← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

يروى، ثم يرد القَدَحَ، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ ، وقد روى القوم كلهم، فأخذ القَدَحَ فوضعه على يده، فنظر إلىَّ فتبسَّم، فقال: أبا هِرٍّ، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيتُ أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، قال: اشرب، فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مَسْلَكًا، قال: فأرني، فأعطيته القَدَحَ، فحمد الله وسمَّى وشَرِبَ الفَضْلَةَ" (١). الحالة الثالثة: أن يطلب له من يُرْجَى نُجْحُ طَلَبِه، في الحديث الصحيح عن جرير بن عبد الله، قال: "كُنَّا عند النبي ﷺ ! في صَدْرِ النَّهَارِ، فجاءه قوم حفاة عراة مُجَتَابي النِّمار أو العَباء، مُتَقَلِّدِي السيوف، عامتهم من مُضَرَ، بل كلهم من مُضَرَ، فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بِلَالًا فأذَّن، فقام فصلَّى، ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨] تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّهِ، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشِقِّ تمرة، قال: فجاءه رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّه تعجز عنها، بل

стр. 492

قد عجزت، قال (١): ثم تتابع الناس؛ حتى رأيتُ كَوْمَيْنِ من طعام وثياب، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلَّل، كأنه مُذْهَبَةٌ، فقال رسول الله ﷺ : من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرُها وأَجْرُ من عمل بها بعده، من غير أن يُنتَقَصَ (٢) من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ من عمل بها من غير أن يُنتَقَصَ من أوزارهم شيء" (٣). الحالة الرابعة: أن يعتمل (٤) فيما يحتاج إليه ولا يسأل، ففي الحديث الحسن: "أن عَلِيًّا ﵁ عَدِمَ القُوتَ فخرج؛ فرأى يهوديًّا يَنْزعُ بدَلْوٍ، فناداه: هل لك أن نَنْزِعَ عنك دَلْوًا بتمرة؟ قال: افعل، فدخل عليه فنَزَعَ دَلْوًا بتمرة، حتى إذا أخذ حاجته ألقى الدلْوَ عن يده وخرج" (٥). الحالة الخامسة: أن يغتنم ويكتسب من الكفَّار بسلاحه، وهي أشرف وجوه الكسب، في الصحيح: قال ﷺ : "جُعِلَ رِزْقِي تحت ظِلِّ رُمْحِي، وجعلت الذِّلَّةُ

стр. 493

والصَّغار على من خالف أمري" (١)، خرَّجه البخاري، فجعل الله رِزْقَ رسوله في أشرف وجوه الكسب، "وكان داود يأكل من صَنْعَةِ يده"، خرَّجه مسلم (٢). الحالة السَّادسة: أن يَتَّجِرَ ويَتَحَرَّفَ في عَيْشِه (٣)، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وكان غنيًّا، فقال لعبد الرحمن: "هذا مالي فلك نصفه، ولي زوجتان؛ أنزل لك عن إحداهما، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّونِي على السوق، ثم رآه النبي ﷺ بعد ذلك بمدة (٤) وعليه أَثَرُ صُفْرَةٍ فقال: "ما هذا؟ قال: تزوجت، فقال: أولم ولو بشاة" (٥)، وذكر الحديث.

стр. 494

الحالة السَّابعة: أن يحرث ويطلب الرزق في خبايا الأرض، أو يغرس ويُحْيِيَ الأرض المَوات، ليجعل ذلك سببًا للكفاف، ووسيلة إلى العفاف (١)، ومن المشهور أن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا الضَّيْعَةَ فترغبوا في الدنيا" (٢)، وفي الصحيح: "أن النبي ﷺ دخل دَارَ رجل من الأنصار فرأى في الدار آلة الحرث، فقال: ما دَخَلَتْ قطُّ دارَ قوم إلا أدخلته الذل" (٣). أنا أبو محمد [عبد الله بن] عبد الرزَّاق بن فُضَيل بدمشق: أنا أبو بكر المالكي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي: أنا أحمد بن إبراهيم: حدَّثني محمد بن علي: نا ابن بنت مَنِيعٍ (٤): نا مصعب بن الزبير (٥): حدَّثني هشام بن عبد الله بن عكرمة المخزومي عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "اطلبُوا الرزق في خبايا الأرض" (٦).

стр. 495

الحالة الثامنة: له (١) أن يستدين، فقد تداين النبي ﷺ ورَهَنَ في الحديث الصحيح؛ وذلك لأهله، وقد استدان للمسلمين. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يجَهِّزَ جيشًا، قال عبد الله: وليس عندنا ظهر، قال: فأمره النبي ﷺ أن يبتاع ظَهْرًا إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين وبالأَبْعِرَةِ إلى خروج المصدق؛ بأمر رسول الله ﷺ " (٢)، خرَّجه الدارقطني وغيره. وقد رَوَى ابنُ حنبل وغيره عن أنس بن مالك: "أن النبي ﷺ بعث إلى يهودي يستسلفه شيئا إلى المَيْسُرَةِ، فقال اليهودي: وهل لمحمد ميسرة؟ قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: كذب اليهودي؟ ثلاث مرات، أنا خير من بايع؛ ثلاث مرات، لأَن يلبس الرجل ثوبًا من رِقَاعِ شتَّى خَيْرٌ له من أن يأخذ في أمانته ما ليس عنده" (٣). وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "من أَخَذَ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" (٤).

стр. 496

قال القاضي ﵁: ولا يَحِلُّ لمن ادَّان أن يُصَوِّرَ نفسه عند من يداينه باسم الغني، فإن ذلك تلبيس (١) عليه، ويَحْرُمُ ما يأخذُ على هذا الوجه، إلَّا أن يكون به عالمًا، فلا يحتاج أن يُبيِّنَ له ذلك، وإنما يتعامل الناس بأديانهم ومروءاتهم، والمال تَبَعٌ، فقد (٢) يذهب المالُ بآفة، والمروءة والدين باقيان، وأعظمُ ذنب عند الله أن يقول الرجل لمن يأخذ دينه: أنا غني، وهو فقير، وإذا عَلِمَ ذلك الرجل من حاله (٣) أنه عَدِيمٌ؛ فدخل معه على ذلك فهو أَخَفُّ لإِثْم الآخِذِ؛ لأن أخذه لما لا يريد أداءه حرامٌ، وإقدامُ ذلك على إعطاء ماله تضييع، فأمَّا من غُرَّ بذلك من نفسه فإنه يُؤَدَّبُ، حتى تكاد نفسه تذهب، ويُطاف به حتى يكون ذلك رَدْعًا لغيره، ولكل واحد من هذه الأحوال صفات تأتي إن شاء الله فيها، تمامُها: الحالة التاسعة: [مُلَازَمَةُ المدارس والرِّبَاطَاتِ] وهي مختصة ببعض (٤) البلاد دون بعض، وهي بأن يَقْوَى على طلب الفقه؛ فيدخل المدارس الموقوف عليها الأحباس لأرزاق الطلبة، فيَدْأَبُ في طلب العلم ويلزم الدرس، فيجري عليه رِزْقُه مُيَاوَمَةً في الخبز، ومُشاهرة في القُوت للأُدُمِ، أو ينقطع إلى الرِّباطات مع الصوفية؛ فيجري عليه رِزْقُ الصوفية، وتَأَتِّي الغَداء والعَشاء إن كان مُفْطِرًا، أو العَشاء إن كان صائمًا، ويجتمعون عليه ويأكلون (٥) بأدب عظيم وحالة حسنة، وكذلك كان

