← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإنما مدح له المغرب لأنه أسلم من البدع، وهو على مذهب واحد، وتحت حكم دولة واحدة، مع الائتلاف والاتفاق، والقيام بالسنة، والجهاد للعدو. وأمَّا حديثه في تفضيل المشرق على المغرب فقد ذكر عِلَّته وسببه، وذلك أنه فضَّل المشرق على المغرب في الغنى، ثم فضَّل المشرق على المغرب لمواساة أهله لبعضهم البعض، بخلاف أهل الأندلس، وقد بسطنا ذلك في مقدمتنا للكتاب، فلتُنظر ثمَّة. الموطنُ الرابع عشر: قال الغماري: "قال ابنُ العربي في الكتاب المذكور ما نَصُّه: تَنْبِيهٌ على وَهْمٍ: رَوى قَوْمٌ عن النبي ﷺ : "طلبُ العلم فريضة"، وقال فيه بعضهم: "فريضة بعد الفريضة". والأوَّل: صحيح المعنى، باطل السند. والثاني: باطل الوجهين. وكلُّ حِكْمَةٍ صحَّ معناها دِينًا لم يَحِلَّ أن تُنسب إلى النبي. والثاني: فاسدُ المعنى لا يَصِحُّ أن يضاف إليه. قال يحيى بن معين: من لم يَكُن له فَهْم بالحديث؛ يَعْرِفُ صَحِيحَه من سَقِيمِه قبل أن ينظر في طريقه، فلا ينبغي له أن يشتغل بطلبه. قلت: أمَّا حديث "طلب العلم فريضة على كل مسلم"؛ فورد من طرق متعددة، عدَّه بعض الحفاظ من أجلها متواترًا، واختلف الحفاظ المتقدمون فيه على أقوال؛

стр. 352

فمنهم: من صحَّحه؛ ومنهم: من حسَّنه؛ ومنهم: من ضعَّفه؛ ومنهم: من حكم بوضعه؛ والصحيح: أنه صحيح؛ كما بيَّنته في جزء أفردته لطرقه سمَّيته "المسهم". وأمَّا قوله: قال فيه بعضهم: فريضة بعد الفريضة؛ فغلط منه، فإن أحدًا لم يقل ذلك في حديث طلب العلم، وإنما دخل عليه حديث في حديث؛ بل ذلك لفظ حديث آخر، وهو طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، وهو حديث ضعيف لا باطل كما زعم، خرَّجه ابن حبان في الضعفاء، والطبراني، وأبو نُعَيم في الحلية وفي التاريخ، والديلمي في مسند الفردوس، وأسنده الذهبي في التذكرة في ترجمة محمد بن داود وأبي بكر النيسابوري، وليس هو باطل المعنى كما يقول، بل هو صحيح المعنى، لا يرتاب فيه عاقل متدين، وقد تكلَّم عليه الغزالي في الإحياء وبيَّن معناه، فليُرجع إليه" (١). قلتُ: ونَقْدُ كلامه من وجوه: الأوَّل: ما ذكره ابنُ العربي في حديث العلم هو الذي عليه المعوَّل، وهو قول من سبقه من النقَّاد المتقدمين، وقد قدَّمنا أن الغماري واسعُ الخطو في التصحيح، بل وفي الحكم بتواتر الأخبار، مع أن المتواتر _________ (١) جؤنة العطار: (٥٢/ ٢).

стр. 353

بالشروط التي ذكرها علماء الحديث لا يكاد يوجد، فكُلُّ حديث ضعيف ورد من طرق كثيرة ولو كان من رواية السُّرَّاقِ والمتروكين إلَّا ويحتج به، ويَعُدُّه مُتَوَاتِرًا. الثاني: وأُورِدُ كلام النقاد في هذا الحديث ليُعرف ويقارن بما قاله الغماري ونزع إليه. قال ابن عبد البر: "هذا حديثٌ يُروى عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة، كلها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد" (١). وقال إسحاق بن رَاهُوَيه: "طلب العلم واجب، ولم يصح فيه الخبر" (٢). وقال ابن عبد البر - في تفسيره -: "يريد إسحاق - والله أعلم - أن حديث وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم" (٣). وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: "لا يثبت عندنا فيه شيء" (٤). وقال ابن حبان: "ليس بصحيح" (٥). _________ (١) جامع بين العلم وفضله: (١/ ٥٣). (٢) جامع بين العلم وفضله: (١/ ٥٣). (٣) جامع بين العلم وفضله: (١/ ٥٣). (٤) المنتخب من العلل للخلَّال: (ص ١٢٨). (٥) كتاب المجروحين: (١/ ١٥٣).

стр. 354

فظهر بهذا أنه لا فائدة من تَعَقُّبِه، وأنَّ ما ذكره القاضي أبو بكر هو المعتبر. الثالث: وأما قوله في حديث فريضة بعد الفريضة، وما جنح إليه من دخول حديث في حديث، فغيرُ صحيح، فقصدُ الإمام أبي بكر بن العربي هنا إلى حديث طلب الحلال، أي: معرفة الحلال، ولا يكون ذلك إلا بالفقه، فلم يفهم الغماري عن الإمام ابن العربي، وذلك أن هذا اللفظ ليس بخافٍ على ابن العربي؛ لأنه مذكور في كتابين اعتمدهما في تأليفه لهذا "السراج"، وهما: "قوت القلوب" (١)، و"الإحياء". وإنَّما قلنا ذلك لأنَّ من فسَّر حديث طلب الحلال قال: "معناه طلب علم الحلال فريضة" (٢)، ولكن الغماري يتعجَّل ويستوفز، ويريد أن ينتهز ما يخاله وهمًا وخطأً، لهذا قال ما قال. الرابع: من علامة ضعف الحديث ما ذكره من مصادر تخريجه، والإحالة على "مسند الفردوس" مُشْعِرَةٌ بالضعف والنكارة والاطِّراح، وقد قال الغماري فيه: "مسند الفردوس مجموعة أكاذيب وأباطيل وموضوعات، والأحاديث الثابتة فيه أعز من الكبريت الأحمر، وأندر من الغراب الأبقع" (٣)، ويؤكده - وهو -: الخامس: ما قاله ابن حبَّان في راوي حديث طلب الحلال، قال بعد إيراده للحديث: "ومن روى مثل هذا الحديث عن الثوري بهذا الإسناد بطل الاحتجاجُ بخبره فيما يرويه؛ ممَّا يشبه حديث الأثبات" (٤). _________ (١) قوت القلوب: (١/ ٣٦٤). (٢) قوت القلوب: (١/ ٣٦٤). (٣) المداوي: (٤/ ٥٠٧). (٤) كتاب المجروحين: (٢/ ١٦٠).

стр. 355

ولكن الغماري لا يُبْطِلُ الاحتجاج به، ويستغفل قارئه لظنه أنه لا يقف على ذلك في مصادره، وغريب أن يحتج بالضعاف والمتروكين، ولكن ما دام أنه قد اتخذ الإمام ابن العربي عَدُوًّا فهو يستبيح في سبيل حربه معه كل شيء، حتى ولو تعلَّق بأحاديث المتروكين والمنبوزين، غريب هذا الصنيع جِدًّا. السَّادس: وأما إحالته على الطبراني فهي كذلك من قَبِيلِ التهويل، فقد أخرجه الطبراني من حديث عبَّاد بن كثير (١)، وقد تقدَّم قولُ ابن حبَّان فيه. السَّابع: ومدارُ الحديث على من ذكرنا، وهو عبَّاد بن كثير، ومع ذلك أورد الغماري ما أورد ليَهُولَ القارئ ما يرى وما يطالع، ولكن ما ذكره لا شيء، شِبْهُ الرِّيحِ. الثامن: ومن غريب تناقض الغماري ما ذكره في "مداويه" مخالفًا لما قاله هنا، قال - بعد أن ذكر من رواه -: "كلهم من طريق عبَّاد بن كثير" (٢)، ثم ذكر ما أوردناه هنا من كلام ابن حبَّان، والذي يقضي باطِّراح رواية عبَّاد بن كثير؛ لضعفه وانهتاك أمره، ثم قال الغماري: "وعبَّاد بن كثير متروك" (٣)، ومع ذلك قال هنا: إن الحديث ضعيف، فانظر وتأمَّل، ثم تعجَّب، ثم أحمد الله على العافية. والحديث باطل كما قال ابن العربي، شديد الضعف، لا يبعد أن يكون من وضع عبَّاد بن كثير، والله أعلم. _________ (١) المعجم الكبير: (١٠/ ٩٠). (٢) المداوي: (٤/ ٤١٨)، وينظر: شعب الإيمان للبيهقي: (١١/ ١٧٦). (٣) المداوي: (٤/ ٤١٨).

