه قوم، وضعَّفه آخرون" (٢).
قلت: ولم يُتِمَّ كلام ابن العربي، وفيه البيان الكافي الذي يُبيِّنُ قوله هذا، قال الإمام الحافظ: "أدخله البخاري مقطوعًا" (٣)، أي: منقطعًا.
_________
(١) السفينة: (ص ٧١).
(٢) السفينة: (ص ٧١).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٨٠).
стр. 293
وإنما قال ذلك لعدم تصريح البخاري بالتحديث، ففي صحيحه: "وقال عثمان بن الهيثم"، وكذلك هو في جميع الأبواب التي أدخله فيها، ووصله الإسماعيلي وغيره، وعثمان بن الهيثم من شيوخ البخاري، فيحمل قولُه ذلك على السماع عند قوم، ولعلَّ لهذه العلة صحَّحه من صحَّحه، وكأنَّ ابن العربي لم يقنع منه بذلك حتى يصرح بالتحديث، والله أعلم.
ثم ما العيب في أن يحكي الإمامُ الحافظ قولًا عن العلماء في تصحيح حديث أو تضعيفه، وها هو أخوه الأكبر يقول في صحيح البخاري: "الذي ادَّعوا إجماع الأمة على صحة ما فيه" (١)، فهل ينقد عبد العزيز كلام أخيه هذا كما زعم في نقده للإمام الحافظ ابن العربي؟
وهذا الذي يزعم نقد الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي قد وقفتُ له على أغاليط لا تقع من طالب علم، فكيف بمن يصف نفسه بالحفظ ومعرفة الحديث، وذلك أنه صحَّف تصحيفًا قبيحًا جدًّا في اسم أحد علماء الأندلس، وهو ينقل عنه ما ظنه نقدًا للإمام ابن العربي، قال عبد العزيز الغماري - ومن خطه نقلتُ -: " .. أبو الحسن نجية بن يحيى بن نجية" (٢)، كذا قال، وإنما هو نجبة بن يحيى بن نجبة، ترجمه ابن الأبَّار (٣)، وابن الزبير (٤)، وابن الحضرمي (٥)، وعجبًا لمن يريد نقد حافظ من حفَّاظ الإسلام يُصَحِّفُ في اسم أحد الرواة!
_________
(١) المداوي: (٦/ ٥٢٨).
(٢) السفينة: (ص ١٧٥).
(٣) التكملة: (٢/ ٢١٨ - ٢١٩).
(٤) صِلَة الصِّلة: (٣/ ٨٠ - ٨١).
(٥) الفرائد المرويات: (ص ٣١٠).
стр. 294
وغالبُ تنقيدات الغمارية من هذا القَبِيل؛ نَقْدٌ بلا نَقْدٍ، وعِلْمٌ بلا فهم، ودعاوَى باطلة، وافتراءٌ مع التهويل، وإخفاءٌ للمحاسن، وكتمانٌ للمزاين.
السَّادس: قال الغماري: ويكفيك أنه ادَّعى في موطأ إمامه أنه أصح الكتب!
قلت: وما أراد عيبه به هو من مناقبه لا من مثالبه، ولكن الغماري لانحرافه عن الإمام مالك ﵁ يقول ما قال، ولم يعلم الغماري أن ما قاله الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي هو الذي عليه المعوَّل، وهو المعتبر عند مالكية المغرب، فأي عيب في أن يختار إمام مجتهد لنفسه ويصطفي من الأقوال، والمسألة كما يعلم الغماري متجاذبة، ولكنه كما قيل قديمًا: اسم يَهُولُ بلا جسم، وترجمة تَرُوقُ بلا معنى، وإليك ما قال الأحبار في خصوص هذه المسألة، وهو:
السَّابع: قال الإمام ابن مرزوق التلمساني: "الموطأ هو الأوَّل المقدَّم؛ كما ذكره الحافظ أبو بكر بن العربي في مقالته التي أجلبُها بعد - إن شاء الله تعالى -، وهو المنقول عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁، وغيره من الأئمة الأعلام؛ لشهرة تَقْدِمَةِ الموطأ ببلادنا، وأوَّليته في الفضل عندنا، وهو أمر معلوم في أقطارنا، معروف عند كبارنا وصغارنا" (١).
فما أنكره الغماري يعلمه الخاص والعام، والصغير والكبير، ولكن الغماري يُمَارِي، ويحسب أنه ينقد ويُجَارِي.
_________
(١) واسطة العقد الثمين لابن مرزوق: (ق ٨ / ب).
стр. 295
قاصمة: في اتهام الإمام ابن العربي بالكذب
قال الغماري: "هذا المنافق الفاجر الكذَّاب؛ الذي جرَّب عليه الكذب أهلُ عصره، كما ذكره القاضي عياض ﵀ في معجمه، ومن سابر كتبه وقرأ ما يحكيه من النوادر والأقوال عن العلماء تحقَّق كذبه وتلبيسه؛ كما هو شأن كل مبتدع ضال ومنافق فاجر؛ إذ لا يجد المبتدع ما يُرَوِّجُ به بدعته ويؤيد به ضلاله ونحلته؛ لولا الكذب والتدليس والتحريف لمعاني الأصول، والتزوير فيها والتلبيس، وقد جمعنا من أكاذيبه وأخطائه الفاحشة لا سيما في كتابه سراج المريدين المذكور؛ ما يعلم منه أنه أسقط الناس رأيًا، وأسخفهم عقلًا، وأجهلهم جهلًا، لا سيما بالحديث والآثار، ولو كان ذلك حاضرًا لذكرنا منه ما يتعجب من سماعه السَّامعون، ويسخر منه السَّاخرون، ولكننا كما عرَّفناك في حالة غربة واعتقال، ونطلب الله أن يمنَّ علينا بجمع الباقي من أخطائه، وتدوين ذلك ونشره، حتى يُعلم من هو ابن العربي؛ الجاهل، الأحمق، المبتد، الناصبي، الخبيث، وما هو علمه، وعقله، ودينه، أمانته" (١).
عاصمة: في تبرئة الإمام ابن العربي من الكذب
قلتُ: وقول الغماري هذا من أنواع الجراءة التي أوتيها؛ بالتطاول على العلماء وحفاظ الإسلام، فنبز الإمام الحافظ أبا بكر بن العربي بالكذب، وعوَّل على قول القاضي عياض الذي لا يُفهم منه ما أراده، مع أن عياضًا لم يقل ما نسبه إليه الغماري.
_________
(١) الإقليد: (ص ٤٤٩ - ٤٥٠).
стр. 296
قال القاضي عياض: "ولكثرة حديثه وأخباره وغرائب حكاياته ورواياته أكثر الناسُ فيه الكلام، وطعنوا في حديثه" (١).
