← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعَالِمين، نحوًا من ثلاثة آلافٍ مَعْلُومِين، حَصَدَتْهُمُ السيوف في غَدَاةٍ واحدة (١)، فأيُّ عَيْشٍ بعدهم يَطِيبُ؟ أم أيُّ أَمَلٍ يُستأنف؟ تنبيه: ومن الثابت الصحيح أن النبي ﷺ قال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناحَ بعوضة ما سقى منها (٢) كافرًا شربةَ (٣) ماء" (٤). وثبث عنه ﷺ أنه قال: "ما مَثَلُ الدنيا في الآخرة إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكم أُصْبُعَه في اليمِّ، فلينظر بم يرجع إليه" (٥).

стр. 457

وهي كما صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "الدنيا (١) سِجْنُ المؤمن، وجنة الكافر" (٢). وكذلك صحَّ عنه ﷺ أنه قال لابن عمر (٣): "كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعُدَّ نفسك في أهل القبور" (٤). فكان ابنُ عمر يقول: "إذا أصبحتَ فلا تُحَدِّثْ نفسَك بالمساء، وإذا أمسيتَ فلا تُحَدِّثْ نفسَك بالصباح، وخُذْ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك عند الله غدًا" (٥). قال الإمام الحافظ ﵁: وقد ضَرَبَ الله تعالى للدنيا مثلًا محسوسًا، له مَثَلٌ معقول، أَبرز به إلى العِيَانِ قِيمَتَها، وهي (٦) إذا حُبِسَتْ عن المرء جَرْعَةُ ماء طاهرة عذبة، حتى إذا احتاج إليها بَذَلَ فيها الدنيا بحذافيرها لو مَلَكَها، فإذا أَحْقَنَتْهُ (٧) قَذِرَةٌ نَجِسَةٌ بَذَلَ في إخراجها الدنيا بحذافيرها لو

стр. 458

مَلَكها، فأعلى (١) قِيمَتِها جَرْعَةُ ماء طاهرة، وقِيمَتُها بالحقيقة المحسوسة قَطْرَةُ بَوْلٍ نَجِسَة، وهي بالحقيقة المعقولة لا تَعْدِلُ جناحَ بَعُوضَة. [تَقْسِيمُ الدنيا]: وقد صحَّ عنه ﷺ -تَقْسِيمُ الدُّنْيَا (٢) -: "إنَّما الدنيا لأربعة نَفَرٍ، عبد رَزَقَه الله مالًا وعِلْمًا، فهو يَتَّقِي فيه (٣) ربَّه، ويَصِلُ فيه رَحِمَه، ويَعْلَمُ لله فيه (٤) حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعَبْدٌ رَزَقُه الله عِلمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أنَّ لي مالًا (٥) لعَمِلْتُ بعَمَلِ فُلَانٍ، فهو ونِيَّتُه (٦)، وأَجْرُهُمَا عند الله سواء، وعَبْدٌ رَزَقُه الله مالًا، ولم يرزقه عِلْمًا، فهو (٧) يَخْبِطُ فيه بغير عِلْمٍ، لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يَعْلَمُ لله فيه حقًّا، فهذا بأَخْبَثِ المنازل، وعَبْدٌ لم يرزقه الله مالًا ولا عِلْمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعَمِلْتُ فيه بعمل فلان، فله نِيَّتُه، ووِزْرُهُمَا سواء" (٨).

стр. 459

ومعنى قَوْلِه ﷺ : "إن الدنيا خُلِقَتْ لأربعة نَفَرٍ": أنَّ الدنيا خلِقَتْ لمَعَانٍ ولأُمَمٍ منها هذه الأقسام الأربعة، ولا ينفي ذلك أن يكون فيها سواها، ولكنه يعود إليها. إيضاحٌ: ومع هوانها لا بدّ منها؛ لأنها السبيل إلى المقصود، لكنها مشحونة بمفاوز تَنَايِف (١)، محفوفة بمخاوف ومتالف، وهي وإن كانت كما قال سبحانه: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]، ففيها جِدٌّ وحَقٌّ، ومن حِكْمَةِ الباري فيها وحُكْمِه أن قَلْبَها بِنِيَّةِ العبد طاعة، بعد أن وَجَدَها في الأصل مباحة، فالأعمال بالنيَّات بحُكْمِه، والحسنات يُذهبن السيئات بحِلْمِه، وللعبد في كل وقت من أوقاتها حالة؛ له بها صفة محمودة أو مذمومة، لأجل الازدواج الذي كَتَبَه الله على الخلق، ووَجَبَ عليهم حين وَجَبَ له الانفراد وتعالى به، وبتلك الصفات في تلك الحالات تتعلَّق الأحكام، وعليها يترتَّب الثواب والعقاب، فإن لم يكن في الدنيا خَيْرٌ من وَجْهٍ فلا غِنَى عنها من آخَرَ، به يَعُودُ خيرًا؛ لأنها مَطِيَّةُ السَّائر، وزَادُ المسافر، وقَنْطَرَةُ العابر، لا دَارَ العامر، وجُهْدُ المُقِلِّ، يُقْتَنَصُ منها ولا يُسْتَكْثَرُ (٢)، ويُتَقَوَّتُ ولا يُدَّخَرُ، ومثالها الصَّارم يصلح للعادل والظالم، فيُصَرِّفُه كُلُّ واحد منهما على نِيَّتِه.

стр. 460

[التَّمْكِينُ من الدنيا وملكها]: وقد حَكَمَ الله في الدنيا بحُكْمَيْنِ، فمكَّن من جميعها نَبِيَّيْنِ (١)؛ المُتَمَكِّنَيْنِ (٢) من الدنيا والعمل بما يجب في وَجْهَيْ قبولها وتَرْكِها، سليمانَ ومُحَمَّدًا، صلى الله عليهما، فأعطى سليمانَ مُلْكَها ومِلْكَها، كما قال سبحانه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٦ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى قوله: ﴿حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٦ - ٣٩]. واختُلِفَ هل كان هذا المُلْكُ كُلُّه بوِرَاثَةٍ (٣) أم بسؤاله أم متنوع (٤) في قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]؟ أم بعضه وراثة وبعضه بسؤال (٥)؟ واختُلِفَ أيضًا في وَجْهِ سؤاله، كما اختُلِفَ في وَجْهِ قَوْلِه: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.