стр. 356

الموطنُ الخامس عشر: قال الغماري: "قال فيه أيضًا: كنتُ بمكَّة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، فكنت أَبِيتُ بين المقام وزمزم وأعتكفُ فيه، وأَتَذَكَّرُ قَوْلَ النبي ﷺ : "ماءُ زمزم لِمَا شُرِبَ له"، فكنتُ أَشْرَبُه بنِيَّةِ العِلْم آناء الليل والنهار، فوَهَبَنِي الله ما شاء، ولم أشربه بنيَّة العمل، ودعوتُ الله بالملتزم ثلاث دعوات، فَرَأَيْتُ الاثنتين وبَقِيَتِ الواحدة، والله يَمُنُّ بها عليَّ، فهي العُمْدَةُ. فكانت الأولى: أن يجعلني من العلماء، حتى لا يتكلم أَحَدٌ بشيء مِنْ فَنٍّ مِنَ العِلْمِ؛ إن كان حقًّا إلَّا عَلِمْتُه، وإن كان باطلًا إلَّا قَدَرْتُ عليه؛ إثباتًا للأوَّل، ونَفْيًا للثاني، فآتاني الله ذلك. وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة. فيا ليتني كنتُ شَرِبْتُ ماء زمزم للعَمَلِ، ودعوت الله فيه في المُلْتَزَمِ. قلت: يا ليتك دعوت الله أن يرزقك حب آل البيت النبوي؛ الذين حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، ويقلع من صدرك بغضهم، ويسل منه السخيمة عليهم؛ فإن ذلك كله مع العلم يكفيك إذا أردت بعلمك وجه الله تعالى، ولم تطلب به الدنيا والجاه عند الملوك والحكام، ولكنك لم تفعل؛ لأن الله تعالى لم يُرِدْ بك خيرًا" (١). قلتُ: ونَقْدُه من وجوه: _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٥٣).

стр. 357

الأوَّل: كل ما ذكره الغماري هنا افتراءٌ وتطاولٌ على الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي ﵁، ومسألة النصب الذي يُدَنْدِنُ حولها قد قَرَفَ بها جِلَّةً من العلماء؛ منهم: الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري؛ ومنهم: الإمام الحافظ أبو الوليد الباجي؛ ومنهم: الإمام الحافظ ابن حزم؛ وغيرهم كثير. الثاني: وما ذكره وألصقه بابن العربي بخصوص صلته بالملوك كَذِبٌ وافتراءٌ أيضًا، ولو كان ابن العربي مصانعًا للملوك لما تجرَّأ أحد عليه يوم ثورة السَّفْلَةِ، ولما عُزِلَ، فلمَّا كان حاكمًا بالحق وقائمًا بالعدل تضرَّر من تضرَّر من المفسدين وأمراء الجور، فاحتالوا في التخلص منه بتلك الثورة المزعومة. الثالث: وأدهى ما في كلام الغماري قوله: "إن الله تعالى لم يُرِدْ بك خيرًا"، وهذا من جنس الكلام في الغيوب، وادعاء الاطِّلاع على الضمائر، ومعرفة ما في اللوح، وهو هنا من التألي على الله والكذب عليه، والرجل بإجماع مترجميه - من تلامذته ومن أتى بعده - أنه مات على خير طريقة، وعلى أحسن سَنَنٍ. الموطنُ السَّادس عشر: قال الغماري: "قال في الاسم التاسع والخمسين ما نصه: وظنَّ بعضُ الناس أن حافظ الفروع فقيه، وليس بفقيه ولا حافظ، لأنَّ حِفْظَها ليس بفِقْهٍ

стр. 358

في دين الله، ولا في العربية المطلقة، وإنَّما الفقيه من فَهِمَ ما قال الله وما قاله رسولُه، لا ما قال من لم يلزم اتِّبَاعُه، وقد بيَّنَّا في كتاب العواصم السَّبَبَ الذي أوجب اقتصار الناس على استظهار المسائل، ومقصودُهم به في الأكثر أَكْلُ الدنيا. إلخ ما قال، وهو حجة عليه؛ فإنه مع اعترافه بهذا لم يزل معتنقًا لمذهب مالك مُقَلِّدًا له لأجل أكل الدنيا كما قال" (١). قلتُ: ونقدُه من وجوه: الأوَّل: في كلامه تَنَقُّصٌ من مذهب مالك ﵁، وهي طريقته التي عاش عليها، ولم يُعرف أحد تجرَّأ على الإمام مالك كجراءة هذا الغماري عليه، وعرَّض به في كثير من مقالاته، وكذلك كان إخوته من بعده، وانظر إلى قول أخيه عبد الحي في مالك وتأمله حتى تعرف بواطن هؤلاء الفرقة، قال عبد الحي - فيما زعمه ردًّا على الإمام مالك -: "لكني لا أَمُرُّ عليه مَرَّ الكرام، بل لا بد من صَفْعِه صَفْعَةً بيد البرهان؛ حتى يظهر ما فيه من زيف ومغالطة، ما كان ينبغي أن تصدر من إمام جليل مثله" (٢). فعبد الحي هنا يزعم أنه سيصفع الإمام مالكًا صفعة بيد البرهان، هذا غيض من فيض، وصُبابة من تلك الجراءة والتطاول على الإمام مالك رضوان الله عليه. الثاني: تَطَاوُلُه على ابن العربي هنا مسبوق بتطاوله على كبار أئمة المالكية، إذ يقول الغماري في الإمام الحافظ أبي الوليد الباجي ﵁: "أمَّا _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٥٣). (٢) المجتبى: (١/ ١٨١).

стр. 359

الباجي فليس هو من هذا القبيل، بل هو وإن نَصَّ في كتبه ورسالته في الأصول على تحريم التقليد؛ فإنه يبدي من التعصب لإمامه، بل من التلاعب بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتحويلها إلى موافقة هواه؛ ما أسقطه عن مَصَافِّ العلماء العاملين" (١). هذا منتهى علم الغماري، الطعن في الأئمة، والحُكْمُ عليهم بما يوافق هواه، وتجريدهم من كل فضيلة، لتسلم له فتنته ونحلته، فيا لله ويا للمسلمين من هذه الرديَّة الرزيَّة. الثالث: ما ذكره هنا عن ابن العربي نَقَضَهُ في موضع آخر، فقال: "وابنُ العربي أسعد منه - أي: من الباجي - بموافقة الحق والعمل بالدليل والرد على المذهب؛ إذا كان فيه ما يخالف الدليل" (٢). وظهر بكلامه هذا أنه يتصيَّد لينفث سمومه وأحقاده على الإمام أبي بكر، وليس غرضه من الكلام إثباتُ حق أو إبطالُ باطل، ونعوذ بالله من الهوى والخذلان. الموطنُ السَّابع عشر: قال الغماري: "قول ابن العربي في الاسم السبعين من السراج: وقد رُوِيَ أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال له: طلقها، قال: إني أحبها، قال: استمتع بها، وتأوَّله قوم، والحديثُ ضعيف لا أصل له، فلا تشتغلوا به. _________ (١) الإقليد: (ص ٢١٢). (٢) الإقليد: (ص ٢١٢).

стр. 360

فقَوْلُه: ضعيف لا أصل له؛ غريب عن اصطلاح أهل الفن؛ فإنهم يقولون: لا أصل له؛ فيما لا سند له أصلًا، وهذا اصطلاح المتأخرين من بعد القرن الخامس، أما المتقدمون كأبي حاتم والبخاري فقد يطلقون هذا على الموضوع ولو كان له إسناد، أما إطلاقه على الضعيف فمن تهور ابن العربى في التعبير، ثم إن الحديث مُخَرَّجٌ في السنن، وصحَّحه جماعة من الحفاظ، منهم: الضياء المقدسي، والمنذري، والذهبي، وقال الحافظ: إنه حسن صحيح، وبالغوا في الإنكار على ابن الجوزي الذي أورده في الموضوعات" (١). قلتُ: ونَقْدُه من وجوه: الأوَّل: ما استغربه الغماري من جمع ابن العربي في عبارته بين ضعف الحديث وكونه لا أصل له لا وجه لغرابته، وابن العربي مسبوق بهذا الذي حكم به على الحديث، فقد ذكر الإمامُ أحمد مثله، قال ﵁: "هذا الحديث لا يثبت، وليس له أصل" (٢). الثاني: وهذا يؤكد قلة اطلاع الغماري على أقوال النقاد، ويؤكد جسارته على أكابر الأئمة وعلماء الأمة. الثالث: وابنُ العربي ممَّن يجوز له أن ينفرد في اصطلاحاته وعباراته، والشأنُ في الفهم عنه، وليس في الاعتراض عليه، فافهم أوَّلًا - يا غماري - ثم اعترض. _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٥٤). (٢) البدر المنير: (٨/ ١٨٠)، وتلخيص الحبير: (٣/ ٤٥٢).

