← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

[لُبْسُ جَيِّدِ الثياب]: وقد كان النبي ﷺ يتهيَّأ للوفود إذا قَدِمُوا عليه في غير (١) بذلته، وفي الصحيح أيضًا: أن عمر قال له في حُلَّةِ عُطَارِد: "تلبسها للوَفْدِ إذا قدموا عليك، فقال له (٢) النبي ﷺ : إنَّما يلبس هذه من لا خَلَاقَ له في الآخرة" (٣). وقد كان مالك يتجمَّل في ملبسه ولا يتبذَّل، قال أبو يوسف: "دخل مالك على الرشيد وعليه ثياب عَدَنِيَّةٌ سُودٌ، فوالله ما رأيتُ قطُّ شيئًا أحسن منه، قال: فتزحزح له هارون حتى أجلسه معه على المنصة" (٤)، وذكر قِصَّةً. وروى محمد بن إسحاق التَّنُوخِي عن الزُّبَيْرِي (٥) قال: "كان مالك بن أنس يلبس الثياب العَدَنية الجِياد، ويلبس الثياب الخراسانية والمصرية المرتفعة" (٦).

стр. 527

وبخاصَّةٍ أهل العلم، ينبغي لهم أن يُظهروا مروءاتهم في ثيابهم إجلالًا للعلم، وكان عمر بن الخطاب يقول: "أُحِبُّ أن يكون القارئ أبيض الثياب" (١)، وفي صحيح الحديث الحثُّ على الزينة ولُبْسِ البياض (٢). وإنَّما فعل عمر لنفسه من ترقيع ثوبه تواضعًا مع رِفْعَتِه، ألا تراه يوم دخل القدس كيف لَبِسَ جُبَّةً مبلولة، وعارضه في ذلك أبو عبيدة، فقال له: "إنَّا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن طلبنا العز بغيره أذلَّنا الله، فلمَّا خرجت إليه الأحبار وجدوه لابسًا جُبَّةً مبلولةً، على بعير مخطوم بخُلْبَةٍ (٣)، قالوا: كذا (٤) وجدنا أنه يَدْخُلُ علينا (٥) " (٦). [التوسط في جودة الثياب]: وأمَّا التَّوَسُّطُ في الجودة فإنها حالة محمودة، فمن الحكمة المتفق عليها بين العقلاء؛ المأخوذ من أغراض الشريعة والمقاصد النبوية: "خير

стр. 528

الأمور أوساطها" (١)، ويتأوَّلون ذلك على ما ينتهي إليه الطَّرَفَانِ، فإن الابتداء إذا أخذتَ منه جهة وأَخذ الآخَرُ منه (٢) جهة، ثم تساوى البعدان، فحملوا ما بين المعنيين على ما بين المكانين. والأوَّل: وسْط، بإسكان السِّين؛ لأنَّه ظرف. والثاني: وسَط، بفتحها؛ لأنَّه معنى معقول غير محسوس. والمراد بهذه الحِكْمَةِ في الاستعمال: "خير الأمور أفضلها (٣) "؛ فإن وسَط الشيء خِيَارُه (٤) - بفتح السين -، ووَجْهُ حَمْدِ هذه الحالة أنها منزلة بريَّةٌ من التكلف، ومُدرَكة في أكثر الأوقات لأكثر الناس دون تكلف. فأمَّا تكلف الرفيع فيعسُر ضبطُه، وتكثر المحافظة عليه. [رَفِيعُ الثياب]: وأمَّا الرَّفِيعُ من الثياب: في "كتاب أخلاق النبيّ ﷺ " وغيره: "أنه ﷺ ابتاع حُلَّةً بعشرين بعيرًا" (٥)، وقد كان يَتَلَفَّعُ في الرداء، ويَتَسَجَّى بالشَّمْلَةِ، ويَلْتَحِفُ بالقَطِيفَةِ، ويشتمل بالكساء، ويلبس الحُلَلَ والأبراد،

стр. 529

كيف ما أمكن واستفاد، ولا يجعل ذلك هِجِّيرَاهُ، ولا يقصد التنعم به (١)، فإن لم لَبِسَه فإنه كأنه عَلَاهُ، وإن كان عَلَاهُ، فقد رَوَى الترمذي وغيره عنه ﷺ أنه قال: "تَعِسَ عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة، تعس عبد الخَمِيصة، تعس وانتَكَس، وإذا شِيكَ (٢) فلا انْتَقَش"، ولَفْظُ الترمذي: "لُعِنَ عبد الدينار (٣)، لُعِنَ عبد الدرهم" (٤)، ولفظ البخاري عن أبي هريرة: "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تعس وانتكس، وإذا شِبك فلا انتقش، طُوبَى لعبد آخِذٍ بعِنَانِ فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مُغْبَرَّة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في السَّاقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ" (٥). وقد كان للنبي ﷺ حَصِيرٌ يَحْتَجِرُه باللَّيل، ويبسطه بالنهار يجلس عليه، خرَّجه البخاري (٦)، "وكان له فراش من أَدَمٍ، حَشْوُه لِيفٌ" (٧).