стр. 497

حال تلك الأرض؛ من باب بغداد إلى أقصى خراسان، واتفق ذلك بجُود الملوك وسَمْحِ الأغنياء، فإنهم يبنون المدارسَ والرِّبَاطَاتِ، ويُوْقِفُونَ عليها العقارات، ويَسْتَدِرُّونَ منها في كل وقت (١) فائد الغلَّات، فيجد الطالب للعلم مأوًى، ولا يعدَم المُقْبِلُ على الله المُعْرِضُ عن الدنيا رِزْقًا. وعلى الجملة والتفصيل؛ فتلك البلاد، وأولئك الأُمَمُ (٢) هُمُ الناس، والدنيا والآخرة، فمن أراد الدنيا فعليه ببغداد. قال يونس بن عبد الأعلى: "قال لي الشَّافعي: دخلتَ بغداد؟ قلت: لا، قال: لَمْ تَرَ الدنيا، لو دخلتها لرأيتَ (٣) الدنيا" (٤). [وَصْفُ مَكَّةَ المُعَظَّمَةِ]: وإن فيها لمن أراد الآخرة لمنزلة عُلْيَا، وأمَّا من أراد الآخرة فعليه بمكَّة؛ فإنه يرى واديًا وَحِشَ المَنْظَرَةِ (٥)، رَمْلَةٌ هامدة (٦)، لا تُنبت مَرْعًى، محفوفًا بجبلين؛ شرقيًّا: أبو قُبَيْسٍ، وغربيًّا: كَدَاء - ممدودٌ -، حجارة مُسْوَدَّةٌ، وشماريخه في السماء ممتدة، صَعْبُ المرتقى، عديم المرعى، في بطنه بَيْتٌ قد بُني من حجارة سُودٍ؛ غير مُحْكَمَةِ النَّجْرِ، ولا مُرَتَّبَةِ الوضع،

стр. 498

فما هو إلا أن يقع بصرك عليه فتجد لقلبك به عِلَاقَةً أشدَّ من عِلَاقَةِ الجارية الحسناء ذات الجمال، بقلب الشاب الذي عَدِمَ النساء، لا تمل من النظر إليه، ولا تسأم من الطواف به، في أحد أركانه حَجَرٌ أَسْوَد، إذا لَثَمْتَه وجدتَ أعذب من رُضاب الكِعاب، وأشهى من شَمِّ العُرْبِ الأتراب، فإذا غبتَ عنه تَلَفَّتَ قلبُك إليه أبدًا، وطلبتَ المَثَابَةَ إليه باقي عمرك، لغير معنًى (١) ظاهر، وإنما هو معنى يضعه الله في قلوب المؤمنين، وآية في حِكْمَتِه، وسَعَةُ رحمةٍ للمؤمنين، وعِيَارٌ (٢) على لقائه يوم الدين. [إنْشَادٌ لأبي الفضل الجوهري لمَّا رأى الكعبة المُشَرَّفَةَ]: وقد قال لي محمد بن عبد الملك التِّنِّيسِي (٣) الواعظ: حججنا مع أبي الفضل الجَوْهَرِي الصُّوفي (٤)، فلمَّا دخلنا على باب بني

стр. 499

شَيْبَه (١)، أَخْضَلَ دَمْعُه شَيْبَه، وجعل عندما رأى الكعبة وعليها أَنْمَاطُ الدِّيباج ذات الحَوْكِ الفائق والرُّواء الرائق يُنْشِدُ (٢): ما عُلِّقَ الدُّرُّ على نَحْرِها … إلَّا لما يُخْشَى من العَيْنِ تقول والدُّرُّ على نَحْرِها: … من عَلَّقَ الشَّيْنَ على الزَّيْنِ فأنَّقني هذا القول، وظننت أنه بِكْرُ كلامه (٣)، فإذا بعلي بن العباس قد أخذه في قصيدته التي يمدح بها صاعد بن مَخْلَد صاحب الرَّيِّ، فقال فيه (٤):

стр. 500

وأَحْسَنُ من عِقْدِ العَقِيلة (١) جِيدُها … وأَحْسَنُ من سِرْبَالها المتجرَّدُ تنبيه: قال القاضي (٢) أبو بكر بن العربي ﵁: ويعتمد في كل (٣) ذلك وجوه الحلال، في عَيْنِ ما يكتسبه، وفي جهة كَسْبِهِ، ففي الحديث الصحيح - واللفظ للبخاري -: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ بما (٤) أخذ المال؛ أمن حلال أم من حرام" (٥). * * *

стр. 501

الانتقال الثاني أن تمتلئ يده من الخير فيصيرُ مالكًا أو مَلِكًا، فكُلُّ قَدْرٍ يكتسبُ فهو به مالك، ولا يكون مَلِكًا حتى يكون له خادم، كما رُوي في الخبر الحسن: "أنه إذا كان له قُوتُه ومنزله فهو غَنِيٌّ، فإن كان له خادمٌ فهو مَلِكٌ (١) " (٢). وتحقيقه: أنه يأمر وينهى وينفُذ ذلك له، ويُكْفَى ما كان يحاوله بنفسه، وذلك لا يناقض العبادة، ولا يقدح في المنزلة، كان الخادمُ واحدًا أو أكثر، علىٍ قَدْرِ الحاجة، فقد يُروى: "أن الزبير بن العوَّام كان كثير الغلمان"، وأنْهَوْهُم إلى ألف غلام في بعض الروايات، خرَّجه ابن حنبل، وزاد فيه: "أنهم كانوا (٣) يؤدون إليه الخراج، فكان يَقْسِمُه كل ليلة، ثم يقوم إلى منزله وليس معه منه شيء" (٤).