стр. 461

وقيل: إنَّ ظاهره يُشِيرُ إلى نَوْع من الحَسَدِ الذي يَجِلُّ سليمانُ عنه، فلمَّا كان يُشْكِلُ بُحِثَ عنه وسُئِلَ. فأمَّا السُّؤَالُ الأوَّل: هل كان بوراثة، أم بسؤاله، أم متنوع؟ فالجوابُ: أنه كان بَعْضُه بسؤال، وبَعْضُه بوراثة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠]، فأَوْرَثَ الله تعالى سليمانَ النبوءةَ وإِسَالَةَ عَيْنِ القِطْرِ، فإنه الأَوَّلُ أو نَوْعٌ منه، وزاده الريحَ تَجْرِي بأمره رُخَاءً حيث أصاب، والجِنَّ وسُخْرَة الطير، فإنها كانت لداود مُسَبِّحَةٌ، وهي لسليمان مُسَبِّحَةٌ مُسَخَّرَةٌ مُسْتَخْدَمَةٌ. وأمَّا السؤال الثاني: في وجه (١) إِقْدَامِه على طلب الدنيا -وهو مقصود الكتاب- مع ذَمِّها من الله، وبُغْضِه فيها، وحقارتها لديه؟ فالجوابُ: أن ذلك عند العلماء مَحْمُولٌ على أداء حقوق الله، وسياسة مُلْكِه، وترتيب منازل خَلْقِه، وإقامة حُدُودِه، والمحافظة على رُسُومِه، وتعظيم شعائره، وظُهُورِ عبادته، ولُزُومِ طاعته، ونَظْمِ قانون الحُكْمِ النافذ عليهم منه، وتحقيقِ الموعود في أنه يعلم ما لا يعلم أَحَدٌ من خَلْقِه، حسب ما صرَّح بذلك لملائكته، فقال : ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٩]. تمثيل: [في تولية يوسف ﵇ على خزائن الأرض] وقد قال يُوسُفُ: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، لِمَا عَلِمَ من قُوَّةِ نَفْسِه، ورَأَى من تَضْيِيعِ الحَقِّ، وتعطيل

стр. 462

الحدود، وفَسَادِ الخلق في الأرض، ما حَمَلَهُ على إرادة إظهار الحق، وأنه يعلم ما لا يعلم أَحَدٌ من الخلق، ولكن بَعْدَ تَعَرُّض المَلِكِ له بقَوْله: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٤]، ففي ذلك إِسْوَةٌ لمن قَدَرَ -من نفسه- على القيام بالحق؛ أن يَقْبَلَه إذا جُعِلَ إليه (١). [أَسْبَابُ قَبُولِ ابنِ العربي القضاء]: ولقد اقتديتُ إِسْوَةً بذلك؛ مع أنِّي من أكثر الخَلْقِ ذُنُوبًا وعُيُوبًا، وأقلهم منزلة له (٢)، فإنِّي لمَّا دُعِيتُ إلى ولاية القضاء قَبِلْتُه مختارًا لثلاثة أوجه: أحدها: سِرٌّ بيني وبين الله سبحانه. والثاني: معاينتي للباطل قد دَفَّرَ (٣) الأرضَ، فأردتُ أن أُذَفِّرَهَا (٤)، تَمَكَّنْتُ فيها منها، وعَمِلْتُ ما يَعْلَمه الله تعالى، ولا أَطْلُبُ مَثُوبَةً من سواه؛ مِنْ كَفِّ الظُّلْمِ والاعتداء، وبَثِّ الأَمْنِ، وحِفْظِ الأموال، وكَفِّ الأطماع، والأَمْرِ بالمعروف، والنَّهْيِ عن المنكر، وفَكِّ الأسير، والتَّحْصِينِ على الخَلْقِ بالسُّور (٥)، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، حتى أَرِجَتْ أقطاري، ووَقَعَ السَّمَرُ بأخباري، فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة، حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّت صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من

стр. 463

العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ (١) ذِمَامِي وذِمَارِي، وهُمْ قيامٌ ينظرون، لا (٢) يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون، يرون أن مَسْلَحَةً أجدى عليهم من مصلحة، وعَطَبًا أولى بي من سلامة، فانتثلُوا مالي، واستَفَؤُوا شِعاري ودِثاري، وهَدَمُوا مسجدي وداري، وأنا أُنشد أبيات سَعْدٍ (٣) - لقَوْلٍ (٤) سَلِيمٍ عن النَّقْدِ-: عليكم بداري فأهدموها فإنَّها … تُرَاثٌ كريم لا يخاف العواقبَا أخي عَزَمَاتٍ لا يزيد على الذي … يهم به من مفضع (٥) الأمر صاحبَا إذا همَّ ألقى بين عينيه عَزْمَه … ونَكَّبَ عن ذِكْرِ العواقب جانبَا ولم يستشر في أمره غير أهله (٦) … ولم يَرْضَ إلَّا طاعة الله صاحبَا وتعرَّضوا لنفسي فكفَّ الله تعالى أَيْدِيَهُمْ عَنِّي، ولقد وَطَّنْتُهَا على التَّلَفِ، وأنا أُنْشِدُ قَوْلَ خُبَيْبٍ (٧):

стр. 464

ولستُ أُبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا … علي أي جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعِي وذلك في ذات الإله وإن يشأْ … يُبَارِكْ على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ وأمسيتُ سَلِيبَ الدَّارِ، ولولا ما سبق من حُسْنِ المقدار لكنتُ قَتِيلَ الدَّارِ. الثالث: أنَّ الناس كانوا يظنون أن الأرض خاليةٌ عن سِيَاسَةِ دَرِبٍ بالخَلْقِ، ذَرِبٍ بإقامة الحق، فأردتُ أن أكشف لهم عن بنات صَدْرِي، وأُعَلِّمَهُمْ كيفية وِرْدي في الأمر وصَدَرِي. [تَتِمَّةُ الحديث عن طلب سليمان المُلْكَ]: وفي صحيح الحديث أن النبي ﷺ قال لسَمُرَةَ (١): "لا تسأل الإمارة، فإنك إن سألتها لم تُعَنْ عليها، وإن أُعْطِيتَها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها" (٢). وهذا وإن كان من قَوْلِ يوسف خَبَرٌ عن شَرْعِهِ (٣)؛ فإن الشرائع في هذا الباب متماثلة؛ لأنه (٤) من باب التعاطي المذموم في كل مِلَّة، المناقض للتواضع المحمود في كل دِينٍ.