стр. 530

[الاِسْتِفْرَاشُ] وأمَّا لباسُ الاستفراش: فإنه فراش وإزار (١)، وكساء ومِرْفَقَةٌ أو وسادة، والزيادة فيها قد تقدَّم بيانُ قَدْرِها، ولا بأس بأن يكون له سرير يَرْفَعُ عليه مَرَاكِلَه من التراب والهَوَامِّ. وفي كتاب ابن حنبل: عن عائشة ﵂ قالت: "جَعَلْتُ للنبي ﷺ فراشين، فأبى أن يرقد عليهما (٢) حتى جعلتُه واحدًا" (٣). وفيه من طريق صحيح: "أن امرأة من الأنصار دخلت عليها فرأت فراش رسول الله ﷺ ، فرأت عَبَاءَةً مَثْنِيَّةً، فرجعت إلى منزلها فبعثت إليَّ بفراش حَشْوُه الصُّوفُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: ما هذا؟ فقلتُ: فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأت فراشك، فبعثت إليَّ بهذا، فقال: رُدِّيهِ، فلم أردَّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذلك ثلاث مرات، فقال: يا عائشة رُدِّيه، فوالله لو شِئْتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة، فرددتُه" (٤).

стр. 531

وصحَّ صِحَّةً تامَّة أن عائشة قالت: "إنما كان فراشُ النبي ﷺ الذي ينام عليه أَدَمًا، حَشْوُه لِيفٌ" (١)، وفي كتاب مسلم - وفيه أيضًا -: "كانت وسادة النبي ﷺ من أَدَمَ، حَشْوُها لِيفٌ" (٢). المهنة: يكون للرجل عمامة ورداء، وقميص وسراويل، وما سمعتُ للقميص ذِكْرًا صحيحًا إلا في القرآن، قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٦٣] الآية، وحديثُ ابن عمر لمَّا توفي عبد الله بن أُبَي بن سَلول (٣)، جاء ابنه عبد الله إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، أعطني قميصَك أُكَفِّنْه فيه" (٤)، فأعطاه رسول الله ﷺ قميصَه، ولم أر لهما ثالثًا فيما يتعلق بالنبي ﷺ في خاصته صحيحًا، وقد رُوِي من طرق: "كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص" (٥)، وهو حديث حسن.

стр. 532

وجاء ذِكْرُ السراويل في حديث سُوَيْدِ بن سعيد قال (١): "جلبتُ أنا ومَخْرَمَةُ العَبْدِي بَزًّا من هَجَر؛ فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فسَاوَمَنَا سراويل فبعناه، وثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بالأجر، فقال له رسول الله ﷺ : زِنْ وأَرْجِحْ" (٢)، رواه الترمذي وأبو داود، وهذا اللفظ له (٣). قال الحافظ أبو بكر (٤): وتكون للرجل حُلَّةٌ، ومثل هذه الكسوة كلها، الخمسة (٥) تكون للجمعة، ففي الصحيح من الحديث: أن النبي ﷺ قال: "ما على أحدكم (٦) لو اتخذ ثوبين لجُمُعَتِه سوى ثَوْبَي مَهْنَتِه" (٧)، ولتلقِّي الوفد، ولتشييعهم، ولمجالس العامة المشروعة للمصالح والطاعات.

стр. 533

وقد ثبت من كل طريق - كما أشرنا إليه - أن عمر رأى حُلَّة سِيَرَاءَ تُباع (١) عند باب المسجد فقال: "يا رسول الله، لو اشتريتَ هذه فتلبسها (٢) يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خَلَاقَ له" (٣)، فعَلِمَ عُمَرُ أن السنة التَّجَمُّلُ للوفد بحُسْنِ الشَّارَةِ والملبس، ولم يعلم تحريم الحرير، فأفاده النبي ﷺ تحريم الحرير، وجوَّز له ﷺ ما ذَكَرَهُ له وسمعه منه؛ من التسنن بالتأهب للوفود. [تَجَمُّلُ الزُّهَّادِ لصَلَاتِهِمْ]: وقد ثبت عن جماعة من الزهَّاد أنهم كانوا إذا أرادوا الصلاة لَبِسُوا أحسن ثيابهم، وتأهَّبوا لمواجهة الله تعالى ومناجاته بأفضل ما آتاهم من نعمته، وأخلص ما حضر كلُّ واحد منهم من نِيَّتِه، ويحق ذلك؛ لأنها لمَّا كانت أكرم الأحوال تُؤُهِّبَ لها بأكرم (٤) الهَيْئاتِ. الإسراف فيه: وما زاد على هذا القَدْرِ المذكور فهو مَخِيلَةٌ وسَرَفٌ، وسيأتي بيانُ السَّرَفِ آنِفًا أيضًا (٥) في تفصيل المأكول (٦) إن شاء الله. ومن الأغنياء من يَسْتَجِدُّ لكل عام ثوبًا، ولا أقلَّ من هذا.

стр. 534

ومنهم من يَسْتَجِدُّه لكلِّ عِيدٍ. ومنهم من يستجده لكل جمعة. ومنهم من يستجده لكل يوم، فلا يعود إليه. وهذه المَخِيلَةُ التي حرَّمها الله، وما أظن أحدًا يفعل هذا من حلال؛ لأنَّه إن كان مالُه حلالًا فليس يُسْرِفُ فيه هكذا، بل يرى أن إتلافه في الصدقة أفضل من هذا التمتع الجافي، وإن كان مالُه قليلًا لم يحتمل هذا، وإنما يَخِفُّ ذلك (١) على أهل الحرام؛ لأنهم مُسَخَّرُونَ للشيطان في إتلافه بالباطل، في الإسراف الممنوع، حتى يتضاعف الإثم. [رَقِيقُ القُمُصِ]: وقد رأيتُ من لا يلبس المُبَطَّنَاتِ من الأغنياء، وإنَّما لباسُه رَفِيقُ القُمُصِ؛ يضاعفها إلى العشرين وقايةً للبرد، ويَحُطُّها للحَرِّ حتى تعود إلى واحد، وقد صحبتُ رجلًا ثلاثين سنة؛ فما زاد على جُبَّةٍ واحدة من كَتَّانٍ وبُرْنُسٍ من صُوفٍ، يلتزمه باديةً وحاضرةً لا يخلعهما (٢)، فما أَثَّرَ الزمان فيهما (٣) ذلك التأثير؛ لا بتقطيع (٤) ولا بتدنيس (٥)، وكان قليل الحركات رَفِيقَها، وكان يخلعها في منزله، وإنَّما كان لتصرفه بين الناس، وكان عاميًّا منقبضًا.