стр. 502

وقد انتهى النبي ﷺ وهو القُدْوَةُ - إلى سِتِّينَ مَوْلًى، ذَكَرَهُمْ ابنُ رِشْدِينَ وغيرُه (١)، ولكنهم متفرقون لم يجتمعوا عنده، وكان يكون عنده منهم (٢) في الوقت الواحد أكثر من واحد؛ لأنَّه كان يَمُنُّ عليهم بالحُرِّيَّةِ، ويلازمونه بعد العِتْقِ في أكثر من واحد. وثبت في الصحيح (٣) - واللفظ لمسلم - قال: "كان سعدُ بن أبي وقاص في إِبِلِه، فجاءه ابنُه عمر، فقال: أعوذ بالله من شَرِّ هذا الراكب، فنزل فقال له: أنزلتَ في غنمك وإبلك وتركت الناس يتنازعون المُلْكَ بينهم؟ فضرب سَعْدٌ في صدره وقال: اسكت، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الله يُحِبُّ العبد التقي النقي (٤)، الخفي الغني" (٥). ثم يترقَّى به الأمر إلى مَلْكِ النِّصاب، فيكونُ غَنِيًّا مطلقًا إذا لبث عنده حَوْلًا، وهو غير محتاج إليه، وتعيَّن عليه أداءُ الحق المفروض عليه، وإسلامُ الرزق الذي أحال به الكفيل الوكيل عليه، ويكون وكيلًا للوكيل، وقاضيًا للحق الذي ألزمه بفضله الكفيل. ونكتة ذلك: أن الله سبحانه خَلَقَ العباد ونوَّعهم دي خَلْقِه لهم إلى مقدور (٦) عليه ومُوَسَّعٍ، وضَمِنَ للكُلِّ رِزْقَه، فقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي

стр. 503

الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:] ٦، وجعل المقدار الذي ضَمِنَه من الرِّزْقِ لهم في المال الذي ملَّكه لأغنيائهم، فالغنيُّ الذي يكون رِزْقُه بيده وفي مِلْكِه، والذي قُدِرَ عليه رِزْقُه يكون رِزْقُه بيد الغني، يأخذه منه إذا كان قد أحاله به عليه. وقد عَلِمَ الله سبحانه قَدْرَ الأموال الموضوعة في الأرض، وعَلِمَ قَدْرَ التقسيط منه على الخلق، وعَلِمَ الغَنِيَّ من المحتاج، وعلم قَدْرَ الكفاية، وعلم أن ذلك الذي جُعِلَ للفقراء على الأغنياء كَفَاءٌ لكفايتهم، حتى تتم الحكمة في التقسيط بالقِسْطِ، وكلُّ (١) ذلك ابتلاءٌ للجميع؛ هذا (٢) في سبيل الشُّكْرِ، وهذا في طريق الصَّبْرِ، ومن (٣) زَوَى عنه أكثر ممَّن ضَوَى إليه؛ إذا رزقه الصبر عليه، ولا تزال هذه الحالة مطَّردةً - دُنْيًا (٤) - حتى تقطعها إرادةٌ سابقة؛ في حَبْسِ وُكلاء الله الحقوقَ عن أربابها؛ إمَّا من المُلَّاكِ، وإمَّا من الأَمْلَاكِ الوُكلاء القابضين لها. [مُعْضِلَةٌ: في تَرْكِ الفقراء إلى الولاة أو مواساتهم بمالٍ آخَرَ] فتنشأُ هاهنا مُعْضِلَةٌ، وهي: تَرْكُ الفقراء إلى من حَبَسَ حقوقَهم وأسلابَهم (٥) إليه (٦)، أو استئناف مشاركتهم بمالٍ آخَرَ سوى ذلك، والتي (٧)

стр. 504

يجب أن تُعطى للولاة حقوقهم التي أمر الله بأدائها إليهم، ولا يُخْرَجُ عليهم، فإن أدَّوْها إلى مُسْتَحِقِّيهَا فبها ونعمت، وإن حبسوها عنهم بتأويل أو بغير تأويل فقد أفتى النبيُّ ﷺ في هذه النازلة فقال: "أَدُّوا الذي لهم، واسألوا الله الذي لكم" (١)، وهذا حديث صحيح. وفي الصحيح - واللفظ لمسلم -: عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: "سأل سلمةُ بن يزيد الجُعْفِي رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، قال: أرأيتَ إن قامت أمراء يسألوننا حَقَّهم ويمنعوننا حَقَّنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعثُ بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : اسمعوا وأطيعوا، فإنَّما عليهم ما حُمِّلُوا، وعليكم ما حُمِّلْتُمْ" (٢). استدراك: [لا يَحِلُّ للأغنياء إهمالُ الفقراء] ثم بعد هذا لا يَحِلُّ للأغنياء أن يُهْمِلوا الفقراء، بل يُغنوهم ممَّا في أيديهم (٣)، أَلَا ترى أنه لو سُرِقَ مالُ رجل أو غُصِبَ لتعيَّن على الناس إغناؤه، وجَبْرُ ما ذهب مما يُغني مَفَاقِرَه ويَجْبُرُ مكاسره قبل الزكاة، ولكن

стр. 505

اختلف العلماء؛ هل يكون ذلك زائدًا على الزكاة أم يستعجل فيُحْسَبُ (١) من الزكاة؟ على قولين، قد بيَّنَّاهما في "مسائل الخلاف" (٢). [مسألة: هل يَحْبِسُ بَعْضَ مَالِ الزكاة عن الوالي لمن يحتاج إليه؟] بلى؛ إن هاهنا مسألة قد ذَكَرَها المتأخرون؛ وهي: هل يجوز له أن يَحْتَجِنَ من الزكاة على الوالي ما يُعْطِي للمحتاج إن (٣) لم يقدر أن يَحْبِسَ الكُلَّ؟ اختلف المتأخرون فيه، وبجوازه أقول؛ لأنَّه قادرٌ على استخراج حَقِّ مُسْلِمٍ من يَدِ غَاصِبٍ، فوَجَبَ عليه شَرْعًا. [مسألة: إذا لم تَفِ الزكاة بحقوق الفقراء] وتنشأُ بعد ذلك مسألة أخرى، وهي: إذا لم تَفِ الزكاة بحقوق الفقراء في مكان، هل تُنقل إلى غيره من سائر البلدان؟ فلا خلاف في ذلك، وإن كان الناس فد اختلفوا في جواز نقلها في الأصل من غير حاجة، حسب ما تقرَّر في "كتب المسائل"، وما أظن الأموال عند نزول الحاجة ألَّا تُنقل (٤)؛ وذلك لأن الإمام وكيل واحد،