стр. 465

[أقوالُ المتأولين في قوله تعالى: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾]: وأمَّا السؤال الثالث: في قوله: ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾؛ فقد تأوَّله الناس قديمًا وحديثًا على اختلاف طبقاتهم، فرأى كلُّ وَاحِدٍ رَأْيًا حَسْبَ ما أدَّاه إليه نَظَرُه، الحاضرُ منها الآن عشرة أقوال (١): الأوَّل: هَبْ لي مُلْكًا لا أُسْلَبُه، فقد رُوي: "أنه سُلِبَه، وتمكَّن الشيطان من خاتَمه فلَبِسَه، وحَكَمَ به مثله" (٢). وهذا قَوْلٌ باطل، قد بيَّنَّا فساده في غير موضع (٣). الثاني: لا أُسْلَبُه؛ فإني أُرِيدُه مُعْجِزَةً ودِلَالَةً على صِدْقِي، فتبقى آيَتِي معي ما بَقِيتُ (٤). وبهذا ينبغي أيضًا ألَّا يكون لغيره؛ لأنه لو لم ينفرد بها لمَا شَهِدَتْ له بصِدْقٍ. الثالث: أراد به تَشْرِيفَه به، لأن شَرَفَ الدنيا مَعُونَةٌ على شَرَفِ الآخرة وعُنْوَانٌ لها. الرَّابع: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسْأَلَه. فكأنة سأل مَنْعَ السؤال بعده، حتى لا يَتَعَلَّقَ به أَمَلٌ لأحد، ولم يسأل مَنْعَ الإجابة.

стр. 466

الخامس: لا ينبغي من بعدي (١) لأحد من الملوك؛ لا من الأنبياء. وهذا ضعيف، فإن القَدْرَ الذي أُوتِيَ لا يَصِحُّ أن يُدْرِكَهُ آحَادُ الخلق إلا المُصْطَفَيْن. السَّادس: سأل رَّبه أن يَهَبَهُ مِلْكَهُ لنفسه؛ حتى لا ينظر إلى غير رَبِّه، فهو المُلْكُ الأعظم؛ فإنَّ من عَجَزَ عن قَهْرِ نفسه فأَحْرَى أن يَعْجَزَ عن غيره (٢)، ولو قدَّرْنَا قَهْرَه له؛ فماذا يُغْنِيه قَهْرُه للخلق أجمعين؟ فكيف لبعضهم! وذلك إذا وُجِدَ قَلْبٌ للأَمْرِ وعَكْسٌ للمطلوب (٣). السَّابع: سأل القناعة. وهو من السَّادس، أو هُوَ هُوَ؛ فإن القانع مَالِكٌ لنفسه عن التطلع إلى ما في يد غيره. الثامن: عَلِمَ أن مُحَمدًا مُتَبَرِّي عن هذه الحالة فسألها. وفي الصحيح عن النبي النبي ﷺ أنه قال: "إن عِفْرِيتًا تَفَلَّتَ عليَّ البارحة، فأراد (٤) أن يقطع صلاتي فأخذته فَذَعَتُّه، فأردتُ أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، ثم ذَكَرْتُ قَوْلَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾؛ فأرسلته، ولولا ذلك لأصبح يلعب به وِلدان المدينة" (٥).

стр. 467

فَدَلَّ هذا الحديثُ الصحيح على أن سليمان إنَّما كان سؤاله ألَّا يكون ذلك لأحد من بعده، فمكَّن الله من ذلك مُحَمَّدًا لفَضْلِه، ثم يَسَّرَ على يديه الإرسال تحقيقًا لوَعْدِه، وليكون ذلك من قِبَلِه ﷺ ومن عِنْدِه، فيَجْتَمِعُ الفضلان، وتَظْهَرُ المنزلتان. واسْتَوْسَقَ لسليمانَ المُلْكُ، فقال شيخُنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله (١) المفسِّر (٢) -وذَكَرَ مُلْكَ سليمان وكرسيَّه-: عن ابن عباس ﵁ قال: "كان سليمانُ بن داود يُوضَعُ له ستمائة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون ممَّا يليه، ثم يأتي أَشْرَافُ الجِنِّ فيجلسون ممَّا يلي الإنس، ثم يدعو الطير فيظلهم، ثم يدعو الريح فتُقِلُّهم، وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر" (٣). قال: ويقال: "إن كُرْسِيَّ سليمان كان من أنياب الفِيَلة، مُفَضَّضَةٌ بالدُّرِّ والياقوت والزَّبَرْجَدِ، وأنه أَمَرَ بعَمَلِه من ذلك، ثم أَمَرَ بالكرسي فحُفَّ من

стр. 468

جَانِبَيْهِ كليهما بنَخِيلٍ من (١) الذهب، أعناقها وشماريخها من ياقوت وزَبَرْجَدٍ ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخيل التي على يسار الكرسي نُسُورًا من ذهب، وعلى رؤوس النخيل التي على يمينه طواويس مقابلة النسور (٢)، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرًا من صنوبر من ذهب (٣)، وعلى يساره أسدًا من ذهب، وعلى رأس الأسد عمودًا من زَبَرْجَدٍ، ومن جانبي الكرسي شجرة من الكَرْمِ من ذهب، قد أظلت الكرسي، وجعل عناقيدها دُرًّا وياقوتًا أحمرَ، ثم فوق درجة الكرسي أسدين عظيمين من ذهب، مُجَوَّفَيْنِ مَحْشُوَّيْنِ مِسْكًا، فإذا أراد سليمانُ أن يصعد على كرسيه استدار ساعة، ثم يقفان فينضحان ما في أجوافهما من المِسْكِ والعَنْبَرِ حول كُرْسِي سليمان، ويُوضَعُ مِنْبَرَانِ من ذهب؛ واحد لخليفته، وواحد لرئيس أجناد بني إسرائيل -في ذلك الزمان- وعلمائهم وأهل الشرف والفضل منهم والطَّوْلِ، ومن خَلْفِ ذينك المِنْبَرَيْنِ خمسة وثلاثون منبرًا من ذهب ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كُرْسِيِّه وَضَعَ قَدَمَيْهِ على الدرجة السُّفْلَى، واستدار الكرسي بما فيه وعليه، وبَسَطَ الأسدُ يده اليمنى، ونَشَرَ النَّسْرُ جناحه الأيسر، ثم يصعد سليمان على الدرجة الثانية، فيبسط الأسد يده اليُسْرَى، وينشر النسر جناحه الأيمن، حتى إذا استوى سليمانُ على الدرجة الثالثة وصعد منها على الكرسي واستقرَّ (٤) عليه وقَعَدَ في مكانه؛ أتى نَسْرٌ من تلك النسور بتاج سليمان فوضعه على رأسه، واستدار الكرسي بما

