← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الثالث: أو يُلْعِقُها (١)؛ الرابع: يمسحها بالمنديل، وقد روى مالك: (أن عمر كان يمسحها برجليه) (٢)، ورواه غيره؛ الخامس: أن يستعمل الأُشنان، ولست أدري من أين قاله أصحابنا (٣)؟ إلَّا على تَأْوِيلٍ ذكرناه في (شرح الحديث) (٤)، وقد كان من مضى لا يستعمله؛ السَّادس: يتمضمض، وهي سنة قائمة؛ السَّابع: يُبالغ في المضمضة؛ الثامن: أن يدلك أسنانه بأصابعه فيها؛ التاسع: أن يَتَخَلَّلَ؛ العاشر: بغسل يديه (٥)، وفيه خلاف قد تقدَّم؛ الحادي عشر: يحمد الله تعالى؛ الثاني عشر: يجهر به؛ الثالث عشر: ذكر بعضهم أنه يُعْقِبُه بالصلاة على النبي ﷺ ، ولست أراه، وقد سئل مالك: هل يُسَمِّي الله إذا توضأ؟ فقال: لا، أيريد أن يذبح؟

стр. 597

الفصل الخامس: في آداب طعام الجماعة قال علماؤنا - رحمة الله عليهم (١) -: لا يخلو أن يَنْهَدُوا (٢)؛ وهو أن يجعل كل واحد منهم شيئًا شيئًا، فيبتاعوا به ما يأكلونه (٣)، أو يكون الطعام لواحد منهم ويشتركون فيه بدعاء صاحبه إليه (٤)، فعليهم في ذلك آدابٌ ووظائفُ: الأوَّل: أن يُقَدِّمَ الخَبَر (٥) عندهم قبل ذلك بيوم؛ الثاني: أن يفتح بابَه؛ الثالث: أن يُقَدِّمَ إليهم نُزُلًا (٦) يسيرًا حتى يأتي بما جمع؛ الرابع: أن يُقَدِّمَ الخبز قبل الإدام؛ الخامس: ألَّا يُقَدِّمَ ما يكرهه؛ السَّادس: أن يُقَدِّمَ طعامه جملة؛ حتى يقف جميعُهم على جميعِه؛ السَّابع: إن لم يقدمه كلَّه أعلمهم به؛

стр. 598

الثامن: لا ينوى رجوع ما قدَّمه (١)؛ التاسع: لا يصف طعامًا إلَّا أن يكون عنده؛ العاشر: لا يتكلَّف لهم؛ الحادي عشر: لا يدَّخر شيئًا عنهم (٢)؛ الثاني عشر: إن تقدَّمت الدعوة جاز التكلف على قدرهم؛ الثالث عشر: ألَّا يُقَدِّمَهُمْ على عياله؛ الرابع عشر: لا يُطعمهم إلَّا ما يأكل؛ الخامس عشر: لا يُنتظر غير الخبز إذا حضر، ويُبادر بأكله؛ السَّادس عشر: إذا كان صائمًا دَعَا؛ السَّابع عشر: أن يقول في دعائه: (أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصَلَّتْ عليكم الملائكة) (٣)؛ الثامن عشر: إذا تقدَّم عنده الخبرُ (٤) كان الفطر (٥) أفضل له (٦) من الصوم؛

стр. 599

التاشع عشر: يجمعُ (١) على مائدته بين فقير وغني (٢)؛ المُوَفِّي عشرين: يُحَدِّثُ صاحبُ المنزل القومَ، فإنه جانبٌ من القِرَى؛ الحادي والعشرون (٣): يخدمهم بنفسه؛ الثاني والعشرون: يُخْدِمُهم أهلَه، وإن كانت عَرُوسًا، وفي ذلك كلام طويل؛ الثالث والعشرون: وإن لم يتَّفق له ذلك لعُذْرٍ قَدَّمَ من يفعله؛ الرابع والعشرون: يبدأ بالأكل؛ الخامس والعشرون: إن دُعِي أجاب، قال مالك: (إلَّا أن يكون من أهل الفضل)، وفيه كلام ونظر؛ السَّادس والعشرون: لا يُحْوِجهم (٤) إلى قوله: كُلْ (٥)؛ السَّابع والعشرون: لا يُكَرِّر على جلسائه: كُلْ (٦)، فإنه إِخْجَالٌ (٧)؛ الثامن والعشرون: لا يستحقر ما دُعِي إليه، وإن كان كُرَاعًا؛

стр. 600

التاسع والعشرون: إذا حضروا قدَّم ما عنده مُعَجَّلًا، ولم يُبْطِئْ به ليستكثر؛ المُوَفِّي ثلاثين: لا يتخيَّر المدعو على الداعي، إنما يأكل ما حضر؛ الحادي والثلاثون (١): لا يَجْعَل على مائدته قائمًا (٢)؛ الثاني والثلاثون: يأكل ما يشتهي، فإن تركه إيثارًا جاز، الثالث والثلاثون: لا يدخل موضعًا فيه صورة؛ الرابع والثلاثون: لا يحضر مائدة فيها خَمْرٌ؛ الخامس والثلاثون: إن خُيِّرَ فلا يَتَشَطَّطُ؛ السَّادس والثلاثون: لا يقرن بين لُقْمَتَيْنِ ولا تمرتين إلَّا بإذن الأصحاب؛ السَّابع والثلاثون: إن كان الطعام نِهْدًا (٣) فلا يتعمد (٤) الزيادة، وإن كان طَعَامَ وَاحِدٍ هو دعاهم فهو أخف (٥)؛

