← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الثاني: صحيح بنقل عَدْلٍ واحد. الثالث: صحيح شاذ بغير شواهد. والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين: بنقل عدل واحد عن الصحابي؛ أو بنقل عدل واحد عن التابعي. ويدخل عليهما ثالث، وهو حديث تفرَّد به واحد من الأئمة. فهذه خمسة؛ ذكر جميعها أبو عيسى، واقتصر الجعفي والقُشَيري على الأربعة دون الشاذ" (١). فانظر إلى ما يُقَرِّرُه الإمام أبو بكر هنا، لتعرف أن ما يُنسَب إليه غير صحيح، فهو يقول هنا: إن حديث العدل الواحد الوارد عن الصحابي أو عن التابعي يُخَرِّجُه البخاري في صحيحه، فأي كلام نصدقه؛ هل ما قاله الإمام وسطَّره في كتبه أو ما نُسِبَ إليه؟ السَّادس: ويزيده تأكيدًا ما ذكره ابنُ العربي في كتاب "الصريح في شرح الصحيح" - وهو كتاب أفرده في شرح البخاري -، قال ﵁ في حديث: إنما الأعمال بالنيات -: "المعوَّل في هذا الحديث على عمر ﵁، وهو وإن كان طريقُه واحدًا فقد قاله عمر ﵁ على المنبر؛ بحضرة الأعيان من الصحابة، فلم يَبْدُ منهم نكير، فصار كالمجمع عليه، وكأن عمر ذَكَّرَهم لا أخبرهم" (٢). _________ (١) العارضة: (١/ ٣٢ - ٣٣). (٢) فهرسة السرَّاج: (ص ٣٦٨).

стр. 317

وهذا الذي قاله ابن العربي هنا ينقض ما نسبه إليه ابن رُشَيد وابن حجر في شرط البخاري، ويُظهر أنه لا يقول بما نُسب إليه، إذ هو هنا يذكر أن هذا الحديث إنما عُرِفَ من طريق واحد، لا من اثنين عن اثنين؛ كما قالوا، وبهذا يبطل ما أراده الغماري من حكايته لهذا القول، وهو يظن أنه قد وقع على صيد ثمين، فإذا به غَثٌّ غير سمين. السَّابع: ما ذكرهُ ابن العربي في "السراج"، وهو قوله: "حتى قالوا: لا يقبل خبر الآحاد حتى ينقله اثنان، وينقل عن كل أحد اثنان، حتى ينتهي إلينا بأعداد لا تُحْصَى" (١)، ثم قال الإمام أبو بكر: "وذلك لا يتفق؛ فيؤول إلى إبطال الأحاديث كلها" (٢). فكيف يكون عنده هذا الأمر من باب المحال ثم يقول: إنه من شرط البخاري في صحيحه؟ الثامن: وقد حسب هذا الغماري أن ما ذكره يشهد لقوله، ويُظهر تناقض الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي ﵁، ولكنه انقلب السحر على الساحر، وانعكس سعده على تعاسته، فحقَّقنا في هذا الأمر الذي تداوله الناس خلفًا عن سلف، من غير إنعام نظر، ولا زيادة تبصر، فكان ما كان مما يخشاه هذا الغماري، ويا للعجب! كلَّما رام الغماري نقضًا على ابن العربي إلَّا وجعلناه مردودًا إليه، مفسودًا عليه؛ حكمة بالغة، لعلَّهم يهتدون. _________ (١) سراج المريدين: (١/ ٢٦٥). (٢) سراج المريدين: (١/ ٢٦٥).

стр. 318

الموطن السَّادس: قال الغماري: "قال ابنُ العربي - أيضًا -: كنتُ لَبِسْتُ بُرْنُسًا أحمر سنة خمس مائة، وحضرنا مجلسًا للأقضية وفيها بعض المُفْتِين، فقال لمَّا خرجنا منها: من لَبِسَ بُرْنُسًا أحمرَ لم تَجُزْ شهادتُه، فنُمِيَ ذلك إليَّ، فقلتُ: من قال هذا يستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه، وجعلتُ أسرد الأحاديث في ذلك. فإن قيل: هي من شِعَارِ الجُنْدِ؟ قلنا: إذا كان شيئًا جائزًا في الشريعة مفعولًا لمُبَلِّغِها لم يَعِبْه أن يكون عليه مَن لا تُرْضَى سيرته. انتهى. فانظر إلى هذه المجازفة الدالة على كِبْر في النفس، وإغراق في الجوْر، وظلم في الحكْم، وكَذِب في القول، ودعوى أنه سَرَدَ الأحاديث في لبس الحمْر. مع أنه في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ نهى عن المياثر الحُمْرِ. وفي سنن أبي داود: أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر؛ فرأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمراء، فقال: لا أرى هذه الحمرة قد علتكم، فقمنا سِرَاعًا لقول رسول الله ﷺ ، حتى نفر بعض إبلنا، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها. وفي معجم الطبراني الكبير: إيَّاكم والحمرة؛ فإنها أحب الزينة إلى الشيطان.

стр. 319

فهذه الأحاديث هي مستند ذلك المفتي في قوله: إن من لبس الحمرة لم تجز شهادته، فكيف يستتاب، وإلَّا قتل؟ وأمَّا ما ورد من أنه ﷺ لبس حلة حمراء، كما قال جابر بن سمرة: رأيتُ النبي ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو في عيني أحسن من القمر، فقال شراح الحديث: إن الحلة بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، وإنما سميت حمراء باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، ولذلك نَصُّوا على أن لبس الأحمر القاني مكروه شديد الكراهة. ومعلوم أن البرنس الذي كان على ابن العربي إما من الجوخ أو من الصوف؛ وهو أحمر قاني، ليس فيه خطوط من غيره؛ لأن المغاربة لا يلبسون ذلك، وقد قال هو: إنه من لباس الجند، والجند لا يلبسون إلا الأحمر القاني" (١). قلتُ: وننقد هذا الاعتراض من وجوه: الأوَّل: ما ذكره ابن العربي فيما جرى له مع ذلك المفتي لا يدل على ما فهمه هذا الغماري، فابن العربي علم أن هذا المفتي قال ما قاله حسدًا من عند نفسه، وقد ذكرنا أن ابن العربي قد ابتُلِيَ بحسدة لا يستحون، وعَلِمَ الإمام ابن العربي أن هذا المفتي يريد الغض منه والحط من مرتبته، فأجابه بما يليق به، وكان في قول هذا المفتي الكثير من الجهل، فإنه إن كان مالكيًا - وهو الأصل - فقد علم أن مالكًا يجيز لبس الأحمر، فأغلظ له ابن العربي لأمرين اثنين: _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٣ - ٤٤).

стр. 320

أولهما: لما علم من جهله ومكابرته، والمسألة من المعلوم والمعروف أمرها. ثانيهما: أن إنكاره على ابن العربي لبس الأحمر يقتضي إنكاره على النبي ﷺ ؛ لأنه ثبت عنه أنه لبس الأحمر. وهو الذي ساقه ابن العربي قبل حديثه عن لبس البرنس الأحمر. الثاني: أن العلماء اختلفوا في لبس الأحمر؛ بين جوازه وكراهته، قال الإمام ابن عبد البر: "أما لبس الثياب المصبوغة بالعصفر والمصبوغة بالزعفران فقد اختلف السلف في لباسها للرجال؛ فكره ذلك قوم، ولم ير آخرون بذلك بأسًا" (١). ثم قال: "وأكثر أهل المدينة يُرَخِّصُونَ فيه كما قال مالك" (٢). قال ابن العربي: "العصفر نبت أحمر، وصبغه مثله" (٣). وكذلك قال الإمام أبو جعفر الطبري، وذكر من كرهه من السلف ومن رأى جوازه، وحجة المجيزين حديث البراء بن عازب ﵁ (٤). الثالث: بعد الذي قدَّمنا لا يجوز للغماري أن ينكر على ابن العربي لُبْسَه للأحمر. _________ (١) الاستذكار: (٢٦/ ١٦٩). (٢) الاستذكار: (٢٦/ ١٧٤). (٣) العارضة: (٧/ ٢٩٧). (٤) شرح البخاري لابن بطَّال: (٩/ ١٢٠).

стр. 321

الرابع: ما جنح إليه في تفسيره للأحمر الذي لبسه رسول الله ﷺ كان عليه أن يجنح إليه في الثوب الذي لبسه ابنُ العربي، ولكنه لم يفعل؛ لحنقه عليه، وبغضه له. الخامس: ما ذكره من الأحاديث في النهي عن لبس الأحمر فيها أنظار: أوَّلها: حديث أبي داود: "خرجنا مع رسول الله في سفر" (١)، هو حديث ضعيف، لا يحتج بمثله في هذه الأبواب، في إسناده: رجل من بني حارثة، وهو مبهم غير معروف، فلا يصح أبدًا من هذا الطريق، وقد قدَّمنا زعم الغماري بأن ابن العربي يُورِدُ في "السراج" الواهيات والموضوعات، وها هو ذا يحتج على الإمام ابن العربي بالضعاف من رواية المجهولين. ثانيها: الحديث الذي يرويه الطبراني (٢) هو كذلك حديث ضعيف، وورد عند ابن أبي شيبة حديث قريب من لفظه: "الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة" (٣)، وأدخله الجُوزَقِي في الموضوعات، مبالغة منه، والحديث ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر (٤)، وكذلك سائر الأحاديث التي وردت في النهي عن لبس الأحمر (٥)، حاشَا ما أخرجه البخاري. _________ (١) أخرجه أبو داود في السنن عن رافع بن خديج ﵁: كتاب اللباس، بابٌ في الحمرة، رقم: (٤٠٧٠ - شعيب). (٢) أخرجه الطبراني في أكبر معاجمه عن عمران بن حُصَين ﵁: (١٨/ ١٤٨)، رقم: (٣١٧). (٣) فتح الباري: (١٠/ ٣٠٦). (٤) فتح الباري: (١٠/ ٣٠٦). (٥) ينظر: التوضيح لابن الملقن: (٢٨/ ٢٤).