стр. 469

عليه استدارة سريعة، وقال: إنه يُدِيرُ (١) ذلك الكرسي تِنِّينٌ من ذهب ذلك الكرسي عليه، وهو عظيم؛ ممَّا عمله له صَخْرٌ الجِنِّيُّ، فإذا أَحَسَّتْ بدورانه تلك النسور والأسد والطواويس التي في أسفل الكرسي إلى أعلاه دُرْنَ معه، فإذا وَقَفَ وَقَفْنَ، كلهن واقفات (٢) على رأس سليمان وهو جالس، ثم يَنْضَحْنَ جميعًا ما في أجوافهن من المِسْكِ والعنبر على رأس سليمان وهو جالس (٣)، ثم تُنَاوِلُه حمامةٌ من ذهب واقفةٌ على عمود من جَوْهَرٍ (٤) التوراة، فيُمْسِكُهَا بيده ويقرأها على الناس، فإذا فَرَغَ من قراءتها عليهم دعا القُضَاةَ (٥) إلى القضاء، وأجلس قضاة بني إسرائيل على منابرهم؛ عن يَمِينِه وعن شماله، حافِّين من حَوْلِ كُرْسِيِّه، حتى إذا حضر الشهداءُ للشهادات دار التِّنِّينُ بالكرسى كدوران الرَّحَى السريعة، واستدار الأسد، وخَفَقَت النسور بأجنحتها، ونشرت الطواويس أذنابها، ففزعت الشهداء، وتخوَّفوا على أنفسهم عندما يَرَوْنَ ذلك السلطان القَوِيَّ والعِزَّ المنيع، ويقول بعضهم لبعض: والله لنشهدنَّ بالحق، فإنَّا إن شهدنا اليوم بالباطل نَهْلِكْ، فلمَّا تُوُفِّيَ سليمانُ بُعِثَ (٦) بَخْتُ نَصَّرَ؛ فأخذ الكرسيَّ فحمله إلى أنطاكِيَّة، فأراد أن يصعد عليه فلم (٧) يكن له عِلْمٌ كيف يصعد عليه، فلمَّا وَضَعَ رجلَه ضَرَبَ

стр. 470

الأسدُ ساقه فكَسَرَها، وكان سليمان إذا صعد وضع قدميه جميعًا، ومات بَخْتُ نَصَّرَ، وحُمِلَ الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع قَطُّ مَلِكٌ أن يجلس عليه، ولكنْ لم يَدْرِ أَحَدٌ عاقبة أمره، ولعله رُفِعَ" (١). معذرة: [في شرائط رواية الإسرائيليات] فإن قيل: وكيف تذكر هذا وليس له مُسْنَدٌ (٢) يُسند إليه من راوٍ نعلمُه؟ قلنا: هذا منا اقتداءٌ بإمام دار الهجرة -أو قُل: الأمة (٣) - مالكُ بن أنس، فإنه كان مِقْدَامًا على ذِكْرِ الإسرائيليات، وعلى "مَجَلَّةِ لقمان" (٤)، ولم يزل ينقل منها في كتابه، ويتلو على أصحابه، ويَعُمُّ بذلك؛ من آدَمَ إلى عيسى صلوات الله عليهما، وقد ذَكَرْنَا عنه من ذلك كثيرًا في "التفسير" و"الأحكام" (٥). وقد قال النبي النبي ﷺ : "حَدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٦).

стр. 471

وقال أحمد بن حنبل عنه ﷺ : "حَدِّثُوا عن بني إسرائيل،. فإنه كانت فيهم الأعاجيب" (١). وينبغي للمُحَدِّثِ عنهم أن لا يسترسل في حديثه على ما لا يجوز، أو ما يُكَذِّبُه الشرع عندنا، وقد بيَّنَّاه في "شرح الحديث" (٢). [زُهْدُ سليمان ﵇]: وقد كان سليمانُ مع هذا المُلْكِ العظيم من الزُّهَّادِ؛ فإن الزهد ليس بفراغ اليد من الدنيا، إنما هو باعتقاد احتقارها وملازمة هوانها، وإن كانت بحُكْمِك فيها. ولقد رُوي عنه: "أنه كان يأكل خُبْزَ الشعير". وقال من حديث ابن حنبل عن مالك، قال: قال سليمان بن داود: "جَرَّبْنَا العيش (٣) لَيِّنَهَ وشديدَه، فوجدناه يكفي منه أدناه" (٤).

стр. 472

وقال عنه: "إن داود أتاه (١) فقال له: أيُّ شيء أبرد؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أقرب؟ وأي شيء أبعد؟ وأي شيء أقل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء آنَس (٢)؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء ألين؟ وأي شيء أخشن؟ قال: أحلى شَيءٍ رَوْحُ الله، وأبردُ شيء عفو الله، وعَفْوُ العباد بعضهم عن بعض، وآنَسُ شيء الروح يكون (٣) في الجسد، وأوحش شيء الجسد يُنزع منه الروح، وأقل شيء اليقين، وأكثر شيء الشك، وأقرب شيء الآخرة من الدنيا، وأبعد شيء الدنيا من الآخرة" (٤). ذِكْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ -: وأمَّا مُحَمَّدٌ ﷺ فإن في الثابت (٥) الصحيح "أن الله تعالى آتَاهُ مفاتيح خزائن الأرض" (٦).