وفي هذا الكلام جملة أمور:
الأوَّل: شهادة القاضي عياض للإمام ابن العربي بالحفظ والاستكثار، والتبحر في الحديث والأخبار.
الثاني: معرفته بغرائب الحكايات.
الثالث: الطعن فيه.
والأوَّل والثاني ينتج عنه الثالث؛ فلأنه قهرهم بحفظه ومعرفته طعنوا فيه، ولأنه لا قدرة لهم على مجاراته تكلَّموا فيه، ومن كان ذا رحلة مثل رحلة ابن العربي حُقَّ له أن يتفرَّد وأن يُغْرِبَ.
وأمر آخر طواه القاضي عياض ولم يذكره، وذلك أن الطاعن عليه في حديثه إنما هم علماء إشبيلية؛ وذلك لحسدهم له، وقد قدَّمنا فصولًا في صدر الدراسة، وبيَّنا - بشهادة العلماء - ما عاناه مع حسدته وشانئيه.
وقد ذكرنا تلك الحكاية التي طُعِنَ بها على ابن العربي، وذكرنا انتصار الحافظ ابن حجر له، ومعه الجلال السيوطي، بما يغني عن إعادته.
وأمر آخر طواه الغماري؛ وهو ثناء القاضي عياض على الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي، ولو كان عنده غير مَرْضِيٍّ لما ذكره في جملة شيوخه، ولما روى عنه في كُتُبِه، قال القاضي عياض: "فسكن بلده، وشُووِرَ فيه،
_________
(١) الغنية: (ص ٦٨).
стр. 297
وسمَّع، ودرَّس الفقه والأصول، وجلس للوعظ والتفسير، ورُحِلَ إليه للسَّماع، وصنَّف في غير فَنٍّ تصانيف مليحة كثيرة، حسنة مفيدة، وولي القضاء مُدَّةً ثم صُرِفَ، وكان فهمًا، نبيلًا، فصيحًا، حافظًا، أديبًا، شاعرًا، كثير الخير، مليح المجلس" (١).
فلِمَ لَمْ يذكر الغماري هذا الكلام؟ ولم طواه؟ ولم أخفاه؟ ولم حكى ما عدَّه طعنًا ولم يذكر الثناء؟ ففي هذا ما يظهر غرض الغماري ومقصده؛ وأنه يستغفل القارئ ويُدَلِّسُ عليه، ويظهر له ما يريده هو أن يراه ويعلمه من شأن القاضي، وهذه هي حجته التي زعمها.
ولكن الغماري ما فتئ يردد ذلك الكلام، وكأنه وقع على ما يبرد غلته ويثلج صدره، وتعدَّى في ذلك إلى تكذيبه في كل قول، وإلى التفوه به عند كل مناسبة، حتى كذَّبه في إخباره عن الصخرة المعلقة ببيت المقدس، ويأتي مزيدُ بيان لها في آخر هذا التكميل.
وابنُ العربي إمام المغرب والأندلس، وآخر حُفَّاظِها؛ كما قال ذلك أبو القاسم بن بشكوال، ولجلالته وارتفاع مرتبته عوَّل الناس عليه في التفقه والنظر، وفي الانتصار لمذهب عالم المدينة النبوية الشريفة سيدنا مالك ﵁، ولحِقْدِ الغماري على المالكية قال ما قال في الإمام أبي بكر بن العربي؛ لأنه حجة لديهم، وإمام من أئمتهم، لا يخلو كتاب من كتب علمائها من نقل أقواله وأنظاره، وعلى "الأحكام" و"القبس" و"العارضة" مُعَوَّلُهم، فلمَّا عاين الغماري مرتبة الإمام أبي بكر أراد أن ينفذ إليه بدسيسة يفتريها، ففكَّر ودبَّر، وقدَّر ما قدَّر، فلم يجد إلَّا هذه الفريات الثلاث؛
_________
(١) الغنية: (ص ٦٨).
стр. 298
النصب، والكذب، وجهله بالحديث؛ هكذا قدَّر وفكَّر ودبَّر؛ ليصح له الطعن، وليُظْهِرَ نفسه بالذي ينصر آل بيت النبي ﵈.
وكل ما ذكره من تهويل وزعماته بفواحش أغلاط "السراج" يأتي نقضها وردها وبيان زغلها؛ واحدة واحدة، وكلمة كلمة، ولفظة لفظة؛ حتى يقف الناس على حقيقة هذا الرجل، وأنه كان صاحب هوى، ولم يكن يَرْعَ الله والشرع فيما يقوله أو يكتبه.
وقد قرأ الناس "السراج" وتدارسوه، ولم يقولوا ما قال هذا الرجل، وما أسهل الطعن والافتراء والاعتداء، وما ذكره من إقذاع نبرأ إلى الله منه، ونعوذ بالله منه ومن بلائه.
ذِكْرُ مطاعن الغماري في "سراج المريدين" على التفصيل:
ونذكرُ - بحول الله - كلامه، ونُعْقِبُه بما نراه في حَقِّه، سالكين سبيل الإنصاف، ومجانبين طريق الاعتساف، والله الموفق.
الموطن الأوَّل:
قال الغماري: "زعم المعافري في السراج: أنه لم يصح في العلم إلَّا ثلاثة أحاديث" (١).
ثم قال: "قوله: إنه لم يصح في العلم إلا ثلاثة أحاديث؛ أبطل من الباطل؛ فإنه صَحَّ في العلم ما يزيد على خمسين حديثًا، ليس هذا موضع إيرادها" (٢).
_________
(١) جؤنة العطار: (٢/ ٣٩).
(٢) جؤنة العطار: (٢/ ٤٠).
стр. 299
قلتُ: لم يذكر ابن العربي أنه صحَّ في العلم ثلاثة أحاديث، وإنَّما عوَّل الغماري على نسخته من "السراج" التي فيها لفظ الثلاثة، وما قاله ابن العربي بخلاف ذلك.
قال الإمام أبو بكر بن العربي ﵁: "والذي صَحَّ عن النبي ﷺ فيه عَشَرَةُ أحاديث" (١).
ثم سَرَدَ الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي تلك الأحاديث، ولكنَّ الغماري لعَجَلَتِه لم يَقْوَ على متابعة القراءة، أو طَوَى ما ذَكَرَهُ القاضي أبو بكر ليَخْلُصَ إلى ما يريده، وقَبِيحٌ بالرجل أن يصنع هذا الصنيع، وقَبِيح به جدًّا أن يُدَلِّسَ على القارئ؛ ليكون على وَفْقِه في رأيه الذي بناه على فَهْمِه السَّقِيمِ.