стр. 601

الثامن والثلاثون: ألا يعطي لأحد منه (١) شيئًا إلا بإذن صاحب المنزل؛ التاسع والثلاثون: إذا كان الوقت الذي وعدهم فلا ينتظر من غاب؛ المُوَفِّي أربعين: إذا طَعِمَ انتشر وخرج، ولا يلبث؛ الحادي والأربعون: يجتمعون على الطَّسْتِ، فهو آدَبُ؛ الثاني والأربعون: لا يبزق في الطَّسْتِ؛ الثالث والأربعون: يُدار به يمْنَةً؛ الرابع والأربعون: بعد أن يتقدم الأفضل، وحينئذ يكون يمنة؛ الخامس والأربعون: يغسل صاحب المنزل آخرَهم إن كان أكل معهم الطعام (٢)؛ السَّادس والأربعون: لا بأس أن يعزل نصيبًا لنفسه أو لغائب إن كان يثق بصاحب الطعام؛ السَّابع والأربعون: لا يتحدث بعد تمام الطعام؛ الثامن والأربعون: لا يُعَدِّدُ تقصيرًا إن رآه (٣)؛ التاسع والأربعون (٤): لا يطأ حريرًا (٥).

стр. 602

فهذه جملة الآداب (١) مختصرة، وعلى كل أَدَبٍ منها خبر مأثور، وأثر مذكور، وحُجَّةٌ بيِّنة (٢)، جماعُها مائةُ أَدَبٍ وأربعةٌ وسبعون أدبًا (٣). * * *

стр. 603

النَّعِيمُ وهو عبارة في اللغة عن الزيادة، وعليه يدل بناءُ (١) (ن ع م) كيفما تردَّد. أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بُندار (٢) البغدادي بها: أنا أبو بكر البَرقاني الحافظ، قال: قرأتُ على أبي العباس بن حمدان (٣): حدَّثكم الحسن (٤) بن علي السَّرِي (٥)، وذَكَرَ أسانيده (٦)، قال كلهم: حدَّثنا سعيد بن منصور: نا فُلَيح بن سليمان (٧) عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله: (أن رسول الله ﷺ دخل حائط رجل من الأنصار ومعه رجل من أصحابه، وهو يُحَوِّلُ الماء في حائطه، فقال: إن كان عندك ماء بائت في شَنٍّ وإلَّا

стр. 604

كَرَعْنَا؟ قال: بل عندي ماء بَاتَ في شَنٍّ، فانطلق إلى العريش فسكب منه في قَدَح، وحلب عليه داجنًا - يعني: شاة -، فسقى رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى العريش ففعل مثل ذلك فسقى صاحبه) (١). والماء في الأصل يكفي؛ فاستعذابه وتبريده، ومَزْجُه باللَّبَنِ وخلطه بالزبيب، كلُّه نعيم، وقد تقدَّم في حديث أبي الهيثم بن التَّيَّهَانِ قوله: (لتُسألنَّ عن نعيم هذا اليوم) (٢). وروى أحمد بن حنبل عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث لا يحاسب بها العبد؛ ظِلُّ حِفْشٍ (٣) يستظل به، وكِسْرَةٌ يشدُّ بها قلبه، وثوب يُوَارِي به عورته) (٤). والأصل في ذلك كله (٥) بديع عجيب؛ وهو إن كان (٦) ما لا بد للعبد منه فلا يُحاسَبُ على ذاته، وما كان له منه (٧) بُدٌّ وعنه به غِنًى فهو الذي يُحاسب عليه، والدليل على صحة ذلك أن الذي لا بُدَّ له (٨) منه تناوُله

стр. 605

فرضٌ عليه، وما فرض الله على العبد لا يحاسبه (١) عليه (٢)، وإنَّما يُجازيه به، أَمَا إنه يحاسب على جهة كسبه وطريق تملكه خاصَّةً، وهذا من الكلام النفيس فتمسَّكوا به. تَتْمِيمٌ: [في دُخُولِ الحمَّام وشروطه] ومن النعيم المشروع الإرفاهُ، وذلك بتنظيف البدن من الأقذار زائدًا على الطهارة، ومن (٣) الأنجاس بالادِّهان والحمَّام، وقد بيَّنَّا في (شرح الحديث) حالَ الحمَّام واختلاف الناس فيه، ولا بأس بدخوله مُفْرَدًا، إلَّا أن يكون الرجل مع أهله الذين يجوز له (٤) النظر إليهم ويجوز (٥) لهم النظر إليه، وإن دخله مع الناس تستَّر بصَفِيقٍ من الأُزُرِ، وغضَّ بصره وصَرَفَهُ عن مظانِّ الاهتتاك والانهتاك (٦)، ولكنه يُكره التمادى على ذلك دائمًا حتى يصير الرجل بضًّا نَيِّرًا دَهِنًا مُزْهِرًا، ويُسْتَحَبُّ له أن يكون عليه أثرُ الخمول والذبول والشَّعَثِ. ولمَّا كانت هذه منزلةً عُلْيَا، وكانت الأولى منزلةً سُفْلَى، وكانت أقرب إلى الدنيا؛ سَمَحَ الشَّرْعُ للخلق فيها فِعْلًا، ونَدَبَ إلى الأخرى