стр. 506

وبَيْتُ المال بيت واحد، ورَعِيَّتُه كرجل واحد، فيلزمه أن يُغني الكلَّ ممَّا في خزانة الله التي جعلها في أمانته، وقد بيَّنَّا تحقيق ذلك في موضعه الذي بليق به (١). [مسألة: إذا أذهبت الجوائح محل الزكوات] وتتركَّب على هذا أيضًا (٢) مسألة أخرى، وهي: إذا ما (٣) نزلتْ جائحةٌ من القحط أو من الماء أذهبت محلَّ الزكوات من النبات والحيوانات، أو بقي من ذلك ما لا يقوم بحاجة الناس؟ فلا خلاف بين الأمة أنه ترجع حقوق المحتاجين في رقاب أموال الأغنياء، وعليهم أن يُغنوهم كفايتهم، ويقتسمونهم على قَدْرِ أحوالهم، وقد جعل عُمَرُ بن الخطاب عام الرَّمادة على كل شخص مثله، وقال: "لن يهلك أَحَدٌ على نِصْفِ شِبَعِه" (٤)، وأثنى النبي ﷺ على الأشعريين فقال: "إنهم إذا أَرْمَلوا (٥) في الغزو جمعوا زادهم وتَوَاسَوا فيه، هم مِنِّي وأنا منهم" (٦)، وقال النبي ﷺ : "فُكُّوا العاني، وأطعموا الجائع" (٧)، وهذه كلها أحاديث صِحَاحٌ أصول.

стр. 507

[مواساة ابن العربي للفقراء في أعوام المجاعة]: وفد كنتُ في أعوام المجاعة أدعو الأغنياء والولاة إلى ذلك فيأبون عليَّ؛ لأن الله أبى عليهم أن يفلحوا، وكان من المفتين أو كلهم من يدفع هذا ويمنع (١) منه؛ لكثرة ماله وعظيم طعامه المُدَّخَرينِ عنده، فكنتُ أرجع إلى تقدير الأغنياء والمساكين، فآخُذُ من جملتهم قَدْرَ ما يمكن أن يلزمني على التقسيط، فأضمهم إلى نفسي وأجعلهم من معارفي، فذلك أفضل؛ لأن صلة المعرفة وذي الحاجة صِلَتَانِ، والصدفة عليهم صدقتان، والأَجْرُ فيهم مُضَاعَفٌ مرَّتين. تَبْيِينٌ: [هل تَلْزَمُ المُسَاوَاةُ في المُوَاساةِ؟] فإذا ضَمَمْتَهُمْ إلى نفسك فليس يلزمك أن تساويهم مع نفسك في المطعم والملبس، أمَا إنَّ نفسك لو أطاقته لكان أفضل، لما في ثبت في الصحيح عن أبي ذر: "أنه كان يمشي وعلبه حُلَّةٌ، على غلامه مِثْلُها، فقيل له في ذلك، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إخوانكم خَوَلُكم، ملَّككم الله رقابهم (٢)، فأطعموهم ممَّا تأكلون، واكسوهم ممَّا تلبسون، ولا تُكَلِّفُوهم من العمل ما لا يطيقون، فإن كلَّفتموهم فأعينوهم" (٣).

стр. 508

فإن لم تَقْدِرْ مع نفسك على ذلك فقَوِّتْهُمْ ممَّا يقيم أَوَدَهم، وإن لم تَسْتَوْفِ حاجتهم ولا عَدَدَهُمْ، والأصلُ في ذلك ما مهَّدناه في غير موطن، وها أنا أُوردُه عليكم بأَجْلَى صورة. فِقْهٌ: [مُقاَم ابن العربي في أَيْلَانَ أيَّام المجاعة]: كنتُ بأيْلَانَ (١) في مجاعة خمس وست وثلاثين وخمس مائة، وقد ضاقت الأرض برُحْبِها على المساكين، ومادت بعِطْفَيْ شرقها وغربها على المحتاجين، فجُشِرَت (٢) منها إلينا زُمَرٌ، وعمَّهم الوباء، وكنتُ بدار غربة في حال كُرْبَةٍ، فرأيتُ أن (٣) الذي يلزمني منهم واحدٌ، فأخذتُ اثنين، وكنت أُقِيتهم في كل يوم رغيفين (٤)، إلَّا أن تأتيني زيادة من فائدة، فيكون عليهم منه عائدة (٥)، أو يعرض لأحد منهم (٦) مَرَضٌ فيعاني، ويُطَيَّبُ ويُلَيَّنُ ويُلَوَّق له ما أمكن (٧). [رؤيا لابن العربي في شأن المواساة]: ونِمْتُ ليلةً فرأيتُ كأني جالس على مائدة، وحولي جماعة من طَلبتي، وعليها معي رجل من أشياخي، قد سبق موتُه منذ (٨) مدة،

стр. 509

فبَيْنَا (١) نحن نأكل، وقد تجاذبنا ذَيْلَ الحديث، فطَفِقَ بعض الطلبة يقول: نأكل ونشبع والمحتاجون على ما هم عليه، ما (٢) أدري كيف هذا؟ فقلتُ له على استحياء من الشيخ، وقد علمتُ أنه لا يستقلُّ بالجواب، ويغلط بقلة المعرفة: "اعلموا أنه لا يمكن أن نَعُمَّهم نحن بأموالنا، ولا يلزمنا أن نكون على مِثْل (٣) حالهم مع ما عندنا، أمَا (٤) إنه لو أمكن أن يأخذ كُلُّ واحد من الأغنياء واحدًا أو اثنين حتى ينفذ المحتاجون، لكانوا قد قضَوا ما عليهم من الواجب. والدليلُ عليه: أن زمان النبي ﷺ كان الصحابة فيه يشدُّون على بطونهم الحجارة من الجوع (٥)، ويُقِيم سعد بن أبي وقاص عشرين ليلة طاويًا، حتى قال: "مشيتُ ليلة فوجدت تحت رَحْلِي حيوانًا يمشي،