стр. 473

"وخيَّره بين أن يكون نَبِيًّا مَلِكًا أو نَبِيًّا عَبْدًا، فالتفت إلى جبريل كالمُسْتَشِيرِ له، فأشار إليه أن تواضع، فقال: بل نَبِيًّا عَبْدًا" (١). "فكان يَجُوعُ يَوْمًا، ويَشْبَعُ يومًا" (٢). وفي الحديث الحَسَنِ: "أن الله خيَّره قبل موته بيَسِيرٍ بين الخُلْدِ في الدنيا أو لقائه، فاختار لقاءه" (٣). "وكان ﷺ يضطجع على رُمَالِ السَّرير حتى يؤثر في جنبه " (٤)، ويُقال

стр. 474

له: "إن كسرى وقيصر فيما هُما فيه من المُلْكِ، وأنت على هذه الحالة، فيقول: لهما الدنيا، ولنا الآخرة" (١). [الخصائص النبوية]: وإذا نَظَرْتَ إلى مُلْكَ مُحَمَّدٍ في الآخرة رَأَيْتَ ثَمَّ ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الأنسان: ٢٠]، فله خصائص كثيرة؛ أُمَّهَاتُهَا خَمْسٌ وعشرون (٢): خُتِمَ به الرُّسُلُ؛ جُعِلَ (٣) شهيدًا على الخَلْقِ؛ كلَّمه الله من غير واسطة؛ عُرِجَ به إلى السماء فرأى ملكوتها (٤)؛ عُرِجَ به فوق السماء حتى سَمِعَ صريف الأقلام؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ زُوِيَتْ له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلْكُ أُمَّته ما زُوِيَ له منها؛

стр. 475

أُحِلَّتْ له الغنائم؛ جُعِك له الأرض مسجدًا وطهورًا؛ بُعِثَ إلى الناس كافَّة؛ نُصِرَ بالرَّعْبِ مسيرة شهر؛ وأُعْطِي الكَنْزَيْنِ؛ الأحمر والأبيض؛ أُوتِيَ مفاتيح خزائن الأرض؛ اصطُفِيَ من الخَلْقِ؛ أوَّلُ من تنشق عنه الأرض؛ خطيب الخلق؛ شفيعهم؛ سيِّدهم؛ أَكْرَمُ الخلق على الله؛ "يقوم عن يَمِينِ العرش" (١)، وفي رواية: "يُجْلِسُه معه على العرش" (٢)؛

стр. 476

له الوسيلة؛ خليل الله؛ أوَّل الخلق دُخُولًا الجنة؛ رحمة للعالمين. وكلُّ ما أدرك سليمانُ لا يُقابِل نَصِيفَ حُورِيَّة، فكيف بما أُوتي مُحَمَّدٌ ﷺ فى مُلْكِ (١) الآخرة؟ فلئن كان سليمانُ ﵇ مَلِكًا في الدنيا؛ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لمَلِكٌ في الآخِرَةِ. * * *

стр. 477

ذِكْرُ حال الصحابة معه وبعده: وأمَّا أصحابُه فقد كان منهم معه ﷺ الغَنِيُّ والفقير، والكثير الحال، والقليل الحال، الثقيلُ الحاذ (١)، الخفيف الحاذ (٢)، وهو حَيٌّ بين أظهرهم، يُقَرِّرُ كلَّ واحد منهم على حاله، ويُسَوِّغُ له طريقته، وقد عاينوا سِيرَتَه وحاجته (٣)، وجُوعَه وفَقْرَه. فأمَّا ما قرَّرَ فبيَّن به الجائز، وأمَّا ما كان عليه ودَعَا من التقلُّل من الدنيا والزهد فيها إليه فبيَّن به الأفضل؛ لأن الخلق لا يصلح لهم أن يكونوا في ذلك على سواء، ولو كان جميعُهم فقيرا أو كلهم غنيًّا (٤) أو جُمْلَتُهم أخيارًا أو فَجَرَةً لمَّا صحَّ المُلك ولا استقام الأمر، فسُبْحَانَ المدبِّر لذلك، والعالم بما فيه من سديد المسالك، وسيأتي تفصيلُ ذلك في موضعه إن شاء الله. وقد رُوِيَتْ في أحوالهم أحاديثُ كثيرةٌ؛ لُبَابُها من الصحيح: أن عائشة قالت: "ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ من خُبْزِ الشعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﷺ (٥).

стр. 478

وقال أبو هريرة ﵁: "خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير" (١). وقال أَنَسٌ: "إنه مشى إلى النبي ﷺ بخُبْزِ شعيرٍ وإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، ولقد رَهَنَ النبي ﷺ دِرْعَه بالمدينة عند يهودي، وأخذ منه شَعِيرًا لأهله إلى أجل، ولقد سمعتُه وهو يقول: ما أمسى عند آل محمد صاعُ بُرٍّ، ولا صاعُ حَبٍّ، وإن عنده لتسع نسوة" (٢). وقال أبو هريرة: "ما شَبعَ رسول الله ﷺ وأهله ثلاثًا تِبَاعًا من خُبْزٍ حتى فارق الدنيا" (٣). وقال أبو أُمَامَةَ: "ما كان يَفْضُلُ عن أهل بَيْتِ النبي ﷺ خُبْزُ الشَّعير" (٤). وقال أبو هريرة: "كان من دعاء النبي ﷺ اللهم اجعل رِزْقَ آل مُحَمَّدٍ قُوتًا (٥) " (٦).

стр. 479

وقال: "قد أَفْلَحَ من أَسْلَمَ ورُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَه الله بما آتاه" (١). وقال سَهْلُ بن سَعْدٍ: "ما رأى رَسولُ الله ﷺ النَّقِيَّ حتى لَقِيَ الله، قيل له: فهل كانت لكم مَنَاخِلُ؟ قال: ما كانت لنا مناخل، قال: فكيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: كنا نَنْفُخُهُ فيَطِيرُ منه (٢) ما طار، ثم نُثَرِّيه فنعجنه" (٣). وقال سعد بن أبي وقاص: "لقد رأيتني أغزو في العصابة من أصحاب مُحَمَّدٍ ما نأكل إلا وَرَقَ الشجر والحُبْلَة، حتى إن أحدنا ليضع كما تَضَعُ الشاة" (٤). وقال محمد بن سيرين: "كُنَّا عند أبي هريرة وعليه ثوبان مُمَشَّقان من كتَّان، فتمخَّط في أحدهما، ثم قال: بَخ بَخ، يتمخَّط أبو هريرة في الكتَّان، لقد رأيتني وإني لأَخِرُّ فيما بين منبر رسول الله وحُجْرَهِ عائشة من الجوع