стр. 535

[الألوان] والألوانُ في التركيب كثيرة، وأصولها اثنتان: الأحمر والأسود، والأبيض من الأوَّل، والأصفر من الثاني، وبينهما مراتب: الأوَّل: البياض ففي الحِسَانِ: أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكَفِّنُوا فيها موتاكم" (١)، "وكُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ" (٢)، وفي البخاري عن أبي ذَرٍّ: "رأيتُ رسول الله ﷺ وعليه ثَوْبٌ أبيض" (٣). [الثاني]: الأحمر في الصحيح (٤): عن جابر بن سَمُرَةَ: "رأيتُ رسول الله ﷺ في ليلة

стр. 536

إِضْحِيَان، وعليه حُلَّةٌ حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسن من القمر" (١)، وفيه مِثْلُه عن أبي جُحَيفة (٢) والبراء (٣). [لُبْسُ ابن العربي لبُرْنُسٍ أحمرَ]: وقد كنت لَبِسْتُ بُرْنُسًا أحمر سنة خمس مائة (٤)، وحضرنا مجلسًا للأقضية وفيها بعض المفْتِين، فقال لمَّا خرجنا منها: "من لَبِسَ بُرْنُسًا أحمرَ لم تَجُزْ شهادتُه"، فنُمِيَ ذلك إليَّ، فقلتُ: "من قال هذا يستتاب، فإن تاب وإلُّا ضُرِبَتْ عُنُقُه"، وجعلتُ أسرد الأحاديث في ذلك. فإن قيل: هي من (٥) شِعَارِ الجُنْدِ؟ قلنا: إذا كان شيئا جائزًا في الشريعة مفعولًا لمُبَلِّغِها لم يَعِبْه أن يكون عليه من لا تُرْضَى سيرته.

стр. 537

[الثالث]: الأخضر أبو رِمْثَة رِفاعة بن يَثْرِبِي قال (١): "رأيتُ رسول الله ﷺ وعليه بُرْدَانِ أخضران" (٢). [الرابع]: الأسود عن عائشة ﵂: "خرج رسول الله ﷺ وعليه مِرْطٌ أسود" (٣). ومن الصحيح: "دخل النبي ﵇ مكة بوم الفتح وعليه عمامة سوداء" (٤). وفي الصحيح: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه وعليه عمامة دسماء (٥) " (٦).

стр. 538

قال بعضهم: استولى عليها الدَّسَمُ (١). وقال آخرون: لا يجوز (٢) أن يقال ذلك في النبي ﷺ ؛ لأنَّه لَفْظٌ في غاية الذمِّ (٣). [تَنْزِيهُ رسول الله ﷺ عن الدَّنَسِ والعَرَقِ]: أَلَا ترى إلى قوله ﷺ في الصدقة: "إنما هي أوساخ الناس" (٤)، وقد رُمِيَت امرأة من قريش في الجاهلية من زوجها بتهمة زِنًى، فحُمِلت إلى الكاهن، فقال: "اذهبي غير وَسْخَاء ولا زانية" (٥)؛ لأن الوسخ والدَّنَس لا يضاف إلى مُحَمَّدٍ (٦) ﷺ ؛ لأنَّه الطاهر المطهَّر (٧) من كل دَنَسِ وعَيْبٍ، أَمَا إنه وَقَعَ في "الأخلاق": "أن ثوب رسول الله ﷺ كان كأنه ثَوْبُ زيَّاتٍ" (٨)، وهذا لَفْظٌ لا حرج فيه، ولم يصحَّ، ومعناه - لو صحَّ -: من الغبار والأرض، ولو أن هذا الذي صرَّح في عمامة النبي ﷺ بما صرَّح من اللفظ

стр. 539

المكروه مُعَبِّرًا به عن المعنى الذي قصده، يقول: "إنها كانت دسماء (١) من العرق"، لأعطاه المعنى الذي قَصَدَهُ، ولكنِّي أقولُ: إنه لم يكن للنبي ﷺ عَرَقٌ، ولا على بدنه الكريم شيء ممَّا يكون على أبدان الآدَمِيِّينَ، إنما (٢) كان عَرَقُه وما يَرْشَحُ على بدنه ويرفَضُّ (٣) كالمِسْكِ الأَذْفَرِ. أخبرنا أبو الحسن المبارك بن سعد (٤) البغدادي (٥) في رجب سنة ثلاث وثمانين وأربع مائة بإشبيلية - حرسها الله - قال: أنا الرئيس أبو