стр. 361

الرابع: قد كان يمكن أن يتعلَّق الغماري بقوله: لا أصل له؛ إذا كانت هذه العبارة مفردة، وأمَّا وقد بيَّن الإمام ابنُ العربي قبلها حُكْمَ الحديث فقوله بعد ذلك ليس إلا تأكيدًا لضعفه، وهي طريقة النقاد، لا يكتفون بعبارة واحدة حتى يؤكدوها بأخرى، وهو الذي سُقناه من كلام الإمام أحمد. الخامس: وقد يطلقون عبارة لا أصل له ولا يقصدون الموضوع، بل يطلقونه على ما كان من قَبِيل خطأ الراوي؛ إذا رفع حديثًا موقوفًا أو ما أشبهه (١). الموطنُ الثامن عشر: قال الغماري: "لم يُصَلِّ ابنُ العربي على النبي ﷺ كلما أجرى ذِكْرَه في هذا الكتاب؛ قال النبي، وفعل النبي؛ في غالب ما وقفتُ عليه فيه، والنسخة عندي عتيقة جدًّا، وبخط أندلسي، لا أستبعد أن تكون مكتوبة في حياته، فلا أدري هل ذلك منه أو من الناسخ؟ وفي هذا ما فيه، بل هو من الكبائر كما هو معلوم" (٢). قلتُ: ونَقْدُه من وجوه: الأوَّل: ما ذكره الغماري عن ابن العربي غير صحيح، بل هو تهويل منه كعادته. الثاني: أن ذلك يختلف بحسب النسخ، وسيرى القارئ كثرة الصلاة على النبي ﷺ في "السراج" كله. _________ (١) ينظر: العلل للإمام أحمد: (٢/ ٢٦٦)، والمنتخب من العلل للخلَّال: (ص ٨٧). (٢) جؤنة العطار: (٢/ ٥٥).

стр. 362

الثالث: وحتَّى لو لم يكتبها ابنُ العربي خطًّا، فما أدراه أنه لم يُصَلِّ على رسول الله ﷺ لفظًا؟ هذا من الرجم بالغيب الذي يدخل الغماري في مضايقه. الرابع: ومع الذي قلنا قبل هذا فإنَّ الإمام أحمد ﵁ شُهِرَ عنه ما نسبه الغماري إلى ابن العربي، فكان يُصَلِّي على النبي نُطْقًا لا خَطًّا (١). الخامس: ولم يقل أحد من علماء المسلمين: إن كتابة الصلاة على النبي واجبة كلما كتب الواحد اسم رسول الله أو صفته، لم يقل ذلك أحد، ومع ذلك كتب الغماري ما كتب. السَّادس: وإنَّما قالوا: إن الصلاة على النبي ﷺ واجبة مرة واحدة في العمر، هذا الذي اتَّفقوا عليه (٢). السَّابع: قال الفقيه الحافظ عبد الحي الكتاني - في رده على الفقيه العلَّامة الزرقاني بخصوص هذه المسألة -: "ما يُدري ابن عبد الباقي أن ابن العربي صلَّى لفظًا، والاكتفاء بالصلاة لفظًا سائغ، بل هو طريقة السلف، وما التزمَ الناس غيرها إلا أخيرًا، ويمكن أن يكون حذف الصلاة من الناسخ، والكُلُّ جائز بإجماع المسلمين" (٣). الثامن: وقوله: إن ذلك كبيرة، فَهْم سقيم منه، وقولُ رجل لا يعرف ما هي الكبائر، ومن الكبائر الحسد، وأكبرُ الكبائر رَمْيُ الناس بالباطل، _________ (١) الجامع للخطيب: (٢٧١/ ١)، ومعرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح: (ص ٢٩٩). (٢) الشفا: (ص ٨٤٦)، وأحكام القرآن: (٣/ ١٥٨٤). (٣) النور السَّاري على صحيح البخاري لعبد الحي الكتاني: (٢/ ١٩).

стр. 363

وقول الزُّورِ، والكذب، والافتراء، والرجم بالغيب، والتَّأَلِّي على الله، وكل هذا الذي أسلفنا تلبَّس به الغماري فيما زعمه نقدًا ونقضًا. الموطنُ التاسع عشر: قال الغُماري: "من سابر كتبه وأحواله علم أن الرجل يكذب ولا بد، فقد ذكر أنه شاهَد صخرة بيت المقدس معلَّقة بين السماء والأرض؛ لا يحملها إلا قدرة الله تعالى، وهذا كَذِبٌ ظاهر لا خفاء به" (١). قلتُ: هذا من جراءة الغماري على العلماء، ومن الافتئات على الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي - رضوانُ الله عليه -، وما كذَّبه هو الصحيح، وهو الذي حكاه العلماء، ولكن الرجل يَسْتَحِلُّ إلزاق التهم بالعلماء، تلك عادته التي عُرِفَ بها، ومن طالع كتبه رأى فيها العجب. والردُّ على هذا البهتان يكون من وجوه: الأوَّل: لم يقل الإمام الحافظ ما ذكره عنه الغماري. قال الإمام الناقد ﵁: "إن مياه الأرض كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس، وهي من عجائب الله في أرضه، فإنها صخرة تسعى في وسط المسجد الأقصى مثل أضرب، قد انقطعت من كل جهة، لا يمسكها إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" (٢). ثم قال: "تمشي في حواشيها من كل جهة؛ فتراها منفصلة عن الأرض، لا يتصل بها من الأرض شيء، وبعض الجهات أبعد انفصالًا من بعض" (٣). _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٢٨). (٢) القبس: (٣/ ١٠٧٦). (٣) القبس: (٣/ ١٠٧٧).

стр. 364

فأين قوله الذي نسبه له؛ من أنها معلقة بين السماء والأرض؟ الثاني: وما زال الناس يقرؤون وينسخون ويَدرسون ويُدَرسون كُتُبَ الإمام ابن العربي، ولم يطعن أحد فيما أورد فيها، ولا اتَّهمه حَبْرٌ بكَذِبٍ أو اختلاق، فدلَّ ذلك على جلالته عندهم، وأنه مُبَرَّأٌ ممَّا نسبه إليه هذا الغماري. الثاني: نَقَلَ كلام ابن العربي هذا (١) ابنُ تميم المقدسي ت ٧٦٥ هـ، ولم ينكره أو يُكَذِّبْهُ (٢). الثالث: ونقل هذا - أيضًا - العُلَيمي، وقال: "وهو المشهور عند الناس، أن الصخرة معلَّقة بين السماء والأرض، وحُكِيَ أنها استمرَّت على ذلك حتى دخلتْ تحتها حامل، فلمَّا توسَّطت تحتها خافت فأسقطتْ حملها، فبُنِيَ حولها هذا البناء المستدير عليها، حتى استترَ أمرُها عن أعين الناس" (٣). فمن هذا الذي يكذب يا غماري؟ هؤلاء من أهل بيت المقدس ولم يقولوا ما قلتَ، وما أدرى الغماري ببيت المقدس؟ وأي عِلْمٍ له به؟ ولكن حقدُه على ابن العربي جعله يفتري عليه وينسبه إلى الكذب، أي بلاء هذا الذي نزل بالعلم وأهله؟ _________ (١) القبس: (٣/ ١٠٧٦ - ١٠٧٧). (٢) مثير الغرام: (ص ٢٦٣ - ٢٦٤). (٣) الأنس الجليل: (٢/ ٥٥ - ٥٦).

