← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

طرة العنوان بالنسخة الآصفية

стр. 422

الورقة الأولى من النسخة الآصفية

стр. 423

الورقة الأخيرة من النسخة الآصفية

стр. 424

الورقة الأولى من نسخة (س)

стр. 425

الورقة الأخيرة من نسخة (س)

стр. 426

طرة عنوان النسخة (ب)

стр. 427

بداية النسخة (ب)

стр. 428

آخر النسخة (ب)

стр. 429

طرة عنوان النسخة (د)

стр. 430

الورقة الأولى من النسخة (د)

стр. 431

الورقة الأخيرة من النسخة (د)

стр. 432

الورقة الأولى من النسخة (ز)

стр. 433

الورقة الأخيرة من النسخة (ز)

стр. 434

الورقة الأولى من النسخة (ف)

стр. 435

الورقة الأخيرة من نسخة (ف)

стр. 436

بداية مختصر سراج المريدين

стр. 437

آخر مختصر سراج المريدين

стр. 438

نقول من نسخة احنانه من سراج المريدين بخط الفقيه محمد بوخبزة

стр. 439

الورقة الأولى من النسخة (ل)

стр. 440

الورقة الأخيرة من النسخة (ل)

стр. 441

آخر السراج منقول من نسخة قوبلت بأصل ابن الإمام أبي بكر بن العربي

стр. 442

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كَتَبَ الفَقِيهُ الإمامُ الحافظُ القاضي أبو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن عبد الله بن محمَّد ابن العَرَبِي ﵁: من مُحَمَّدِ بن العَرَبِي إلى زُمْرَةِ المريدين، ولُمَّة الطَّالبين السَّالكين في سَبِيلِ الدِّينِ، والمُتوَجِّهِين إلى الحَقِّ المُبِينِ؛ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ؛ أمَّا بَعْدُ: فإنِّي أَعِظُكم بواحدة؛ وهي أن تُصْغُوا إليَّ مُبْتَدَأً ومُنْتَهًى، فإن الذي أُورِدُه عليكم وأَجْلُوه لديكم (١) عَقَائِل النُّهَى، أُبْرِزُهَا في مِنَصَّةِ العقائد والأعمال، وأَنْظِمُ لها صفات الهُدى والضلال، والاجتهاد والإِكْسَالِ، على وَجْهٍ يأتي عليه الشَّرْحُ والإجمال (٢)، حَسَبَ ما تقتضيه الحال، وإِنِّي وإن لم أَكُن مُتَحَلِّيًا بما أُورِدُه، ولا ضابطًا على ما أَعْقِدُه، فإنَّ لي قُدْوَةً في شيخنا (٣)

стр. 443

أبي عَلِيٍّ الحَلَبِي (١)؛ خَطِيبِ المسجد الأقصى -طهَّره الله (٢) -، حَضَرْتُ عند جُمُعَةٍ فيه؛ وقد عَلَا على أعواد منبره فخَطَبَ: "الحمد لله الذي تفرَّد دون خَلْقِه بمِلْكِ الدنيا والآخرة، وغَمَرَ برِزْقِه كلَّ نَفْسٍ بَرَّةٍ وفاجرة، ثم ردَّهم بعد ذلك في (٣) الحافرة، ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، أَحْمَدُه على نِعَمِه المتوافرة، وأَشْكُرُه (٤) على آلائه المتظاهرة، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، شهادةً باطنة ظاهرة، مَرْحُوضَةً عن دَنَسِ الشَّكِّ طاهرة، وأشهد أن مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه، رَدَّدَه بين الأرحام المُحْصَنَةِ والأصلاب الفاخرة،