стр. 510

فهجمت عليه فازدرتُّه من قبل أن أعلم ما هو، فلقد أقام صُلْبِي ورفوف الأنصار مملوءة من التمر، والشَّحْمُ مدَّخرة عندهم" (١)، ومن المهاجرين من كان مثلهم؛ قليلٌ جدًّا، ولم يُلزم النبي ﷺ أَخْذَ أموالهم قَسْرًا منهم ليعود بها على الفقراء، ولكنه كان الدَّهْرَ (٢) يندب إلى المواساة غنيَّهم، ويحضُّ على الصبر فقيرَهم، ويُعَرِّفُهم بما لهم عند الله من المنزلة على الأغنياء والمزيَّه فيهم. ويموتُ المَيِّتُ من المهاجرين فلا يجد وليُّه ما يُكَفِّنُه فيه إلَّا نَمِرَةً، إذا غَطَّى بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غَطَّى رجلَيه بَدَا رأسُه، فقال النبي ﷺ : "غَطُّوا بها رأسه، واجعلوا على رِجْلَيْه من الإِذْخِرِ" (٣). ولكن مع هذا لم يكن أَحَدٌ من المحتاجين يموتُ جوعًا، ولا كان يُغْنَى إِغْنَاءً كاملًا (٤)، ولكنه كان يُرَمَّقُ (٥) ويُسَيَّر (٦)، ويُتعاهد بالافتقاد، وما تركوا قطُّ أحدًا (٧) يموت هُزْلًا، وإن استمرَّ به الجوع وَقْتًا".

стр. 511

واستيقظتُ، وكان هذا (١) من حديث نفسي أبدًا (٢)، وجملةٌ ممَّا عندي في هذه المسألة من طريق الفقه، وسيأتي بقيَّة ذلك في "الصفات" إن شاء الله. والمنزلة العُلْيَا: ما قدَّمنا عن عُمَرَ وأبي ذَرٍّ، "وقد كان عمر لا يَأْتَدِمُ عام المجاعة حتى يَحْيَى الناس مِنْ أوَّل ما يَحْيَوْنَ" (٣)، ويُساويهم مطعمًا وملبسًا؛ لأنَّه كان أميرَهم، ومسؤولًا على الخصوص عنهم، وكان يُكثر محاسبة نفسه لما يخافه (٤) من محاسبة الله ونِقْمَتِه. [تَقْصِيرُ الأغنياء والولاة في شأن الفقراء والمحتاجين]: والتَّحْقِيقُ في هذا كله: أن الأغنياء والولاة (٥) مفَرِّطُون، وعلى سبيل التقصير سائرون، فإنَّ كلا الطائفتين قد حازت من الأموال ما لو أمِرَّتْ (٦) على وجه الحق والرفق بالطائفتين - أعني: الأغنياء والفقراء - من الخَلْقِ لما ظهرت خصاصةٌ، ولا هلك (٧) أحدٌ هُزْلًا، ولا ذهبت الأديان، ولا

стр. 512

عُوقبوا بالهَرْجِ، ولكنهم حَجَبُوا نعمة الله التي بأيديهم فحجب الله ما في خزائن رحمته عنهم (١)، ونسأل الله التوفيق للجميع، ورُشْدًا يلائم هذا الصَّدِيعَ، ومغفرة تَتِمُّ بها النعمة، وتَحْسُنُ معها العاقبة. [هل يعانُ الفاسق وتارك الصلاة ويُوَاسَى؟] فإن قيل: فهؤلاء المساكين والمحتاجون (٢) أنواع؛ منهم الخارج، ومنهم الفاسق، وأكثرهم أو قُلْ: جميعهم لا يصلي، فكيف ترون في مثل هؤلاء؟ أيواسون (٣) فيُعانون على ما هم بسبيله من الحال التي لا تجوز أم يحْرَمُونَ؟ قلنا: قد رُوي في الأثر الحسن: أن النبي ﷺ قال: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" (٤)، فمن الحَقِّ الأَفْضَلِ أن تَعْتَمِدَ (٥) بإفضالك أهلَ الدين والتُّقَى، فأمَّا من ذَكَرْتَ أمرهم فعنهم (٦) أجوبة، بعضها أقوى من بعض: الأول منها: أن الباري سبحانه لم يَحْجُبْ رِزْقَه عمَّن جَحَدَه، وقد صحَّ أن النبي ﷺ قال: "لا أحدَ أصبرُ على أذًى من الله، يدَّعون له

стр. 513

الصاحبة والولد؛ وهو يعافيهم ويرزقهم" (١)، فكيف تحجبُ أنت رزقك عنه؟ الثاني: أن الذِّمِّيَّ الذي وُجِدَ منه الكُفْرُ يُرزق ويُتصدَّق عليه، ولا يُسْلَمُ إلى الهَلَكَةِ لكُفْرِه، لما له من حُرمة عَقْدِ الذِّمَّةِ، فكيف يُسْلَمُ (٢) هؤلاء مع حُرمة ما يلفظون به من الشهادة، ولها من الحُرمة ما لها، وقد علمتم مآلها؟ ولقد ثبت (٣) أن عمر مرَّ عليه ذِمِّيٌّ يرْعَشُ من الكِبَرِ يتكفَّف، فقال عمر: "لقد ظلمناك إن كنا أخذنا الجزية منك قويًا وحرمناك ضعيفًا" (٤)، وأمر بإِدْرَارٍ يُجْرَى عليه، هذا معناه. الثالث: أنه ينبغي أن يُوَاسَى بدرجة، وهي أن يُؤمر بأن يَخْرُجَ عن المنكر الذي تلبَّس به، فإن فَعَلَ أُطْعِمَ، وإن لم يفعل تُرِكَ يموت، وهو على هذه الحال قاتلُ نَفْسِه الذي يَبُوأُ بإثمها دون غيره. الرَّابع: أن يقال للسائل عن هذه النازلة: ألا تستحي من الله بما (٥) تتعلَّل به على هذا السائل للمواساة؟ تكون زوجك في دارك وولدك

стр. 514

وخادمك لا يصلُّون أو لا يصلي بعضهم، وأنت تُجْرِي الرزق الرَّغِدَ والكِسْوَةَ السَّابغة عليهم، ثم تعتذر في المحتاج بما لا تفعله (١) مع من تَحُوطُه، إنَّ هذا لهو النفاق العظيم. الخامس: أن يقال له: وكأنك (٢) لم تر من المنكر إلَّا هذا، وهو ظُلْمُ الإنسان لنفسه، حتى تحتمي نفسك هذه الحميَّة (٣)، فأين ظُلْمُ الغَيْرِ للغير من هذا المقام؟ ابدأ به واغضب له، واهجر فاعله، ولا تَصِلْه بمالك ولا ببِشْرِك ولا بجاهك، وبعد ذلك تَتَرَدَّدُ في هذا الذي يموتُ جوعًا على هذه الحالة، فتعتبر فيه هذه الحُجَّةَ، هيهات؛ إنما هذا كله منك (٤) تَعَلُّلٌ على الصدقة بما لا يمنع منها، حِرْصًا على البُخْلِ الذي رُكِّبَتِ النفس الأمَّارة بالسُّوءَ عليه. * * *