стр. 365

الموطنُ المُوَفِّي عِشْرِينَ: قال الغماري: "وقد كان الرجل من علماء الدنيا لا من علماء الآخرة، زيادة على فرط بغضه لآل البيت النبوي، ولعلي بن أبي طالب ﵇، الدَّال على نفاقه بشهادة الحديث الصحيح" (١). قلتُ: ونقدُه من وجهين: الأوَّل: قد قدَّمنا ما نال الرجل من محنة، ولو كان من علماء الدنيا ما جرى له الذي قصَّه وحكاه في كتبه، وكتابه هذا شاهد على عرفانه وتألهه وفضله، وفيما حكاه عن مرابطته ومجاورته وتبتله ما يقضي على كل ما قاله هذا الغماري بالإبطال، وقد تقدَّم كثير منه في صدر الدراسة، فتُنْظَرُ ثمَّة. الثاني: ما زعمه من بُغْضِ الإمام ابن العربي لآل البيت مَحْضُ افتراء، وأوهام سرت إليه من رافضة الشرق وزيدية اليمن، وقد أفسدُوا معتقده، ولَعِبُوا بعقله؛ حتى صار غالبُ الناس - من العلماء والفقهاء والمحدثين - متهمين عنده بالنصب، هكذا مرَّة واحدة، وقد تقدَّم إبطالُ كل هذا الذي يبدئ ويعيد فيه. الموطنُ الحادي والعشرون: قال الغماري: "من دسائس ابن العربي المالكى المذكور في النصب وبُغْض آل البيت النبوي قوله في الاسم الذاكر من السراج: وكان بعضهم ينشد إذا رأى ما عليه من المعصية وأراد الذِّكْرَ: _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٢٨).

стр. 366

ما إن ذكرتُك اللهم تلعنني … جوارحي ولساني عند ذكراكَ حتى كأن رقيبًا منك يهتف بي … إيَّاك - ويحك - والتذكار إيَّاكَ فإنه ليس ممَّن يخفى عليه معنى هذين البيتين، والمراد بهما بين الصوفية، بل الواقع جزمًا أنه يعلم أن معناهما خلاف ذلك؛ بدليل أنه أنشد قبلهما بيتًا آخر في معناهما الحقيقي، وهو قول بعضهم: الله يعلم أني لست أذكره … وكيف يذكره من ليس ينساهُ فهذا إذ أورده قاطع بأنه يعلم أن مراد صاحب البيتين الأوَّلين هذا المعنى، وأنه قال: تلعنني جوارحي إلخ؛ لأني إذا ذكرتك كان ذلك دليلًا على أني نسيتك، وإذا نسيتك كنت مستحقًّا للَّعْنِ، على أنه غيَّر لفظ البيت ليتم له ما أراد؛ فإن لفظه كما هو مشهور عن قائله هكذا: فإن (١) ذكرتك اللهم يلعنني … سِرِّي وقلبي وروحي عند ذكراكَ فغيَّر هو ذِكْرَ السر والقلب والروح بذِكْرِ الجوارح واللسان؛ ليتم له ما أراد إشارة إلى الحديث الوارد بأن العاصي إذا ذكر الله في حال معصيته ذكره الله بلعنته، ثم أراد أن يؤيد هذا المعنى فأنشد قول القائل: أستغفر الله من أستغفر الله … من لفظة صدرتْ خالفتُ معناها وكيف أرجو إجابة الدعاء وقد … سددتُ بالذنب عند الله مجراها وبعد: فالحامل لهذا الخبيث على هذه الدسائس هو أن البيتين منسوبان لعلي زين العابدين بن الحُسَين عليهما الصلاة والسَّلام، فأراد عدو الله أن يحول معناهما، ويثبت للسيد الجليل أنه كان مقيمًا على المعاصي، _________ (١) كذا، صوابه: ما إن.

стр. 367

الله ابن العربى وأخزاه، ولا بارك فيه ولا أغاثه؛ بشفاعة جد الأشراف ﵊، آمين. فإنه هكذا يُحِبُّ أن يذكر آل البيت النبوي، وقد أفرط في حَقِّ والد زين العابدين وهو سيدنا الحُسَين ﵇، بل وفي حق والدته سيدة نساء العالمين بالنص الصحيح، فقال عَدُوُّ الله في تفسير قوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٣]: أي: خافضة لفاطمة، رافعة لعائشة، فانظر عدو الله كيف حوَّل معنى الآية وطبَّقها على ما في صدره من بغض بنت رسول الله ﷺ ، التي هي كما قال ﷺ : هي بضعة مني، يرضيها ما يرضيني، ويغضبها ما يغضبني" (١). قلتُ: ونَقْدُ هذا الكلام من وجوه: الأوَّل: كل هذا التهويل إنما أراد أن يتسلَّل به إلى نَبْزِ الإمام ابن العربي بالنصب، وكَوْنُ ابن العربي أورد روايةً لبيت شعر لا يعرفها هو لا يعني أن ذلك غير موجود، ولا يعني أن ذلك قد غيَّره، وقد قرأها الناسُ بكتابه فلم يقل أحدٌ ما قال هذا الغماري. الثاني: ما زعمه من أن البيت يُنسب لعلي بن الحُسَين مجرد دعوى، فالبيت نسبه ابن عساكر إلى الشِّبْلِي (٢)، ولم ينسبه إلى أحد آخر، وما دَخْلُ علي بن الحُسَين هنا، ولكن الغماري يهذي ويريدنَا أن نتابعه في هذيانه، ولو كان لزين العابدين لذَكَرَ الموضع الذي ورد فيه، ولكنه أبهم ذلك، وقد _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٣٦ - ٣٨). (٢) تاريخ دمشق: (٦٦/ ٦٦).

стр. 368

جهدتُ في البحث عمَّا ذكر فلم أقف عليه، فليُتَأمَّل حال الغماري وما يقتحمه. الثالث: ومع ذلك؛ فإن ابن العربي أورده كما هو في مصادر تخريجه، وكما ذكره الغماري هنا، ولكنه أنشده في موضع آخر من "السراج" (١)، فظهر بهذا تسرع هذا الغماري وعجلته، ويغلب على ظني أن يكون قد رآه في "سراج المريدين"، ولكنه طوى ذِكْرَه، حتى يتوصَّل به إلى الطعن في الإمام الحافظ أبي بكر ﵁، وهذا الموضع جاء في النسخة التي قُرِئَتْ على ابن العربي وعليها خطُّه، وهي منتسخة من أصله الذي كتبه بيده. الرابع: ما ذكره من قَدْحٍ في الإمام الحافظ ابن العربي لم يسبقه أحد إليه، فاتِّهامه وقَذْفُه والحُكْمُ بنفاقه وعداوته لآل البيت سيجد غِبَّها وأثرها عند ربه ، فلا نطيل في الكلام معه في ذلك. الخامس: قولُه: "خافضة لفاطمة، رافعة لعائشة"، هذا كَذِبٌ مَحْضٌ وافتراءٌ صِرْفٌ، فابنُ العربي لم يقل ذلك، وإنما قال: "ترفع عائشة على فاطمة؛ فإن عائشة مع النبي ﷺ ، وفاطمة مع علي رضوانُ الله عليه" (٢). وهذا الذي ذكره ابن العربي هنا أورده الإمام أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" (٣)، وأقرَّه ولم يعترضه. _________ (١) سراج المريدين: (٣/ ٢٥٤). (٢) سراج المريدين: (١/ ٣٦٢). (٣) التذكرة: (٢/ ٥٦٢).

стр. 369

ومعلومٌ قول القاضي أبي بكر في المفاضلة بين عائشة وفاطمة ﵄، فقولُه هذا اجتهادٌ منه، ولا يُنْكَرُ عليه أن يجتهد، بل يُنْكَرُ على من لم يفهم كلام العلماء، ولمَّا يبلغ مرتبتهم. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: "والذي عندي أن عائشة مُقَدَّمَةٌ عليها؛ كتقديم أبيها على زوج الأخرى في الدنيا والآخرة، وذلك بفضول كثيرة؛ منها: أنها أمها، وينضاف إليها مع الأمومة أنها مع أبيها في المنزلة، وينضاف إلى ذلك سلام جبريل عليها، ومجالسته للنبي ﷺ وهو في لحافها، وكونها أعلم منها بالدين، ومن كثير من رجال الصحابة، وأنها أحب النساء إلى النبي ﷺ " (١). وما ذكره ابنُ العربي لم ينفرد به، بل سُبِقَ إليه، وهو هنا حَاكٍ وليس بمُنْشِئٍ، قال الإمام عبد الجليل الرَّبَعِي - في شأن عائشة -: "واستدلُّوا على ذلك بكونها مع النبي ﷺ في الجنة، ورُتْبَتُها معه أفضل من رتبة فاطمة مع عَلِيٍّ فيها" (٢). فإذًا هو قول معروف، استدلَّ به من قال بأفضلية عائشة على فاطمة، وإن كانت المسألة متجاذبة، ولكنه قول قد قيل، وله ما ينزع إليه من حجة ودليل، ولكن هذا الغماري بدل أن يبحث ويتثبَّت إذا به يقذف الإمام ابن العربي بما هو براءٌ منه، وينسبه إلى ما لا يليق به ولا بأحد من أهل العلم. _________ (١) العارضة: (١٠/ ٦٤٣ - ٦٤٤). (٢) التسديد شرح التمهيد لعبد الجليل: (ق ٩٣/ أ).