نعم؛ وقد جهل الغماري قَصْدَ الإمام أبي بكر، ولو قرأ الكلام الذي ساقه من قبل لأدرك قصد القاضي الإمام؛ وهو التحذير من الواهيات والأباطيل التي ملأ بها الصوفية والمتزهدة كتبهم، والتي ذكرُوا فيها كل باطل من القول، ممَّا نُسِب زُورًا إلى النبي ﷺ ، في فضائل العلم وما ورد فيه، فكيف جهل الغماري هذا؟ أليس غريبًا أن لا يفهم؟ غريبٌ؛ أليس كذلك؟
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: "وقد انتدب قَوْمٌ للعلم فأطنبوا في أوصافه وفرائضه وفضائله، فأمَّا أوصافه فقد تقدَّمت الإشارة إليها بما تقتضيه هذه الرسالة من الاختصار، وأمَّا الفضائل فقد أكثر الخلق
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٤٠).
стр. 300
في ذلك وأَطْنبُوا، وصَعَدُوا واسْتَفَلُوا، وعليهم في ذلك ما احْتَمَلُوا، وهم مُطالَبون بالقيام بما حُمِّلُوا، وليس في هذا الباب أَثَرٌ يُلْتَفَتُ إليه، ولا يُعَوَّلُ عليه، فلا تَشْغَلُوا بأحاديثه بالًا، ولا تَسْطُرُوا بذِكْرِه مَقَالًا، فإن فَضْلَ هذه الصفات أَعْظَمُ مِنْ أَن تظهر، والذي صَحَّ عن النبي ﷺ فيه عَشَرَةُ أحاديث" (١).
وكلام الإمام أبي بكر هنا واضح لا لبس فيه، فهو يقصد من أَكْثَرَ في هذا الباب ونَسَبَ إلى النبي ﷺ ما لا يصح، ونَظَرُه إلى ما كتبه أبو طالب في "قُوتِ القلوب" (٢)، وما كتبه أبو حامد في "الإحياء" (٣).
وكَلَامُ الإمام أبي بكر بن العربي هنا يَقْدُرُه أهلُ العلم، ويعرفون موقعه وموضعه، ويدركون أن كلامه إنَّما صَدَرَ من خِرِّيتٍ مُجَرِّبٍ، عارف عالم بما يقول، مُدَاخِلٍ لمصنَّفات العلماء، مُحْتَوٍ على مقاصدها ومباحثها.
وهذا الذي ذكره ابنُ العربي من الأحاديث الصحيحة في فضيلة العلم هو ما ذكره أهل الصحيح.
وفي موضع آخر قال الإمامُ ابن العربي: "أَكْثَرَ الناس في فضائل العلم، وهو أفضل من أن تُتْلَى فضائله؛ إذ لم يصح فيه أكثر ما أورده الناس فيه" (٤).
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٩ - ٤٠).
(٢) قوت القلوب: (١/ ٣٦٣).
(٣) الإحياء: (ص ١٢).
(٤) العارضة: (٩/ ٣٩٣).
стр. 301
ذَكَرَ ابنُ العربي هذا وهو يشرح "كتاب العلم من الجامع" للترمذي، فدَلَّ ذلك على أن كثيرًا من الأحاديث الواردة في فضل العلم لا تصح، ولو أن هذا الغماري ذكر تلك الخمسين التي أشار إليها لتتبَّعناها بالنقد، لنرى ما يسلم له منها، وما لا يسلم، ويكفي أن يعلم هذا الغماري أن التصحيح والتعليل من مسائل الاجتهاد، يكفيه هذا، ويكفي ذلك كل عاقل.
قال الغماري: "ثم قال: وأمَّا العَقْلُ فليس فيه حَدِيث صَحِيح ولا حَسَنٌ، وقد قرأنا ببغداد "كتابَ العَقْلِ" لداود بن المُحَبَّر، جُزْءًا على القاضي أبي المُطَهَّر سعد بن عبد الله بن أبي الرجاء الأصفهاني، وكُلُّه أو أكثرُه آثارٌ عن النبي ﷺ ليس لها أَصْلٌ، أَمْثَلُها - ولا مَثِيلَ فيها - حَدِيثٌ: "قيل له: أَقْبِلْ فأَقْبَلَ، وأَدْبِرْ فَأَدْبَرَ"، وهذا الجزء هو الذي أَخَلَّ بدَاوُدَ فحَطَّ مَرْتَبَتَه؛ فلم يُرْوَ عنه، وأَخُوهُ بَدَلٌ تَرَكَه، فخرَّج عنه البُخاري وغيرُه" (١).
ثم قال الغماري: "وفي هذا من أوهام هذا الرجل عجائب:
أوَّلها: أن بَدَلَ بن المُحَبَّرِ ليس بأخ لداود بن المحبر".
قلت: وهو كما قال، وأن يَسْرِي الوهم لاشتراك رجلين في اسم الأب ليس ببعيد عن العلماء - خصوصًا في راويين تقاربَ زمانهما -، وفيه صَنَّفَ الناس كتبهم، وهو علم المتفق والمفترق، وكذلك وقع للغماري، في خلطه بين أبي الليث السمرقندي الواعظ الشهير، وبين رجل آخر يروي من طريقه القاضي عياض في "الشفا" (٢)، فظنَّهما الغماري واحدًا، ولم يُفَرِّقْ بينهما، مع أن الأوَّل توفي عام ٣٧٥ هـ، والآخر توفي عام ٤٨٦ هـ،
_________
(١) جؤنة العطار: (ص ٣٩)، وكلام ابن العربي في سراج المريدين: (٢/ ٤٣ - ٤٤).
(٢) تبيين البله للغماري: (ص ٣٢٠ - الكتانية).
стр. 302
فبين وفاتيهما مائة سنة أو يزيدون، ومع ذلك لم يضبط أمرهما، ولا عرف خبرهما، ولو كان هناك ثالث يقال له السمرقندي لأشركهما مع الاثنين، ولو كان هناك رابع وخامس، كذلك كان يفعل، كما فعل في الأوَّل، فأي الرجلين كان أفحش غلطًا وأكثر خطأً وأجدر بالتشهير؟
ثم قال الغماري: "ثانيها: قوله: إن هذا الجزء هو الذي أخلَّ بداود بن المحبَّر فحط من قدره، غَلَطٌ؛ فإن الذي حط من قدره كثرة موضوعاته التي كتاب العقل منها، بل لعله وضع من الأحاديث قدر كتاب العقل خمس مرات، على أن كتاب العقل وضعه ميسرة بن عبد ربه، فسرقه منه داود وركَّب له أسانيد أخرى" (١).