стр. 444

حتى أَبْرَزَه آيةً باهرة، وابتعثه (١) حُجَّةً قاهرةً، فقام بأَمْرِ الله وشقاشق (٢) الكفر هادرة، وبِحَارُه زاخرة، ودعاتُه ثائرة، فلم يَزَلْ يُجَادِلُ في الله بالأدلة المتناصرة (٣)، ويُنَاضِلُ عن دِينِه بالقواضب الباترة، وأَعَادَ العيشة الناضرة، وأَصْلَحَ أَمْرَ الدنيا والآخِرَة، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه ما هَطَلَت السُّحُبُ المَاطِرَة، وجَرَتْ في البحار السُّفُنُ المَاخِرَة. عِبَادَ الله؛ عَلَوْتُ على منبركم ولستُ بخَيْرِكُمْ (٤)، والله لو كانت الذنوبُ مَنْظَرَةً لكُنْتُ أقبحَكم، أو ملبسًا لكنت أخشنَكم، أو صارت خبرًا لكنت أفظعَكم، أو فغمت (٥) رائحةً لكنت أَتْفَلَكُمْ (٦)، فإن تكلَّمتُ فنفسي أخاطب، ولئن وعظتُ فإني للتوبة طالب، وفي الإنابة راغب، يدعو إليها النُّهَى، ويَصْدِفُ عنها الهوى". ولم يبلغ في الخطبة هاهنا، حتَّى غَلَبَ على الخلق الأَنِين، واستولى عليهم الخَنِين، وسال الدَّمْعُ والذَّنِين (٧)، وارتفع الزَّعْقُ، وكَثُرَ الصَّعْقُ، وقُضِيَت الصلاة، وطارت الخُطْبَةُ في الأقطار كلَّ مَطَار، وسار بها الراكبُ

стр. 445

أينما سار، فأنزلتُها من قلبي تَالِيَةَ الإيمان، وأَضْمَرتُهَا في نفسي حاجة لم أقضها إلى الآن، ولكلِّ شيء أوان، مع اعتقادي أنها بِكْرُ كلامه، وفَضِيضَةُ خِتامه، حتَّى قرأتُ بدمشق على الشيخ أبي محمد [عبد الله بن] عبد الرزَّاق بن فُضَيل (١)؛ قلت له: أخبركم أبو عمرو المالكي: أنا محمد بن عبد الملك: أنا أحمد بن إبراهيم: أنا ابن هاشم: أنا الدَّبَرِي عن عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن الحسن: أن أبا بكر الصديق ﵁ خطب فقال: "إن رسول الله ﷺ كان يُعْصَمُ بالوحي، وكان معه مَلَكٌ، وإنَّ لي شيطانًا يُغْوِينِي (٢)، فإذا غَضِبْتُ فاجتنبوني، لا أُؤَثِّرُ في أشعاركم وأبشاركم، أَلَا فَرَاعُوني؛ فإن استقمتُ فأعينوني، وإن زِغْتُ فقَوِّمُوني" (٣).

стр. 446

قال حَمْدٌ (١): وقال: "وُلِّيتُكم ولستُ بخَيْرِكُمْ" (٢). قال أيضًا: وأخبرنا ابنُ الأعرابي: أنا أبو داود: أنا أحمد بن عَبْدةَ؛ سمعتُ سفيان يقول: "بَلَغَنَا عن الحسن أنه ذَكَرَ قول أبي بكر ﵁: وُلِّيتُكم ولست بخيركم، قال: بلى والله، إنه لخَيْرُهم، ولكنَّ المؤمن يَهْضِمُ نفسه" (٣). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: فعلمتُ أنه من هاهنا أَخَذَها، أو بأقوال السَّلف الصالح في هذا الغَرَضِ اقتدى ممَّن اهتدى بها، فإن أبا بكر أوَّلُ من قاله، وأفضلُ من سَلَكَ هذا المسلك. وقد قال قَوْمٌ في قوله ﷺ : "لا تخَيَّرُوا بين الأنبياء" (٤)، وقوله: "لا تُفَضِّلُوني على يونس بن متَّى، ونَسَبَهُ إلى أبيه" (٥)، وقوله- لمن قال له:

стр. 447

يا خير البرية-: "ذاك إبراهيم" (١): "إن مخرج ذلك مِنْهُ على رَسْمِ التواضع" (٢). وقيل: إنه قَبْلَ أن يُعَرَّفَ بمنزلته، ويُكْشَفَ له عن مرتبته، ويُطَالَعَ بعَلِيِّ دَرَجَتِه (٣). وبهذا أقول. ويَفْرِقُ بيني وبينهما: أنَّ الأوَّل (٤): لا نظير له في الأمة، بل لا تعدله جميعًا في ميزان الشريعة. والثاني (٥): شَيْخٌ عَكَفَ عُمْرَه على الوعظ والعبادة، وخَتَمَ الله له بالشهادة. وأنا بالإضافة إلى ذلك حَقِيرٌ، وأنَّى لي في رُجحان ميزاني بِقَدْرِ النَّقِيرِ؟ فَأَخْلُصَ إلى دار النجاة، وأكون من الهَلَكَةِ بمنجاة، ومع مُماشاة الزمان هَمْلَجَة (٦)، ومعاملة الأعمال بالنقود المُبَهْرَجَة، فلا بدَّ من قَرْعِ الباب قولًا وعملًا، ولا أتركُ نفسي للغفلات هَمَلًا، عسى الإِدْمَانُ القَرْعَ أن يُفْتِح، واللَّجاج والإلحاح أن يُبَلِّغَ ويُنْجِح.

стр. 448

مقدمة وقد كنتُ أفضتُ في "أَنْوَارِ الفَجْرِ بمَجَالِسِ الذِّكْرِ" في أنواع العلوم الشريفة؛ من التوحيد، والأحكام، ومقامات الأعمال، وآفات القلوب والأحوال؛ ما سارت به الرُّكبان، وتعطَّر بأَرَجِه الزمان، وضَعُفَتْ عن تحصيله الأركان، وقُيِّد منه ما قُيِّد، وشُرِّدَ منه ما شُرِّدَ، واسْتَفَأَتِ الآفاتُ كثيرًا منه، ونَسَفَتْ أَرْوَاحُ النوائب جملةً ممَّا كُنَّا فَرَغْنَا عنه، وكان من أهم ما يُقبَل عليه؛ تقييدُ ما يتعجَّل الخلقُ منفعتَه، فخرج "الأَمَدُ الأقصى في أسماء الله وصفاته"، و"ناسخُ القرآن ومنسوخه"، و"أحكامُه"، و"قانونُ التأويل"، وكتابُ "العواصم"، و"القَبَسُ من أنوار مالك ﵁ في كتابه"، و"العِوَضُ المحمود"، وهو مُفَرَّقٌ عند الناس، وبقي عِلْمُ التذكير المتعلق بالأعمال والمقامات، وسَنَحَ خاطرُ خَيْرٍ في العَطْفِ إليه، وجنحت القواطعُ قليلًا عنه، فنسأل الله العون عليه. وقد كنتُ وَقَفْتُ على كثير من كُتبه ممَّا جَمَعَهُ أَرْبَابُ الذِّكْرَى؛ الذين أوَّلهم المُحَاسِبِي (١)، .........................................

стр. 449

وآخِرُهم القُشَيْرِي (١)، ورأيتُ بالثَّغْرِ من الفُسْطَاطِ للمُحاسبي كتاب "النوادر في مسائل الآفات" (٢)؛ عَظِيمَ الجِرْمِ، جَمَّ العِلْمِ، فنقلتُ منه -بعد مطالعتي له، ووُقوفي على أغراضه- مسألة الشُّهْرَةِ، بعد أن عَلِمْتُ من أين استقى، وكيف صار إلى ذلك المنزل وارتقى، ولولا أن في كلامه تطويلًا يُمِلُّ، وتَعَلُّقًّا بضعيف لا يَحِلُّ، وسَاقِطٍ من الأَثَرِ يُخِلُّ؛ لكان بالغ (٣) الغاية في الباب (٤).