стр. 606

فَضْلًا (١)، ولا يتفق أن يكون الخلقُ كلهم على المنزلة العليا؛ لأن ذلك فساد الدنيا، ولا يُدرك الآخرة إلا أبناؤها الذين عزفوا عن الدنيا، ولم يطمئنوا إليها، وأنزلوها منزلة القنطرة، تُعبر ولا تُعمَر، والطريق يُمَرُّ عليها ولا تُسْكَنُ، والله يُوَفِّقُ لطاعته برحمته. فإن قيل: فالحمَّام دارٌ يغلب فيها المنكر، فدخولها أقرب (٢) إلى أن يكون حرامًا منه إلى أن يكون مكروهًا، فكيف أن يكون جائزًا (٣)؟ قلنا: الحمَّامُ مَوْضِعُ تَدَاوٍ وتَطَهُّرٍ، فصار بمنزلة النهر؛ فإن المنكر قد غلب فيه بكشف العورات وتظاهر المنكرات، فإذا احتاج إليه المرء دخله ودفع المنكر عن بصره وسمعه ما أمكنه، فالمنكر اليوم في المساجد والبلدان، فالحمَّام كالبلد عمومًا، وكالنهر خصوصًا. * * *

стр. 607

النِّكَاحُ إن الله تعالى لو شاء خَلَقَ الأمةَ كلها دَفْعَةً واحدة، وعمَّهم بالرزق جملة، ولكنه سبحانه ببديع حِكْمَتِه ونافذ مشيئته وواسع عِلْمِه وشمول رحمته خلقهم أطوارًا، وأوجدهم قرونًا، وأنشأهم من نفس واحدة إنشاءً؛ على ترتيب عجيب، وتدريج في تدريب، وخَلَقَ في نوعيهم - الذكر والأنثى - الميْل والهوى، ولم يتركهم سُدًى في اقتضائها (١) فيكونوا أمثال الأنعام، فشرع لهم النكاح، ووعد فيه بالتوفيق والإصلاح، وأزال الكُلفة عند تعذر ذلك، ورفع الخَبال، وقد تباينت فيه المِلل، فختم الله بمُحَمَّدٍ فَاتِحَتَها، وألحق به سابقتها، وندب رسول الله ﷺ إليها كثيرًا، حتى بالغ قَوْمٌ فقالوا: (إنه فَرْضٌ على كل محتلم إذا قَدَرَ عليه) (٢)، والصحيحُ أنه مندوب إليه. قال النبي ﷺ : (يا معشر الشباب، عليكم بالباءة؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاءٌ) (٣).

стр. 608

وفيه أيضا: (أنه ﷺ رَدَّ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أَذِنَ له لاختصيْنا) (١). فأمَّا اليوم فإنما يقع النظر فيه بين ترجيح فِعْلِه أو تركه (٢)، على تَرْكِه أو فِعْلِه، بسبب تكلف الزوج النفقة عليها وعلى الأولاد إن حَدَثُوا، وقد ضاق نطاق الحلال، وغلب في المكاسب الاختلال. فإنْ قَدَرَ المرءُ على البقاء عفيفًا دون نكاح فالنظرُ في قُوتِ شخص واحد أخفُّ مؤونة من النظر في قوت العيال والبنين. وإن لم يَكُنْ (٣) أَقْدَمَ على النكاح واجتهد في طلب الحلال ما استطاع، والله يهبه الخلاص برحمته. والحكمةُ فيه نفوذ القضاء به، واستبقاءُ (٤) الوجود للخلق المقدور (٥) وُجودهم، وتكثير أمة مُحَمَّدٍ ﷺ . والناسُ يَرْوُونَ عنه ﷺ أنه قال: (تناكحوا تناسلوا؛ فإني مُكَاثِرٌ بكم الأمم يوم القيامة) (٦)، ولم يصح.

стр. 609

أمَا إنَّ الذي ثبت في الصحيح - واللفظ للبخاري -: عن أنس بن مالك قال: (جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر (١)، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتِي فليس مني) (٢)، فأوضح ﷺ الشريعة، وبيَّن السنة والطريقة. وفيه: عن سعيد بن جبير قال: (قال لي ابن عباس: تزوجتَ؟ قلت: لا، قال: فتزوج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء) (٣). وقال سعد بن أبي وقاص: (رَدَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أَذِنَ له لاختصيْنا) (٤). وقال فيه: عن عبد الله بن مسعود: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخَّص لنا أن تُنكح

стр. 610

المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: (٨٧)] (١). [قَوْلُ الشَّافِعِي: إن التخلي للعبادة أفضل من النكاح]: قال القاضي أبو بكر (٢) ﵁: لقد عَجِبْتُ من الشافعي مع فِقْهِهِ وبَدِيعِ فَهْمِه يقول (٣): إن التخلي للعبادة أفضل، إلَّا ألَّا يقدر على الصبر عن (٤) النساء، لقول الله تعالى في قصة يحيى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: (٣٩)]، وهو الذي لا يأتي النساء مع القدرة على إتيانهن، فمدح الله به، ولو كان النكاح أفضل ما مدح الله به. وأيضًا: فإن عَقْدَ النكاح عقد معاملة، فالاشتغال به دون الاشتغال بالعبادة كالبيع، وهذا تَفَقُّهٌ (٥)، وذلك أن المعاملات شُرِعَتْ للعباد، والعبادة شُرِعَتْ للمَوْلَى، ونصيبُ المولى أشرف من نصيب العباد. يزيده تحقيقًا: أن النكاح شُرع لقضاء الشهوة التي تتعلَّق بهوى النفس وحظ البدن، فالعبادةُ التي شُرعت لطاعة الله بقَصْدِ القلب أفضل منه، كما