стр. 540

عمرو عثمان بن محمد بن عُبَيد الله المَحْمِي في منزله بسِكَّةِ بَرِيد من نيسابور: أنا الشيخ الزَّكِّي أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم الزاهد قال: أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الشَّرْقِي قال: أنا البخاري قال: أنا علي بن عبد الله (١): أنا رَوح قال: أنا شعبة: "وذَكَرَ أن عُتَبة غَزَا مع رسول الله ﷺ غزوة (٢) " (٣). وبه: قال البخاري: نا سعيد بن سليمان (٤) عن عبادة عن حُصَين قال: "حدَّثتني امرأة عُتبة بن فَرْقَدَ قالت: "كنَّا نتطيَّب ونجهد لعتبة بن فرقد أن نبلغه فما نبلغه، فقلنا له في ذلك، فقال: أخذني الشَّرَى (٥) على عهد النبي صلَّى الله عليه (٦) وسلَّم، فتَفَلَ (٧) فيه النبيّ ﷺ ، - وقال أيضًا البخاري من طريق أخرى (٨) نحوه، وفيه: فتَفَلَ (٩) في كفِّه ثم مسح به جِلْدِي -، فكنت من أطيب الناس ريحًا، قال حُصَين: فأخبرتني أمُّ عاصم قالت: كنَّا عنده أربع نسوة؛ فنَجْهَدُ (١٠) في الطِّيبِ فما نُقَارِبُه" (١١).

стр. 541

قال القاضي ﵁ (١): فهذا ممَّا لَمَسَ (٢) بيده الكريمة، وألقى عليه من رِيقِه المُطَهَّرِ المُطَهِّر (٣)، فكيف بذاته كلها؟ وأخبرنا نَصْرُ بن إبراهيم الزاهد (٤) قراءةً علينا بلفظه - لثِقَلِ سَمْعِه - قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن موسى: أنا أبو زيد: أنا أبو عبد الله: أنا البخاري. وأخبرنا أبو عبد الله الطَّبَرِي (٥) بمكة: أنا عبد الغافر: أنا الجُلُودِي

стр. 542

قال: أنا ابنُ سفيان: عن مسلم - واللفظ له -: قال أنس: "كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأنَّ عَرَقَه اللؤلؤ، إذا مشى تكفَّأ، وما مَسِسْتُ ديباجةً ولا حَرِيرَةً أَلْيَنَ من كَفِّ رسول الله ﷺ ، وما شَمِمْتُ مِسْكَةً ولا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ من رائحة رسول الله ﷺ " (١). واتَّفقا عن أنس: "أنه ﷺ دخل فقال عندهم فعرق، فجاءت (٢) أمِّي بقارورة فجعلت تَسْلُتُ العَرَقَ فيها، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: يا أم سُلَيم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك، نجعله في طِيبِنَا، وهو من أَطْيَبِ الطِّيبِ" (٣). وانفرد مسلم عن جابر بن سَمُرَةَ فذكر الحديث، قال (٤): "فمسح على خَدِّي به، فوجدتُ ليَدِهِ طِيبًا (٥) بَرْدًا أو رِيحًا، كأنما أخرجه من جؤنة عطَّار" (٦).

стр. 543

وهذا من خصائصه الكريمة التي شرَّفه الله تعالى بها على الجِبِلَّةِ الآدميَّة، وهي مُعَجَّلَةٌ له من صفات أهل الجنة، فإنهم كما ورد في الصحيح: "لا يبولون ولا يتغوَّطون، وإنَّما هو جُشاء (١) كرِيحِ المِسْكِ" (٢)، وعَرَقٌ مثله، ويأتي بيانُه إن شاء الله تعالى. [الخامس]: الأصفر قد تقدَّم في حديث قَيْلَةَ: "رأيتُ على رسول الله ﷺ أسمالَ مُلَيَّتين، كأنما قد صُبِغَا (٣) بزعفران، وقد نَفَضتا (٤) " (٥). وقد تيمَّن الناس بالصُّفْرَةِ في نجاح بني إسرائيل في حاجتهم بوصف البقرة بها (٦)، وروى قَوْمٌ من المفسرين عن ابن عباس: "أنه من مشى في حاجته (٧) بنَعْلٍ صفراءَ أنجح مسعاه" (٨).

стр. 544

ورُوي عن الحسن البصري: "أن صفراء في البقرة بمعنى سوداء" (١)، لم وقد حقَّقنا القول فيه. وفي الصحيح: أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي ﷺ وعليه أثر صُفْرَةٍ، فسأله رسول الله ﷺ فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: "كم سُقْتَ إليها؟ قال: وَزْنَ نواة، قال: أَوْلِمْ ولو بشاة" (٢). والمُعَبِّرُونَ (٣) يكرهون الصُّفْرَةَ في المنام (٤) لأجل أنها دليل على المرض، وكذلك الحمرة؛ فإن البدن يحمرُّ من الدم، ويصفرُّ باليَرَقَانِ (٥)، ويَسْوَدُّ بالسوداء، ولا أقول بقولهم، وقد بيَّنَّاه في موضعه. [لَوْنُ لباس أهل الأندلس]: وقد يختار الناسُ من الألوان ما يحتمل الامتهان ولا تظهر عليه الأدناس، كالأسود والأغبر (٦)، ولذلك تميَّز به أهلُ الأندلس على تلك