стр. 370

الموطنُ الثاني والعشرون: قال الغماري: "وقال - أيضًا - في اسم المخلص من الكتاب المذكور: في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂: أن معاوية كتب إليها لتكتب له بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فكتبتْ إليه بفِقْهِها وثاقب فَهْمِها وعظيم عِلْمِها: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إليهم، ومن التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس. وما كان أحوج معاوية إلى هذه الوصية! فإنه كانت له فَضْلَةُ حِلْم تَسَعُ أخلاق الناس؛ فخَشِيَتْ عليه أن يَنْسَحِبَ حِلْمُه على مسامحةٍ فيما لا يجوز، فما نبَّهت منه غافلًا، ولا ذَكَّرَتْ نَاسِيًا، ولقد ساد وساس، حتَّى وَجَدَ الناسُ فَقْدَه، ولم يَجِدُوا بعده مثله، فإيَّاكم ثم إيَّاكم أن تسمعُوا فيه قَوْلَ المؤرخين فهُم عن الحَقِّ جِدُّ نَاكِبِينَ. اهـ. فانظر إلى الخبيث كيف حوَّل مراد عائشة ﵂، وقدَّم وأخَّر في الحديث ليوافق هواه وما ادَّعاه؛ من أن سبب ذلك هو حلمه وتجاوزه عن الناس، فإن أوَّل الحديث: من التمس رضى الله بسخط الناس، وهو جعل أوَّله: من التمس رضى الناس، ومقصود عائشة ﵂ تحذيره من اتباع أعوانه وأنصاره من بني أمية والنواصب الشوام، وإغرائهم إيَّاه على أنصار علي وآل بيته. والمقصود: أنه إذا ذكر أعداء آل البيت لا يذكر إلَّا بالمدح والثناء والكذب؛ كما قال هنا: حتى وجد الناس فَقْدَه، ولم يجدُوا مثله، وكَذَبَ عَدُوُّ الله، وهو يعلم أن عمر بن عبد العزيز كان أفضل من ملء الأرض منه، وأنه خامس الخلفاء ﵃ " (١). _________ (١) جؤنة العطار: (٢/ ٣٨).

стр. 371

قلتُ: ونَقْدُه من وجوه: الأوَّل: كتاب "سراج المريدين" أملاهُ ابن العربي إملاءً بحضور تلاميذه، وفيهم العلماء والفقهاء والمحدثون وغيرهم، وسمعوه منه بعد ذلك في مجالس عدَّة، قراءةً ودرسًا وتَفَقُّهًا، وأن يقدم القاضي أبو بكر لفظًا على لفظ ومعنًى على معنًى في حديث جائز سائغ، ما لم يُفَدْ منه غير المعنى الذي أريد، وهو هنا من كلام عائشة ﵂، وليس من حديث النبي حتى يتشدَّد فيه كل هذا التشدد. الثاني: ولكن الغماري يزعم أن معنى الحديث بخلاف ما ذكر ابن العربي، واستظهر بشيء لا وجود له، وظنَّ أن أم المؤمنين عائشة ﵂ إنما تُحَذِّرُهُ من النواصب، ولم يقف عند ظنه حتى جعله جزمًا وشيئًا ثابتًا، يظن الظن وينسى أن أوَّل أمره كان ظنًّا، ثم يعقد عليه ما يرمي به الإمام أبا بكر بن العربي، وليته بقي على ذُكْرٍ من ظنه، ولكنه يجعله يقينًا ليُشَعْبِذَ به على الجهَّال والعوَّام. الثالث: وأي معنى سيتغير ما دام أن العبارة بقيت كما هي؟ وأي معنى سيحرف؟ وما أدرى الغماري بما قالت عائشة ﵂؟ الرابع: والأغرب من كل هذا مفاضلته بين معاوية ﵁ وبين عمر بن عبد العزيز ﵀، ليقول: "إنه خير من ملء الأرض من معاوية"، ونسي أو تجاهل الغماري شرف الصحبة؛ لأنه لا وَزْنَ لها عنده. الخامس: قال الغماري في موضع آخر: "وفي الآية دلالة على وجود الفسَّاق في الصحابة، وأنهم ليسوا عدول، وهذا ممَّا لا يشك فيه

стр. 372

عاقل، ومن قال ذلك من أهل الأصول والكلام فمصدره - كذا - غرض فاسد لتأسيس مذهب النواصب، وإثبات عدالة أعداء على وآل بيته الأطهار" (١). وقوله هذا هُوَ هُوَ قول الرافضة في طعنها في الصحابة ﵃، قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: "فتعست الرافضة الذين ضَلَّلُوا أصحاب محمد صلوات الله عليه، ونَسَبُوا إليهم ما هم المبرؤون منه، المنزهون عنه، فإنها أرذل الأمم؛ إذ كل أمة سبقتنا على عنادها وضلالها واعتدائها على أنبيائها بالإذاية والتخويف وعلى شرائعها بالتبديل والتحريف عظَّمت أصحاب نبيهم على من بعدهم، فليس عند اليهود أفضل من أصحاب موسى، ولا عند النصارى أشرف من أصحاب عيسى، صلوات الله عليهما، ولا عند الرافضة أدنى من أصحاب محمد رسول الله ﷺ ، أحرص على دنيا، ولا أهون لدين، ولا أسقط لحرمات الإسلام منهم، قاتل الله الرافضة أنَّى يؤفكون عن الحق بعد ما تبيَّن فهم لا يهتدون" (٢). وانظر إلى قول الغماري لترى كيف يرمي كل من يُعَدِّلُ الصحابة ﵃ ولا يَسِيرُ بسيره أو يرتضي طريقته؛ فكل هؤلاء عنده من النواصب؛ كائنًا من كان. وممَّا يؤكد رافضيَّة الغماري ما ذكره في كلامه عن علي ﵁، قال: "كان أكثر الصحابة يعادونه، ويحسدونه، ويبغضونه، ولكن الود كان _________ (١) الإقليد: (ص ٤٣٩). (٢) المتوسط في الاعتقاد - بتحقيقنا -: (ص ٤٧٠).

стр. 373

موجودًا في قلوب طائفة قليلة من الصحابة، كسلمان، وأبي ذر، وزيد بن أرقم، وعمَّار، والمقداد" (١). وهو هنا يشير إلى حديث "لا يبغضك إلَّا منافق"، فهذه الأكثرية عنده منافقة منسلخة من الإيمان، وبهذا الأمر كان يحكم على علماء الإسلام بالنصب، فيما يزعمه من بغضهم لعلي ﵁. ثم تأمَّل عدد الصحابة الذين ذكرهم ممن يودُّون عليًّا، فلم يذكر في جملتهم أبا بكر ولا عمر ﵄، لتعلم قوله فيهما، والعياذ بالله. الموطن الثالث والعشرون: قال الغماري: "قال ابن العربي المعافري في سراج المريدين في الاسم التاسع والعشرين منه: لا يصح في فضل العالم على العابد حديث أصلًا. اهـ. كذا قال، وجل إطلاقاته في الحكم على الأحاديث باطل، لعدم تضلعه من الحديث" (٢). قلتُ: ونقده من وجوه: الأوَّل: ما ذكره ابن العربي هو ما قرَّره أئمة الحديث، ولم يُخَالِفْ حتى يُنكَر عليه، وقد ذكرنا أن الغماري واسع الخطو في التصحيح، خصوصًا ما كان يؤيد مذهبه وينصر نحلته، لهذا صحَّح عددًا من الأحاديث التي حكم عليها النقَّاد بالوضع، لهذا لا يستغرب منه قولُه هذا. _________ (١) رسالة جوابية لأحمد إلى الغماري أرسلها إلى الأستاذ عبد الله التليدي بتاريخ ٤ ربيع الآخر ١٣٧٩ هـ. (٢) المداوي: (٤/ ٥٧١).