стр. 611

كان الصيام (١) أفضل من الأكل، إلَّا أن يخشى (٢) العَنَتَ (٣) على نفسه فيكون النكاح له أفضل، فرارًا عن الزنى، فإن تَرْكَ الزنى فريضة، ألا ترى أنه إذا اضطُرَّ إلى الأكل افتُرِضَ عليه، وإذا أراد الصوم في مرضه كان الفطرُ له أولى. انفصال: [في نقد قول الشافعي] وهذا كله لا يُحتاج إليه (٤)، ولا يصحُّ الاحتجاج به مع ما قدَّمنا من الآثار الصِّحاح. وقد قال النبي ﷺ : (من رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مني) (٥)، فجعل النكاح سُنَّةً مطلقة، وعبادةً مُبْتَدَأَةً، ولم يجعله معاملة، ولا أخرجه مخرج الأكل بالعادة والجِبِلُّةِ، وهذا ما لا جواب له عنه، لا سيما وقد ردَّ رسولُ الله ﷺ على أصحابه التخلي للعبادة، وهذا نصٌّ آخَرُ لا كلام فيه له، وردُّه التبتل نَصٌّ ثالثٌ. وأمَّا تَعَلُّقُه بقصة يحيى ﵇؛ فذلك شَرْعُ من قبلنا لا شرعنا، وهو لا يرى شَرْعَ من قبله شرعًا له، فكيف يحتج علينا بما لا يراه؟

стр. 612

ونحن نعتقد أن شَرْعَ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِدْ من شرعنا ما يردُّه، وقد رَدَّه النبي ﷺ كما قدَّمناه (١) وبيَّنَّاه (٢). وأمَّا قوله: (إنها معاملة)، فهو نَظَرٌ إلى ظاهره وصُورَتِه في العَقْدِيَّةِ واقتضاء الشهوية (٣)، وليس له أن ينظر إلى الصُّوَرِ ويترك المعاني؛ فإنه ليس من أصله ذلك، ولو كان التخلي للعبادة خيرًا من النكاح نظرًا إلى صورته ما قَطَعَ النبي ﵇ حُكْمَ الصورة بالسُّنَّةِ، ولا خَلَقَه الله مُقْبِلًا عليه، راغبًا فيه، قادرًا على اقتضاء الشهوة منه. فإن الله تعالى لم يَعْجِنْ طِينَتَهُ في أصل الوَضْعِ إلَّا على أكرم السَّجَايَا وأَجَلِّ الصفات وأطهر الأخلاق، كما جعل مِلَّتَه خيرَ المِلَلِ، وسُنَّتَه أفضل السنن، وهو خير الرسل، وليس في مدح حال يحيى ﵇ ما يدلُّ على أنه أفضل من النكاح، فإن مَدْحَ الصفة في ذاتها لا يقتضي ذمَّ غيرها، وهذا لفِقْهٌ صحيح. وذلك أن النكاح لم يفضل التخلي للعبادة بصُورته، وإنما تميَّز عنه بمعناه في تحصيل الناس، وبقاء الولد الصالح، وتحقيق السُّنَّةِ (٤) في النَّسَبِ والصهر، فقضاءُ الشهوة في النكاح ليس مقصودًا في ذاته، وإنَّما أكَّد النكاح بالأمر قولًا، وأكَّده بخلق الشهوة خِلْقَةً، حتى يكون ذلك أدعى للوفاء

стр. 613

بمصالحه، وللتيسير (١) بمقاصده، وهذا أَمْرٌ غاب عن الشافعي، وتفطَّن له مَالِكٌ وغيرُه من العلماء (٢)، والله أعلم. تَوْكِيدٌ: ومن الثابت برهانُه على فَضْلِ النكاح أنه يجوز مع الإعسار (٣)، ولا ينتظر به حالة الثروة، بل هو سببها إن كانَا فقيرين، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: (٣٢)]، فندب إلى النكاح ووعد به الغنى والإصلاح، وقولُه صِدْقٌ، ووعدُه حَقٌّ (٤). وفي الصحيح: (جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت أهبُ لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ ؛ فصَعَّدَ النظر فيها وصَوَّبَه، ثم طأطأ رأسه (٥) ﷺ (٦)، فلمَّا رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله زَوِّجْنِيهَا إن لم تكن لك بها حاجة، فقال: وهل عندك من شيء تُصْدِقُها به؟ فقال: لا، والله يا رسول الله، فقال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا؟ فذهب ثم رجع، فقال: لا، والله يا رسول الله، ما وجدتُ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : انظر

стр. 614

ولو خاتمًا من حديد، فذهب ثم رجع، فقال: لا، والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نِصْفُه، فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك! إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك شيء، فجلس حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول الله ﷺ مُوَلِّيًا، فأمر به فدُعِيَ، فلمَّا جاء قال: ما معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وكذا، عَدَّدَها، فقال (١): تقرؤهن - عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن) (٢). وهذا نَصٌّ في نكاح من لا يقدر على فِطْرِ تلك الليلة التي يَبْنِي بها فيها. وقد يؤلف الله بينهما في أَبْرَكِ وَقْتٍ، وقد يجمع بينهما في وقت لا بركة فيه، والأمر مُغَيَّبٌ، فلهذه (٣) الدقيقة شرع الله الطلاق؛ فيخرج به عن قَيْدِ النكاح إذا لم يستقم لهما أن يُقِيما فيه حدودَ الله. [الوَصَاةُ بالنساء]: وعلى الرجل بفَضْلِ قَوَّامِيَّتِه التي جعل الله له أن يداريها، وذلك باحتمال أذاها، والصبر على أخلاقها، والإغضاء عمَّا يراه من تفريطها. قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خُلِقن من ضِلَعٍ، وإن أعوج