стр. 322

ثالثها: ونَهْيُ رسول الله عن المياثر الحمر فيه كلام طويل، ووجوه من النظر (١)، وإنما تشبَّث ابن العربي بما رواه البراء وجابر بن سمرة ﵄ (٢). السَّادس: قوله في برنس ابن العربي: هو أحمر قاني، قلت: ولا ندري كيف علمه؟ أطَّلع الغيب؟ أم اتخذ عند الله عهدًا؟ فظهر بهذا أن ما رقمه هذا الناقم لا يخرج عمَّا عهدناه منه؛ من الطعن، والتجريح، والوقاحة، والجراءة على أهل العلم، فيا لله ويا للمسلمين من هذا البلاء المبين! السَّابع: قَوْلُ الغماري: "فانظر إلى هذه المجازفة الدالة على كِبْرٍ في النفس، وإغراقٍ في الجوْر، وظلم في الحكْم، وكَذِبٍ في القول، ودعوى أنه سَرَدَ الأحاديث في لبس الحمْر". قلتُ: ولنا عليه مآخذ شتى، ووجوه من النظر، وفصول من النقد: أوَّلها: كل هذه الأوصاف التي أسقطها الغماري على الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي - رضوان الله عليه - هي من قبيل الافتراء والانهتاك في قذع الرجل وتقريعه، وأين المعزاء من الجوزاء؟ وأين الثَّرَى من الثُّرَيَّا؟ ثانيها: وما زال هذا الغماري يحاول أن يتوصَّل إلى ما في نفس الإمام ابن العربي، فيُرِيكَ أنه عارف به، وأنه عالم بدَخِيلَةِ نفسه، وبما كان في أمسه. _________ (١) ينظر: فتح الباري: (١٠/ ٣٠٦). (٢) ينظر: سراج المريدين: (١/ ٩٩ - ١٠٠).

стр. 323

ثالثها: ولم يكتف بما قال حتى نسبه إلى الكذب، وكيف اهتدى إلى كذبه دونًا عن الناس، وما زال الناس يقرؤون "سراج المريدين"، ويتداوله الحفاظ وشيوخ الإسلام؛ من زمان تأليفه إلى يوم الناس هذا، لم يتجاسر أحد أن ينسبه إلى كَذِبٍ، وحاشاه، ثم وحاشاه، ثُمَّتَ وحاشاه، ما علمنا عليه من سوء، ولكن الحاقد لا يرى إلَّا السواد، تُرِيه عيونُه ما لا يكون، وعَيْنُ الشانئ غرَّارة، وعند الله الملتقى. رابعها: ولم يكتف بتلك الأوابد حتى زادها آبِدَةً أخرى، هي أفظع وأفجع، ضاقت حَوْصَلتُه عن تفهم قول القاضي الإمام أبي بكر، وضاق صدره من أن يكون في قوله ما يُحْمَدُ، فرماه بتلك النقيصة، قال الشَّانئ: "ودعوى أنه سَرَدَ الأحاديث"، ولا أدري ما هذا الذي يقول، ويَا رَبِّي يا رَبِّي ماذا أقول؟ ما الذي استكثره على ابن العربي في قوله؟ ألحفظه لتلك الأحاديث استوجب عنده المنقصة، ولعمري إنها لمفخرة له، كما أن الناس ما زالوا يقولون مثل ذلك ويحسبونه من محامدهم، ولكن الغماري أراد أن يُظهر الإمام ابن العربي بالمُدَّعِي فيما يقول، وقد أطبقت كلمة مُتَرْجِمِيهِ وعَارِفِيهِ ودَارِسِي تراثه على أنه قد بلغ من الحفظ المقام الأسنى، وكان من المستبحرين في ذلك، من كبار الأَحْبَارِ، وغَدًا سيعلم الظالم لمن عُقْبَى الدَّار. وظَهَرَ لنا أن ما حَسِبَه في حَاقِّ نَفْسِه عَزْمًا قد صار زَعْمًا، وما ظنَّه حقًّا قد غَدَا مَحْقًا، وهيهات هيهات.

стр. 324

الموطنُ السَّابع: قال الغماري: "من مجازفات ابن العربي وتهجماته المضحكة الدالة على أنه كان يأتي عليه حين لا يعرف فيه ما يقول، ولا يدري ما يخرج من رأسه؛ قوله في الاسم السَّابع والستين أثناء كلام ما نَصُّه: فإنَّ الذي يحمي الشريعة عن البدع بالأدلَّة، ويَفْصِلُ النزاع بين المختلفين في المعاملات؛ لا بدَّ له من القرآن والحديث، بَيْدَ أنه لا يفتقر إلى أن يعلم الكل، بل يكفي المتعلق بالأدلة في الذَّبِّ عن المِلَّةِ أن يَعْلَمَ آيات التوحيد؛ وهي نَحْوُ العشرة آلاف، ويكفي المتعلق بالأحكام أن يَعْلَمَ الثماني مائة الآية التي جمعناها نحن في الأحكام، ويكفيه من الحديث نحو أَلْفَيْ حديث التي صحَّت عن النبي ﷺ باتفاق. إلخ كلامه. قلت: انظر إلى هذا، وتعجب، وانظر بماذا تحكم به بعد هذا عليه؛ فالقرآن العظيم جميع آياته ستة آلاف وستمائة وكَسْر. قال الداني: أجمعوا على أن عدد آي القرآن الكريم ستة آلاف آية، واختلفوا فيما زاد على ذلك؛ فمنهم: من لم يزد؛ ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات؛ وقيل: وأربع عشرة؛ وقيل: وتسع عشرة؛ وقيل: وخمس وعشرون؛ وقيل: وست وثلاثون.

стр. 325

قلت: وقيل: وست عشرة؛ وقيل غير ذلك؛ وهذا لا يهمنا بعد الإجماع على أنه ستة آلاف، وأنه لم يبلغ سبعة آلاف، فكيف تكون آيات التوحيد وحدها عشرة آلاف آية دون آيات الأحكام والقصص والوعد والوعيد وغيرها؟ وفي مقابلة هذا قوله: إنه لم يصح عن رسول الله ﷺ باتفاق إلا ألفَا حديث، مع أن صحيح البخاري وحده المتفق على صحته فيه بدون مكرَّر أربعة آلاف؛ كما قال الحافظ، ونظمه الحافظ السيوطي في ألفيته: وعدد البخاري بالتحرير … ألفان والربع بلا تكرير ومسلم أربعة آلاف … وفيهما التكرار جم واف فكيف وقد نُقل عن البخاري أنه قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، إنَّ هذا لعجب" (١). قلتُ: ونَقْدُ كلام الغماري يكون من وجوه: الأوَّل: ما ورد في نُسَخِ "سراج المريدين" من أن الآي عشرة آلاف لا يمكن أن ينسب إلى ابن العربي إلَّا على أحد الاحتمالين: أولهما: أن يكون من غلط الناسخ، وهو كثير معروف شائع. ثانيهما: أن يكون سهوًا من الإمام، أراد أن يكتب الألف فكتب عشرة آلاف. _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٤ - ٤٥).

стр. 326

وإنَّما قلنا هذا لأن الأمر من البدهيات التي لا تحتاج إلى نظر أو مزيد معرفة حتى يدركها الواحد من الناس، فكيف بعالم نِحْرِيرٍ؟ ولو كان غلطًا مقصودًا من ابن العربي لأخطأ فيما ذكره بعد ذلك من عدد آيات الأحكام، فلمَّا لم يكن ذلك تأكَّد لنا أن هذا من أخطاء النساخ، لا غير. وأمر آخر لا بد من التنبه إليه: أن ابن العربي هنا يذكر ما يكتفي به الناظر، إذ قال: "بيد أنه لا يفتقر إلى أن يعلم الكل" (١)، فهو هنا يذكر أقل ما يلزمه من جهة نظره ومعرفته، فكيف ستكون عشرة آلاف آية؟ وقد ظن الغماري أنه ظفر بشيء يمكن له من خلاله أن يتوصَّل إلى الطعن في مرتبة الإمام الحافظ أبي بكر، ولكن ظهر من خلال ما قال أنه لا يعدو أن يكون مُتَصَيِّدًا لعثرات النسَّاخ لا غير، فكل ما أجلب به في نقله عن الإمام المقرئ أبي عمرو لم يكن في حاجة إليه. الثاني: قال الغماري: "مع أن صحيح البخاري وحده المتفق على صحته فيه بدون مكرَّر أربعة، كما قال الحافظ". قلت: ما نسبه لابن حجر ليس قولًا له، وساقه ابن الصلاح بصيغة التمريض الدالَّة على ضعفه عنده؛ لهذا اعترضه ابنُ حجر (٢)، ونقل عنه الحافظ السيوطي أنه قال: "وبلغت بالمكرَّرة - سوى المعلَّقات والمتابعات _________ (١) سراج المريدين: (٣/ ٢٧٠). (٢) هدي السَّاري: (ص ٤٦٥)، والبحر الذي زخر للسيوطي: (٢/ ٧١٩).