стр. 374

الثاني: وهذه هي أقوال النقَّاد في هذه الأحاديث التي جاءت في فضل العلم على العبادة: قال الإمام أبو عيسى الترمذي: "سألتُ محمدًا عن هذا الحديث - أي: حديث "فضل العلم خير من فضل العمل، وخير دينكم الورع" - فلم يَعُدَّ هذا الحديث محفوظًا، ولم يعرف هذا عن حذيفة عن النبي ﷺ " (١). وقال الإمام الحافظ أبو الحسن الدارقطني في حديث "فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع"، بعد أن ذَكَرَ أسانيده وطُرُقَه: "وليس يثبت من هذه الأسانيد شيء، وإنما يُروى هذا عن مُطَرِّفِ بن عبد الله بن الشِّخِّيرِ من قَوْله" (٢). ومع هذا الذي قاله الدارقطني إلا أن الغماري زعم صحته، وقد بيَّن أبو الحسن الإختلاف الكثير الواقع في روايته، مما يدل على عدم صحته، واقتصر الغماري على تصحيح الحاكم له، ومعلوم تساهله في هذا الباب، ثم زعم أن الذهبي قد أقرَّه، وهذا غير صحيح، وخطأٌ توارد عليه الغماري في كتبه، فالذهبي إنما يختصر كلام الحاكم، ولا يقول من عنده أي شيء، فالذهبي لم يُقِرَّ ولم يُوَافِقْ. وقال أبو الحسن في موضع آخر من كتابه في "العلل" في تلك الطرق: "ولا يصح منها شيء" (٣). _________ (١) علل الترمذي الكبير: (ص ٣٤١). (٢) العلل: (٤/ ٣١٩). (٣) العلل: (١٠/ ١٤٦).

стр. 375

وهو هو قول الإمام ابن العربي، فلم الإنكار؟ ولم الاستطالة والتماري؟ ولم إرسال الكلام بغير بينة ولا حجة ولا كتاب منير؟ الموطن الرابع والعشرون: قال الغماري: "ومن الغريب قولُ ابن العربي في سراج المريدين في الاسم السَّادس منه ما نصه: ومن الحكمة ما أصر من استغفر، الحديث، ثم قال: وبه أقول. وهذا ينادي عليه بالقصور وعدم الاطلاع ومعرفة ما في السنن من الحديث" (١). قلتُ: لم يفهم الغماري قول الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي، ينبغي لمن يقرأ "كتب العلماء" أن يعرف اصطلاحاتهم ويحقق في ألفاظهم ليفهم عنهم أوَّلًا، ثم بعد ذلك يعترض أو ينتقد، ولكن الغماري لسابق حقده على الإمام الحافظ يستسمن ذا ورم، ويظن أن ما وقع عليه يشفي غله الذي طواه ولزمه عمره، ولكن هيهات. ونَقْدُ قوله هذا من ثلاثة أوجه: أوَّلها: أن ابن العربي إذا استضعف حديثًا نسبه إلى الحكمة أو إلى كلام السلف، حتى لا يدخل في باب المفترين على رسول الله والمتزيِّدين في شريعته، فإذا وقف على ذلك الكلام في "كتب الأمثال" أو ما شابهها احتاط في نسبة الكلام إلى ذاك الموضع، بدل نسبته إلى رسول الله ﷺ . _________ (١) المداوي: (٥/ ٤٣٢).

стр. 376

ثانيها: أن هذا الحديث ضعَّفه الترمذي في "الجامع"، وقال: "هذا حديث غريب" (١)، وإنما قال الترمذي ذلك لجهالة مولى أبي بكر، لهذا نسبه ابن العربي إلى الحكمة مُعَوِّلًا على ما قال الترمذي. ثالثها: وقد ذكره الإمام ابنُ العربي في موضع آخر من "السراج" (٢)، ونسبه إلى رسول الله ﷺ ، وهذا ينقض ما أراده الغماري؛ من كونه لا يعرف الحديث، ومن كونه قليل الاطلاع، ولو فطن الغماري وتمهَّل لأدرك أن الإمام الحافظ أبا بكر بن العربي ممَّن شرح "جامع الترمذي"، فهو عارف بأحاديثه، ومع ذلك بدل أن يتثبت تعجَّل، وعجبًا لهذا الغماري؛ كلَّما زَعَمَ نَقْضًا صار نَفْضًا، وكلَّما ظنَّ نَقْدًا صار نَقْرًا، وتلك عادة الله مع من تحامل وحكَّم الهوى، بَدَلَ التقوى. تنبيه على سقط: وفي أحد نقولات الغماري من "سراج المريدين"، قال: "رواه ابنُ العربي في كتاب السراج له، فقال: أخبرنا أبو محمد عبد الرزاق بن فُضَيل بدمشق: أنا أبو بكر المالكي" (٣). قلتُ: ولم ينتبه الغماري إلى السقط الواقع في الإسناد، ولو فطن له لألصق التهمة بالإمام ابن العربي، وعَدَمُ تفطنه لهذا السقط يدل على عدم معرفته وقلة اطلاعه، وينادي عليه بالقصور في هذا الباب، وأن الرجل إذا لم تكن الكتب حاضرة لديه لا يستطيع أن يصنع أي شيء. _________ (١) الجامع: (٥/ ٥٢٣ - بشار). (٢) سراج المريدين: (٤/ ٢٧٠). (٣) المداوي: (١/ ٦٠٤).

стр. 377

وعبد الرزَّاق بن فُضَيل توفي عام ٤٦٣ هـ (١)، قبل ولادة ابن العربي، فكيف يروي عنه وهو مات قبل ولادته؟ فلِمَ لَمْ يتنبَّه الغماري إلى هذه المسألة؟ ولعله لو فطن لها لاتهم الإمام الحافظ ابن العربي بالكذب، وظلَّ يرددها مرارًا، وكيف أنه يروي عن أناس ماتوا قبل أن يُولَد، فالحمد لله الذي أظفرنا بما يبرئ جانب الإمام الكبير حافظ الإسلام سيدي أبي بكر رضوان الله عليه. وإنما يروي الإمام ابنُ العربي هنا عن وَلَدِ عبد الرزَّاق الراوية؛ عبد الله بن عبد الرزاق بن فُضَيل الدمشقي، وقد ورد الإسناد مُجَوَّدًا في موضع آخر من "السراج"، ولعجلة الغماري وتسرعه لم يُنْعِمِ النظر في ذلك، ولم يُفِدْ منه الإفادة المرجوَّة في نقله عنه. تتميم: هذا الذي ظهر لي فيما ساقه الشيخ أحمد بن الصديق الغماري الدرقاوي فيما ظنَّه نقدًا، وقد نظرتُ في تلك الزيوف نُصْرَةً لعِرْضِ الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي ﵁، ونُصْرَةً للحق الذي ينبغي أن يُنتصَر له، وبيانًا لما تضمَّنته تلك الأنقاد من الكَذِبِ والتهويل، والافتراء والأغاليط، وغيرها من السباب والمطاعن والمعايب التي يتنزَّه عنها العقلاء، فكيف بمن ينسبُ نفسه إلى العلم؟ وكان اقتصارُنا في كل ذلك على ما له صلة بكتاب "سراج المريدين"، وأمَّا كلامه في ابن العربي بإطلاق وما اقترفه في حقه من _________ (١) تاريخ دمشق: (٣٦/ ١٤٥).

стр. 378

مخازي فله موضع آخر نستوفي فيه معه الكلام، ونبادله فيه نقدًا بنقد، ونقضًا بنقض، وردًّا برد، وقد وقفنا له على أنواع مُنَوَّعَةٍ من الأغاليط والأوهام، والأخطاء والخطايَا، نرجو أن نجد الفُسْحَةَ لتقييدها في ديوان يقع به الشفاء، وينظر فيه الناس بالوفاء، والله الموفق، وهو حَسْبُنا ونعم الوكيل.

стр. 379

توثيقُ نسبة الكتاب وذِكْرُ عنوانه ونُسَخِه ومنهجُنا في قراءته وضبطه والتعليق عليه

стр. 380

توثيقُ نسبة الكتاب قد ذكرنا أكثر متعلَّقات هذا الفصل في تضاعيف المباحث والفصول والأقطاب السَّابقة؛ من ذِكْرِنا لزَمَنِ إملائه، وللمفيدين منه الناقلين عنه، وفي كل ذلك كنا نُحِيلُ على الكتب التي ورد فيها هذا الذِّكْرُ، ولكنَّنا نسلك هنا ما دَرَجَ الناس عليه في هذا الفصل؛ من توثيق النسبة وإثباتها، سالكين ما سلكوا، وسائرين بما ساروا، حتى نقضي المفترض، وننفذ إلى الغرض. وتتأكَّد هذه النسبة بين الكتاب والكاتب، والمُمْلَى والمُمْلِي، من خلال ستة أمور: الأوَّل: ذِكْرُه له في كُتُبِه وإحالتُه عليه، فقد ذكره في "العارضة" (١)، و"ترتيب المسالك" (٢)، و"العواصم" (٣). الثاني: إيرادُه لجمل وافرة من نصوصه في كتبه الأخرى؛ حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، وكذلك بعض الأخبار والحكايات التي جَرَتْ له، وقد بيَّنا ذلك في تعليقاتنا على الكتاب. _________ (١) العارضة: (٩/ ٣٩٣). (٢) ترتيب المسالك: (٧/ ٤١٩). (٣) العواصم: (ص ٣١٩).