стр. 615

شيء في الضِّلَعِ أعلاه، فإن ذهبت تُقِيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجَ، فاستوصوا بالنساء خيرًا) (١). وفي الصحيح: أن ابن عمر كان يقول: (كنَّا نَتَّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي ﵇ هَيْبَةً أن يَنْزِلَ فينا شيء، فلمَّا تُوُفِّيَ النبي ﷺ تكَّلمنا وانبسطنا) (٢). خاتمة (٣): ويجوز له (٤) النكاح رَغْبَةً في مال الزوجة لتعود عليه بفضلها، ففي الصحيح: (تُنْكَحُ المرأة لجمالها ومالها ودينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك) (٥) (٦). مقاصد النكاح عشرة: الأوَّل منها: ينبعي للمرء أن يتخيَّر في الأزواج، كما ندب إليه النبي ﷺ في هذا الحديث، ومن المأثور في ألسنة الناس (٧): (تَخَيَّرُوا

стр. 616

لنُطَفِكم) (١)، ولم يصحَّ، لكن قال رسول الله ﷺ : (خَيْرُ نساءٍ ركبن الإبل صالحُ نساء قريش؛ أحناه على وَلَدٍ في صغره (٢)، وأرعاه على زوج في ذات يده) (٣). الثاني: أن يفعل ما قال النبي ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجورهم مرَّتين، فذكر رجلًا كانت عنده وليدة فعلَّمها فأحسن تعليمها، وأدَّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران، ورَجُلٌ آمَنَ بنبيِّه وآمَنَ بي، وعَبْدٌ أدَّى حق الله وحقَّ مَوَالِيه) (٤). الثالث: أن يطلب البِكْرَ إذا قَدَرَ عليها، لقول النبي ﷺ لجابر: (وقال له (٥): تزوجت، فقال له: أبِكْرًا أم ثَيِّبًا؟ قال: ثَيِّبًا، قال: فهَلَا بِكْرًا تلاعبها وتلاعبك، قال: إن أبي قُتِلَ يوم أُحُدٍ، وتَرَكَ لي تسع أخوات، فأردتُ أن أتزوج عليهن من يقوم بهن، وكرهتُ أن أتزوج عليهن مثلهن) (٦).

стр. 617

الرابع: أن لا يخطب ولا ينكح ولا يُواعد في العدَّة. الخامس: ألَّا يتزوَّج حتى يرى إن أمكن، وفي ذلك حديثان صحيحان؛ أحدهما: حديث الواهبة، وقد تقدَّم (١). الثاني: حديث عائشة؛ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ : أُرِيتُكِ في المنام، يجيء المَلَكُ بكِ في سَرَقَةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فأكشف عن (٢) وجهك الثوب، فإذا هي أنت، فقلتُ: إن يَكُ هذا من عند الله يُمْضِهِ) (٣). [رؤيا الأنبياء]: ولم يشكَّ ﷺ فيما رأى، (فإن رؤيا الأنبياء وَحْيٌ) (٤)، وإنما احتمل عنده أن تكون الرؤيا اسمًا، أو (٥) تكون كُنية، فإن الرؤيا (٦) أسماء وكُنًى، فسمُّوها بأسمائها، وكنُّوها بكُناها، واسمُها أن تخرج بعينها، وكُنيتها أن تخرج على مثالها، وهي أختها، أو قرينتها (٧)، أو جارتها، أو سَمِيَّتُها.

стр. 618

السَّادس: أن يشترط لنفسه وتشترط هي عليه، ولا يكون في جملة الشروط طلاق، قال النبي ﷺ : (لا تسأل المرأة طلاقَ أختها لتكتفِي صَحْفَتها، ولتَنْكِحْ، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها) (١). فإذا وقع الشرط وجب لها (٢) الوفاء، سواء كان مُعَلَّقًا بيَمِين، أو لم يُعَلَّقْ بيمين، قال النبي ﷺ : (أحق الشروط أن يُوفَى به ما استحللتم به الفروج) (٣)، وهذا نَصٌّ، وهو تَفَقُّهٌ (٤) صَحِيحٌ، وذلك أن حِلَّ الفَرْجِ ما وَقَعَ عِوَضًا فيه أو شَرْطًا له كان في الإخلال به إخلالٌ (٥) بالحِلِّ (٦). فأمَّا إن عَلَّقَ الشرط بيَمِينٍ فإنه لا يلزْمه الوفاءُ به، وخرج عن العهد (٧) الذي يلزم الوفاءُ به إلى الأيمان التي لها حُكْمٌ آخَرُ معلومٌ في بابها (٨). السَّابع: أنه يجوز له أن يتخذ فيه اللهو؛ كالدُّفِّ والمزمار، ففي الصحيح: (أن عائشة ﵂ قالت: زُفَّتِ امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) (٩).

стр. 619

وقال أبو بكر ﵁: (أمُزْمُور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ لجَوَارٍ سمعهن يُغَنِّينَ في بيت عائشة، فقال له النبي ﷺ : دعهما (١) يا أبا بكر، فإنه يوم عيد) (٢). فأبان رسولُ الله (٣) ﷺ جوازه في الجملة، ولكن من غَيْرِ تَوَالٍ إلَّا مُعَلَّقًا بالأسباب؛ كيوم العيد وللعرس (٤) وغيره (٥). الثامن: يُولِمُ بما قَدَرَ عليه، وأقله شاة، فإن لم يقدر فمُدَّيْنِ من شعير، وهو (٦) أقلُّ ما أَوْلَمَ به النبيُّ ﷺ على بعض أزواجه (٧)، صَحِيحٌ (٨). ويُطْعِم الفقراء والمعارف، ففي الصحيح عن أنس: (أن النبي ﷺ كان إذا مَرَّ بخيمات (٩) أُمِّ سُلَيم دخل عليها فسلَّم عليها، ثم كان النبي ﷺ عروسًا بزينب، فقالت لي أم سُليم: لو أهدينا إلى رسول الله ﷺ هدية، فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وسمن وأَقِطٍ فاتخذت حَيْسَةً (١٠) في بُرمة، فأَرْسَلَتْ بها معي إليه، فانطلقتُ بها إليه، فقال: ضعها، ثم أمرني