стр. 327

- سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثًا، وبدون المكررة ألفين وخمسمائة وثلاثة عشر حديثًا" (١). وعجيب أمر هذا الرجل، ما أكثر تسرعه! فكيف يخطئ في نسبة الأقوال ولا يتثبَّت في حكايتها؟ ولله في خلقه شؤون. الثالث: ثم أكَّد تسرعه بما نقله عن السيوطي في ألفيته، فذكر ما قاله ابن العربي، وأكَّد على أن الحديث الصحيح ألفَا حديث، قال الحافظ السيوطي: "ألفان والربع"، فهدم الغماري ما بناه من قبل. الرابع: أخطأ في ذكره لصدر بيت السيوطي، فقال: "وعدد البخاري"، صوابه: "وعِدَّةُ الأوَّل" (٢). الخامس: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: "ويكفيه من الحديث نحو أَلْفَيْ حديث التي صحَّت عن النبي ﷺ باتفاق" (٣). قلتُ: كلام ابن العربي هنا واضح، فهو يتحدَّث عن الأحاديث المتفق على صحتها، وهي كما ذكر، وهذا القدر الذي ذكره هو الذي يكفي الناظر، وهو هنا يَعْرِضُ لأقل ما يتعلق به العالم. السَّادس: وإنما يقصد ابنُ العربي من هذه العدة المتون لا الطرق، ولكن الغماري يتغافل عن قصد ابن العربي، دليله ما قاله الإمام أبو بكر في موضع آخر من كُتُبِه، قال ﵁: "فإن لم يجدها فعليه أن يطلبها في سنة _________ (١) البحر الذي زخر للسيوطي: (٢/ ٧٢٠). (٢) البحر الذي زخر للسيوطي: (٢/ ٧١٩). (٣) سراج المريدين: (٣/ ٢٧٠).

стр. 328

رسول الله ﷺ ، وهي نَحْو من ثلاثة آلاف سُنَّةٍ" (١)، فظهر أنه إنَّما يقصد المتون لا الطرق. السَّابع: ولو ذهب الغماري في كل سبيل لما استطاع أن يُثْبِت أن جملة ما في الصحيحين يفوق ثلاثة آلاف سُنَّةٍ، فما زاده مُسْلِمٌ على البخاري ليس بالحديث الكثير، ولمعرفته بأن الأمر صعبٌ أشبهُ بالمحال شَاغَبَ بذكره لعِدَّةِ أحاديث البخاري؛ ليستغفل قارئه ومريده، فيتسلل إلى قلبه ليقرر فيه ما يشاء، حتى يعتقد الناظر أن هذا الرجل المسمَّى بابن العربي ما هو إلَّا مُدَّعٍ لا غير، يؤكد هذا ويُبيِّنُه - وهو -: الثامن: أنه ذكر أمرًا يبعث على الضحك، وهو قوله: "إن البخاري قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح"، فانظر إلى تدليسه على القارئ، وهو يعلمُ قبل غيره أن مقصود البخاري وغيره ممَّن شاركه في حفظ هذا القَدْرِ هو الطرق، لا المتون (٢)، ولكنه يحشد في سبيل زيفه وإفكه كل ما يجده تجاهه، لعله يَهُولُ القارئ مطلعه ومفظعه، ولكن هيهات يا غماري! وظهر بهذا الذي سقناه أن نَقَدَاتِ الغماري ما هي إلَّا نَقَرَات؛ رَدٌّ مردود، ونَقْدٌ منقود، وصَدٌّ مصدود. الموطنُ الثامن: قال الغماري: "أمَّا مجازفته في إنكار الأحاديث فشيء يطول بذكره المقام، بل ويعسر الإحاطة به، لا سيما وليس معنا من كُتُبِه في هذا _________ (١) نكت المحصول: (ص ٣٠١). (٢) وذكر ما قلناه الإمام الحافظ ابنُ الجوزي في صيد الخاطر: (ص ١٨٧).

стр. 329

الموضع كتاب، إلَّا أني أذكر لك بعض ما حضرني، فمن ذلك قوله: "وقد انتدب المُتَكَلِّفُونَ - الذين لم يكن النبي منهم - إلى تَعْدَادِ أبواب الجنة وأبواب النار، وأحقُّ من اقتُدِيَ به النبي ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يتكلَّف ما ليس له به عِلْمٌ، ولا يُحَدِّثَ عن النبي ﷺ بما ليس له أَصْلٌ في النَّقْلِ. وأمَّا أوصافها فقد تعدَّى الخَلْقُ عليها، ووضعوا الأحاديث فيها، ولم يراقبوا الله في ذلك، حتى سُطِّرَتْ أباطيلُها في الكُتُبِ، ورُوِيَتْ في المجالس، وقُرِئَتْ في المنابر، وها أنا أُهْدِي إليكم ما صحَّ فيها حتى تكونوا على بَصِيرَةٍ في تصحيحه. أمَّا الجَنَّةُ فالذي صحَّ فيها ستة أحاديث. ثم ذكرها. وقال بعدها: فهذه أحاديث الجنة الصِّحَاحُ سِتَّةٌ، وقد زاد الخلقُ فيها ما لا يرضاه الله، منه ضعيف، وهو أقله، ومنه باطل، وهو كثير، ولمَّا كان لا يُحْصِي الباطل إلَّا الذي خلقه أعرضنا عنه، فاقتَصِرُوا على الصحيح واعتمدوا عليه. الخ ما قال. مع أن الأحاديث الصحيحة في الجنة تزيد على المائة بيقين، وقد أفردها الحفاظ بمؤلفات، كابن أبي الدنيا، وأبي نُعَيم، وغيرهما من المتقدمين، وابن القيم في كتابه العجيب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وأقرب ما يفند لك دعوى هذا الرجل كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري" (١). _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٥ - ٤٦).

стр. 330

قلتُ: ونَقْدُ كلام الغماري يكون من وجوه: الأوَّل: ما ذكره من كونه ليس معه كتاب من كُتُبِ ابن العربي وأنه ينقل منه ما حضره اعتمادًا على حفظه كَذِبٌ مَحْضٌ، ودَعْوَى بَيِّنةُ الزَّيْفِ، وكَبِيرَةٌ من القول، فهو ينقل من "سراج المريدين" حرفًا حرفًا، وكلمةً كلمةً، ويصحف في النقل، ويُسْقِطُ من الحروف التي لا تسقط - عادةً - إلا أثناء النقل، إلا أن يدعي أنه يحفظ "سراج المريدين" عن ظهر قلب، وهذا لا يستطيع أن يدَّعيه أحد، إلا أن يدَّعيه له مجنون، ونحن - هنا - لا نُكَلِّمُ المجانين. الثاني: وأمَّا عدد الأحاديث الواردة في الجنة ونعيمها فاقتصر ابنُ العربي على ما في "صحيح مسلم"، وهي كلها صحاح ملاح، وما نقله عن ابن العربي هنا هو عينه الذي ذكره في "العارضة"، قال: "وأحاديثها كثيرة، والصحيح قليل" (١)، ولم يفهم الغماري عن الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي ﵁، فابنُ العربي يفرق بين الصحاح والحسان، فالصحيح عنده ما كان مُتَّفَقًا عليه، أو كان مُخَرَّجًا في الصحيحين، والحسان ما كان دون ذلك، فهو هنا قال: ما صحَّ من الأحاديث في الجنة، ولم يقل: ما حَسُنَ. الثالث: ولم يكتف ابنُ العربي بهذه الستة حتى أضاف إليها سِتًّا أخريات، وكلها من "الصحيح" لمسلم، فصارت العدة اثني عشر حديثًا، وظهر أن الغماري تعجَّل القراءة وتعجَّل النقد، أساء سمعًا فأساء إجابةً، وقد قلنا: إن عين الشانئ عين غرَّارة، تريه ما لا يكون، وتأخذ به إلى أودية الجنون. _________ (١) العارضة: (٩/ ٢٨٨).