стр. 450

وانتَدبنا الآن مُسترشِدين لربنا مُستوهِبين منه الهداية، من البداية إلى النهاية، حتى نَبْلُغَ الغرض، ونَقْضِيَ المُفترَض، إلى ذِكْرِ صفات العباد الذين اصطنعهم الله تعالى لخِدْمَتِه، واصطفاهم لجواره في جَنَّتِه، وأفاض عليهم من سَعَةِ رحمته. وقد مَضَتْ منه أُصُولٌ في فُصُولِ "الأمد الأقصى"؛ لأن أكثر أسماء الله تعالى تَنْطَلِقُ حروفُها على العبد بالمَبْنَى والتأليفِ الذي ينطلق به على الله تعالى، وإن اختلفت المعاني، مُبيِّنًا جلالة الله تعالى فيها، مُشِيرًا إلى كرامة العباد ومنازلهم فيها. فنَسْرُدُ الآن "الصفات" على ترتيب "المقامات"، فما عَرَضَ فيها ممَّا ذُكِرَ منها بَنَيْنَا على ما سَبَق، فاستوفينا الكلام فيما لَحِق، وجَرَيْنَا في البيان إلى غاية المراد، مُسْتَنِّينَ سَبِيلَ السَّداد، والله المستعان. * * *

стр. 451

فوائد الكتاب المختصة به اللَّفظُ الفصيح، الحديثُ الحسَن والصحيح، التفسيرُ المُصِيبُ، الإِدْنَاءُ لبَعِيدِ الأغراض والتقريب، النص الجَلِيُّ، التأويل القَوِيُّ، الحكايات المختارة، الأمثال السيَّارة، الاستيفاءُ مع الاختصار. * * *

стр. 452

المقام الأوَّل: الحياة الدنيا

стр. 453

إن الله سبحانه كان ولا شيء معه، ثم خَلَقَ الموجودات الأصول؛ من الأرضين والسماوات، والشجر والنبات والحيوانات، وأُخْبِرْنَا في الصَّحيح: "أن الله تعالى خَلَقَ آدَمَ آخِرَ الأيام؛ يوم الجمعة، آخِرَ الخِلْفة؛ طُولُه سِتُّونَ ذِرَاعًا في الهواء، ثم قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلِّم عليهم، فذهب فسلَّم، فرَدُّوا عليه، فقال له: هذه تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ" (١). وثبت في الخبر عن أبي هُرَيرة: "قالوا: يا رسول الله، متى كنتَ نبيًّا؟ قال: وآدمُ بين الروح والجسد" (٢). وفي لفظ آخر: "متى وجبت لك النبوة؟ " (٣).

стр. 454

وفي لفظ آخر (١): "وآدَمُ بين الماء والطين". ويُخْلَقُ المَرْءُ وهو لا يَعْلَمُ (٢) شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ثم عَلَّمَهُ ما لم يكن يعلم، وكان فَضْلُ الله عليه عظيمًا. وابتدأَ الآدَمِيِّينَ بالنِّعْمَةِ قبل الخِدْمَةِ تكريمًا، ولمَّا علَّم الآدَمِيَّ خَلَقَ له القدرة ومَلَّكَه (٣)، ثم ابتلاه فيسَّره لِمَا قدَّره، ونَصَبَ له -وفيه- الأَدِلَّة، لِمَا يَسْتَقْبِلُه من حاله، وأخبره بالصحيح من مآلِه، وقرَّر له الأمر بأَشْكَالِه، وضَرَبَ له البيان (٤) بأَمْثَالِه، فمِنْ رَاكِنٍ إلى العاجلة في مَحَلِّ الاعتبار، ومِنْ سَابِقٍ إلى الآخِرة في دار القرار، فإن سَبَقَ استقرَّ ومَلَك، وإن رَكَنَ اسْتَغَرَّ وهَلَك. وماذا يَغُرُّه من الدنيا دَارِ الباطل! وقد رأى أن يومه فيها كأَمْسِ الذاهب، وغَدُه لا يعلم أيُدْرِكُه؟ وقرناؤه قد اخترمتهم المَنُونُ، وصارُوا في خبَرِ (٥) كان بعد يكون، وتيقَّن أن طويل العمر كقصيره بَوَاء (٦). فمن عاش عامًا كمن عاش ألفًا … فما العامُ والأَلْفُ إلَّا سواءْ (٧)