стр. 620

فقال: ادع لي رجالًا سمَّاهم، وادع من لقيتَ، قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعتُ والبيت قد غَصَّ بأهله، فرأيتُ النبي ﷺ وضع يده على تلك الحَيْسَةِ وتكلَّم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عَشَرَةً عَشَرَةً، يأكلون منه ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل ممَّا يليه، قال: حتى تَصَدَّعُوا كلهم عنها) (١). التاسع: يَطْلُبُ الولد لقَصْدِ الأجر في وطء الزوجة، لوجوه منها: أن - يعصمها ويُبَلِّغَها مطلبها، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (يصبح على كل سُلامى من ابن آدم كل يوم صدقة، ثم ذكر خِصَالًا، فأمرُه بالمعروف صدقة، ونهيُه عن المنكر صدقة، إلى أن قال (٢): وبَضْعُه أهلَه صدقة، قيل: يا رسول الله، أيقضى شهوته ويؤجر؟ قال.: أرأيت لو وضعها في حرام، أليس (٣) كان يأثم؟) (٤). العاشر: أن يطلب الولد، ففي حديث جابر في شراء الجمل المشهور أن النبي ﷺ قال له (٥) في آخِرِه: (فإذا قَدِمْتَ فالكَيْسَ الكَيْسَ) (٦)، يعني: الولد.

стр. 621

[حقوقُ الزوجيَّة]: قال القاضي الأمام أبو بكر (١) ﵁: وبين الزوجين حُقُوقٌ تتعيَّن (٢) لكل واحد على الآخر، وحقوقُ الزوج على الزوجة أكثر وآكَدُ، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: (٣٤)]. وقال النبي ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع، فذكَّر ووعظ، فذكر في الحديث نصَّه فقال: (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: (١)] فإن فعلن فـ ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ضربًا غير مُبَرِّحٍ، ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾، أَلَا إنَّ لكم على نسائكم حَقًّا، ولنسائكم عليكم حَقًّا، فأمَّا حقكم على نسائكم فلا يُوطئن فُرُشَكم من تكرهون، ولا يَأْذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألَا وحقهن عليكم أن تُحْسِنُوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) (٣)، وهذا ثابت.

стр. 622

[حَقُّ الوَطْءِ]: قال القاضي أبو بكر (١) ﵁: ولم يذكر الوطء لأنه مشترك بينهما، فالزوج هو الذي يطلبه، فإن قصَّر فيه فهل للمرأة (٢) طلبه؟ اختلف الفقهاء في ذلك، والصحيح أن للمرأة أن تطلبه به إذا كان تَرْكُه له ضِرَارًا (٣)، فإن كان لعُذْرٍ لم يكن لها كلام، وهذا أَمْرٌ أجمعت عليه الأمة فيما قرأته، ولولا ذلك لقلت: إن (٤) لها أن تطلبه (٥) به، فإن حقَّ عصمتها واجب لها عليه، فربُّك أعلم بما انتهى إليه إجماع العلماء. [من حقوق الزوج على زوجته]: وقد قال النبي ﷺ : (لو كنتُ آمُرُ أحدًا أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها) (٦). وقال ﵇: (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجُها شاهد إلَّا بإذنه) (٧).

стр. 623

وقالت عائشة ﵂: (لقد كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه (١) إلَّا في شعبان، للشُّغْلِ برسول الله ﷺ ) (٢). وهذه أحاديث صحاح، ومنها: قال ﷺ : (يا عبد الله، ألم أُخْبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صُمْ وأفطر، وقُمْ ونَمْ؛ فإن لجسدك عليك حقًّا، وإنَّ (٣) لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا) (٤). وهذا نَصٌّ في حق الزوج على زوجها في الوطء، فكيف يتركه؟ ومن حقوق الزوج على المرأة أن ترعى ماله وتحفظه، إلَّا على حقها، ففي صحيح الحديث: (أن هِنْدًا بنت عُتْبَةَ قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مِسِّيكٌ؛ لا يعطيني ما يكفيني ووَلَدِي، قال: خُذِي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (٥).

стр. 624

إلَّا أن يكون الشيء اليسير، فقد أَذِنَ فيه النبي ﷺ ، رُوي أنه قال: (إذا تصدَّقت المرأةُ من بيت زوجها غير مُفسدة كان لها أجرُها بما أنفقت، ولزوجها مِثْلُ ذلك) (١). [النَّهْيُ عن ضرب المرأة وإهانتها]: ولا ينبغي أن يُهينها بالسبِّ والضرب؛ ففي الصحيح: قال رسول الله (٢) ﷺ : (لا يجلد أحدكم امرأته جَلْدَ العبد ثم يجامعها في آخِرِ اليوم) (٣). فإن خافت منه كراهةً أو إعراضًا جاز لها أن تترك حقَّها وتفارقه، وطاب له ذلك إذا لم يكن عن ضِرَارٍ. ومن حقها عليه ألَّا يَعْزِلَ عنها (٤)، وإنَّما أُذِنَ في العَزْلِ في حق الإماء، على كراهة فيه عند العلماء (٥). نكتة عظيمة: [في قدرة سليمان ومُحَمَّدٍ ﵉ على الجِماع] وهي ما رُوي في الصحيح - واللفظ للبخاري -: عن أبي هريرة: قال النبي ﷺ : (قال سليمان بن داود ﵉: لأُطِيفَنَّ الليلة بمائة امرأة؛