стр. 545

البلاد؛ لكثرة أمطارها وطِينِها، وفَقْرِ أهلها؛ فإن الغني من أهل المغرب بمنزلة الفقير من أهل المشرق؛ في قَدْرِ ذات يده. ولقِلَّةِ ذات أيديهم (١) يميلون إلى الأرخص؛ وهو الأغبر، وأكثرُ أهل الخير (٢) فقراء، فيغلب عليهم هذا اللون الأغبر، فيدخل عليهم فيه الأغنياء تَشَبُّهًا بهم، أو يَسْتَصْبِغُه من يطلب الرُّخْصَ أيضًا، ولا ينبغي أن يقصد بما يلبسه رياءً ولا شُهْرَةً. الصوف (٣): هو لباسُ العرب وأهل الشَّعَرِ والوَبَرِ، وساكني الجبال والبلاد الباردة، وهو كان لباس الأنبياء. ففي كتب التفسير: "أن موسى ﵇ كلَّم ربه في جُبَّةِ صوف" (٤). ومن الثابت في الصحيح عن عائشة: أنها أخرجت لقوم فيهم أبو بُردة كِسَاءً مُلَبَّدًا وإزارًا غليظًا، فقالت: "قُبِضَ رسولُ الله ﷺ في هذين" (٥).

стр. 546

وروى أحمد بن حنبل عن الصحابة: "أنه (١) كان لباسُها مع رسول الله ﷺ الصوف" (٢). وفي الصحيح عن المغيرة بن شعبة - فذكر حديث المسح على الخفين - قال فيه: "وعليه جُبَّةُ من صوف" (٣). وروى أحمد بن حنبل عن ثابت البُناني قال: "جاء رجل إلى عمران بن حُصَين فقال (٤): يا أبا نُجَيد، ألم تر إلى أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِي يلبس الصوف؟ قال: يرحم الله أبا برزة، وأين مِثْلُ أبي برزة؟ قال: فتركه وانطلق (٥) إلى أبي برزة فقال: يا أبا برزة، ألم تر إلى عمران بن حُصَين يلبس الخز؟ قال: فقال: يرحم الله أبا نُجَيد، وأين مثل أبي نجيد؟ " (٦). ومن الأحاديث الغريبة عن النبي ﷺ المنكرة الطريق، قال: "كان على موسى يوم كلَّمه رَبُّه (٧) كِسَاءٌ من صوف، وكُمَّةُ صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار مَيِّتٍ" (٨).

стр. 547

والكُمَّةُ: هي القَلَنْسُوَّةُ الصغيرة. وكان شِعَارُ عيسى ﵇ الصوف، وبقي في رهبانه إلى اليوم. والصوفية هو شعارهم (١)، ولكنهم يترفَّعون فيه حتى يأتي - إِسْرَافًا - أَرَقَّ من القطن والكتَّان، وأكثر ثمنًا، وهي الدنيا؛ كلما رُفِعَتْ وضعها الله. وكان سالم بن عبد الله بلبس الصوف (٢). وقال الحَسَنُ بن أبي الحسن البصري: "إنَّ قومًا جعلوا خشوعهم في لباسهم، وكِبْرَهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف، حتى إن لابس الصوف أشدُّ كِبْرًا من صاحب المِطْرَفِ بمِطْرَفِه (٣) " (٤). وكان الصوفية ظنُّوا أن هذا الاسم من الصُّوفِ، فاستشعروه اعتقادًا، واستسعروه (٥) ملبسًا، حتى قال قائلهم (٦):

стр. 548

تنازع الناسُ في الصوفي (١) واختلفوا … فيه وظنُّوه مُشْتَقًّا من الصوفِ ولستُ أنحل هذا الاسم غير فتًى … صَافَى فصُوفِيَ حتى سُمِّي الصُّوفِ وقال آخر (٢): تصوَّفَ فازدهى بالصوف جَهْلًا … وبعضُ الناس يَلْبَسُه مجانَهْ يُريك تواضعًا (٣) ويُجِنُّ كِبْرًا … وليس الكِبْرُ من شأن المهانَهْ ولم يُرِد الإلهَ به ولكن … أراد به الطريق إلى الخيانَهْ وقال آخر (٤): ليس التصوف لبس الصوف تَرْقَعُه … ولا بكاؤك إن غنَّى المُغنونَ ولا صياحٌ ولا رقصٌ ولا طَرَبٌ … ولا تَغَاشٍ كَأَنْ قد صرْتَ مَجْنُونَا

стр. 549

بل التصوف أن تَصْفُو بلا كَدَرٍ … وتَتْبَعَ الحق والقرآن والدِّينَ وأن تُرى خاشعًا لله مكترثًا … على ذنوبك طول الدهر محزونَا وقال أيضًا (١): لَبِسْتَ الصوف مرقوعًا وقلتَ: … أنا الصوفي، لَسْتَ (٢) كما زَعَمْتَا فما الصوفي إلا مَن تَصَافَى … من الآثام، ويحك لو عَقِلْتَا فأمَّا أن تُغَنَّى ببَيْتِ شِعْرٍ … فتبكي ثم ترقص دَسْتَ بَيْتَا (٣) فهذا فِعْلُ معنوه سخيفٍ … ينال به من الرحمن مَقْتَا [الثَّنَاءُ على الصوفية]: قال القاضي أبو بكر ﵀ (٤) -: ولقد رأيتُ في هذه الطائفة أعيانًا جِلَّةً، يَفْخَرُ بهم على سائر المِلَلِ أَهْلُ هذه المِلَّةِ؛ عِلْمًا وقَصْدًا (٥)، وحُسْنَ سَمْتٍ وتُؤَدَةً، وتَبَتُّلًا لله، وخشيةً وزُهْدًا في الدنيا، وكرامات كثيرة، وإن كان فيهم مثل هذا الوصف المذموم، فإنهم (٦) كسائر الطوائف من أصناف العالمين، فإنَّ فيهم الغَثَّ والسمين، والصالح والطالح، ولذلك كان