стр. 515

كيفية المعاش فإن قيل: كيف يكون عَيْشُ المرء في ماله وذات يده؟ قلنا: لذلك محلَّان: المحل الأوَّل: القُوتُ، واختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال: الأوَّل: أن يقتصر على العُلْقَةِ، ولا يأكل إلَّا لُقيْمَاتٍ بحساب، ويُرَوِّضُ نفسه على ذلك، حتى يأكل في اليوم مرَّة، ومرَّة في يومين، ومرَّة في ثلاث (١)، ثم في اسبوع، ثم في الشهر مرَّة، ثم إلى أربعين يومًا، وهده غاية الدرجة عندهم (٢). الثاني: أن يأكل إذا وَجَدَ، ويصبر إذا فَقَدَ. الثالث: أن يأكل ولا يَشْبَعَ، وإنما يُزْجِي أيَّامه، ويَقُوتُ بدنه، ويَكْسِرُ شهوته. الرابع: أن يأكل ويَشْبَعَ ولا يُسْرِف، بأن يتجاوز حَدَّ الشِّبَعِ.

стр. 516

فأمَّا القولُ الأوَّل فليس لهم فيه أَثَرٌ صحيح من القرآن ولا من السُّنَّةِ، وإنَّما هي (١) أخبارٌ تُحْكَى عن قوم من الفقراء (٢)؛ من المتأخرين لا من (٣) السَّلَفِ الماضين، وما حفظتُ في ذلك شيئًا إلا عن عبد الله بن الزبير؛ فإنه كان يواصل الصيام؛ فيفطر من الجمعة إلى الجمعة (٤)، وكان (٥) فِطْرُه على شيء من الصَّبِرِ يُعَتِّقُ مِعَاهُ للطعام والشراب، ولعله إنما كان يقصد بذلك مواصلة الصيام، لا رياضة النفس على ترت الطعام، بالوجه الذي تحاوله هذه الطائفة (٦). وقد كان شيخُنا أبو بكر الفِهْرِي رَاضَ نفسه على الوصال على مذهب الصوفية بالمسجد الأقصى - طهَّره الله (٧) -، فصام من يوم السبت، وأفطر (٨) بوم الأربعاء، وأُرَى (٩) أنه يَضْعُفُ عن خِدْمَةِ العلم بالمدارسة والمذاكرة فتركَهُ (١٠).

стр. 517

وقد تعلَّقوا بأن موسى ﵇ (١) لمَّا كان المواعدة معه في اللقاء بعد الأربعين يوما وَحَّشَ نفسه عن الطعام والشراب (٢)، في جملة شروط فعلها، وخصال قضاها، على وجه التأهب للقاء الله سبحانه، وهذا لا يثبت، ولو صحَّ لم تكن فيه حجة؛ لأن الأنبياء من الطِّرَازِ الكريم، والشرف الصَّمِيمِ، الذي لا يُدانى في خِلْقَةٍ ولا خُلُقٍ، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يواصل، وأراد (٣) أصحابُه المواصلة فقال لهم: "إني لستُ كهيئتكم، إني أَبِيتُ يُطعمني ربي ويَسْقِيني" (٤)، فأفاد النبيُّ ﷺ بذلك بيانَ أن مواصلته (٥) لا يَسْلُب قُوَّتَه، ولو واصل غيرُه لسَلَبَ القُوَّةَ منه وِصَالُه، وذلك ممنوعٌ شرعًا. وأمَّا الطائفة الثانية: وهي التي تأكلُ إذا وجدت، وتصبرُ إذا فقدت، فهي المهتدية، فعلى ذلك مضى الأنبياء والصالحون والسَّلَفُ الأقدمون، وخصوصًا نبينا محمد ﷺ وأصحابه (٦).

стр. 518

"وقد كان النبي ﵇ (١) يَبِيتُ الليالي المتتابعة طاويًا، وأهله لا يجدون عَيْشًا، وكان أكثر خبزهم الشعير" (٢). وكان يقول: "اللهم اجعل رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا" (٣). وقد كان أصحابُ الصُّفَّةِ لا يأوون إلى أهل ولا مال، وإنَّما كانوا على الفُتُوحِ، إذا وجدوا أكلوا، وإذا فقَدوا صبروا (٤). فإن قيل: فهل يجوز لأحد اليوم أن يفعل ذلك؟ [الموازنة بين أهل الأندلس وأهل المشرق في العطاء والبذل]: قلنا: البلاد تختلف (٥)، وأحوالُ الناس تتباين (٦)، فأمَّا بلادنا فإن البخل والقسوة استوليا على القلوب، فلا يفتقدون المحتاجين، ولا يعطفون بالصدقة على المُتَجَرِّدِينَ للعلم والمُتعَبِّدِينَ، فالتَّعَرُّضُ لذلك مَهْلَكَةٌ، ولا يجوز الإلقاء باليد إلى التَّهْلُكَةِ.

стр. 519

وأمَّا تلك البلاد التي كنَّا بها؛ من مصر إلى منتهى المعمور؛ شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، ما بين ما رأينا وما سمعنا؛ فإن الحنان (١) والجود غلب عليهم، فإذا رَأَتْ من يقبِلُ على الله أقبلوا عليه. [سيرةُ ابن العربي وشيخه الطُّرْطُوشي ببيت المقدس]: لقد كنا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوح، أقل ما نكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة الطويلة، قرى ظاهرة (٢) مباركة (٣)، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية، وكان من سيرتهم أن القرية والبلدة (٤) إذا نزل فيها الضيف وغَشِيَهُم الطارق جاءه ما يَحْتَاجُ إليه من أدنى الجوار إليه (٥)، وشُورِكَ صاحبُ المنزل في ذلك به، وكذلك كل معتكف كان في المسجد الأقصى، أو في قبور الأنبياء، أو في مشاهد الصالحين، يتناوبون بالغداء والعشاء، وذلك كله الدَّهْرَ أجمعَه، وقد شرحنا ذلك في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" (٦).