стр. 331

الرابع: قوله: "إن الأحاديث الصحيحة في الجنة تزيد على المائة بيقين"، هذه دعوى، وقوله: "بيقين"، يدل على أنه لا يعرف ما هو اليقين؛ إذ أغلب مباحث التصحيح والتعليل اجتهادية، لا مدخل لليقين فيها، وهذا يدل على أنه واسع الخطو في التصحيح، ويأوي في كل ذلك إلى دار الضرب، كما سمَّاها الإمام مالك ﵁. وقد رأينا كتبه؛ وما أدخل فيها من أحاديث الكذَّابين والوضَّاعين والمتروكين، وأما الضعاف؛ فحَدِّثْ عن البحر ولا حرج. الخامس: ولو كان صادقًا في دعواه لسرد تلك الأحاديث، كما زعم أنه يسرد "سراج المريدين" من حفظه. السَّادس: ومن الدليل على كَذِبِ دعواه أنه أحال عند ذِكْرِه لمن جمع أحاديث الجنة على ابن أبي الدنيا وأبي نُعَيْمِ، ومعلوم أن هذين الإمامين ليسا من الذين يعتنون بالصحيح حتى يحتج بما أَوْرَدُوا في كتبهم، بل في كتبهم الكثير من الضعيف والمنكر والمطروح، بل فيه الموضوع والمصنوع، فكيف تحتج علينا بهذين؟ السَّابع: وما ذكره بعدهما لا ينهض حجة أمام قول ابن العربي، فلا ابن القيم ولا المنذري من الذين يرجع إلى أقوالهم في الأحاديث الصحيحة، فهم يجمعون الكل، وإن كانوا يستنكفون عن الموضوع والمصنوع، فلا يُوردون منه في كتبهم إلَّا ما وقع السهو فيه، أو أن يطرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم من حسن الظن بحديث ما ويكون الأمر بخلافه.

стр. 332

فظهر بهذا أن هذا الذي ساقه وظنَّه من المحكمات إذا به يظهر زَيْفُه ودَجَلُه، فلا هو حقَّق فيما قال، ولا هو نظر فيما يقال، ولله في خلقه شؤون. الموطنُ التاسع: قال الغماري: "ومن ذلك - وهو أغرب من الذي قبله - قولُه: وفي الصلاة على النبي ﷺ وفضائلها أحاديث كثيرة، لم يصح منها شيء، ولا شك في أن له فضلًا لا يحصى؛ لكنه لم يرد فيه سند يُعتمد عليه. أقول: لو كان هذا المجنون نجديًّا لقلنا: إنه عدو لرسول الله ﷺ ، كما هو عدو لآل بيته، فما أدري ما أقول بعد هذا الجهل البيِّن، والكذب الصُّرَاح" (١). قلتُ: ونَقْدُه من وجوه: أوَّلها: لم يفهم هذا الغماري قولَ الإمام الحافظ أبي بكر، ولا أدرك مقصده، وقد قدَّمنا أن ابن العربي يقصد في كثير من أقواله هذه إلى ما شاع بين الوعَّاظ والقصَّاص والمتصوفة والمتزهدة، في احتطابهم وجمعهم لكل حديث قيل في الباب، من غير تمييز بين صحيح؛ وهو قليل، وبين ضعيف؛ وهو كثير، وبين باطل؛ وهو لا يحصى. ثانيها: وإذا كان قد أطلق ابنُ العربي هنا القول فقد قيَّده في مواضع أخرى (٢)، فذكر عددًا من الأحاديث الواردة في الصلاة على النبي ﷺ ، _________ (١) جؤنة العطَّار: (٢/ ٤٦). (٢) العارضة: (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٤)، والأحكام: (٣/ ١٥٨٤).

стр. 333

منها: ما خرَّجه الإمام مالك، ومنها: ما خرَّجه مسلم، ومنها: ما خرَّجه الترمذي، فأفاد هذا أنه لم يقصد ما فهمه الغماري، وإنَّما قصد إلى المستكثرين، وإلى المُحْتَطِبِينَ، والمسألة بَيِّنَةٌ. ثالتها: فَجَرَ الغماري في رَدِّه، ونسب ابن العربي إلى الكذب الصراح، وزاده من عنده الجنون، وكل هذا يؤكد حِقْدَ هذا الرجل على الإمام الحافظ أبى بكر بن العربي ﵁. رابعها: وارتقى الغماري إلى أن يجعل الإمام الحافظ أبا بكر عَدُوًّا لآل البيت، وهي شِنْشِنَةٌ نعرفها من روافض الشرق، تطبَّع عليها الغماري، وجاء لينفثها في المغرب مع من شَايَعَه، ومعلومٌ حِقْدُ الغماري على جَمْعٍ من الصحابة، واتهامهم ببُغْضِ علي ﵁، ليخلص بعد ذلك إلى الحُكْمِ عليهم بالنفاق، وقد جرَّبنا على هذا الغماري كل الذي ذكرنا، وخبرنا حاله ومن يتزيَّى بزِيِّه، أو يدعو إلى مذهبه؛ مذهب الروافض والباطنيَّة، فلم يعد يُهِمُّنا ما يقول في حق الأئمة العظام؛ كأبي الوليد الباجي، وابن حزم، وابن العربي، فقد نَسَبَ الكُلَّ إلى النفاق، وأجرى عليهم أحكامه، فانظروا إلى صنيع هذا الرجل ثم احكموا عليه بما هو أهل له. الموطنُ العاشر: قال الغماري: "ومن ذلك قوله في الاسم الخائف: وقد رُويت عن النبي وسائر الأنبياء أحاديث في خوفهم من الله؛ لا يحل لمسلم أن ينظر فيها، ملأ المتزهدون منها كتبهم؛ بجهلهم بالطرائق.

стр. 334

وقال في الاسم الحامد: ليس فيه - يعني: في الحمد - حديث يعوَّل عليه، والحديث الذي يقال فيه: الحمَّادون لله، لا أصل له، إلى غير ذلك مما يدرك بطلانه العوام، فضلًا عن أهل العلم. وقال في الاسم الثمانين: ومن الأمثال الغرَّارة قولُهم: زُرْ غِبًّا تزددِ حُبًّا، حتى رفعوه إلى النبي ﷺ ، وهو منه بريء. انتهى. قلت: وهذا الحديث له طرق متعددة، أفردها بعض الحفاظ بالتأليف، من آخرهم الحافظ، وسمَّاه "الإثارة بطرق حديث غِبِّ الزيارة"، لأنه ورد من حديث أبي هريرة، وأبي ذر، وحبيب بن مسلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، وخرَّجه من أهل السنة المشهورة الحاكم في "المستدرك"، والطبراني في "معاجمه" الثلاثة، والبزَّار، والحارث بن أبي أسامة، وأبو نُعَيم، والخطيب، والخطَّابي في "العزلة"، وابن قُتَيبة في "عيون الأخبار"، وصاحب "مسند أبي حنيفة"، وآخرون، وقال الحافظ المنذري: إن له أسانيد حسانًا" (١). قلتُ: ونقده يكون من وجوه: الأوَّل: ما ذكره الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي صحيح مليح، وإنَّما الإشكال في فهم الغماري، فابنُ العربي يشير إلى ما ورد في "كُتُبِ الصوفية" (٢) من أخبار غالبها لا يصح، وفيها منكر كثير، ومن خلال تلك _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٦). (٢) ينظر: قوت القلوب: (٢/ ٦٢٢)، والإحياء: (ص ١٥٢٠).

стр. 335

الروايات طعن الناسُ في مراتب الأنبياء، وتقوَّلوا عليهم، وقد عُلم الوعيد الشديد فيمن يتعمَّد الكذب على رسول الله ﷺ ، ووقع النكير على من يروي الضعاف والأباطيل من لدن العلماء، ولهذا ألَّفوا الصحيح ودوَّنوه، ولكن هذا الغماري لا طاقة له بالصحيح، ولا معرفة له به، ولجريانه في كتبه على نَمَطِ من مضى من القمَّاشين يريد أن يجعل صيحة ابن العربي ودعوته من قَبِيل الجهل وقلة الاطلاع، ليؤكد لشِيعَتِه أنه هو الحافظ الذي لا يُجَارَى، وأنه ينقد كلام ابن العربي ويعبث به، أراد ليقال، فقد قيل. وقد علم الناس أن القواعد في أصلها أغلبية، وأن المقصود منها ذكر الأعم المنتشر، وما شذَّ عنها من الأفراد فحصره ممتنع، بل إن تلك الأفراد هي التي تؤكد القاعدة وتجعلها مُعْمَلَةً مُسَلَّمَةً. ولو كان هذا الغماري جادًّا في نقده لأورد ما صحَّ من تلك الأحاديث التي نفى صحتها ابنُ العربي، ولكنه لا قدرة له على ذلك، والنقد كما يفعله الغماري من أسهل شيء على الطالب، ومن أرجى شيء عند الحاسد؛ لأنه لا يُكَلّفه شيئًا أكثر من معاكسة قول المنقود، هذا هو حقيقة الحال، ولو سرد الغماري ما ينقض دعوى ابن العربي لتتبَّعنا له تلك الأحاديث، ولنقدناها نقدًا، فما سلم منها من المعايب سلَّمنا له به، وما لا، فلا، وهكذا هو العلم، فأي الناس أقل اطلاعًا؛ هل هو الناقد الناقم بغير عُدَّةٍ ولا آلة؟ أم الذي نظر وروى وسمع ورحل ثم قال للناس فائدة كل ذلك؛ رحلةً، وسماعًا، وروايةً، ونظرًا، ساق لهم علمًا من غير كلفة ولا تكلفة.