قلتُ: وهناك جملة أمور أذكرها تعليقًا على هذا التهويل:
أوَّلها: كل من ترجم لداود ذكر "كتاب العقل" الذي وضعه وركَّب أسانيده، وكون ابن العربي أخبر بهذا لا يستدعي كل هذا التهويل من هذا الغماري، وكلامه هنا لا يخرج عن المشاغبة والسفسطة، فما الذي أخطأ فيه ابن العربي بقوله: إن "كتاب العقل" حَطَّ من قدره، فما دام أن "كتاب العقل" كله موضوعات وأباطيل فما المستغرب في ذكر ابن العربي لذلك؟
ثانيها: كل من ترجم لداود من أهل الجرح والتعديل إنَّما ذكروا ما ذكر ابن العربي، فلِمَ ينكر عليه الغماري ما قاله وقرَّره أئمة التعليل؟
قال فيه الخطيب البغدادي: "حال داود ظاهرة في كونه غير ثقة، ولو لم يكن له غير وضعه "كتاب العقل" بأسره لكان دليلًا كافيًا على ما ذكرتُه" (٢).
_________
(١) جؤنة العطار: (٢/ ٣٩).
(٢) تاريخ بغداد: (٩/ ٣٢٨).
стр. 303
وقال فيه ابن عدي: "وعن داود كتاب قد صنَّفه في فضائل العقل، وفيه أخبار مسندة، وكل تلك الأخبار أو عامتها غير محفوظات" (١).
وقال الدارقطني: "كتاب العقل وضعه أربعة، أوَّلهم ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه داود بن المحبَّر؛ فركبَّه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء فركبَّه بأسانيد أخَر، ثم سرقه سليمان بن عيسى السِّجْزِي فأتى بأسانيد أخرى" (٢).
ثالثها: ما ذكره الغماري ظهر فيه تعنته ومكابرته، فكُلُّ من ذكرنا من أئمة التعليل اتفقُوا في نسبة "كتاب العقل" إلى داود، فهل يحرم على ابن العربي ما يجوز على أولئك؟
فظهر أن ما صنعه الغماري هنا لا تعلق له بالنقد وأصوله، وإنَّما الرجل يعبث، ويُطلق العنان لأحقاده؛ وهو بتصرفه هذا يظن أنه ينقد أو ينقض، ولكن هيهات!
ثم قال الغماري: "ثالثها: قوله: فلم يُرو عنه، خَطَأٌ أيضًا، فقد روى عنه جماعة من مشاهير الحفاظ والرواة، منهم: الحارث بن أبي أسامة، وأكثر من أحاديثه جدًّا في مسنده، ومنه عرفنا أكثر موضوعاته، وروى له أبو داود في كتاب القدر، وابن ماجه في السنن، وآخرون" (٣).
قلتُ: وقوله هذا ننقده من وجوه:
_________
(١) الكامل: (٣/ ١٠١).
(٢) تاريخ بغداد: (٩/ ٣٢٨).
(٣) جؤنة العطار: (٢/ ٤٠).
стр. 304
الوجه الأوَّل: لم يقصد ابن العربي ما فهمه الغماري من كلامه، فابن العربي قصد أنه لم يَرْوِ عنه أهل الصحيح، وذلك أنه لمَّا ذكر بَدَلًا ذكر البخاري في جملة من خرَّج له، ولم يَنْفِ ابنُ العربي أن يكون هناك من روى عنه، هذا الذي يفهمه كل عاقل، وإلا فكيف يكون "كتاب العقل" من روايته؟ وهو:
الوجه الثاني: قد ذكر ابنُ العربي أنه يروي "كتاب العقل" من طريق أبي المطهَّر، ولكن الغماري جهل الواسطة بين أبي المطهَّر وداود بن المحبر، وهو:
الوجه الثالث: فقال الغماري: إن من جملة الرواة عن داود الحارث بن أبي أسامة، وابنُ العربي إنما يروي "كتاب العقل" من طريق ابن أبي أسامة، وغريبٌ أن يستدرك الواحد على رجل راويًا هو من جملة معلوماته، وهو من جملة إسناده إلى الكتاب، ويتصل ابن العربي بكتاب العقل بحق سماعه من أبي المطهَّر الأصفهاني عن أبي نعيم الحافظ عن ابن خلَّاد عن أبي محمد الحارث بن أبي أسامة، ثم:
الوجه الرابع: وجهل الغماري أن ابن العربي يروي كتاب "المسند" - أيضًا - للحارث بن أبي أسامة (١)، ولو علم ذلك لما تجرَّأ على قوله الذي قاله.
وبهذا يُعْلَمُ تَعَسُّفُ الغماري فيما زعمه من نَقْدٍ لكتاب "سراج المريدين"، وظهر فيه عدم إنصافه، وأن غرضه الأساس هو النقض والمشاغبة، لا غير.
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ١٩٥).
стр. 305
الموطن الثاني:
قال الغماري: "أنكر ابنُ العربي المذكور على ابن ابن أبي زيد قوله في الصلاة على النبي ﷺ : وارحم مُحَمَّدًا، وتبعه جماعة، وأطالوا في ذلك؛ ردًّا وقبولًا، حتى رأيتُ الأُجهوري كَتَبَ في حاشية الرسالة ما يصح أن يكون رسالة مستقلة، وقد رأيتُ ابن العربي الذي أثار هذا البحث قال في حق النبي ﷺ في الكتاب المذكور ما نصه: فجزاه الله أفضل ما جازى به نَبِيًّا، و ﷺ وتغمَّده الله بفضله ورحمته" (١).
قلتُ: وما ذكره الغماري لا تعلق له بالموضوع، من ثلاثة أوجه:
الأول: أن كلام ابن العربي ينظر إلى الصلاة على رسول الله في التشهد، وهو موضع لا يزاد فيه على الوارد.
الثاني: أن الرحمة الواردة هنا ليست من جملة الصلاة على رسول الله، ولا تعلق لها بالدعاء لرسول الله، وإنما رَجَا ابنُ العربي أن يتغمَّد الله نَبِيّنَا بفضله ورحمته، ونظير هذا قول رسول الله - في الحديث الصحيح -: "إلَّا أن يتغمدني الله برحمته".
الثالث: وحتى لو كان ذَكَرَها ابنُ العربي في سياق الدعاء فلا ينكر عليه، فقد قال ابنُ العربي - بعد ذلك -: "أما إنه يُتَرَحَّمُ على النبي في كل حين" (٢).
_________
(١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٢٨٣).
стр. 306
وبهذا يظهر أن رَدَّ الغماري هنا لا صلة له بالعلم، وإنما هو رَدٌّ بالتشهي، لمَّا لم يجد ما يقول زعم أن ابن العربي قد تناقض، وهيهات هيهات!