стр. 625

تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فأطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان (١)، قال النبي ﷺ : لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان أرجى لحاجته) (٢). فاقتضى هذا الخبر أن سليمان كان قادرًا على وطء مائة امرأة - يَنْزِلُ في كل امرأة ماؤه - في ليلة واحدة، وفي رواية: (إحدى وتسعين) (٣)، وفي رواية: (سبعين)، وفي رواية: (ستين)، فربك أعلم. وهذا ممَّا ليس في قدرة البشر عادة، ولكنَّ الله تعالى يختص بقدرته من يريد، كما يختص برحمته من يشاء، ولسنا نحفظ في ذلك خبرًا صحيحًا غير هذا، إلَّا ما ثبت عن النبي ﷺ : (أنه أُعْطِي قوة ثلاثين رجلًا في الجماع) (٤)، وهذه القوة أكثر من قوة سليمان، وقد كان النبي ﷺ قادرًا عليه، مُحِبًّا فيه، ولكنه لم يكن يبلغ غايته ولا يستوفيه. وقد آتى الله رسولَه خِصِّيصَةً عُظْمَى؛ وهي قلة الأكل، والقدرة على الجماع، فكان أقنع الناس في الغداء، تكفيه الغُفَّةُ (٥)، وتقنعه العُلْقَةُ (٦)،

стр. 626

وتُشبعه الحَزَّةُ، وكان أقوى الناس على الوطء، (فكان إذا صلَّى العصر دخل على نسائه فطاف عليهن بغُسْلٍ واحد، ثم يَبِيتُ عند التي هي ليلتها) (١). وقد اختلف العلماء في ذلك: فقيل: كان هذا قبل أن يُشْرَعَ القَسْمُ (٢). وهذا باطل فاسد؛ لأنه لم يُعرف في الشريعة إهمالُه. وقيل: كان هذا لأن النبي ﷺ كان قادرًا على تَوْفِيَةِ حقوق النساء (٣)، فكان هذا زيادة، وليس يقدر على ذلك غيره. وقد أخبرنا أبو محمد [عبد الله بن] عبد الرزاق بن فُضَيل بدمشق قال: أنا أبو بكر المالكي: أنا الفسوي (٤). [ح] أنا أبو بكر بن الوليد ببيت المقدس - واللفظ له - عن أبي بكر بن عبد الباقي قال: قال أبو سليمان الخطَّابي (٥): (كان رسولُ الله ﷺ بشرًا مخلوقًا على خلْق (٦) الجِبِلَّةِ الآدمية، والناس يختلفون في تركيب

стр. 627

الخِلْقَةِ، ولا خلاف بين العقلاء أن من صحَّت بِنْيَتُه، وقَوِيَت جُثَّتُه، واستقامت هيئته (١)، حتى يكون على الصفة التي جاءت في الأخبار عن رسول الله ﷺ ؛ من حُسن النعت، وجمال الهيئة، ونضارة اللون، وإِشْرَابِ الحُمرة، وقوة البطش، وشدة الأَسْرِ، إلى سائر محاسن الصفات، التي من كان على خلافها كان منسوبًا إلى ضعف المُنَّةِ (٢)، ونقص القدرة (٣) " (٤). وقد قال لي أبو القاسم بن المنفوخ (٥) الطبيب بمصر عن ابن رضوان (٦) الطبيب: "إن صفة محمد ﷺ دليلٌ على قوته، لأن تلك الخلقة المروية لا تكون أبدًا إلا لمن خُصَّ بالمرتبة (٧) النبوية" (٨). وقد بيَّنا ذلك بتأويله وتحقيقه في "كُتُبِ الأصول"، وخاصة في كتاب (٩) "العواصم من القواصم" (١٠).

стр. 628

قال الإمام القاضي (١) أبو بكر بن العربي ﵁: وإذا تأمَّلت إلى الفضائل العربية (٢) رأيتَ أن العرب كانت تتباهى بقوة النكاح، وتَذُمُّ من ضَعُفَ فيه وقَصُرَ شَبْرُه، وقد قالت شاعرة العرب حين خطبها دُرَيْدُ بن الصِّمَّة (٣): معاذ الله يَنْكِحُني حبَرْكَى … قصيرُ الشَّبْر من جُشَمِ بن بَكْرِ والحبَرْكَى: هو المُتَنَاهِي في ضعف المُنَّةِ والمُوَهَّنُ (٤). وكان عندها قلة الطُّعم وضعف المطعم والاجتزاء بالعُلْقَةِ محمودًا مُمَدَّحًا، وإذا كان متمجعًا أكولًا ذَمَّتْهُ. وفي حديث أم (٥) زرع في صفة الابن: "مضجعه كمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وتُشْبِعُه ذِرَاعُ الجَفْرَةِ" (٦). وكانت تَمْدَحُ بقِلَّةِ التلفت إلى ذلك والاهتبال به، ألا ترى إلى قول الأعشى (٧):

стр. 629

لا يتأرَّى (١) لما في القِدْرِ يرقبه … ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه (٢) الصَّفَرُ يعني: لا يجد مسَّ الجوع. وقال مُتَمِّمٌ (٣): لقد كفَّن المنهال تحت ردائه … فتًى غير مِبْطَارِ العَشِيَّاتِ أروَعَا (٤)