стр. 336

الثاني: فما نفاه ابنُ العربي من أحاديث خوف الأنبياء إنما كان نظرُه إلى ما ورد في "كُتُبِ الصوفية والمتزهدة" من روايات، وفيها ما يطعن في مرتبة الأنبياء، كحديث خوف رسول الله عيسى ومُحَمَّدٍ - حاشاهما - الكفر على نَفْسَيْهِما (١)، وقد علم أن الأنبياء معصومون من الذنوب الصغائر (٢)، فكيف الكبائر؟ فكيف الكفر؟ فهل أدرك الغماري غرض ابن العربي من دعوته وكلمته؟ الثالث: ما قاله ابن العربي في حديث: "زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا"؛ هو الذي عليه العمل، وبه يقول النقاد، وأشار ابنُ العربي إلى أن بعضهم رفعه لأنه لم يصح عنده، وكل ما لم يصح عنده ينسبه إلى المَثَلِ، أو إلى الحكمة، خصوصًا إذا كان قد ورد في "كُتُبِ الأمثال"، وجرى على ألسنة الحكماء، ولكن الغماري يعارض ويعترض بما لا يُسَلَّمُ له. الرابع: وما أورده الغماري من أسماء الحفَّاظ الذين صنَّفوا في طرقه هو كلام عام؛ لا يَدُلُّ على نقيض ما قاله ابنُ العربي، ولم يُنقل عن أولئك ما يفيد تصحيحهم للحديث، وإنَّما نقل عن المنذري تحسينه لبعض أسانيده، والتحسين غير التصحيح، وفَرْقٌ كبير بينهما. وأمَّا ما جمعه الحافظ أبو نُعَيم في جزئه فغالبه منكر ووَاهٍ وشديد الضعف، كما يعلم ذلك من اطَّلع عليه. وأمَّا ذكره للحارث بن أبي أسامة فغير مفيد في شيء، فابنُ العربي يروي "مسنده" بحق سماعه من أبي المطهَّر الأصفهاني، وقد تقدَّم ذكرنا _________ (١) ينظر: قوت القلوب: (٢/ ٦٢٢)، والإحياء: (ص ١٥٢٠). (٢) ينظر: المتوسط في الاعتقاد - بتحقيقنا -: (ص ٣٧٠).

стр. 337

لذلك في مصادر "السراج"، ومن مرويات ابن العربي - أيضًا - التي خفيت على الغماري كتاب "مسند أبي حنيفة"، فبأي شيء تستدرك يا هذا؟ الخامس: وكل ما ذكره الغماري من رواة هذا الحديث لا يدل على صحته في نفسه ولا على ثبوته، فكم من حديث شُهر من طرق كثيرة وهو لا يصح، والكذَّابون يُغِيرون على أحاديث بعضهم البعض ويُرَكِّبُونَ لها الأسانيد؛ ليُكَثِّرُوا كذبهم، ويُعَدِّدُوا باطلهم، ومن الحديث ما لا يصح إلا من رواية صحابي واحد، ويرد من رواية صحابة آخرين، ومع ذلك تجد كل تلك الروايات ضعيفة أو منكرة، كما هو الشأن في حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، فطريقه الصحيحة الوحيدة هي ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁، وغيره إمَّا منكر أو ضعيف. السَّادس: وممَّا يشهد لقول ابن العربي ما ذَكَرَهُ الإمام الحافظ ابنُ حبان ﵀، إذ قال: "رُوي عن النبي ﷺ أخبارٌ كثيرة تُصَرِّحُ بنفي الإكثار من الزيارة، حيث يقول: زُرْ غِبًّا تزدد حُبًّا، إلا أنه لا يصحُّ منها خَبَر من جهة النقل" (١). وقال فيه الإمام أبو حاتم الرَّازِي: "ليس هذا الحديث بصحيح" (٢). وقال فيه الحافظ ابن حجر: "قد ورد من طُرُقٍ أكثرها غرائب، لا يخلو واحد منها من مقال" (٣). _________ (١) روضة العقلاء: (ص ١١٦). (٢) العلل لابن أبي حاتم: (٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣). (٣) فتح الباري: (١٠/ ٤٩٨).

стр. 338

وبهذا لم يكن ابنُ العربي منفردًا في حُكْمِه، ولم يكن مخالفًا فيما ذهب إليه، فهذا ابن حبان - وهو من هو في النقد والتعليل - يذكر ما ذكره ابن العربي، وهذا خاتمة الحفاظ ابن حجر يؤكد ما ذكره ابن العربي، فأين تهويلك يا غماري؟ وأين نَفَثَاتُكَ؟ صارت كأمس الذاهب، ولم يثبت منها شيء. وقد اطَّلع الغماري على قول ابن حجر المفيد تَضْعِيفَ الحديث؛ لأن جل كلامه إنما نقله من "الفتح" (١)، ولكنه دلَّسه كعادته، وأخفى المطاعن في تلك الروايات، وساق ما يفيده في الاحتجاج لمقالته، ليستغفل قارئه؛ ممن لا قدرة له على مطالعة الكلام في محله وموضعه، فأيُّ دِينٍ هذا الذي يجيز التدليس والتمويه؟ وأي باب من العلم فيه الحض على ما فعل هذا الغماري؟ ولكن شهوة الرد أوردته ما ترى، وإنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون. السَّابع: فتأكَّد - إذًا - ما ذكره ابنُ العربي؛ من أنها من الحِكَم المأثورة، وقد أوردها أبو عُبَيد القاسم بن سلَّام في كتاب "الأمثال" (٢)، وكان على الغماري أن يتمهَّل، وفي غالب نقدنا له ظهر أن سبب غلطاته وفَضَحَاتِه عَجَلَتُه وتَسَرُّعُه، أوجبه حِقْدُه القديم، وداؤه العديم، فكان ما كان، ممَّا علمناه وعاينَّاه. الموطنُ الحادي عشر: قال الغماري: "ومن ذلك قوله - في الكلام على آداب الأكل من الكتاب المذكور -: روى إسماعيل بن أبي أُوَيس عن مالك: أنه دخل على _________ (١) فتح الباري: (١٠/ ٤٩٨). (٢) الأمثال: (ص ١٤٨).

стр. 339

عبد الملك بن صالح يُسَلِّمُ عليه، فجلس ساعة ثم دُعِي للطعام، ودُعِي بالوَضوء لغسل يده، فقال عبد الملك: ابدؤوا بأبي عبد الله يغسل يده، فقال مالك: إن أبا عبد الله لا يغسل يده، فاغسل أنت يدك، فقال له عبد الملك: لم يا أبا عبد الله؟ فقال مالك: ليس هو من الأمر الذي أدركتُ عليه أهل بلدنا، وإنَّما هو من زِيِّ الأعاجم، وقد بلغني عن عمر بن الخطاب كان يقول: إيَّاكم وزي الأعاجم وأمورها، وكان عمر بن الخطاب إذا أكل مسح يده بظهر قَدَمَيْهِ، فقال له عبد الملك: أفترى لي تركه يا أبا عبد الله؟ قال: إي والله، فما عاد عبد الملك إلى ذلك. ثم قال في الفصل الرابع منه - أيضًا -: وقد سئل مالك هل يسمي الله إذا توضأ، فقال: أيريد أن يذبح؟ انتهى. وسكت ابن العربي عن هذا، ولم يتعقَّبه؛ كأنه لا يدري أن حديث التسمية على الوضوء عدَّه بعض الحفاظ متواترًا؛ لكثرة طرقه. فقد ورد من حديث أبي هريرة؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي في العلل، وابن ماجه، والدارقطني، وابن السكن، والحاكم، والبيهقي، وأخرون. ومن حديث سعيد بن زيد، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وسهل بن سعد، وأبي سبرة، وأم سبرة، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وغيرهم، وأخذ به كثير من الأئمة فأوجبوا التسمية في الوضوء، منهم: أحمد بن حنبل. وأما الغسل قبل الطعام فالحديث وإن كان ضعيفًا إلا أن بعض الحفاظ حسَّنوه، ومنهم: الحافظ المنذري، وهو مخرَّج في السنن الأربعة؛

стр. 340

لأنه عند أبي داود والترمذي، وهي مما يعتمده ابن العربي، ويُسَمِّيه كَفَّ الإسلام ومِعْصَمَه، مع ورود الحديث من طريق آخر من حديث أنس في سنن ابن ماجه، ولئن خفي الحديثان على مالك فما كان حقهما أن يخفيَا على ابن العربي، وقد سمع السنن الأربعة فيما زعم، ولا سيما سنن الترمذي، فقد قال بعد عزوه حديث: "المؤمن يموت بعرق الجبين" إلى الترمذي ما نصُّه: وعُذْرًا إليكم، فإنا ربما أحلنا على الترمذي فنظرتموه في النسخة المحبوبية فلم تجدوه، فانظروه في النسخة المروزية؛ فهي أكمل، وقد رويناهما جميعًا، والحمد لله" (١). قلتُ: ونَقْدُه من وجوه: الأوَّل: حديث التسمية عند الوضوء ضعَّفه ابنُ العربي في "العارضة" (٢)، ونقل عن أحمد قوله: "لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا" (٣). وضعَّفه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان (٤). وقال المروزي: "ليس فيه شيء يثبت" (٥) وقال عن أحمد: "لم يصححه" (٦). _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٧). (٢) العارضة: (١/ ٨٠). (٣) العارضة: (١/ ٨٠)، وينظر: جامع الترمذي: (١/ ٧٧ - بشار). (٤) العلل لابن أبي حاتم: (١/ ٥٩٥). (٥) شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي: (١/ ٢٧٥). (٦) شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي: (١/ ٢٧٥).