الموطن الثالث:
قال الغماري: "من تناقضه - أيضًا - قوله في الكلام على أيوب ﵇: لم يصحَّ عن النبي ﷺ أنه ذَكَرَهُ بحرف واحد، إلَّا قوله: "بَيْنَا أيوب يغتسل إذ خرَّ عليه رِجْلٌ من جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فقال الله له: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك" (١)، وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سُنَّة إلا ما ذكرنا، فمن الذي يُوصِلُ السَّامعَ إلى أيوبَ خبرُه؟ أم على أي لسان سَمِعَه؟
والإسرائيلياتُ مرفوضة عند العقلاء وجلة العلماء، فاغْتَمِضْ عن مسطورها بصرك، واضمم عن كَتْبِها يَدَك، وأَصْمِمْ عن سماعها أُذُنَك، فإنها لا تُعْطِي فِكْرَك إلا خبالًا، ولا تزيد فؤادك إلَّا اختلالًا، انتهى.
ثم إنه ذكر في موضع آخر من هذا الكتاب نفسه حكاية عن ملك سليمان وأُبَّهَتِه، ثم قال: معذرة: فإن قيل: وكيف تذكر هذا وليس له مُسْنَدٌ يُسند إليه من راوٍ نعلمُه؟
قلنا: هذا منا اقتداءٌ بإمام دار الهجرة مالكُ بن أنس، فإنه كان مِقْدَامًا على ذِكْرِ الإسرائيليات، وعلى حكمة لقمان، ولم يزل ينقل منها في كتابه،
_________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه﴾، رقم: (٣٣٩١ - طوق).
стр. 307
ويتلوه على أصحابه، ويَعُمُّ بذلك؛ من آدَمَ إلى عيسى صلوات الله عليهما، وقد ذَكَرْت عنه من ذلك كثيرًا في التفسير والأحكام.
وقد قال النبي ﷺ : "حَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (١).
وقال أحمد بن حنبل عنه ﷺ : "حَدِّثُوا عن بني إسرائيل، فإنه كانت فيهم الأعاجيب" (٢).
وينبغي للمُحَدِّثِ عنهم أن لا يسترسل في حديثه على ما لا يجوز، أو ما يُكَذِّبُه الشرع عندنا، وقد بيَّنَّاه في شرح الحديث.
قلت: فأين قوله: والإسرائيليات مرفوضة عند العقلاء إلخ؟
ومن أوصل إلى مالك خبر آدم فمن بعده إلى عيسى؟
وأين قوله: إنها لا تعطي فكرًا إلا خبالًا، ولا تزيد فؤادًا إلا اختلالًا؟ " (٣).
قلتُ: وقد سقطت له ألفاظ في نقله لهذه النصوص، وأساء في قراءة بعضها، لهذا أوردنا نصَّه كما هو من غير إصلاح، ويُعلم ذلك بمقابلته بما أثبتناه في موضعه من "سراج المريدين".
_________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄: كتاب الأنبياء، باب ما ذُكِرَ عن بني إسرائيل، برقم: (٣٤٦١ - طوق).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁: برقم: (١١٠٩٢ - شعيب)، ولفظه: "تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه".
(٣) جؤنة العطار: (٢/ ٤١).
стр. 308
ولم يُصبِ الغماري في هذا الذي ساقه، وحَسِبَهُ ممَّا يمكن أن يفرح به، وليس كما ظنَّ، بل هو دالٌّ على تسرعه وسوء فهمه، وفيه جملة أمور:
الأوَّل: لم يستطع أن ينقض ما ذهب إليه ابن العربي في عدم صحة الأحاديث عن ابتلاء أيوب ﵇، وأن الصحيح منها واحد فقط، فلم نر الغماري يشاغب كما تقدَّم في أحاديث فضل العلم، فدلَّ ذلك على أنه موافق لابن العربي فيما قاله، وظهر أن ما قاله ابن العربي صواب صحيح لا يمكن رده ولا نقضه، ونحن لا نحتاج إلى موافقة هذا الغماري ولا إلى مرافقته، ولكننا نُذَكِّرُه بعادته التي رافقته فما فارقته.
الثاني: ذكر ابن العربي شروط رواية الإسرائيليات، وذكر في هذا النص شرطين اثنين؛
أولهما: ألا يسترسل المحدث عنهم فيذكر ما لا يجوز عقلًا.
ثانيهما: ألَّا يُورِدَ عنهم ما كذَّبه الشرع.
وهذان الضابطان لو اقتصر الناس عليهما لكان لهم في ذلك خير كثير، ولما تجرَّأ الناس على نسبة الكَذُوبَاتِ إلى الأنبياء.
ومع ذلك أحال ابنُ العربي على كُتُبِه التي بيَّن فيها ما يجوز روايته من هذه الإسرائيليات وما لا يجوز، فذكر منها كتاب "التفسير" و"الأحكام" (١)، ولو كان الغماري صاحب جَلَدٍ وعَزْمِ لرجع إلى ما أحال عليه، ولكنه استطول الطريق، واستحلى النقد الذي يأتيه بما يشتهيه، كسرابٍ يَحْسِبُه الظمآنُ ماءً.
_________
(١) ينظر: القبس: (٣/ ١٠٥٠ - ١٠٥١)، وأحكام القرآن: (١/ ٢٣).
стр. 309
الثالث: فإذا تأمَّلت ما ذكرنا وجدت أن ابن العربي لا يسترسل في الإسرائيليات، وإنما يذكرها بضوابطها، ولا يفعل كما هو شأن الغماري، فقد ملأ كتبه بأحاديث علاماتُ الوضع عليها بادية؛ ممَّا عملته أيدي الروافض والقصَّاص وغيرهم، ولكنه يُورِدُها ويسكت عليها، بل ويحتج بها.
الرابع: قال أبو بكر بن العربي ﵁: "نهى النبي ﷺ أمته أن يحدثوا عن بني إسرائيل بما يُحرَّجون به، فالمعنى: لا تأتوا في حديثكم بما تُحَرِّجُون؛ بأن يحدِّث أحد عنهم بما ليس بحق، أو بما لا يصح من الخبر .. لأنه لمَّا نهاهم من أن يحدثوا عن بني إسرائيل بما يُحَرِّجون فيه، مع كون الحديث عنهم غير موجب تحريم حلال ولا تحليل حرام، ولا تغيير شيء من شعائر الإسلام، كان في الحديث عن رسول الله بالكذب نقل الحرام إلى الحلال، وإبطال فرْض، وتبديل سُنَّة، وذلك لا شك أعظم في الحرج من الكذب على بني إسرائيل. هذا قول الطبري.