стр. 381

الثالث: روايته عنه وسماعه منه (١). الرابع: إفادةُ العلماء منه على اختلاف أزمانهم ومذاهبهم وفنونهم، واعتناؤهم بمسائله ومباحثه، ونسبتهم له (٢). الخامس: نَصُّ المترجمين له على نسبته إليه، وذكرهم له ضمن مصنفاته (٣). السَّادس: تَضَمُّنُ الأصول الخطية المعتمدة على عنوانه وتَقْيِيدِ سماعه، وعلى إحداها خط ابن العربي بصحة ذلك كله (٤). _________ (١) ينظر: فهرسة المنتوري: (ص ١٦٧). (٢) ينظر: طبقات المفيدين من السراج وأعيانهم، وقد تقدَّم. (٣) ينظر: المقدمة الدراسية للمتوسط في الاعتقاد: (ص ١٩)، ونفح الطيب: (٢/ ٣٥)، وكشف الظنون: (٢/ ٩٨٤). (٤) هو من كتب الفقيه الحافظ عبد الحي الكتاني يرحمه الله.

стр. 382

عنوانُ الكتاب أكثر ما يَرِدُ في كُتُبِ الإمام أبي بكر باسم "السراج" (١)، أو "سراج المريدين" (٢)، ثم "مختصر القسم الرابع من علوم القرآن" (٣)، أو "القسم الرابع من علوم القرآن" (٤). ويرد باسم "سراج المريدين" في كُتُبِ المفيدين منه والناقلين عنه، وفي كُتُبِ مترجميه (٥)، وفي كتب البرامج والفهارس (٦)، وكذلك في "مختصر سراج المريدين" (٧) و"مختصر ترتيب الرحلة" (٨)؛ كلاهما للمغيلي. وورد باسم "معاني أسماء المؤمن " (٩) في ترجمة أبي محمد الأشيري للإمام أبي بكر بن العربي. _________ (١) العارضة: (٧/ ٤٧٤). (٢) العارضة: (٨/ ١٢٤). (٣) العارضة: (٨/ ٩٤). (٤) العواصم: (ص ٣١٩). (٥) نفح الطيب: (٢/ ٣٥)، وكشف الظنون: (٢/ ٩٨٤). (٦) ينظر: برنامج المجاري: (ص ١١٣)، وفهرسة المنتوري: (ص ١٦٧). (٧) مختصر سراج المريدين: (ق أ /ب). (٨) مختصر ترتيب الرحلة: (ق ٤٦ /ب). (٩) المقدمة الدراسية للمتوسط في الاعتقاد: (ص ١٩).

стр. 383

وورد في أكثر النسخ الخطية باسم "سراج المريدين في سبيل الدين، لاستنارة الأسماء والصفات، في المقامات والحالات؛ الدينية والدنيوية، بالأدلة العقلية والشرعية؛ القرآنية والسنية، وهو القسم الرابع من علوم القرآن في التذكير". وورد في نسخة أخرى باسم "سراج المريدين في سبيل المهتدين". والذي ترجَّح لدينا من هذه العناوين هو الذي ورد في أكثر النسخ الخطية، وذلك لأمور: الأول: أن أكثر النسخ قد ورد فيها اسمُ الكتاب كما ذكرنا. الثاني: أن إحدى هذه النسخ عليها خط ابن العربي، وهذا يعني أنه هو العنوان الذي ارتضاه لكتابه. الثالث: أنه ذكر المقطع الثاني من اسم الكتاب في طالعته (١). فالعنوانُ الصحيح للكتاب هو: "سراج المريدين في سبيل الدين؛ لاستنارة الأسماء والصفات، في المقامات والحالات؛ الدينية والدنيوية، بالأدلة العقلية والشرعية؛ القرآنية والسنية، وهو القسم الرابع من علوم القرآن في التذكير". _________ (١) سراج المريدين: (١/ ٥).

стр. 384

وصف النسخ قام تحقيقنا لكتاب "سراج المريدين" على عشر نسخ، أفدنا منها رغم اختلاف النسخ فيما بينها؛ صحَّة وضَعْفًا، فبعض هذه النسخ في أوراق، وبعضها مبتور، ومع ذلك فقد بذلنا وسعنا في الإفادة منها جميعًا، حتى أمكننا إخراجُ هذا الكتاب مُحَقَّقًا على أصول علم التحقيق وقواعده. وظهر لنا من خلال المقارنة بين النسخ أن الإمام الحافظ أبا بكر بن العربي قد أخرج "سراجه" إلى الناس في إبرازتيْن اثنتيْن، وتلك عادة الإمام الحافظ في كتبه، فهو دائم النظر فيها بالإصلاح والتهذيب، وبالزيادة والنقصان، ومع ما يطرأ على الآدَمِيِّ من عوارض السهو والنسيان والوهم الذي جُبِلَ عليه؛ يبقى الرجوع إلى الكتاب بما يُقَوِّمُه يكاد يكون فرضًا مُتَعيِّنًا، فمع كل قراءة ومدارسة يقع النظر بتغيير وتبديل الألفاظ والعبارات، وحذف الزائد، وضبط المهمل، وإصلاح الغلط، وهكذا كان الإمام الحافظ في سائر كتبه، فلهذا يُوجَدُ -أحيانًا- هذا الاختلاف بين النسخ؛ تبعًا لطريقة القاضي هذه. ونشرع في وصف هذه النسخ التي اعتمدناها في تحقيقنا للكتاب، ذاكرين ما يتعلَّق بها ممَّا درج الناس على تَقْيِيدِه وذِكْرِه.

стр. 385

النسخة الأولى: نسخة الخزانة الملكية بمراكش (س) هذه النسخة محفوظة بخزانة القصر الملكي بمراكش؛ رقمها: (٣٤)؛ عدد أوراقها: (١٨٠)؛ خطها: مغربي؛ حالتها: مبتورة الطرفين، تنقصها من أوَّلها ما يقرب من ثلاث ورقات، ومن آخرها كذلك. ناسخها: الفقيه صالح بن محمد اللَّمَطِي السجلماسي تـ ١١٧٩ هـ. تاريخ نسخها: كُتِبت قريبًا من عام ١١٤٧ هـ، وهي السِّفْرُ الأوَّل من الكتاب. وعلى النسخة تَمَلُّكٌ بخط الفقيه عبد الحي الكتاني. وعليها طُرَرٌ باسم الفقيه صالح بن محمد اللَّمَطِي السِّجِلْمَاسِي، وهو مالك النسخة وناسخها، وقد ملأها بالحواشي والإفادات، مع تصحيح بعض الألفاظ والعبارات. والفقيه صالح بن محمد اللَّمَطِي من علماء سجلماسة وفقهائها، قال فيه الحُضَيْكِي: "كان ﵁ ممَّن يُجَوِّدُ القرآن العظيم كما يجب؛ على السنة القديمة، عارفًا بالقراآت الأربع عشر وأحكامها، أخذها عن أكابر القراء ببلده؛ كأخيه سيدي أحمد الحبيب وغيره ببلاد المغرب .. وله حظ وافر في علم الحديث والفقه والعربية، وشارك في الفنون كلها المتداولة" (١). _________ (١) طبقات الحضيكي: (١/ ٣٩٢)، وكناشته: (ق ٤٠/ ب).

стр. 386

وُلِدَ ﵀ قريبًا من عام ١٠٨٠ هـ، وتوفي عند طلوع الفجر من يوم السبت ١٥ رجب من عام ١١٧٩ هـ (١). ونُقِلت هذه النسخة من أصل كان عليه طُرَرٌ بخط القاضي أبي بكر، وقد أفدنا منها في تحقيقنا للكتاب، وذكرنا بعضها في تعليقاتنا. وصالح بن محمد اللَّمَطِي من الفقهاء الذين كانت لهم أصول ينفردون بها، ورأيته يُطَرِّرُ في بعض المواضع من نسخته ناقلًا من "المشارق" للقاضي عياض، ويقول: "ومن خَطِّه نَقَلْتُ". ومن بين الكتب التي أفاد منها في حواشيه كتاب "الغريبيْن" لأبي عُبَيد الهَرَوِي، و"مختصر العيْن" للزُّبَيْدِي، و"طِرَازُ المجالس" لسَنَدٍ الإسكندري، و"القاموس" للفيروزابادي، و"الدلائل في غريب الحديث"، وغيرها من الكتب. وظهر لي أن الناسخ قَابَلَ هذه النسخة بنسخة أخرى، وذلك بَيِّنٌ في حواشي نسخته، فهو كثير التنبيه على الفروق، وكثير الإشارة إلى ما يحتمل أن يكون خطأ أو سهوًا. وقد ذكر الفقيه صالح بن محمد في موضع آخر أنه طالع نسخة من "سراج المريدين" في "دار الكتب" بمكناس لا ثاني لها، ولا يقول ذلك إلَّا إذا وقع على نسخة بخط الإمام أبي بكر بن العربي، هذا الذي يُفهم من قوله، وذلك أن هذه النسخة التي اعتمدناها إنما انتسخها من تلك النسخة التي ذكرها. _________ (١) طبقات الحضيكي: (١/ ٣٩٣).