стр. 341

وقال أبو زرعة الدمشقي: "أحاديثُه ليست بذاك" (١). وقال حافظ المغرب الإمام ابنُ القطَّان الفاسي: "ضعيف جدًّا" (٢). فظهر بهذا أن جِلَّةَ النَّقَدَةِ من حفَّاظ الحديث والإسلام قائلون بتضعيفه، وقائلون بعدم ثبوته، فما الذي يضير شيخ الإسلام الحافظ أبا بكر بن العربي أن يقول مثل قولهم أو يذهب مثل مذهبهم؟ وكل ما أجلب به الغماري ما هو إلا تدليس وتمويه؛ الغرض منه التنقيص من الإمام أبي بكر بن العربي، وإظهاره بمظهر الذي يعادي ويعارض السنن تبعًا لإمام مذهبه الإمام مالك بن أنس ﵁. وإخراجُ من ذَكَرَ لأيِّ حديث لا يدل على شيء، بل لا بد من النظر في الأسانيد واعتبار الطرق، وكلهم قد ورد عندهم بأسانيد ضعيفة مسلسلة بالمجاهيل، ولكنه يدلس على القارئ تدليس تسوية، فيحذف ما يفضح قوله ورأيه، ويترك ما يجعله منتصرًا به، زعمات زعمها، فخيَّب الله رجاءه فيها، ولعله كان يقول ذلك لأصحابه و"كُتُبُ السنة" لم يطبع منها إلَّا النزر اليسير، وظنَّ أن كُتُبَ التخريج لا يطالها الناس ليراجعوا ما يقول. الثاني: ومن تدليساته قوله: إن بعض الحفاظ عدَّه متواترًا، وعجبتُ لحديث يقال فيه ما سقناه من نقد النقاد يقول هو فيه: إنه من جملة المتواتر، يستغفل به الذي لا يعلم، ويحتال فيه على الذي لا يفهم. _________ (١) شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي: (١/ ٢٧٥). (٢) بيان الوهم والإيهام: (٣/ ٣١٣).

стр. 342

وهو يدري أكثر من غيره أن كثيرًا مما أُدرج في "كُتُبِ المتواتر" ممَّا لا يصح أن يكون كذلك، ولكن هذا الأمر لا يُبْدِيهِ إلا ساعة المخالفة لمن يقول به، وهو هكذا؛ يعارض بالذي يتهيَّأ له ويتفق، مرَّة يُشَرِّقُ، ومرَّة يُغَرِّبُ، تحقيقًا لشهوة المخالفة. قال الغماري: "إن المتواتر في لسان الأقدمين كالطحاوي وابن حزم وابن عبد البر لا يريدون منه معناه الأصولي الاصطلاحي، وإنما يريدون منه تتابع الطرق وتواردها على معنى واحد، لأنهم يعبرون بذلك عمَّا له ثلاثة طرق وأربعة، وهو لا يفيد التواتر جزمًا، وذلك غَرَّ جماعة، ومنهم المؤلف؛ فأكثر في كتابه من الأحاديث المشتهرة وظنَّها متواترة، وكذلك شيخنا في نَظْمِ المتناثر، بل أورد فيه الضعيف وعدَّه متواترًا" (١). فاسمع إذًا، واعجب لقوله، وما عابه على السيوطي والكتاني هو نفسه الذي وقع فيه هنا، حتى تتأكَّد أن هذا الرجل لا يسلك ما يسلكه أهل العلم في مباحثاتهم ومناقشاتهم، وإنما هو الاحتيال والاختيال. الثالث: ولم يقف عند هذا الحد؛ حتى صار يُلْزِمُ ابن العربي بالقول به والذهاب إلى وجوبه، فقال: فأوجبوا التسمية في الوضوء، وذكر منهم: الإمام أحمد بن حنبل، ولم أقف على قوله بوجوب التسمية، فلعله خلط بينه وبين إسحاق بن راهويه، فهو الذي يقول بوجوب التسمية، وذكرها عنه أبو عيسى في "جامعه" (٢)، وذكرها - أيضًا - الإمام أبو بكر بن العربي في "شرح الترمذي" (٣). _________ (١) المداوي: (٣/ ٩٤). (٢) الجامع الكبير: (١/ ٧٧ - بشار). (٣) العارضة: (١/ ٨٠).

стр. 343

الرابع: وطوى ذِكْرَ من لم يقل بوجوب التسمية - منهم: الإمام أبو حنيفة، والإمام الشَّافعي -؛ حتى يُظْهِرَ الإمام مالكًا وابن العربي بمظهر الذي يخالف ويعارض رأي الجماعة، وليُظهر أن ما ذهب إليه الإمام مالك - رضوان الله عليه - ما هو إلا شذوذ منه، تابعه عليه مُقَلِّدُه ابن العربي، هكذا فكَّر ودبَّر وقدَّر، فنُقِدَ كما قدَّر ودبَّر. الخامس: وفي إحالته على أبي داود ما يفضح دعواه، ويُبطل زعمه، فهو بعد إيراده لحديث التسمية ذكر تفسيره عن الإمام ربيعة ﵁، وفيه خلاف ما كان يُدَنْدِنُ به هذا الغماري، قال ربيعة: "إنه الذي يتوضَّأ أو يغتسل ولا ينوي وضوءًا للصلاة ولا غسلًا للجنابة" (١)، وهذا التفسير هو الذي رضيه ابنُ العربي في "العارضة" (٢). وبهذا لا يكون الحديث ممَّا لم يبلغ مالكًا كما زعم هذا الغماري، فربيعة أحد شيوخه، والإمام مالك لم يقل به لضعفه عنده، ولكن الغماري لا يبالي أن يتقوَّل على مخالفه وأن ينسبه إلى ما لا يصح عنه، سيَّان عنده التحقيق وعدمه، المهم أن يَقْرِفَه بأوهامه وأوابده، ويا لله ولَلمسلمين من هذا الإفك المبين! السَّادس: وأما حديث الغسل قبل الطعام فليس فيه ما فهمه، وهو خاصٌّ بمن كان جُنُبًا، لهذا بوَّب عليه النسائي (٣) وأبو داود (٤) _________ (١) السنن لأبي داود: (١/ ٧٥ - شعيب). (٢) العارضة: (١/ ٨٠). (٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى عن أم المؤمنين عائشة ﵂: كتاب الطهارة، اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب، رقم: (٢٥٠ - شعيب). (٤) أخرجه أبو داود في السنن عن أم المؤمنين عائشة ﵂: كتاب الطهارة، باب الجنب يأكل، رقم: (٢٢٣ - شعيب).

стр. 344

وابن حبَّان (١) بما ذكرتُ، ولم يذكر أحد ما فهمه هذا الغماري، ولكنه كالغريق يتعلق بقشَّة، وهي - كاسمها - ضعيفة هشَّة. السَّابع: قوله: "وقد سمع السنن الأربعة كما زعم"، وفي قوله هذا تطاول كبير على إمام عظيم، والزعم أخو الكذب، وحاشاه، وقد روى الناس عنه السنن الثلاث، ولم يقل ابنُ العربي إنه سمع "سنن ابن ماجه"، فلا أدري من أين أتى بها؟ أما جامع الترمذي فيرويه ابنُ العربي من طريقين، ابن محبوب، والمروزي، قال ابنُ العربي: "وعُذْرًا إليكم؛ فإنَّا ربَّما أحلنا على الترمذي فنظرتموه في النسخة المحبوبية فلم تجدوه، فانظروه في النسخة المروزية؛ فهي أكمل، فقد رويناهما معًا" (٢). أمَّا رواية ابن محبوب فسمعها ابنُ العربي من ابن الطُّيُورِي وأبي طاهر البغدادي (٣)، وهذه الرواية ما تزال موجودة في خزانة فيض الله أفندي بإستانبول، من رواية ابن حَسْنون. وأما رواية المروزي فسمعها ابنُ العربي من خاله أبي القاسم الهَوْزَني (٤). _________ (١) أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂: كتاب الطهارة، ذكر ما يستحب للمرء إذا كان جنبا وأراد النوم أن يتوضأ وضوءه للصلاة ثم ينام، رقم: (١٢١٨ - إحسان). (٢) سراج المريدين: (١/ ٢٤٧). (٣) فهرس ابن خير: (١٥٦). (٤) فهرس ابن خير: (ص ١٥٩).

стр. 345

وممَّن رواه عنه - أيضًا - ابن عُبَيد الله، وابن خيْر. وأما سنن أبي داود فسمعها برواياتها، وهي: رواية اللؤلؤي: سمعها من أبي بكر الفهري (١) وأبي الحسن العبدري (٢). ورواية ابن داسة: سمعها من ابن عمَّار الميُّورقي (٣). ورواية النجَّاد: يرويها ابنُ العربي عن ابن أيوب البزَّاز إجازة (٤). وأما سنن النسائي فالرواية التي وقفنا عليها لابن العربي هي: "رواية ابن حَيُّويَة النيسابوري"، سمعها ابنُ العربي من ابن الطُّيوري (٥). فهل بقي شَكٌّ في تطاول هذا الغماري على الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي؟ والزعمات - التي زعمها - إنما عرفناها منه، وفيما مَرَّ كفاية لمن أراد معرفة الرجل وما جُبِلَ عليه من رمي الناس بالباطل والبهتان، وهو عند ربه يفعل به ما يشاء. الموطنُ الثاني عشر: قال الغماري: "من الحكايات الباطلة التي اعتمدها ابنُ العربي وتبعه القاضي عياض فرواها في معجمه عنه قوله في الاسم الثالث والعشرين: ولا _________ (١) العارضة: (٣/ ١٤٧). (٢) العارضة: (٣/ ١٤٧). (٣) العارضة: (٣/ ١٤٨). (٤) العارضة: (٣/ ١٤٧). (٥) فهرس الحَجْرِي: (ص ١٥٨).