وقال الشافعي ﵀: هذا أشدُّ حَدِيثٍ رُوِيَ في تحريج الرواية عمن لا يوثق بخبره عن النبي ﷺ .. ومعلوم أنه لا يبيح الكذب على بني إسرائيل، ولا على غيرهم، فلما فرَّق بين الحديث عن بني إسرائيل وعنه، لم يحتمل إلا أنه أباح الحديث عن بني إسرائيل عن كلِّ أحد، وأنه من سمع منهم شيئًا جاز له أن يحدِّث به عن كل مَن سمعه منه، كائنًا من كان، وأن يخبر عنهم بما بَلَغَه؛ إذ ليس في الحديث عنهم ما يقدح في الشريعة، وقد كانت فيهم الأعاجيب، فهي التي يُخْبَرُ بها عنهم، لا شيء من أمور الديانات، وهذا الوجه المباح عن بني إسرائيل هو
стр. 310
المحظور عنه ﷺ ، فلا ينبغي أن يُحدَّث عنه ﷺ إلا عمن نثق بحديثه ونرضاه" (١).
وهذا الذي قاله الإمام الحافظ هنا يظهر مذهبه في رواية الإسرائيليات، وأنه لم يخرج فيه عما قرَّره أئمة الحديث ونقادهم.
الخامس: تعريض الغماري بالإمام مالك ﵁، واعتراضه عليه في هذا الشأن، وكفى به قدوة، وكفى به أسوة، وقد عُلِمَ تَحَرِّي الإمام مالك واستيثاقه في الرواية، ولكن لأن الغماري منحرف عن الإمام مالك قال ما قاله، ورَقَمَ ما رقمه.
وهذا الذي ذكرنا يُبَيِّنُ مرَّة أخرى أن هذا الغماري إنما يرد لشهوة الرد لا غير، وأن ما يحسبه نقدًا لا يعدو أن يكون ثرثرة وحسدًا وحقدًا ينبغي للمرء أن يصون نفسه عنه.
الموضع الرابع:
قال الغماري: "ومن تناقضه - أيضًا - أنه ذكر في أوَّل الكتاب أنه لا يُورِدُ فيه إلا الحديث الصحيح والحسن، وحَثَّ على ذلك، وذَمَّ الذين يوردون الأحاديث الضعيفة؛ في مواضع كثيرة يطول ذكرها، ولربما أذكر بعضها فيما بعد، من ذلك قوله: والآياتُ في الشكر كثيرة، والأحاديث قليلة، فلا تلتفتوا إليها، فإنَّ مَثَلَ من يطلب العلم بالحديث الضعيف والباطل كمن يصلي بطهارة الماء المُتَغَيِّرِ والنَّجِسِ، فلا يُطلب الحق إلَّا بالحق، ولا يُعضد الصحيح إلا بالصحيح.
_________
(١) العارضة: (٩/ ٤٢٤ - ٤٢٦).
стр. 311
وقال - أيضًا -: وخُذُوا من الذِّكْرِ والدعاء الصحيح، وأعرضوا عمَّا سواه.
فالعُمْرُ أَنْفَسُ من أن تُنفقوه سُدًى … في غير ما صَحَّ من وَحْيٍ وقُرْآنِ
فاستنجِدوه لِمَا تَرْجُونَ من أَمَلٍ … واسْتَحمدوه بغُفران ورِضْوَانِ
واستسْمِنُوه وعُودوا من غَثَاثَتِه … فكلُّ ذلك من تَلْبِيسِ شيْطَانِ
وقد انتدَبَ قَوْمٌ تَجَرَّدُوا للخير بزعمهم، لم يكن لهم عِلْمٌ بالحديث، فذَكَرُوا كل مُتَرَدِّيةٍ ونَطِيحَةٍ في الذِّكْرِ والأدعية وغير ذلك، كابن نَجَاحٍ والسَّمَرْقَنْدِي.
إلى أن قال: فاللهَ اللهَ عِبَادَ الله، أَقْبِلُوا على دينكم، واقبضوهُ بيده، وعَوِّلُوا على عُمَدِه، واقتدُوا بأئمته؛ مَالِكٍ، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، والنسائي، إلخ.
ثم مع هذا أورد أحاديث واهية وموضوعة، منها: المسلسل بالسؤال عن الإخلاص، فقال في اسم المخلص: أخبرني الشيخ الحافظ أبو الفضل إسماعيل بن الفضل الأصفهاني بمكة - وكتبه لي بخطه - بقراءته علينا، وسألته عن الإخلاص، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي وسألناه عن الإخلاص، فذكر الحديث المذكور في الرسالة القشيرية، وفي كتب المسلسلات، ثم قال: قال الحافظ إسماعيل: غريب، ما كتبناه إلَّا من حديث الشيخ أبي عبد الرحمن السُّلَمِي، وقع لنا عاليًا بحمد الله ومَنِّهِ. اهـ.
стр. 312
وهذا الحديث ذكر الحفاظ أنه موضوع؛ لأنه من رواية أحمد بن عطاء الهُجَيمي وعبد الواحد بن زيد، وهما متروكان، وممَّن ذكره في الموضوعات الحافظ السيوطي في ذيل اللآلي" (١).
قلتُ: وفيما ساقه من نقد لنا عليه ألوانٌ من القول، وأوجهٌ من النقد:
الأوَّل: بعض ما ذكره في نقله لم يحسن قراءته، وصحَّف فيه تصحيفًا قبيحًا، من ذلك ما ذكره من شعر ابن العربي، فكتب: واستحمدوه، صوابه: واستمجدوه، وكذلك قوله: عودوا من، صوابه: عُوجُوا عن.
الثاني: كان على الغماري أن يبتهج بحافظ كبير يسعى إلى تنبيه الناس إلى مخاطر الكذب على رسول الله ﷺ ، ويدعو إلى تنقية علوم الإسلام من الزائف والمنحول من المرويات، ولكنه أراد أن يجعل هذه الفضيلة رذيلة، لحاجة في نفسه، وحقد في قلبه، ويا حسرة عليه؛ يحقد على رجل بينه وبينه ثماني مائة عام مكمَّلة!
الثالث: ما زعمه من أن ابن العربي يُورِدُ في كتبه الكثير من الأحاديث الواهية والموضوعة لا يثبت أمام النقد، وللرد على ذلك لا بد من تقرير جملة أمور:
أوَّلها: أن ابن العربي حافظ كبير، ومجتهد في التصحيح والتعليل، فكما يُقْبَلُ قول غيره من النقاد كذلك يعامل ابن العربي.
ثانيها: أن الخطأ لا يسلم منه أحد، وها هو حافظ الإسلام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري أنكر الناس عليه بعض الأحاديث، رغم جلالته وإمامته.
_________
(١) جؤنة العطار: (٢/ ٤١ - ٤٢).