стр. 480

مَغْشِيًّا عليَّ، فيجيء الجائي فيضع رِجْلَه على عُنُقِي يرى أن بي الجنون، وما هو إلَّا الجوع" (١). وقال فَضَالَةُ بن عُبَيْدٍ: "إن رسول الله ﷺ كان إذا صَلَّى بالناس يَخِرُّ رجالٌ من قامتهم في الصلاة من الخَصَاصَةِ، وهم أصحاب الصُّفَّةِ، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، أو: مَجَانُون، فإذا صَلَّى رسول الله ﷺ انصرف إليهم فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تُزَادُوا فاقة وحاجة، قال فَضَالَةُ: وأنا يومئذ مع رسول الله ﷺ " (٢). وقال أبو هريرة: "خرج النبي ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ قال (٣): خَرَجْتُ ألقى رسول الله وأنظر في وجهه وأُسَلِّمُ (٤) عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا قد وجدتُ بعض ذلك، فانطلَقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيِّهَان؛ وكان رجلًا كثير النخل والشاء، ولم يكن له خَدَمٌ (٥)، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته أين صاحبك؟

стр. 481

قالت: انطلقَ يَسْتَعْذِبُ لنا (١)، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقِرْبَةٍ يَزْعَبُها فوضعها (٢)، ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويُفَديِّه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقة فبسط لهم فيها بِسَاطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بِقِنْوٍ فوضعه، فقال النبي ﷺ : أفلا انتقيتَ (٣) لنا من رُطَبِه؟ فقال: يا رسول الله إني أردت أن تتخيروا من رُطَبِه وبَسْرِه، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ﷺ : هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة؛ ظِلٌّ بارد، ورُطَبٌ طيِّب، وماء بارد، وفي الحديث قصة؛ منها: أنه ذَبَحَ لهم عَنَاقًا أو جَدْيًا، فأتاهم بها فأكلوا، فقال النبي ﷺ : هل لك خادم؟ فقال: لا، قال: فإذا أتانا شيء فائتنا، فأُتِيَ النبي ﷺ برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ : اختر منهما، فقال: يا نبي الله اختر لي، فقال ﵇: إن المستشار مؤتمن، خُذْ هذا فإني رأيته يُصَلِّي، واستوص به معروفًا، فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فاخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت امرأته: ما أنت بالغٌ ما قال فيه النبي ﷺ إلا أن تعتقه، قال: فهو عَتِيقٌ، فقال النبي ﷺ : غُفِرَ لهم، إن الله لم يبعث نَبِيًّا ولا خليفة إلَّا وله بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تَأْلُوه خَبَالًا، ومن يُوقَ بطانة السوء فقد وُقِيَ (٤) " (٥).

стр. 482

وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عامِ (١) نِصْفَ يَوْمِ" (٢). وفي رواية صحيحة أيضًا: "بأربعين خريفًا" (٣). وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: "قُمْتُ على باب الجنة؛ وكان عَامَّةُ من دَخَلَها المساكين، وإذا أصحابُ (٤) الجَدِّ محبوسون، غير أن أصحاب النَّارِ قد أمِرَ بهم إلى النار" (٥). وفيه عن أبي هريرة قال: "رأيتُ سبعين من أصحاب الصُّفَّةِ ما منهم رجلٌ عليه رداء؛ إِمَّا إِزَارٌ وإمَّا كِسَاءٌ، قد ربطوه (٦) في أعناقهم، منها ما يبلغ نِصْفَ السَّاقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورتُه" (٧).

стр. 483

قال القاضي أبو بكر بن العربي (١) ﵁: فهل فوق هذه المنزلة منزلةٌ؟ أن يكون هو وأصحابُه في هذه الحال، ويُؤتى بمفاتيح خزائن الأرض فيتركها، ويرضى بهذه الحالة رَغْبَةً فيما عند الله، ورَغْبَةً عَمَّا في هذه الدار. تتميمٌ: ولمَّا لم يكن منها بُدٌّ، كان للمأخوذ منها حَدٌّ، وذلك القُوتُ؛ كما قال النبي ﷺ فيما رواه المِقْدَامُ بن مَعْدِي كَرِبَ، قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ : ما مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شرًّا من بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدم أُكَيْلَات (٢) يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا محالة، فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنَفَسِه" (٣)، صحيحٌ. وفي صحيح مسلم: "فِرَاشٌ للرجل، وفراشٌ لأهله، وفراشٌ للضَّيْفِ، والرابع للشيطان" (٤). فبهذا ينبغي أن تَتَعَلَّقَ الهِمَمُ، وعليها ينبغي أن تأتي العزائم، إلَّا أن يفتح الله على العبد بزيادة من غير مُدَاهَنَةٍ في دِينٍ، ولا هوادة على باطل،

стр. 484

فقد قال رسول الله (١) ﷺ في الصحيح - لعُمَرَ: "ما آتاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نَفْسٍ فخُذْهُ، وما لا فلا تُتْبِعْه نفسك" (٢)، فيَقُومُ بحَقِّ نفسه في المَعَاشِ والرِّيَاشِ، ويَقُومُ بحَقِّ الله في العبادة. [تعارضُ أمر الدنيا والآخرة]: فإن تعارضَا وازدحمَا، فقد كان أبو بكر الفِهْرِي محمد بن الوليد يقول لنا: "إذا تعارض لأحدكم أمران من الدنيا والآخرة (٣) فليُقَدِّمْ أَمْرَ الآخرة؛ فإنه يحصل له من ذلك أمر الدنيا والآخرة، وإن قدَّم أَمْرَ الدنيا فإنه يَفُوتُه أَمْرُ الآخرة"، وقد جرَّبته فوجدته كما قال (٤). وإن قَدَّمَ أَحَدُكُمْ أَمْرَ الدنيا فحصل له فليَعْلَمْ أنه قد فاته أَمْرُ الآخرة؛ لأنَّه إن كان حَصَلَ له صُورَةً فقد فاته معنًى، من وجهين: أحدهما: أن الذي فاته من أَمْرِ الآخرة أفضلُ من جميع الدنيا، فكيف مِنْ أَمْرِ واحدٍ عَرَضَ فيه (٥)! وأمَّا الثاني: فإنه لا يُبَارَكُ له فيما حَصَلَ له من أَمْرِ الدنيا. ومن حديث ابن حَنْبَل عن زيد بنْ ثابت قال سمعت رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها: "من كان هَمُّه الآخرة جَمَعَ الله شَمْلَه، وجعل