стр. 346

يتم طلب العلم والهجرة فيه إلا كما قال أبو عبد الله البخاري، وذكر القصة التي أسندها عنه عياض، فقال في ترجمته: وممَّا كتبته عنه ما حدَّثني به قال: حدَّثنا محمد بن هبة الله بن محمد الأَكْفاني: حدَّثنا عبد العزيز بن أحمد الكتاني الدمشقي الحافظ: ثنا أبو عصمة نوح بن نصير الفرغاني قال: سمعت أبا المطرف عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مَتٍّ الخزرجي وأبا بكر محمد بن عيسى البخاري بكَشَّ يقولان: سمعنا أبا ذر عمَّار بن محمد بن مخلد التميمي يقول: لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمداني عن قضاء الري ورد بخارى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل القلعي، فنزل في جوارنا، فحملني إليه معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الخُتُّلِي، وقال له: أسألك أن تحدث هذا الصبي مما سمعت من مشايخك، قال: ما لي سماع، قال: فكيف من أهل العلم؟ فما هذا؟ قال: لأني لمَّا بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إلى معرفة الحديث ودراية الأخبار، فقصدتُ محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في معرفة الحديث، وأعلمته بمرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي؟ يا بني؛ لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقداره، فقلت له: عَرِّفْنِي - رحمك الله - حدود ما قصدتك له ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أن الرجل ما يصير محدثًا كاملًا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعًا كأربع، مثل أربع في أربع، عند أربع بأربع بأربع، على أربع عن أربع لأربع، وكل هذه الرباعيات لا تتم له إلا بأربع مع أربع؛ فإذا تمت له وإن عليه أربع، وابتلي بأربع، فإذا صبر على ذلك أكرمه الله بأربع، وأثابه الأخرى بأربع،

стр. 347

قلت: فَسِّرْ لي ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات؛ من قلب صاف، بشرح كاف، وبيان شاف، طالب للأجر الواف، فقال: نعم، - إلى آخر الحكاية -. قلت: وهي حكاية موضوعة؛ كما قال الحفَّاظ، ومن خالط الحديث وأهله عرف أن البخاري أجل وأعلى وأجل وأرقى من أن ينطق بهذا الهراء الباطل والكلام الركيك، وأرى أن واضع هذه الأقصوصة هو أبو عصمة نوح بن نصير؛ فإنه كان صاحب مناكير، وهذا منها بلا شك، ويدل على كذب واضع هذه الحكاية - سواء كان هو أو من فوقه - أنه قال: لما عزل الوليد بن إبراهيم سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ذهب إليه إسحاق بن إبراهيم الختلي وطلب منه أن يُسمع الصبي، مع أن إسحاق بن إبراهيم الختلي مات قبل هذا بخمس وثلاثين سنة؛ لأنه توفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، فهكذا يكون الكذب. وقد ذكر هذه الحكاية أيضًا القسطلاني في شرح البخاري، ولا لوم عليه؛ فإنه ليس من فرسان هذا الميدان، ولا صاحب دعوى كابن العربي، نعم، يلام من جهة وقوفه على فتح الباري ونقله منه كثيرًا، وقد نصَّ الحافظ في مقدمته على أن هذه الحكاية مكذوبة" (١). قلتُ: وما ذكره الغماري في هذا الخبر - الذي اختصره ابن العربي في "سراجه" (٢)، ورواه من طريقه القاضي عياض في "الغُنية" (٣) _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٤٨ - ٥١). (٢) سراج المريدين: (٢/ ٣٧٧). (٣) الغنية: (ص ٦٩ - ٧٢).

стр. 348

و"الإلماع" (١)، وابن بشكوال في "فوائده" (٢) - صحيح، وهو الذي عليه المعوَّل، ويكفي أن يكون في الإسناد نوح الجامع حتى يكون الخبر مدعاةً للنفور منه والإنكار له، غير أن ما ذكره عن ابن العربي لا يُسَلَّمُ له، فلم يكن ابن العربي مُدَّعِيًّا، كبرت كلمة تخرج من فيه. ولو سلك الغماري ما قاله هنا في كُتُبِه التي ملأها بأحاديث الكذَّابين لكان ماشيًا على الطريق المستقيم، وقد رأيناه صَحَّحَ كثيرًا من الأحاديث التي حكم عليها النقَّاد بالوضع، منها حديث: "من كَثُرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"، وقد جعله من الصحيح الذي لا غبار عليه (٣). استدراك: غير أنه فات الغماري الوقوف على طريق أخرى ليس فيها نوح الجامع، وكان حريًّا به أن يقف عليها قبل أن يطلق حكمه، وقد ذكر هذه الطريق بإسناده الحافظ المِزِّي في "تهذيب الكمال" (٤). تنبيه على تصحيف: وقد وقع للغماري تصحيف في أحد الأسماء التي ساقها، وهو قوله: القلعي، صوابه: البلعمي، وكذلك هي في الكتب التي خرَّجت الحديث، وقبيحٌ بمن ينسب نفسه إلى الحديث أن يصحف في الأسماء، قبيح جدًّا أن يُصَحِّفَ، أليس كذلك؟ _________ (١) الإلماع: (ص ٢٩ - ٣٤). (٢) الفوائد المنتخبة: (١/ ٤٠٣ - ٤٠٦). (٣) المداوي: (٦/ ٤٠٣). (٤) تهذيب الكمال: (٢٤/ ٥٦١).

стр. 349

تنبيه على سقط: وقد وقع له سقط ولا بد عند قوله: فكيف من أهل العلم فما هذا؟ وهذا الذي ساقه لا يفهم، ولا معنى له، صوابه: فكيف وأنت من أهل العلم؟ فما هذا؟ وفي مصادر تخريجه: فكيف وأنت فقيه؟ وكان الأوْلى بالغماري أن يراجع ويضبط، إلَّا أن يدعي أنه نقله من حفظه، فساعتها تسقط مكالمته، ونتوجَّه للذي يعنينا من أمورنا، ويجوز أن يقول ذلك، من يدري؟ الموطنُ الثالث عشر: قال الغماري: قال في الاسم المهاجر وهو الثاني والعشرون: كنتُ أَتَكَلَّمُ كثيرًا بعد انْكِفَائِي عن العراق إلى الثَّغْرِ مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في معنى مُقامه بتلك الأرض التي غلبت فيها المناكير على الجماهير، وتعدَّى إلى التوحيد وأصل الدين، وأُشِيرُ عليه بالخروج، ونتناظرُ في ذلك، وأحتجُّ عليه بالهجرة فيقول لي: إني لا أخاف على نفسي شيئًا، وأدفع عن قلوب المؤمنين بمُقامي هذا كثيرًا من الشُّبَهِ، وأُقِيمُ بين قَوْمٍ لهم قَبُولٌ للعِلْم، وحِرْصٌ على الطلب، ومعرفة بالنظر، فأما بلاد المغرب - وإن كانوا على طريقة واحدة - فقد استولى عليهم الجَهْلُ، وفشا فيهم التقليدُ، وزَهِدُوا في النظر، وحُجِّرَتْ أَمْلَاكُهُمْ عليهم في ذلك، سيرة أَمَوِيَّة، ونشأة تقليدية، فإن سَلِمْتُ بينهم عِشْتُ ضَاِئعًا عندهم، وجرى بيني وبينه في ذلك كلام كثير، بدأتُه في الأمالي، واستوفيتُه في كتاب ترتيب الرِّحْلَةِ للتَّرْغِيبِ في المِلَّةِ.

стр. 350

قال في الاسم المتوكل وهو الخامس والثلاثون؛ وذكر حكاية المرعشي مع أستاذه إبراهيم بن أدهم، وأنه مرة دفع له ورقة لأوَّل من يقابله، فقابله نصراني فدفعها إليه، فأعطاه صرة فيها ستمائة دينار، الخ، ما نصه: فهذه آداب المريدين والواصلين من أهل تلك الأقطار، وأمَّا أهل هذه البلاد - رَاجَعَ الله بهم - فلو وقعت الرقعة في يد فقيه لبَصَقَ عليها، ولو وقعت في يد ظالم - دع نصرانيًّا - لم يلتفت إليها لدناءتهم. انتهى. قلت: وهذا من تناقضه أيضًا، ففي المقالة الأولى مدح المغرب لأبي بكر الفهري ودعاه إلى الهجرة إليه، وفي هذه يذم أهله كما ترى. وقد فضَّل المشرق على المغرب في الغنى في مقالة أخرى، فقال في اللباس في الكلام على الأغبر، وأنه أكثر لباس أهل الأندلس؛ لكثرة أمطارها وطينها، ما نصه: وأكثر أهل المغرب فقراء، والغنيُّ منهم كالفقير بالنسبة لأهل المشرق" (١). قلتُ: وما ظنَّه الغماري تناقضًا لا تناقض فيه، فدعوة ابن العربي إلى الهجرة إلى المغرب مُعَلَّلَة بعلل، وفيها من الأوصاف ما يدعو إلى ذلك: منها: غلبة المنكرات. ومنها: الاعتداء على التوحيد. وكل ذلك إنما كان لأن الإسكندرية كانت تحت حُكْمِ العُبَيديِّين، وهم قوم قد تحلَّلوا من الدين، وألحقوا به ما الله بريء منه، وقد حكى أهل التاريخ من أفاعيلهم ومناكيرهم وكفرياتهم الشيء الكثير. _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٥١ - ٥٢).