стр. 313
الرابع: وهو يسوق ما حسبه نقدًا للإمام الحافظ أبي بكر بن العربي وقعت له عجيبة لا تتصور من طالب علم، بالأحرى أن يقع فيها من يزعم لنفسه الحفظ والاجتهاد، وذلك أنه قال: "أخبرني الشيخ الحافظ أبو الفضل إسماعيل بن الفضل الأصفهاني بمكة - وكتبه لي بخطه - بقراءته علينا، وسألته عن الإخلاص، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي وسألناه عن الإخلاص".
فكيف يُحَدِّثُ أبو الفضل الأصفهاني عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي؟ كيف يروي عنه ويقول: حدَّثنا، وبين موت السُّلَمِي ومولد الأصفهاني أكثر من خمسين عامًا، هذا عجيب غريب، فكيف لم ينتبه وهو يسوق الإسناد من "السراج" إلى هذا الوهم؟ وكان عليه أن يدرك أن بينهما واسطة، ولكنه لم يفعل وسوَّى الإسناد، ولو كان كما يزعم لنفسه من النقد والحفظ لفطن لذلك؛ وأصلح غلطه الذي وقع فيه وهو ينقل من الكتاب.
الخامس: هذا الحديث الذي ساقه ابن العربي لم يُصَحِّحْهُ ولا أثبته، وإتيانُه بالإسناد كان لغرض بيان روايته عاليًا، ولكونه من غرائب السُّلَمِي أورده.
السَّادس: اكتفى ابنُ العربي بقول الحافظ أبي الفضل الأصفهاني في الحديث، فقوله: غريب، دَالٌّ على استضعاف هذا الحديث، ولكن الغماري يكابر، ويخيَّل إليه، ويتوهَّم.
стр. 314
الموطنُ الخامس:
قال الغماري: "ومن ذلك - أيضًا - ما نقله عنه الحفاظ في كتب الاصطلاح؛ من أنه نَصَّ في شرح البخاري على أن شرط البخاري في صحيحه إخراجُ الحديث الذي له راويان عن الصحابي، ثم يتداوله الرواة كذلك إلى وقته، وأجاب بما أُورِدَ عليه بجواب سخيف رَدَّه عليه الحفاظ، حتى قال ابن رُشَيد: ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ادَّعاه أنه شرط البخاري أول حديث مذكور فيه؛ حديث الأعمال، لأنه فرد، واتصل كذلك إلى يحيى بن سعيد الأنصاري، وعنه اشتهر، إلى آخره، فليراجع من كُتُبِ الاصطلاح.
ولم يقف هؤلاء الحفاظ على تناقضه في هذه المسألة أيضًا، فقد حكى أنه وقعت له مناظرة مع قَدَرِيٍّ في مسألة عذاب القبر، فقال له: هو خبر آحاد، قلت: قد استفاض حتى عُلم، وعليك إذا جدرته - كذا - أن تعتقده، ولو رَوِيت من الآثار، وكان للشريعة عندك مقدار لامتلأ فؤادك من ذلك، ولكن أشياخك بَنَوا على طمس الشريعة وإطفاء نورها، حتى قالوا: لا يقبل خبر الواحد حتى ينقله اثنان، وينقل عن كل واحد اثنان، حتى ينتهي إلينا بأعداد لا تحصى، وذلك لا يَتَّفِقُ فيؤول إلى إبطال الأحاديث كلها، وتبقى الشريعة عريَّة عن بيان الذي أُنزلت عليه؛ فتتحكَّم أنت وأشياخك فيها. انتهى.
فانظر هذا وتعجَّب؛ فإن ما ذكره وحكاه عن المعتزلة هنا جعله في شرط البخاري هو شرط البخاري، كأنه كان في نظره من هؤلاء المعتزلة" (١).
_________
(١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٢ - ٤٣).
стр. 315
قلتُ: ولنا تنبيهات على ما ساقه، ولنا أنقاد في هذا الذي ذكره فَرِحًا به:
الأوَّل: صحَّف - كعادته - في إحدى الألفاظ، فورد عنده: جدَّرته، وهو تصحيف، صوابه: جوَّزته.
الثاني: قوله هذا الذي نقله أورده ابن حجر في "شرح نخبة الفكر" (١)، فكان عليه أن ينسبه إلى قائله.
الثالث: وقوله: إن ابن العربي أجاب عمَّا اعتُرض عليه بجواب سخيف؛
قلتُ: إن من اطَّلع عليه لم يقل فيه: إنه جواب سخيف، قال الحافظ ابن حجر: "وأجاب عمَّا أُورِدَ عليه من ذلك بجواب فيه نظر" (٢)، فانظر إلى كلام العلماء مع العلماء، وتعجب من صنيع الغماري!
الرابع: ما ذكره الغماري ونسبه إلى ابن العربي في شرط البخاري لا يصح عنه، ومن نسب إليه ذلك وَهِمَ فيما قال، وهو:
الخامس: وذلك أن ابن العربي ذَكَرَ خلاف ذلك في كتبه، قال ﵁: "إن الصحيح من الأحاديث لها عشر مراتب:
أوَّلها: صحيح مطلق، وهو الذي لا خلاف فيه، ولا كلام عليه، وهو قليل جدًّا، عزيز في الباب.
_________
(١) شرح نخبة الفكر (ص ١٨).
(٢) شرح نخبة الفكر: (ص ١٨).
стр. 316
الثاني: صحيح بنقل عَدْلٍ واحد.
الثالث: صحيح شاذ بغير شواهد.
والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين:
بنقل عدل واحد عن الصحابي؛
أو بنقل عدل واحد عن التابعي.
ويدخل عليهما ثالث، وهو حديث تفرَّد به واحد من الأئمة.
فهذه خمسة؛ ذكر جميعها أبو عيسى، واقتصر الجعفي والقُشَيري على الأربعة دون الشاذ" (١).
فانظر إلى ما يُقَرِّرُه الإمام أبو بكر هنا، لتعرف أن ما يُنسَب إليه غير صحيح، فهو يقول هنا: إن حديث العدل الواحد الوارد عن الصحابي أو عن التابعي يُخَرِّجُه البخاري في صحيحه، فأي كلام نصدقه؛ هل ما قاله الإمام وسطَّره في كتبه أو ما نُسِبَ إليه؟
السَّادس: ويزيده تأكيدًا ما ذكره ابنُ العربي في كتاب "الصريح في شرح الصحيح" - وهو كتاب أفرده في شرح البخاري -، قال ﵁ في حديث: إنما الأعمال بالنيات -: "المعوَّل في هذا الحديث على عمر ﵁، وهو وإن كان طريقُه واحدًا فقد قاله عمر ﵁ على المنبر؛ بحضرة الأعيان من الصحابة، فلم يَبْدُ منهم نكير، فصار كالمجمع عليه، وكأن عمر ذَكَّرَهم لا أخبرهم" (٢).