стр. 485

غناه في قلبه، وأَتَتْهُ الدنيا وهي راغمة، ومن كان هَمُّه الدنيا فرَّق الله عليه (١) ضَيْعَتَه، وجعل فَقْرَه بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، والصلاة الوسطى هي الظهر" (٢)، كذا في الحديث. تَفْصِيلٌ: قال القاضي ﵁ (٣): وكما خَلَقَ الله الخَلْقَ لا يعلمون شيئًا، فكذلك خَلَقَهم لا يملكون شيئًا، ثم عَلَّمَهُمْ ومَلَّكَهُمْ، ويُحْشَرُونَ علماء؛ لا يُسْلَبُونَ من العِلْمِ شيئًا ممَّا أعطاهم، بل يزيدهم، ويُحْشَرُونَ فُقَرَاءَ كما خَلَقَهُمْ. وفي الحديث الصحيح: "يُحْشَرُ الناسُ يَوْمَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" (٤) ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، وسخَّر له من وَلَدَهُ وكَفَلَهُ، حتى يعتدل أمره، وتستوي حاله، ثم تَعْتَوِرُه حالتان؛ له فيها عن الأولى (٥) انتقالان: * * *

стр. 486

الانتقال الأوَّل هو أن يُغْنِيه بغير تَكَسُّبٍ ولا تَكَلُّفٍ؛ وهو أَسْعَدُه، أو يُغنيه بتَكَسُّبٍ وتَكَلُّفٍ؛ وهو أَشَقُّه؛ وذلك بحسب حال الوالد أو الكافل وقصدهما، فهو الذي يُلْقِي إليه أحد حاليه، إذ كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُكسبانه المكتوب عليه في أوَّل أمره، فإذا وجد الحاجة فله تسعة (١) أحوال: الحالة الأولى: أن يُعَوِّلَ على الله في طلب القُوت، ويعكف على عبادته، واثقًا بكفالته (٢)، فإذا انعقدت له هذه النية وصحَّت له هذه الحالة بطريقيها (٣) على ما يأتي بيانه في "الصفات" - إن شاء الله - جاءه رِزْقُه يسعى إليه، فإن رُوحَ القُدُسِ قد نفث في رُوع الحبيب الخليل السَّابق الآخر: "أن نَفْسًا لن تموت حنى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأَجْمِلُوا في الطلب" (٤). وروى أحمد بن حنبل ﵁ (٥): "كان النبي ﷺ إذا رأى بأهله خصاصةً يقول: يا أهلاه، صَلُّوا صَلُّوا" (٦). قال القاضي ﵁ (٧): كأنه رجع إلى قول ربه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣١].

стр. 487

خِصِّيصَةٌ: وقد يُغْنِي الله المولودَ والمكفول عمَّن ولده وكفله، كما أخبرنا سبحانه عن مريم بقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧] فبيَّن فيها ثماني فوائد: الفائدة الأولى: فَضْلُ مريم ومنزلتها؛ فيما (١) أَخْبَرَ به عن حالها وإقامتها لعبادة ربها. الثانية: حال الكرامة بتَوَلِّي الرزق من السماء دون سَعْيٍ. الثالثة: أن من تفرَّغ للعبادة كُفِيَ المؤونة. الرابعة: إظهارُ الكرامة على أيدي الأولياء. الخامسة: دوامُها؛ رآها مرَّة ثم تكرَّر ذلك، حتى سأل كما سأل، فأجابت كما أجابت، ورآه أمرا مُتَمَادِيًا يَجْرِي على غير يديه، فأعلمته أنه من خزائن الأرزاق، يأتي افتتاحًا من جهة الرزَّاق. والسَّادسة: أن زكرياء كان يُكَرِّرُ السؤال مع سماع الجواب لحكمة ذَكَرَها العلماء، وهو أنه رآه أمرًا متماديًا كرامة من الله، لكنه جوَّز قَطْعَها، إذ لا يجب على الله شيء، ويجوز اختلاف الحالة على المُنْعَمِ عليه، لما رأى من تماديها على شيء يَجْرِي على بابه كرامةً من الله (٢).

стр. 488

السَّابعة: إحالة الرزق على المشيئة بقولها: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وهي أصله، فإن في الحديث الصحيح: "إن الله يأمر الملك المُوَكَّلَ بالرَّحِم فيكتب الرزق للعبد" (١)؛ يعني: مقداره وجهة كَسْبِه، ويكتب الأجل وتوفيته وجهة قَطْعِه. الثامنة: أن الله أخبر أن رِزْقَه بغير حساب. وفيها ثلاث تأويلات (٢): الأوَّل: بغير طلب مكافأة (٣). الثاني (٤): أنه غير مُعَلَّلٍ (٥) بطاعة، ولا متعلق بوسيلة، وإنما هو قَضَاءٌ بِقَدَرٍ. الثالث: بغير عَدَدٍ محصور؛ لأنَّه سبحانه المُحْصِي لكل شيء عِلْمًا وعددًا. قال القاضي ﵁ (٦): ومع أن الرِّزْقَ - كما قالوا: - غير مُعَلَّلٍ ولا مَنُوطٍ بسبب؛ فإن الله تعالى قد علَّقه بالأسباب، ووكَّل العباد إليها بشُرُوطٍ تأتي في "الصفات" إن شاء الله.

стр. 489

الحالة الثانية: فإذا (١) بَلَغَتْه الحاجة أن يتعرَّض ولا يطلب، وهو من آداب الطلب، ألا ترى إلى (٢) أيوب مع الذي بلغ إليه من البكاء كيف قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٢]، ولم يسال صريحًا، وإلى مُحَمَّدٍ ﷺ كيف كان يرفع بصره إلى السماء مُتَعَرِّضًا للدعاء، فقيل له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وانظر إلى أَدْنَى من ذلك وأقلَّ في آداب المخلوقين، واستغراقهم في صفة الكريم، وقال (٣) شاعرُهم لكريمهم: أَأَطْلُبُ حاجتي أم قد كفاني … حيائي (٤) إن شيمتك الحياءُ (٥) إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفاه (٦) من تعرضه الثناءُ وقد رَوَيْنَا من طُرُقٍ عديدة حِسَانٍ: عن النبي ﷺ : يقول الله: "من شَغَلَهُ ذِكْرِي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين" (٧).