стр. 351

وإنما مدح له المغرب لأنه أسلم من البدع، وهو على مذهب واحد، وتحت حكم دولة واحدة، مع الائتلاف والاتفاق، والقيام بالسنة، والجهاد للعدو. وأمَّا حديثه في تفضيل المشرق على المغرب فقد ذكر عِلَّته وسببه، وذلك أنه فضَّل المشرق على المغرب في الغنى، ثم فضَّل المشرق على المغرب لمواساة أهله لبعضهم البعض، بخلاف أهل الأندلس، وقد بسطنا ذلك في مقدمتنا للكتاب، فلتُنظر ثمَّة. الموطنُ الرابع عشر: قال الغماري: "قال ابنُ العربي في الكتاب المذكور ما نَصُّه: تَنْبِيهٌ على وَهْمٍ: رَوى قَوْمٌ عن النبي ﷺ : "طلبُ العلم فريضة"، وقال فيه بعضهم: "فريضة بعد الفريضة". والأوَّل: صحيح المعنى، باطل السند. والثاني: باطل الوجهين. وكلُّ حِكْمَةٍ صحَّ معناها دِينًا لم يَحِلَّ أن تُنسب إلى النبي. والثاني: فاسدُ المعنى لا يَصِحُّ أن يضاف إليه. قال يحيى بن معين: من لم يَكُن له فَهْم بالحديث؛ يَعْرِفُ صَحِيحَه من سَقِيمِه قبل أن ينظر في طريقه، فلا ينبغي له أن يشتغل بطلبه. قلت: أمَّا حديث "طلب العلم فريضة على كل مسلم"؛ فورد من طرق متعددة، عدَّه بعض الحفاظ من أجلها متواترًا، واختلف الحفاظ المتقدمون فيه على أقوال؛

стр. 352

فمنهم: من صحَّحه؛ ومنهم: من حسَّنه؛ ومنهم: من ضعَّفه؛ ومنهم: من حكم بوضعه؛ والصحيح: أنه صحيح؛ كما بيَّنته في جزء أفردته لطرقه سمَّيته "المسهم". وأمَّا قوله: قال فيه بعضهم: فريضة بعد الفريضة؛ فغلط منه، فإن أحدًا لم يقل ذلك في حديث طلب العلم، وإنما دخل عليه حديث في حديث؛ بل ذلك لفظ حديث آخر، وهو طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، وهو حديث ضعيف لا باطل كما زعم، خرَّجه ابن حبان في الضعفاء، والطبراني، وأبو نُعَيم في الحلية وفي التاريخ، والديلمي في مسند الفردوس، وأسنده الذهبي في التذكرة في ترجمة محمد بن داود وأبي بكر النيسابوري، وليس هو باطل المعنى كما يقول، بل هو صحيح المعنى، لا يرتاب فيه عاقل متدين، وقد تكلَّم عليه الغزالي في الإحياء وبيَّن معناه، فليُرجع إليه" (١). قلتُ: ونَقْدُ كلامه من وجوه: الأوَّل: ما ذكره ابنُ العربي في حديث العلم هو الذي عليه المعوَّل، وهو قول من سبقه من النقَّاد المتقدمين، وقد قدَّمنا أن الغماري واسعُ الخطو في التصحيح، بل وفي الحكم بتواتر الأخبار، مع أن المتواتر _________ (١) جؤنة العطار: (٥٢/ ٢).

стр. 353

بالشروط التي ذكرها علماء الحديث لا يكاد يوجد، فكُلُّ حديث ضعيف ورد من طرق كثيرة ولو كان من رواية السُّرَّاقِ والمتروكين إلَّا ويحتج به، ويَعُدُّه مُتَوَاتِرًا. الثاني: وأُورِدُ كلام النقاد في هذا الحديث ليُعرف ويقارن بما قاله الغماري ونزع إليه. قال ابن عبد البر: "هذا حديثٌ يُروى عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، كلها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد" (١). وقال إسحاق بن رَاهُوَيه: "طلب العلم واجب، ولم يصح فيه الخبر" (٢). وقال ابن عبد البر - في تفسيره -: "يريد إسحاق - والله أعلم - أن حديث وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم" (٣). وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: "لا يثبت عندنا فيه شيء" (٤). وقال ابن حبان: "ليس بصحيح" (٥). _________ (١) جامع بين العلم وفضله: (١/ ٥٣). (٢) جامع بين العلم وفضله: (١/ ٥٣). (٣) جامع بين العلم وفضله: (١/ ٥٣). (٤) المنتخب من العلل للخلَّال: (ص ١٢٨). (٥) كتاب المجروحين: (١/ ١٥٣).

стр. 354

فظهر بهذا أنه لا فائدة من تَعَقُّبِه، وأنَّ ما ذكره القاضي أبو بكر هو المعتبر. الثالث: وأما قوله في حديث فريضة بعد الفريضة، وما جنح إليه من دخول حديث في حديث، فغيرُ صحيح، فقصدُ الإمام أبي بكر بن العربي هنا إلى حديث طلب الحلال، أي: معرفة الحلال، ولا يكون ذلك إلا بالفقه، فلم يفهم الغماري عن الإمام ابن العربي، وذلك أن هذا اللفظ ليس بخافٍ على ابن العربي؛ لأنه مذكور في كتابين اعتمدهما في تأليفه لهذا "السراج"، وهما: "قوت القلوب" (١)، و"الإحياء". وإنَّما قلنا ذلك لأنَّ من فسَّر حديث طلب الحلال قال: "معناه طلب علم الحلال فريضة" (٢)، ولكن الغماري يتعجَّل ويستوفز، ويريد أن ينتهز ما يخاله وهمًا وخطأً، لهذا قال ما قال. الرابع: من علامة ضعف الحديث ما ذكره من مصادر تخريجه، والإحالة على "مسند الفردوس" مُشْعِرَةٌ بالضعف والنكارة والاطِّراح، وقد قال الغماري فيه: "مسند الفردوس مجموعة أكاذيب وأباطيل وموضوعات، والأحاديث الثابتة فيه أعز من الكبريت الأحمر، وأندر من الغراب الأبقع" (٣)، ويؤكده - وهو -: الخامس: ما قاله ابن حبَّان في راوي حديث طلب الحلال، قال بعد إيراده للحديث: "ومن روى مثل هذا الحديث عن الثوري بهذا الإسناد بطل الاحتجاجُ بخبره فيما يرويه؛ ممَّا يشبه حديث الأثبات" (٤). _________ (١) قوت القلوب: (١/ ٣٦٤). (٢) قوت القلوب: (١/ ٣٦٤). (٣) المداوي: (٤/ ٥٠٧). (٤) كتاب المجروحين: (٢/ ١٦٠).

стр. 355

ولكن الغماري لا يُبْطِلُ الاحتجاج به، ويستغفل قارئه لظنه أنه لا يقف على ذلك في مصادره، وغريب أن يحتج بالضعاف والمتروكين، ولكن ما دام أنه قد اتخذ الإمام ابن العربي عَدُوًّا فهو يستبيح في سبيل حربه معه كل شيء، حتى ولو تعلَّق بأحاديث المتروكين والمنبوزين، غريب هذا الصنيع جِدًّا. السَّادس: وأما إحالته على الطبراني فهي كذلك من قَبِيلِ التهويل، فقد أخرجه الطبراني من حديث عبَّاد بن كثير (١)، وقد تقدَّم قولُ ابن حبَّان فيه. السَّابع: ومدارُ الحديث على من ذكرنا، وهو عبَّاد بن كثير، ومع ذلك أورد الغماري ما أورد ليَهُولَ القارئ ما يرى وما يطالع، ولكن ما ذكره لا شيء، شِبْهُ الرِّيحِ. الثامن: ومن غريب تناقض الغماري ما ذكره في "مداويه" مخالفًا لما قاله هنا، قال - بعد أن ذكر من رواه -: "كلهم من طريق عبَّاد بن كثير" (٢)، ثم ذكر ما أوردناه هنا من كلام ابن حبَّان، والذي يقضي باطِّراح رواية عبَّاد بن كثير؛ لضعفه وانهتاك أمره، ثم قال الغماري: "وعبَّاد بن كثير متروك" (٣)، ومع ذلك قال هنا: إن الحديث ضعيف، فانظر وتأمَّل، ثم تعجَّب، ثم أحمد الله على العافية. والحديث باطل كما قال ابن العربي، شديد الضعف، لا يبعد أن يكون من وضع عبَّاد بن كثير، والله أعلم. _________ (١) المعجم الكبير: (١٠/ ٩٠). (٢) المداوي: (٤/ ٤١٨)، وينظر: شعب الإيمان للبيهقي: (١١/ ١٧٦). (٣) المداوي: (٤/ ٤١٨).
следующие страницы →