_________
(١) العارضة: (١/ ٣٢ - ٣٣).
(٢) فهرسة السرَّاج: (ص ٣٦٨).
стр. 317
وهذا الذي قاله ابن العربي هنا ينقض ما نسبه إليه ابن رُشَيد وابن حجر في شرط البخاري، ويُظهر أنه لا يقول بما نُسب إليه، إذ هو هنا يذكر أن هذا الحديث إنما عُرِفَ من طريق واحد، لا من اثنين عن اثنين؛ كما قالوا، وبهذا يبطل ما أراده الغماري من حكايته لهذا القول، وهو يظن أنه قد وقع على صيد ثمين، فإذا به غَثٌّ غير سمين.
السَّابع: ما ذكرهُ ابن العربي في "السراج"، وهو قوله: "حتى قالوا: لا يقبل خبر الآحاد حتى ينقله اثنان، وينقل عن كل أحد اثنان، حتى ينتهي إلينا بأعداد لا تُحْصَى" (١)، ثم قال الإمام أبو بكر: "وذلك لا يتفق؛ فيؤول إلى إبطال الأحاديث كلها" (٢).
فكيف يكون عنده هذا الأمر من باب المحال ثم يقول: إنه من شرط البخاري في صحيحه؟
الثامن: وقد حسب هذا الغماري أن ما ذكره يشهد لقوله، ويُظهر تناقض الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي ﵁، ولكنه انقلب السحر على الساحر، وانعكس سعده على تعاسته، فحقَّقنا في هذا الأمر الذي تداوله الناس خلفًا عن سلف، من غير إنعام نظر، ولا زيادة تبصر، فكان ما كان مما يخشاه هذا الغماري، ويا للعجب! كلَّما رام الغماري نقضًا على ابن العربي إلَّا وجعلناه مردودًا إليه، مفسودًا عليه؛ حكمة بالغة، لعلَّهم يهتدون.
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٦٥).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٢٦٥).
стр. 318
الموطن السَّادس:
قال الغماري: "قال ابنُ العربي - أيضًا -: كنتُ لَبِسْتُ بُرْنُسًا أحمر سنة خمس مائة، وحضرنا مجلسًا للأقضية وفيها بعض المُفْتِين، فقال لمَّا خرجنا منها: من لَبِسَ بُرْنُسًا أحمرَ لم تَجُزْ شهادتُه، فنُمِيَ ذلك إليَّ، فقلتُ: من قال هذا يستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه، وجعلتُ أسرد الأحاديث في ذلك.
فإن قيل: هي من شِعَارِ الجُنْدِ؟
قلنا: إذا كان شيئًا جائزًا في الشريعة مفعولًا لمُبَلِّغِها لم يَعِبْه أن يكون عليه مَن لا تُرْضَى سيرته. انتهى.
فانظر إلى هذه المجازفة الدالة على كِبْر في النفس، وإغراق في الجوْر، وظلم في الحكْم، وكَذِب في القول، ودعوى أنه سَرَدَ الأحاديث في لبس الحمْر.
مع أنه في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ نهى عن المياثر الحُمْرِ.
وفي سنن أبي داود: أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر؛ فرأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمراء، فقال: لا أرى هذه الحمرة قد علتكم، فقمنا سِرَاعًا لقول رسول الله ﷺ ، حتى نفر بعض إبلنا، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها.
وفي معجم الطبراني الكبير: إيَّاكم والحمرة؛ فإنها أحب الزينة إلى الشيطان.
стр. 319
فهذه الأحاديث هي مستند ذلك المفتي في قوله: إن من لبس الحمرة لم تجز شهادته، فكيف يستتاب، وإلَّا قتل؟
وأمَّا ما ورد من أنه ﷺ لبس حلة حمراء، كما قال جابر بن سمرة: رأيتُ النبي ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو في عيني أحسن من القمر، فقال شراح الحديث: إن الحلة بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، وإنما سميت حمراء باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، ولذلك نَصُّوا على أن لبس الأحمر القاني مكروه شديد الكراهة.
ومعلوم أن البرنس الذي كان على ابن العربي إما من الجوخ أو من الصوف؛ وهو أحمر قاني، ليس فيه خطوط من غيره؛ لأن المغاربة لا يلبسون ذلك، وقد قال هو: إنه من لباس الجند، والجند لا يلبسون إلا الأحمر القاني" (١).
قلتُ: وننقد هذا الاعتراض من وجوه:
الأوَّل: ما ذكره ابن العربي فيما جرى له مع ذلك المفتي لا يدل على ما فهمه هذا الغماري، فابن العربي علم أن هذا المفتي قال ما قاله حسدًا من عند نفسه، وقد ذكرنا أن ابن العربي قد ابتُلِيَ بحسدة لا يستحون، وعَلِمَ الإمام ابن العربي أن هذا المفتي يريد الغض منه والحط من مرتبته، فأجابه بما يليق به، وكان في قول هذا المفتي الكثير من الجهل، فإنه إن كان مالكيًا - وهو الأصل - فقد علم أن مالكًا يجيز لبس الأحمر، فأغلظ له ابن العربي لأمرين اثنين:
_________
(١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٣ - ٤٤).
стр. 320
أولهما: لما علم من جهله ومكابرته، والمسألة من المعلوم والمعروف أمرها.
ثانيهما: أن إنكاره على ابن العربي لبس الأحمر يقتضي إنكاره على النبي ﷺ ؛ لأنه ثبت عنه أنه لبس الأحمر.
وهو الذي ساقه ابن العربي قبل حديثه عن لبس البرنس الأحمر.
الثاني: أن العلماء اختلفوا في لبس الأحمر؛ بين جوازه وكراهته، قال الإمام ابن عبد البر: "أما لبس الثياب المصبوغة بالعصفر والمصبوغة بالزعفران فقد اختلف السلف في لباسها للرجال؛ فكره ذلك قوم، ولم ير آخرون بذلك بأسًا" (١).
ثم قال: "وأكثر أهل المدينة يُرَخِّصُونَ فيه كما قال مالك" (٢).
قال ابن العربي: "العصفر نبت أحمر، وصبغه مثله" (٣).
وكذلك قال الإمام أبو جعفر الطبري، وذكر من كرهه من السلف ومن رأى جوازه، وحجة المجيزين حديث البراء بن عازب ﵁ (٤).
الثالث: بعد الذي قدَّمنا لا يجوز للغماري أن ينكر على ابن العربي لُبْسَه للأحمر.
_________
(١) الاستذكار: (٢٦/ ١٦٩).
(٢) الاستذكار: (٢٦/ ١٧٤).
(٣) العارضة: (٧/ ٢٩٧).
(٤) شرح البخاري لابن بطَّال: (٩/ ١٢٠).
следующие страницы →