стр. 550

الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن - آخر المشيخة منهم - يقول إذا رآهم في المُرَقَّعَاتِ مُتَمَثِّلًا: لا والذي حجَّتْ قُرَيْشٌ بيتَه … مُسْتَقْبِلِينَ الرُّكْنَ من بطحائها ما أَبْصَرَتْ عيني خيامَ قبيلةٍ … إلا ذَكَرْتُ أحبتي بفِنائها أمَّا الخيامُ فإنها كخيامهم … وأرى نساءَ الحي غيرَ نسائها (١) يعني: أن المُرَقَّعَاتِ على الأشخاص كالخيام على النساء، إلَّا أن نساء الحي قد مَضَوا وجاء من ليس مثلهم، كذلك أصحاب المرقَّعات، ذهبوا وجاء من خالف طريقتهم (٢)، وسنُشِيرُ إلى شيء من ذلك في "القسم الثاني" من هذا الكتاب إن شاء الله. الحَرِيرُ: في الصحيح: "أن النبي ﷺ نهى عن لُبْسِه والجلوس عليه" (٣). الخَزُّ (٤): هو ما أَحَدُ نَوْعَيْهِ - السَّدَى أو اللُّحْمَةِ - حَرِيرٌ، والآخَر سِواه.

стр. 551

واختلف العلماء فيه، فمنهم من جوَّزه، ومنهم من كَرِهَه (١). فروى ابن وَهْبٍ وابنُ القاسم عن مالك كراهيته (٢). وقد روى مالك عن عائشة ﵂: "أنها كَستْ عبد الله بن الزبير مِطْرَفَ (٣) خَزٍّ (٤) كانت تلبسُه" (٥). وقد (٦) كان من العشرة - وفقهاءُ الصحابة فوق العشرة - من يلبسه (٧). وقال الشافعي (٨): "يجوز لباسُ الخز باطنًا غير ظاهر" (٩). وقد أنكر (١٠) ابنُ عبَّاس على سَعْدٍ لباسَه مِطْرَفَ خَزٍّ شَطْرُه حَرِيرٌ، فقال له سعد: "إنَّما يَلِي جِسْمِي منه الخَزُّ" (١١).

стр. 552

وقال أبو حنيفة (١): "إن كان سَداه حَرِيرًا ولُحْمَتُه غيرَه جاز لُبْسُه، وإن عُكِسَ لم يَجُزْ" (٢). والصحيح جوازُه؛ لأن الحرير قد ثبت مَنْعُه مع الذهب، وبقي غيره (٣) على الإباحة، لا سيما مع فِعْلِ الأعيان من الصحابة. وقد اختلف العلماءُ في الحرير على خمسة أقوال؛ بينَّاها في كتاب (٤) "أحكام القرآن" (٥) وغيره. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه لَبِسَ جُبَّة من ديباج منسوج فيها الذهب؛ "فلبسها رسول الله ﷺ ، فصعد على المنبر فقام أو قعد، فجعل الناس يلمسونها (٦)، فقالوا: ما رأينا كاليوم ثوبًا قطُّ، فقال: أتعجبون من هذه؟ لمناديل سعد في الجنة خير ممَّا ترون" (٧). وقد بيَّنَّا في ذلك الموضع وغيره أن الصحيح عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا تحريمُه.

стр. 553

الفَرْوُ (١): صَحَّ عن سلمان (٢): "أن النبي ﷺ سئل عن السَّمْنِ والجُبْنِ والفِرَاءَ؛ فقال: الحلال ما أَحَلَّ الله في كتابه، والحرام ما حَرَّمَ الله في كتابه، وما سكت فهو ممَّا عفا عنه" (٣). والصحيح وَقْفُه على سلمان (٤). الجُبَّةُ: صحَّ "أن النبي ﷺ لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً ضيِّقة الكُمَّيْنِ" (٥)، وفي الصحيح: "شاميَّه ضيقة الكُمَّيْنِ" (٦). وروى مسلم عن أسماء: "أنها أخرجت جُبَّةَ رسول الله ﷺ مكفوفة الكمَّين والجَيْبِ والفَرْجِ (٧) بالدِّيباج".

стр. 554

وفي صحيح مسلم عنها: أنها قالت: "هذه جبة رسول الله ﷺ ، فأخرجت إليَّ جُبَّةً طَيَالِسَة كِسْرَوانية، لها لِبْنَةُ دِيباج، وفَرْجَاها مكفوفان بالديباج". وفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: "هذه جبة رسول الله ﷺ ، فأخرجت جُبَّةَ (١) كانت عند عائشة حتى قُبِضت، فلمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وكان (٢) ﷺ يلبسها، فنحن نلبسها للمرضى يُسْتَشْفَى بها" (٣). الكُمُّ: صحَّ "أن كُمَّ النبي ﷺ كان إلى الرُّسْغ" (٤)، و"أن كِمام أصحاب رسول الله ﷺ كانت بُطْحًا (٥) " (٦)، ويحتمل أن يكون جَيْبُ اليد من الثوب (٧)، ويحتمل أن يكون القلنسوة.