стр. 455

أنشدني أَبُو بَكْرٍ الفِهْرِي (١): أنشدني أبو الفضل (٢) التَّمِيمِي: أنشدني الشريف الحِمَّاني لنفسه: لمن أبني لمن أَسِمُ المَطَايَا … لمن أَسْتَأْنِفُ الشيء الجَدِيدَا إذا ما صار إخواني رُفَاتًا … وصرتُ لفَقْدِهم فَرْدًا وحيدًا أُعَاشِرُ مَعْشَرًا لهم شُكُولُ … وأَشْكَالِي قد اعتنقوا اللُّحُودَا (٣) [كائنة استباحة بيت المقدس]: وإذا كان طويلُ العُمْرِ كالقصير، فالاجتهادُ أولى من التقصير، لقد عَبَدْنَاهُ في المسجد الأقصى -طهَّره الله- ثلاثين شهرًا، في ثلاثة أحوال،

стр. 456

مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعَالِمين، نحوًا من ثلاثة آلافٍ مَعْلُومِين، حَصَدَتْهُمُ السيوف في غَدَاةٍ واحدة (١)، فأيُّ عَيْشٍ بعدهم يَطِيبُ؟ أم أيُّ أَمَلٍ يُستأنف؟ تنبيه: ومن الثابت الصحيح أن النبي ﷺ قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناحَ بعوضة ما سقى منها (٢) كافرًا شربةَ (٣) ماء" (٤). وثبث عنه ﷺ أنه قال: "ما مَثَلُ الدنيا في الآخرة إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكم أُصْبُعَه في اليمِّ، فلينظر بم يرجع إليه" (٥).

стр. 457

وهي كما صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "الدنيا (١) سِجْنُ المؤمن، وجنة الكافر" (٢). وكذلك صحَّ عنه ﷺ أنه قال لابن عمر (٣): "كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعُدَّ نفسك في أهل القبور" (٤). فكان ابنُ عمر يقول: "إذا أصبحتَ فلا تُحَدِّثْ نفسَك بالمساء، وإذا أمسيتَ فلا تُحَدِّثْ نفسَك بالصباح، وخُذْ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك عند الله غدًا" (٥). قال الإمام الحافظ ﵁: وقد ضَرَبَ الله تعالى للدنيا مثلًا محسوسًا، له مَثَلٌ معقول، أَبرز به إلى العِيَانِ قِيمَتَها، وهي (٦) إذا حُبِسَتْ عن المرء جَرْعَةُ ماء طاهرة عذبة، حتى إذا احتاج إليها بَذَلَ فيها الدنيا بحذافيرها لو مَلَكَها، فإذا أَحْقَنَتْهُ (٧) قَذِرَةٌ نَجِسَةٌ بَذَلَ في إخراجها الدنيا بحذافيرها لو