стр. 490

وفي الحديث الصحيح: أن أبا هريرة قال: "والله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعتمد بكَبِدِي (١) على الأرض من الجوع، وإن كنت لأَشُدُّ الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم التي يخرجون منها، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليَسْتَتْبِعني فلم يفعل، ثم مرَّ بي عُمَرُ فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليَسْتَتْبِعَنِي، فمرَّ ولم يفعل، ثم مرَّ بي أبو القاسم ﷺ فتبسَّم حين رآني، وعرف ما في نفسي، وما في وجهي، ثم قال: أبا هِرٍّ، قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: الْحَقْ، ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأَذِنَ لي، فوجدَ لَبَنًا في قَدَحِ، فقال: من أين هذا اللبن؟ فقالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، فقال: أبا هِرٍّ، قلتُ: لبَّيك رسول الله، قال: الْحَقْ إلى أهل الصُّفَّةِ فادعهم لي، قال: وأهلُ الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا على مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل (٢) إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلتُ: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أُصِيبَ من هذا اللَّبَنِ شَرْبَةً أتقوَّى بها، فإذا جاؤوا أمرني، فكنت أنا أُعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللَّبَنِ؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بُدٌّ، وأَتَيْتُهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: أبا هِرٍّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خُذْ فأعطهم، قال فأخذتُ القَدَحَ فجعلتُ أُعْطِي الرجل فيشرب حتى يَرْوَى، ثم يَرُدُّ عليَّ القَدَحَ، فأُعطي الآخر فيشرب حتى

стр. 491

يروى، ثم يرد القَدَحَ، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ ، وقد روى القوم كلهم، فأخذ القَدَحَ فوضعه على يده، فنظر إلىَّ فتبسَّم، فقال: أبا هِرٍّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيتُ أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، قال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مَسْلَكًا، قال: فأرني، فأعطيته القَدَحَ، فحمد الله وسمَّى وشَرِبَ الفَضْلَةَ" (١). الحالة الثالثة: أن يطلب له من يُرْجَى نُجْحُ طَلَبِه، في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله، قال: "كُنَّا عند النبي ﷺ ! في صَدْرِ النَّهَارِ، فجاءه قوم حفاة عراة مُجَتَابي النِّمار أو العَباء، مُتَقَلِّدِي السيوف، عامتهم من مُضَرَ، بل كلهم من مُضَرَ، فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بِلَالًا فأذَّن، فقام فصلَّى، ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨] تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّهِ، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشِقِّ تمرة، قال: فجاءه رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، بل

стр. 492

قد عجزت، قال (١): ثم تتابع الناس؛ حتى رأيتُ كَوْمَيْنِ من طعام وثياب، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلَّل، كأنه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله ﷺ : من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرُها وأَجْرُ من عمل بها بعده، من غير أن يُنتَقَصَ (٢) من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ من عمل بها من غير أن يُنتَقَصَ من أوزارهم شيء" (٣). الحالة الرابعة: أن يعتمل (٤) فيما يحتاج إليه ولا يسأل، ففي الحديث الحسن: "أن عَلِيًّا ﵁ عَدِمَ القُوتَ فخرج؛ فرأى يهوديًّا يَنْزعُ بدَلْوٍ، فناداه: هل لك أن نَنْزِعَ عنك دَلْوًا بتمرة؟ قال: افعل، فدخل عليه فنَزَعَ دَلْوًا بتمرة، حتى إذا أخذ حاجته ألقى الدلْوَ عن يده وخرج" (٥). الحالة الخامسة: أن يغتنم ويكتسب من الكفَّار بسلاحه، وهي أشرف وجوه الكسب، في الصحيح: قال ﷺ : "جُعِلَ رِزْقِي تحت ظِلِّ رُمْحِي، وجعلت الذِّلَّةُ

стр. 493

والصَّغار على من خالف أمري" (١)، خرَّجه البخاري، فجعل الله رِزْقَ رسوله في أشرف وجوه الكسب، "وكان داود يأكل من صَنْعَةِ يده"، خرَّجه مسلم (٢). الحالة السَّادسة: أن يَتَّجِرَ ويَتَحَرَّفَ في عَيْشِه (٣)، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وكان غنيًّا، فقال لعبد الرحمن: "هذا مالي فلك نصفه، ولي زوجتان؛ أنزل لك عن إحداهما، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّونِي على السوق، ثم رآه النبي ﷺ بعد ذلك بمدة (٤) وعليه أَثَرُ صُفْرَةٍ فقال: "ما هذا؟ قال: تزوجت، فقال: أولم ولو بشاة" (٥)، وذكر الحديث.

стр. 494

الحالة السَّابعة: أن يحرث ويطلب الرزق في خبايا الأرض، أو يغرس ويُحْيِيَ الأرض المَوات، ليجعل ذلك سببًا للكفاف، ووسيلة إلى العفاف (١)، ومن المشهور أن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا الضَّيْعَةَ فترغبوا في الدنيا" (٢)، وفي الصحيح: "أن النبي ﷺ دخل دَارَ رجل من الأنصار فرأى في الدار آلة الحرث، فقال: ما دَخَلَتْ قطُّ دارَ قوم إلا أدخلته الذل" (٣). أنا أبو محمد [عبد الله بن] عبد الرزَّاق بن فُضَيل بدمشق: أنا أبو بكر المالكي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي: أنا أحمد بن إبراهيم: حدَّثني محمد بن علي: نا ابن بنت مَنِيعٍ (٤): نا مصعب بن الزبير (٥): حدَّثني هشام بن عبد الله بن عكرمة المخزومي عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "اطلبُوا الرزق في خبايا الأرض" (٦).

стр. 495

الحالة الثامنة: له (١) أن يستدين، فقد تداين النبي ﷺ ورَهَنَ في الحديث الصحيح؛ وذلك لأهله، وقد استدان للمسلمين. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يجَهِّزَ جيشًا، قال عبد الله: وليس عندنا ظهر، قال: فأمره النبي ﷺ أن يبتاع ظَهْرًا إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين وبالأَبْعِرَةِ إلى خروج المصدق؛ بأمر رسول الله ﷺ " (٢)، خرَّجه الدارقطني وغيره. وقد رَوَى ابنُ حنبل وغيره عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ بعث إلى يهودي يستسلفه شيئا إلى المَيْسُرَةِ، فقال اليهودي: وهل لمحمد ميسرة؟ قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: كذب اليهودي؟ ثلاث مرات، أنا خير من بايع؛ ثلاث مرات، لأَن يلبس الرجل ثوبًا من رِقَاعِ شتَّى خَيْرٌ له من أن يأخذ في أمانته ما ليس عنده" (٣). وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "من أَخَذَ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" (٤).
следующие страницы →