стр. 555

وروى أحمد بن حنبل (١): "أن عُتبة بن فَرْقَد جاء إلى عمر وعليه قَمِيصٌ طويل الكُمِّ، فدعا بشفرة (٢) فقطعه (٣) من أطراف أصابعه، فقال له عتبة (٤): يا أمير المؤمنين، إنِّي أستحي أن تقطع كُمِّي، أنا أقطعه، فتركه" (٥). واشترى عليٌّ قميصًا، ثم قطع من كُمَّيْه ما فَضَلَ عن يده (٦). الخُفُّ: ثبت أن النبي ﷺ لَبِسَ الخُفَّيْنِ في الصحيح (٧). وأمَّا النعل فأشهر من أن تُذكر؛ وفي الصحيح عن أنس: "أنه أخرج نعلين جَرْدَاوَيْنِ لهما قِبَالان، وذكر أنهما نَعْلَا رسول الله ﷺ " (٨). ورَوى "أنَّ دِحْيَةَ أهدى إلى النبي ﷺ خُفَّيْنِ وجُبَّةً، فلبسهما حتى تَخَرَّقَا" (٩)، وهو حديث حسن.

стр. 556

المِرْطُ: في الصحيح: أن عائشة قالت: "خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مِرْطٌ مُرَجَّلٌ من شَعَرٍ أسود" (١). والمُرَجَّلُ: المُوَشَّى، يعني: الذي فيه طَرْقٌ. الحِبَرَةُ: قال أنس - في الصحيح -: "كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ الحِبَرَةُ" (٢). وفيه (٣): "أنه لمَّا تُوُفِّىَ سُجِّيَ ببُرْد حِبَرَةٍ" (٤). لباسُ المرأة: الأصلُ فيه: قَمِيصٌ وخِمَارٌ ومِرْطٌ، وفد يُزاد عليه، ولكل بلد وزمان سِيرَةٌ في اللباس لهن، ولكن المُراعى والمحافظ عليه السَّتْرُ، وفي الأثر

стр. 557

الحسَن: "لا يقبل الله صلاة حائض إلَّا بخمار" (١)، وقد أُمِرَتْ في إرخاء ذَيْلِها شِبْرًا، وأُذِنَ لها في ذراع (٢). وفي الحديث (٣) الصحيح: "نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلات مُمِيلَاتٌ، لا يدخلن الجنة ولا يَجِدْنَ (٤) رِيحَها" (٥). ومعنى قوله: "كاسيات عاريات"، أي: عليهن ثياب رِقَاقٌ، هي كسوة من حيث الاسمُ، وهي عارية من حيث الاطلاعُ على بدنها، ألا ترى أنه شُرعَ تحسين الكفن، وقال العلماء: "هو صفاقته، لا عُلُوُّه في القيمة". وتختص المرأة بالحرير والذهب، تلبسه وتَسْتَفْرِشُه، ولا خلاف فيه.

стр. 558

[مَسْأَلَةٌ في جواز جلوس الرجل على حرير زوجه]: وهاهنا مسألة حسنة (١)، وهي: أن المرأة لها لباسها وفراشها من الحرير والذهب، فإذا جاءها زوجها جالسها عليه، وضاجعها فيه، وإن دعاها إلى فراشه جاءت إلى إزاره وكسائه، ولا يلزمه إذا أراد الإتيان إليها أن تخرج له عن بيتها إلى بَيْتٍ فِرَاشُه الصُّوفُ، كما لا يلزمها أن تتجرَّد له إلى مُدَرَّعَةِ صوف، ولا خلاف بين الأُمَّةِ أنه يخالطها وعليها ثَوْبُ الذهب، فيكون ثوبها (٢) لهما لِفَاعًا واحدًا. وفي الحديث الصحيح عن جابر قال: "قال لي النبي (٣) ﷺ لمَّا تزوجت: اتخذتَ أنماطًا؟ قلت: وأنَّى لنا أنماط؟ قال: أما إنها ستكون، قال: فأنا أقول لامرأتي: أخِّرِي عني أنماطك فتقول: ألم يقل النبي ﷺ : أما إنها ستكون لكم أنماط؟ قال: فأدعها" (٤)، صَحِيحٌ صَحِيحٌ. وقد كان أبو هريرة من وَرَعِه يقول لابنته: "يا بُنَيَّة، لا تلبسي الذهب، إنِّي أخشى عليك اللهب، ولا تلبسي الحرير (٥)، إني أخشى عليك الحريق" (٦)، وقد بينَّا (٧) ذلك في "شرح الحديث" (٨).

стр. 559

وقيل لعائشة: "غسَّلنا امرأة مسنة ليس عليها قرط ولا خَوْقٌ (١) ولا خاتم، قالت: فهل على يديها ورجليها من حِنَّاء؟ قالت: لا، قالت: ما أحب غسلها" (٢). وروى محمد بن أحمد بن حمَّاد (٣): نا أحمد بن عبد الجبَّار: نا أحمد (٤) بن فُضَيل عن الأعمش عن حَبِيب عن كُرَيْب عن ابن عبَّاس قال: "بعثني أَبِي إلى النبي ﷺ في إبل أعطاها إيَّاه من الصدقة، فلمَّا أتاه، وكانت ميمونة خالته، قال: فأتى النبيُّ المسجد فصلَّى العشاء، ثم جاء فطرح ثوبه، فدخل مع امرأته في ثيابها (٥)، قال: وأخذت ثوبي فجعلت أطويه تحتي، ثم اضطجعت، وقلت: لا أنام الليلة حتى أنظر ما يصنع رسول الله ﷺ ، قال: فنام حتى نفخ، وذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب، ثم قام فخرج فبال، ثم أتى سقاء مُوكَاً، فحلَّ وِكَاءَه وصَبَّ على يديه من الماء" (٦)، وذكر الحديث.