стр. 458

مَلَكها، فأعلى (١) قِيمَتِها جَرْعَةُ ماء طاهرة، وقِيمَتُها بالحقيقة المحسوسة قَطْرَةُ بَوْلٍ نَجِسَة، وهي بالحقيقة المعقولة لا تَعْدِلُ جناحَ بَعُوضَة. [تَقْسِيمُ الدنيا]: وقد صحَّ عنه ﷺ -تَقْسِيمُ الدُّنْيَا (٢) -: "إنَّما الدنيا لأربعة نَفَرٍ، عبد رَزَقَه الله مالًا وعِلْمًا، فهو يَتَّقِي فيه (٣) ربَّه، ويَصِلُ فيه رَحِمَه، ويَعْلَمُ لله فيه (٤) حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعَبْدٌ رَزَقُه الله عِلمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أنَّ لي مالًا (٥) لعَمِلْتُ بعَمَلِ فُلَانٍ، فهو ونِيَّتُه (٦)، وأَجْرُهُمَا عند الله سواء، وعَبْدٌ رَزَقُه الله مالًا، ولم يرزقه عِلْمًا، فهو (٧) يَخْبِطُ فيه بغير عِلْمٍ، لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يَعْلَمُ لله فيه حقًّا، فهذا بأَخْبَثِ المنازل، وعَبْدٌ لم يرزقه الله مالًا ولا عِلْمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعَمِلْتُ فيه بعمل فلان، فله نِيَّتُه، ووِزْرُهُمَا سواء" (٨).

стр. 459

ومعنى قَوْلِه ﷺ : "إن الدنيا خُلِقَتْ لأربعة نَفَرٍ": أنَّ الدنيا خلِقَتْ لمَعَانٍ ولأُمَمٍ منها هذه الأقسام الأربعة، ولا ينفي ذلك أن يكون فيها سواها، ولكنه يعود إليها. إيضاحٌ: ومع هوانها لا بدّ منها؛ لأنها السبيل إلى المقصود، لكنها مشحونة بمفاوز تَنَايِف (١)، محفوفة بمخاوف ومتالف، وهي وإن كانت كما قال سبحانه: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، ففيها جِدٌّ وحَقٌّ، ومن حِكْمَةِ الباري فيها وحُكْمِه أن قَلْبَها بِنِيَّةِ العبد طاعة، بعد أن وَجَدَها في الأصل مباحة، فالأعمال بالنيَّات بحُكْمِه، والحسنات يُذهبن السيئات بحِلْمِه، وللعبد في كل وقت من أوقاتها حالة؛ له بها صفة محمودة أو مذمومة، لأجل الازدواج الذي كَتَبَه الله على الخلق، ووَجَبَ عليهم حين وَجَبَ له الانفراد وتعالى به، وبتلك الصفات في تلك الحالات تتعلَّق الأحكام، وعليها يترتَّب الثواب والعقاب، فإن لم يكن في الدنيا خَيْرٌ من وَجْهٍ فلا غِنَى عنها من آخَرَ، به يَعُودُ خيرًا؛ لأنها مَطِيَّةُ السَّائر، وزَادُ المسافر، وقَنْطَرَةُ العابر، لا دَارَ العامر، وجُهْدُ المُقِلِّ، يُقْتَنَصُ منها ولا يُسْتَكْثَرُ (٢)، ويُتَقَوَّتُ ولا يُدَّخَرُ، ومثالها الصَّارم يصلح للعادل والظالم، فيُصَرِّفُه كُلُّ واحد منهما على نِيَّتِه.

стр. 460

[التَّمْكِينُ من الدنيا وملكها]: وقد حَكَمَ الله في الدنيا بحُكْمَيْنِ، فمكَّن من جميعها نَبِيَّيْنِ (١)؛ المُتَمَكِّنَيْنِ (٢) من الدنيا والعمل بما يجب في وَجْهَيْ قبولها وتَرْكِها، سليمانَ ومُحَمَّدًا، صلى الله عليهما، فأعطى سليمانَ مُلْكَها ومِلْكَها، كما قال سبحانه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٦ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى قوله: ﴿حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩]. واختُلِفَ هل كان هذا المُلْكُ كُلُّه بوِرَاثَةٍ (٣) أم بسؤاله أم متنوع (٤) في قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]؟ أم بعضه وراثة وبعضه بسؤال (٥)؟ واختُلِفَ أيضًا في وَجْهِ سؤاله، كما اختُلِفَ في وَجْهِ قَوْلِه: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
следующие страницы →