стр. 630

ولقد كان ﷺ يَطْوِي الأيام، ويواصل الليالي، ويَتَجَوَّعُ حتى ينحني عمود ظهره، ويَشُدُّ الحَجَرَ على بطنه، وقد أُوتِيَ الكنزين (١) فردَّهما تواضعًا (٢)، ودعا إلى المناكحة رَدًا على تبتل النصارى. وقد قال لي أبو بكر الفِهْرِي (٣): "إن الله تعالى لمَّا أراد من شَرَفِ رسوله ﷺ عن تطلع النفس إلى ما في حَوْزِ أُمَّتِه، والنظر إلى شيء غيره، أباح له أن يتزوَّج ما شاء، وأُمَّتُه لمَّا ضاق (٤) ذلك عليهم قُصِرُوا على ما يقدرون (٥) ". وقد رُوِي عن بعض العرب أنه قَدِمَ على أهله فنَحَرَ بعيرين، فأكل أحدَهما، وأكل أهلُه الآخَر، ودَنَا لينالها فحالت بطونهما بينهما، فقالت له: كيف تنالني وبيني وبينك بعيران (٦)؟ فجمع الله لرسوله ﷺ فضل القناعة، وكثرة الباءة، وشرَّفه بذلك على الأمة.

стр. 631

أخبرنا القاضي (١) أَبُو (٢) المُطَهَّرِ (٣) قال: حدَّثنا أبو نُعَيم (٤) الحافظ، قال: حدَّثنا ابن خلَّاد، قال: أخبرنا أبو محمد (٥): نا (٦) عبد العزيز بن أبان، قال (٧): أنا إسرائيل عن ثُوَير (٨) عن مجاهد قال: "أُعطي رسول الله ﷺ قوة أربعين رجلًا؛ كل رجل من أهل الجنة" (٩).

стр. 632

تكملة: [في التَّدَاوِي (١)] قد قدَّمنا (٢) أصولَ ضَرُورات الآدمي وضِرَاراته (٣) ومنافعه في مقامه الأوَّل، وهي الحياة الدنيا - وأوضحنا ما لا غنًى به عنه - في طعامه وشرابه ونكاحه، وقد تطرأُ عليه بعد تناوله لهذه عَوَارِضُ تقطع له عن عباداته وعاداته في ذلك وحاجاته، فإذا تغيَّر بها حالُه يسمى مرضًا، وهو مقدمة الموت الذي المصير إليه، فإذا وجد ذلك المرءُ فليعلم أن الله تعالى قد ذكره بخير، وأراد تكفير ذنوبه، قال النبي ﷺ : "من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منه" (٤)، رواه أبو هريرة، واللفظ للبخاري. وفيه عنه: "مَثَلُ المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريحُ كفأتها، فإذا اعتدلت تُكْفَأُ بالبلاء، والفاجر كالأَرَزَةِ، صمَّاء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء" (٥).

стр. 633

وأَوْهَمَ قَوْمٌ في هذا الحديث فظنُّوا أن معناه: "يُذْنِبُ العبد ثم يتوب ويعود إلى الحق". وقد بيَّن النبي ﷺ أن هذا الاختلاف يرجع إلى الصحة والمرض لقوله: "تُكْفَأُ بالبلاء"، وهذا نَصٌّ. وروى الحارث بن سُوَيد عن عبد الله قال: "أتيتُ النبي ﷺ في مرضه وهو يُوعَكُ (١) وَعْكًا شديدًا، فقلتُ: إنك تُوعَكُ وَعْكًا شديدًا، فقال: أجل؛ إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلان منكم، قلت: إن لك لأَجْرَيْنِ، قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يُصِيبُه أَذَى شوكةٍ فما فوقها إلَّا كفَّر الله بها سيآته، كما تَحُطُّ الشجرة ورقها" (٢). قال الحافظ أبو بكر (٣) ﵁: جوازُ التَّطَبُّب: فإذا نزل الداءُ جاز التداوي بإجماع من الأمة، قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً" (٤).

стр. 634

وفي حديث جابر منه: أن النبي ﷺ قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بَرَأَ بإذن الله" (١). طُرُقُ التَّطَبُّبِ (٢): له أربعة طرق: الرُّقيةُ، وشَرْطَةُ مِحْجَمٍ، وشربة عسل، ولذعةٌ (٣) بنار (٤). الطريقة الأولى: الرُّقْيَةُ وأحاديثُ الرُّقَى كثيرة، أُمَّهاتها ستة: الأوَّل (٥): عن عائشة (٦): "أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلمَّا ثَقلَ كنت أنفث عليه بهنَّ، وأمسح بيد نفسِه لبركتها، وكان يأمرني أن أفعل ذلك به" (٧). الثاني: حديث أبي سعيد: "أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ أَتَوا على حَيٍّ من أحياء العرب فلم يَقْرُوهم، فبَيْنَا هم كذلك إذ لُدغ سيِّد أولئك،

стр. 635

فقالوا: هل معكم دواء أو رَاقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تَقْرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأُتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك، وقال: ما أراكَ (١) أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي معلىم بسهم" (٢). الثالث: عن أم سلمة: "رأى النبيُّ ﷺ جاريةً في وجهها سَعْفَةً فقال: استرقوا لها فإن بها النَّظْرَة (٣) " (٤). الرابع: عن عائشة: "أَرْخَصَ النبيُّ ﷺ في الرقية من كل ذي حُمَةٍ" (٥). الخامس: قال أنس لثابت - وقد اشتكى -: "ألا أَرقيك برُقْية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، ولا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا" (٦).
следующие страницы →