стр. 560

فانظر إلى قوله: "فدخل مع امرأته في ثيابها" (١)، فهو فِقْهُ الحديث الذي قصدنا منه؛ من (٢) أن الزوج يأتي المرأة فيدخل في ثيابها (٣)، والحريرُ والذهبُ من ثيابها.

стр. 561

[الهَيْئَةُ] في الأثر الحسن: أن النبي ﷺ قال: "البَذَاذَةُ من الإيمان" (١). وهي: التواضع في الملبس (٢). وقد (٣) قال قَوْمٌ: "هي تَرْك مداومة الزينة". وفي الحديث الحسن الصحيح (٤): عن عائشة ﵂ قالت: "طيَّبت النبي ﷺ بيدى (٥) لحِرْمِه وحِلِّه" (٦). وفيه - أيضًا - عنها أنها قالت: "كنت أُطَيِّبُ النبي ﷺ بأطيب ما نجد، حتى نجد وَبِيصَ (٧) الطِّيبِ في لحيته ورأسه" (٨).

стр. 562

وفي (١) المشهور: أنه ﷺ قال: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث (٢)؛ الطِّيبُ والنساء، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة" (٣). وفي الحديث (٤): "أنه كان لا يَرُدُّ الطِّيبَ" (٥). وفي الصحيح: "أنه كان يُرَجِّلُ (٦) ويأمر به" (٧). فلم يصحَّ هذا التفسير في البذاذة، وإنما (٨) البذاذة ما روى أحمد بن حنبل (٩) عن أبي ذر: "قال لي رسول الله ﷺ : انظر إلى أرفع رجل في المسجد، فنظرتُ فإذا رجل عليه حُلَّةٌ، قلتُ: هذا، قال: انظر أَوْضَعَ رجل في المسجد، فنظرت فإذا رجل عليه أخلاق، قلت: هذا، قال (١٠) رسول الله ﷺ : لَهذا خَيْرٌ (١١) عند الله يوم القيامة من مِلْءَ الأرض مثل هذا" (١٢).

стр. 563

كان أحدُهما منافقًا، فبيَّن النبي ﷺ حاله، وأوضح أن البِزَّةَ لا تقتضي العِزَّةَ. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (١). قال القاضي أبو بكر (٢) ﵁: وقد بيَّن النبي ﷺ الهيئة في الحديث الصحيح بقوله: "عَشْرٌ من الفطرة" (٣)، وهي هاهنا عبارة عن أصل الخِلقة، فإن الإنسان يُخْلَقُ سليمًا من عشرة أقذار، ثم تطرأ (٤) عليه، فأُمِرَ بالتنظف منها (٥). وفي الأثر: "إن الله طَيِّبٌ بحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم" (٦). وهو وإن لم يصحَّ سندُه فإن معناهـ صحيح، وإنَّما المكروه من ذلك نِسْبَتُه إلى النبي ﷺ .

стр. 564

الخصلة الأولى: قَصُّ الشارب (١) وهو عارضٌ عليه؛ يمنع الأكل، ويُذهب الفصاحة، ويستر الحاسة الشريفة (٢)، ويجتمع فيه الوسخ. الخصلة الثانية: تَرْكُ اللحية على هيئتها (٣) إلَّا أن تزيد فيأخذ من طولها. روى أبو داود عن ابن عمر: "أنه كان يقبض على لحيته ويقطع ما زاد" (٤). ورُوي عن قتادة: أنه قال: "حفظتُ ما لم يحفظ أحد، ونسيتُ ما لم ينس أحد، فأمَّا حِفْظِي فما (٥) دخل قطُّ شيء أُذُني فخرج منها، وأمَّا نِسْيَاني فإن فلانًا حدَّثني عن ابن عمر: أنه كان يقبض بكفه على لحيته، ويقطع ما فاض منها، فقبضتُ عليها وقطعتُ من الأعلى" (٦). وقد ذَكَرَ الناسُ فيها عشر خصال:

стр. 565

تسويدها، تبييضها، قصها، الزيادة فيها، تضفيرها أو تحميرها تَشَبُّهًا بالصالحين، نَتْفُ شِيبها، تسريحها تَرَفُّهًا، تشعيثها (١) تَصَنُّعًا، العُجْبُ بها سوداء، التُّكَبُّرُ بها بيضاء. الخصلة الثالثة: السِّوَاكُ (٢) ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لولا أن أشق على أُمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٣)، وأنَّه "كان إذا قام من الليل يَشُوصُ فاه بالسواك" (٤). وقد روى عِكْرِمَةُ عن ابن عباس في السواك عَشْرَ خصال: "مَطْهَرَةٌ للفم، مرضاة للرب، مسخطة للشيطان، مَفْرَحَةٌ للملائكة، يُذهب الحَفْرَ، ويجلو البصر، ويُجِيد اللثة، ويقطع البَلْغَمَ، ويُطيِّب الفم، وهو من السنة" (٥). وزاد فيه شيخنا أبو بكر الفِهْرِي: "مَثراة للمال، مَنماة للعدد، يزيد في الحسنات (٦) " (٧).
следующие страницы →