стр. 520

تركيب: [في التعلق بالمعاش] فإذا ثبت هذا فإن اللَّازم في بلادنا هذه للمرء أن يتعلَّق بالمعاش؛ إمَّا بالاحتطاب، أو الاحتشاش، أو يكون معمارًا لثَمَرَةٍ، أو دْار يَرْكُلُ فيها بمِسْحَاتِه (١)، ويصون ماء وجهه (٢)، ويتحرَّى ممَّن يبيع ولمن يخدم في طلب الحلال، فإن عَدِمه فالمشتَبِه، أو يسأل - كما قدَّمنا - إخوانَه الذين يَثِقُ بهم في مواساته، وأنَّه إذا اتَّقى الله ولزم باب العبادة فُتِحَ له بابُ الرزق قطْعًا، على ما يأتي بيانُه في "الصفات" إن شاء الله، ووقعت الإشارة إليه آنفا في الحالات السَّابقة. وأمَّا الذي لا يشبع وإنَّما يَقُوتُ نفسه فهو الأفضل؛ فإن النبي ﷺ قال: "ما ملأ ابنُ آدَمَ وعاءً شَرًّا من بطن، حَسْبُ ابن آدم لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صلبه، فإن كان لا محالة؛ فثُلُثٌ لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه" (٣)، إلَّا أنَّ من يخدم لا بد له أن يَشْبَعَ، فإذا احتاج إلى بدنه في خِدْمَةِ الدنيا، أو نَفْسِه في خدمة العلم، فلا بد له من الشِّبَعِ والتنعم بما يُعِينُ على ما هو

стр. 521

بسبيله، ويأكل بهذه النيَّة فتكون عبادً، كما يأتي في "الصفات" إن شاء الله. وأمَّا الذي يأكل ويشبع فإنها سنة قائمة، وسيرة شرعية، وحالة مشهورة مروية، أَذِنَ الله فيها، وأمضاها رَسُولُه (١)، فقد ثبت في (٢) كل طريق، وعند كل فريق، من طريق أَنَسٍ في أقراص أم سُلَيْمِ: "أن الصحابة أكلوا حتى شَبِعوا" (٣)، وفي حديث المقداد في اللَّبَنِ: "أن النبي ﷺ شَرِبَ حتى رَوِيَ" (٤)، وفي حديث أبي هريرة: "أنه شرب حتى قال للنبي (٥) ﷺ : إنه (٦) لا يجد (٧) له مَسْلَكًا" (٨). * * *

стр. 522

كيفية اللباس قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وزينةُ المرء الأصلية هي سَتْرُ عورته التي قبَّحَ الشَّرْعُ كَشْفَها، وشَرَّعَ سَتْرَها، وأوَّل من تُعُبِّدَ بذلك وأُمِرَ به آدمُ ﵇ (١)، لا كما تقوله المبتدعة (٢)؛ من أنه عَرَفَ بذلك (٣) عَقْلًا، ولولا الشرع ما كان في كشف العورة حَرَجٌ، ولا ردَّه عَقْلٌ، وكذا (٤) الناس يوم القيامة، حفاةً (٥) عُرَاةً غُرْلًا (٦)، حتى قالت عائشة ﵂: "يا رسول الله، ينظر الناس بعضهم إلى عورة بعض؟ قال: يا عائشة، الشأنُ أعظم من ذلك" (٧)، فلو كان ذلك ممنوعًا بالعقل ما كان مُسَوَّغًا في حال كمال العقل.

стр. 523

[ما يجزئ من اللباس]: والذي يُجْزِئُ من ذلك ثوب واحد، وأكثره ثوبان؛ قميص ورداء وعمامة، أو إبدالها بحسب اختلاف الأزمنة. [صِفَةُ اللباس]: واختلف الناس في صفتها على ثلاثة أقوال (١): الأوَّل: أن تكون أَسْمَالًا أو مُرَقَّعَةً. الثاني: أن تكون مُتَوَسِّطَةً في الجودة، ولا (٢) يبلغ بها الغاية. الثالث: أن يبلغ بها الغاية في المباح، كالخزِّ من الحرير، واللَّيِّنِ الرقيق من غيره. فأمَّا الأوَّل: فإنها طريقة الصوفية، ويتعلَّقون في ذلك بفعل عمر بن الخطاب ﵁، "فإنه كان يطوف حول الكعبة وعليه ثَوْبٌ مُرَقَّعٌ بأزيد من اثنتى عشرة رقعة، وكان منها اثنتان من أَدَمٍ" (٣). وفي الحديث عن قَيْلَةَ: "أنها أتت النبي ﵁ فرأت عليه أسمالَ مُلَيَّتيْنِ (٤) " (٥).

стр. 524

وفي صحيح الحديث: "أن عمر (١) دخل عليه وهو مضطجع (٢) على سرير من رُمال، مُرْتَفِعًا (٣) بمِرْفَقَةٍ من أَدَمِ، حَشْوُها من لِيفٍ، وليس بينه وبينه فراشٌ، وقد أثَّر في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك؟ فقال (٤): وما لي لا أبكي وهذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبك، وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار، فقال النبي ﷺ : أما ترضي (٥) أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" (٦). ورَوَى الترمذي عن الأعمش قال: "كنت أجالس الأغنياءَ فأرى ثوبًا خيرًا من ثوبي، فلمَّا جالستُ الفقراء استرحت" (٧). وقال زيد: "كانوا يكرهون من اللباس الشُّهْرَتَيْنِ جميعا؛ المرتفعة والمنخفضة (٨) " (٩). وصحَّ أن النبي ﷺ قال: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تَزْدَرُوا نعمة الله عليكم" (١٠).

стр. 525

وروى أحمد بن حنبل عن ابن مسعود قال: "نام رسول الله ﷺ على حصير أثَّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، ألا آذَنْتَنَا فنبسط تحتك أَلْيَنَ منه؟ فقال (١): مالي وللدنيا، إنما مَثَلِي ومثل الدنيا كراكب سار في يوم صائف، فقَالَ تحت شجرة ثم راح وتركها" (٢). وكان على ذلك جماعةٌ من الصحابة والتابعين والسَّلَفِ الصالحين، وكان منهم من توَّسع في الجائز. [اتخاذُ الصوفية المُرَقَّعَةَ شعارًا]: واتخذت الصُّوفِيَّةُ المُرَقَّعَةَ شِعَارًا (٣)، وتَفَتَّتْ (٤) فيها وتَفَنَّنَتْ (٥)، وجعلوه زِيًّا وبِزَّةً، حتى صارت علامة وولاية، لا يكسوها إلا شيخهم؛ بعد أن يتحقَّق في المَكْسُوِّ وَصْفُ صفاء الإرادة فيتميز حينئذ بها، ويتخصَّص في سُكْنَى الرباط معها لأخذ الأوقاف، وغير ذلك من الفوائد.