стр. 387

قال الفقيه صالح بن محمد اللَّمَطِي: "سافرتُ إلى مدينة مكناس -حرسها الله- أيَّام ولاية سيدنا مولاي علي الشريف، نصره الله وأعانه، ودفع عنه ووقاه، في رمضان سنة سبع وأربعين ومائة وألف، فدخلتُ دار الكتب بمكناسة، وسألتُ القَيِّمَ عليها؛ هل فيها نسخة من سراج المريدين لابن العربي؟ فقال لي: هاهنا نسخة عجيبة؛ لا ثاني لها، فأرانيها، فقبضتُها منه، ثم بعد ذلك طلبتُها للسلطان المذكور فأعطانيها، ثم لما كتبَ رسالة لسيدنا وشيخنا القدوة الرَّضِيِّ الحَسَنِ الأحوال المرتضى الزاهد العابد سيِّدي أحمد الحبيب؛ قال له فيها: وقد بعثتُ إليك بسراج المريدين، عطيَّةً له" (١). والفقيه العلَّامة الزاهد سيِّدي أحمد الحَبِيب السجلماسي هو الأخ الأكبر للفقيه سيدي صالح بن محمد، قال فيه الحُضَيْكي: "العالم العلَّامة، الولي الكبير، الماهر في علوم الشريعة والحقيقة، الجامع بينهما علمًا وعملًا وحالًا" (٢). ولد ﵀ في رمضان من عام ١٠٦٨ هـ، وتوفي عام ١١٦٥ هـ (٣). قلتُ: ولا يبعد أن تكون هذه النسخة التي اعتمدناها منتسخة من تلك التي ذكرها، وقد تكون منتسخة بخط الإمام ابن العربي، أو عليها خطه، وهو الذي يفسر لنا ما ذكرناه سابقًا من كون هذا الأصل منتسخ من نسخة عليها طُرَرٌ بخط ابن العربي، ولنفاستها اعتمدناها، وجعلناها أصلًا في تحقيقنا للكتاب، لما حازته من خصالٍ وخِلَالٍ. _________ (١) نسخة (ك): هامش (ق ١٤٤ / أ). (٢) طبقات الحضيكي: (١/ ١٠٤ - ١٠٥). (٣) طبقات الحضيكي: (١/ ١٠٥).

стр. 388

غير أن الفقيه المذكور قد أصلح بعض المواضع في الكتاب، ونبَّه في حواشيه على ذلك، وعمله هذا لا يجوز عند النَّسَخَةِ والكَتَبَةِ، وإنَّما يجيزون للمعتمل لذلك أن يكتب اللفظة كما هي، ثم يُخَرِّجُ عليها ويُنبِّهُ في طُرَّتِه على الغلط أو الخطأ. ومن ذلك قوله: "في الأصل المنتسخ منه: بإعجام الوبيض، وهو تصحيف؛ لأن القاموس ذكره في باب الصاد المهملة، ولم يذكر له مادَّة في الصَّاد المعجمة أصلًا، فلذلك تركتُ نقطه في الأصل". ومن ذلك قوله: "في الأصل بالراء، بلا نقط، وهو تصحيف". غير أنه مع هذا كان أمينًا، فنبَّه في موضع على أن في الأصل: ﵇، وكتبها هو: ﷺ ، ثم قال في الطرة: "سَبَقَ القلمُ بما كتبتُ في السطر من ﷺ ، وليس هو كذلك في الأصل، والذي في الأصل: ﵇، والحمد لله على كل حال". النسخة الثانية: نسخة الخزانة الملكية بمراكش (ك) وهي نسخة محفوظة بخزانة القصر الملكي بمراكش؛ رقمها: (٢٢٤)؛ عدد أوراقها: (١٧٧)؛ تاريخ نسخها: رجب عام ٥٣٧ هـ. خطها: أندلسي عتيق، وهي السفر الثاني من الكتاب. حالتها: تامَّة.

стр. 389

وأَكْمَلَ النقص الواقع فيها -وهو ورقة واحدة- صاحبُها الفقيه صالح بن محمد اللَّمَطِي، من نسخة دار الكتب بمكناس، كما ذكرنا آنفًا. وهي نسخة بلغت من النفاسة أقصاها، وحازت على خلال جليلة، وخصال نبيلة، فهي مقروءة على الإمام الحافظ أبي بكر ﵁، وعليها خطه بصحة ذلك، في رجب من عام ٥٣٧ هـ، وعادة الإمام أبي بكر أن يذكر الشهر والسنة، وقد أشبهتْ هذه النسخة نسخة "الكتاب المتوسط في الاعتقاد" في خصوص هذا الأمر. وخَطُّ هذه النسخة أندلسي جميل جدًّا، والنسخة مصححة ومقابلة، وهناك بياضات ذكر الناسخ أنها كذلك في الأصل المنقول منه، والأصل المنتسخ منه هو أصل المؤلف، وصرَّح ناسخها بذلك، قال -في إحدى مواضع هذه النسخة المعافرية-: "قد وُجد هذا الكلام مُتَعَطِّفًا في أصل المؤلف المنتسخ منه هذا" (١)، وغالب الظن أن يكون ناسخ هذه النسخة هو نفسه الذي قرأ على الإمام أبي بكر. ثم صارتْ هذه النسخة إلى خزانة الفقيه الحافظ عبد الحي الكتاني، وعليها طابعه، ورسمه: "المكتبة الكتانية لمالكها محمد عبد الحي الكتاني بفاس"، وذكر في إفادته منها أن عليها خط الإمام أبي بكر، والفقيه الكتاني من كبار العارفين بخطوط العلماء والفقهاء؛ وذلك لما حوته خزانته من نفيس الأعلاق ومنتخب الدواوين، وقد تجمَّع لديه منها أصول كثيرة، وعنده -أيضًا- أوراق من "رسائل الإمام ابن العربي" بخطه، وقطعة من "رحلته"، وهي مما فُقِدَ منذ زمان بعيد، فلا يكاد الناس يعرفون عنها شيئًا. _________ (١) نسخة (ك): هامش (ق ٧٧/ أ).

стр. 390

وقد عاينتُ من كُتُبِ الفقيه الكتَّاني الكثير من الذخائر، منها: "معجم أبي ذَرٍّ الهروي"؛ بخط أندلسي عتيق، ومنها: "كتاب الصوم" لأبي عاصم النبيل، ومنها: "إكفار المتأولين" للإمام أبي بكر الباقلَّاني، وغيرها كثير. وفي النسخة أيضًا -أسفل كتابة ابن العربي بالقراءة والسماع-: "هذا المكتوب أعلاه بخط الشيخ الأجل مؤلفه". وكل هذا يؤكد أن ما على هذه النسخة هو خط الإمام أبي بكر ﵁، وقد اعتمدناها أصلًا لنفاستها، ولم نَحِدْ عنها إلَّا أن نتأكد من وقوع الغلط فيها، ولا تَسْلَمُ نسخة من الغلط؛ مهما بلغت من الإتقان والتجويد. وعلى هذه النسخة الكثير من الطُّرَرِ والتوقيفات، وبعضها بخط الفقيه الكتاني، وأكثرها بخط الفقيه صالح بن محمد اللَّمَطِي، وبعض هذه الطرر من فوائد نسخة القاضي عياض من "المشارق"، وقد تقدَّم ذِكْرُها. ومع أن النسخة قد قرئت على ابن العربي إلَّا أن مالكها الفقيه صالح بن محمد اللمطي قد ذكر بعض فروق النسخ، وأثبت في حواشي هذه "النسخة المعافرية" كثيرًا من تلك الاختلافات. وفيها اعتراضات ونقود لبعض ما ذهب إليه الإمام أبو بكر ﵁، بعضُها من محمد بن صالح اللَّمَطِي، وبعضها من عبد الحي الكتاني، وبعضها من آخر لم أعرفه، والله أعلم. النسخة الثالثة: النسخة الآصفية (ص) نسخة محفوظة بالمكتبة الآصفية بحيدر آباد؛ رقمها: (٢٠٠٩ تصوف)؛
следующие страницы →