стр. 526

[لُبْسُ جَيِّدِ الثياب]: وقد كان النبي ﷺ يتهيَّأ للوفود إذا قَدِمُوا عليه في غير (١) بذلته، وفي الصحيح أيضًا: أن عمر قال له في حُلَّةِ عُطَارِد: "تلبسها للوَفْدِ إذا قدموا عليك، فقال له (٢) النبي ﷺ : إنَّما يلبس هذه من لا خَلَاقَ له في الآخرة" (٣). وقد كان مالك يتجمَّل في ملبسه ولا يتبذَّل، قال أبو يوسف: "دخل مالك على الرشيد وعليه ثياب عَدَنِيَّةٌ سُودٌ، فوالله ما رأيتُ قطُّ شيئًا أحسن منه، قال: فتزحزح له هارون حتى أجلسه معه على المنصة" (٤)، وذكر قِصَّةً. وروى محمد بن إسحاق التَّنُوخِي عن الزُّبَيْرِي (٥) قال: "كان مالك بن أنس يلبس الثياب العَدَنية الجِياد، ويلبس الثياب الخراسانية والمصرية المرتفعة" (٦).

стр. 527

وبخاصَّةٍ أهل العلم، ينبغي لهم أن يُظهروا مروءاتهم في ثيابهم إجلالًا للعلم، وكان عمر بن الخطاب يقول: "أُحِبُّ أن يكون القارئ أبيض الثياب" (١)، وفي صحيح الحديث الحثُّ على الزينة ولُبْسِ البياض (٢). وإنَّما فعل عمر لنفسه من ترقيع ثوبه تواضعًا مع رِفْعَتِه، ألا تراه يوم دخل القدس كيف لَبِسَ جُبَّةً مبلولة، وعارضه في ذلك أبو عبيدة، فقال له: "إنَّا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن طلبنا العز بغيره أذلَّنا الله، فلمَّا خرجت إليه الأحبار وجدوه لابسًا جُبَّةً مبلولةً، على بعير مخطوم بخُلْبَةٍ (٣)، قالوا: كذا (٤) وجدنا أنه يَدْخُلُ علينا (٥) " (٦). [التوسط في جودة الثياب]: وأمَّا التَّوَسُّطُ في الجودة فإنها حالة محمودة، فمن الحكمة المتفق عليها بين العقلاء؛ المأخوذ من أغراض الشريعة والمقاصد النبوية: "خير

стр. 528

الأمور أوساطها" (١)، ويتأوَّلون ذلك على ما ينتهي إليه الطَّرَفَانِ، فإن الابتداء إذا أخذتَ منه جهة وأَخذ الآخَرُ منه (٢) جهة، ثم تساوى البعدان، فحملوا ما بين المعنيين على ما بين المكانين. والأوَّل: وسْط، بإسكان السِّين؛ لأنَّه ظرف. والثاني: وسَط، بفتحها؛ لأنَّه معنى معقول غير محسوس. والمراد بهذه الحِكْمَةِ في الاستعمال: "خير الأمور أفضلها (٣) "؛ فإن وسَط الشيء خِيَارُه (٤) - بفتح السين -، ووَجْهُ حَمْدِ هذه الحالة أنها منزلة بريَّةٌ من التكلف، ومُدرَكة في أكثر الأوقات لأكثر الناس دون تكلف. فأمَّا تكلف الرفيع فيعسُر ضبطُه، وتكثر المحافظة عليه. [رَفِيعُ الثياب]: وأمَّا الرَّفِيعُ من الثياب: في "كتاب أخلاق النبيّ ﷺ " وغيره: "أنه ﷺ ابتاع حُلَّةً بعشرين بعيرًا" (٥)، وقد كان يَتَلَفَّعُ في الرداء، ويَتَسَجَّى بالشَّمْلَةِ، ويَلْتَحِفُ بالقَطِيفَةِ، ويشتمل بالكساء، ويلبس الحُلَلَ والأبراد،

стр. 529

كيف ما أمكن واستفاد، ولا يجعل ذلك هِجِّيرَاهُ، ولا يقصد التنعم به (١)، فإن لم لَبِسَه فإنه كأنه عَلَاهُ، وإن كان عَلَاهُ، فقد رَوَى الترمذي وغيره عنه ﷺ أنه قال: "تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة، تعس عبد الخَمِيصة، تعس وانتَكَس، وإذا شِيكَ (٢) فلا انْتَقَش"، ولَفْظُ الترمذي: "لُعِنَ عبد الدينار (٣)، لُعِنَ عبد الدرهم" (٤)، ولفظ البخاري عن أبي هريرة: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تعس وانتكس، وإذا شِبك فلا انتقش، طُوبَى لعبد آخِذٍ بعِنَانِ فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مُغْبَرَّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في السَّاقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ" (٥). وقد كان للنبي ﷺ حَصِيرٌ يَحْتَجِرُه باللَّيل، ويبسطه بالنهار يجلس عليه، خرَّجه البخاري (٦)، "وكان له فراش من أَدَمٍ، حَشْوُه لِيفٌ" (٧).

стр. 530

[الاِسْتِفْرَاشُ] وأمَّا لباسُ الاستفراش: فإنه فراش وإزار (١)، وكساء ومِرْفَقَةٌ أو وسادة، والزيادة فيها قد تقدَّم بيانُ قَدْرِها، ولا بأس بأن يكون له سرير يَرْفَعُ عليه مَرَاكِلَه من التراب والهَوَامِّ. وفي كتاب ابن حنبل: عن عائشة ﵂ قالت: "جَعَلْتُ للنبي ﷺ فراشين، فأبى أن يرقد عليهما (٢) حتى جعلتُه واحدًا" (٣). وفيه من طريق صحيح: "أن امرأة من الأنصار دخلت عليها فرأت فراش رسول الله ﷺ ، فرأت عَبَاءَةً مَثْنِيَّةً، فرجعت إلى منزلها فبعثت إليَّ بفراش حَشْوُه الصُّوفُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقلتُ: فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأت فراشك، فبعثت إليَّ بهذا، فقال: رُدِّيهِ، فلم أردَّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذلك ثلاث مرات، فقال: يا عائشة رُدِّيه، فوالله لو شِئْتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة، فرددتُه" (٤).
следующие страницы →