← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أخبرنا القاضي (١) أَبُو (٢) المُطَهَّرِ (٣) قال: حدَّثنا أبو نُعَيم (٤) الحافظ، قال: حدَّثنا ابن خلَّاد، قال: أخبرنا أبو محمد (٥): نا (٦) عبد العزيز بن أبان، قال (٧): أنا إسرائيل عن ثُوَير (٨) عن مجاهد قال: "أُعطي رسول الله ﷺ قوة أربعين رجلًا؛ كل رجل من أهل الجنة" (٩).

стр. 632

تكملة: [في التَّدَاوِي (١)] قد قدَّمنا (٢) أصولَ ضَرُورات الآدمي وضِرَاراته (٣) ومنافعه في مقامه الأوَّل، وهي الحياة الدنيا - وأوضحنا ما لا غنًى به عنه - في طعامه وشرابه ونكاحه، وقد تطرأُ عليه بعد تناوله لهذه عَوَارِضُ تقطع له عن عباداته وعاداته في ذلك وحاجاته، فإذا تغيَّر بها حالُه يسمى مرضًا، وهو مقدمة الموت الذي المصير إليه، فإذا وجد ذلك المرءُ فليعلم أن الله تعالى قد ذكره بخير، وأراد تكفير ذنوبه، قال النبي ﷺ : "من يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منه" (٤)، رواه أبو هريرة، واللفظ للبخاري. وفيه عنه: "مَثَلُ المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريحُ كفأتها، فإذا اعتدلت تُكْفَأُ بالبلاء، والفاجر كالأَرَزَةِ، صمَّاء معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء" (٥).

стр. 633

وأَوْهَمَ قَوْمٌ في هذا الحديث فظنُّوا أن معناه: "يُذْنِبُ العبد ثم يتوب ويعود إلى الحق". وقد بيَّن النبي ﷺ أن هذا الاختلاف يرجع إلى الصحة والمرض لقوله: "تُكْفَأُ بالبلاء"، وهذا نَصٌّ. وروى الحارث بن سُوَيد عن عبد الله قال: "أتيتُ النبي ﷺ في مرضه وهو يُوعَكُ (١) وَعْكًا شديدًا، فقلتُ: إنك تُوعَكُ وَعْكًا شديدًا، فقال: أجل؛ إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ رجلان منكم، قلت: إن لك لأَجْرَيْنِ، قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يُصِيبُه أَذَى شوكةٍ فما فوقها إلَّا كفَّر الله بها سيآته، كما تَحُطُّ الشجرة ورقها" (٢). قال الحافظ أبو بكر (٣) ﵁: جوازُ التَّطَبُّب: فإذا نزل الداءُ جاز التداوي بإجماع من الأمة، قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً" (٤).

стр. 634

وفي حديث جابر منه: أن النبي ﷺ قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بَرَأَ بإذن الله" (١). طُرُقُ التَّطَبُّبِ (٢): له أربعة طرق: الرُّقيةُ، وشَرْطَةُ مِحْجَمٍ، وشربة عسل، ولذعةٌ (٣) بنار (٤). الطريقة الأولى: الرُّقْيَةُ وأحاديثُ الرُّقَى كثيرة، أُمَّهاتها ستة: الأوَّل (٥): عن عائشة (٦): "أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلمَّا ثَقلَ كنت أنفث عليه بهنَّ، وأمسح بيد نفسِه لبركتها، وكان يأمرني أن أفعل ذلك به" (٧). الثاني: حديث أبي سعيد: "أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ أَتَوا على حَيٍّ من أحياء العرب فلم يَقْرُوهم، فبَيْنَا هم كذلك إذ لُدغ سيِّد أولئك،

стр. 635

فقالوا: هل معكم دواء أو رَاقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تَقْرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعْلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأُتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك، وقال: ما أراكَ (١) أنها رقية؟ خذوها واضربوا لي معلىم بسهم" (٢). الثالث: عن أم سلمة: "رأى النبيُّ ﷺ جاريةً في وجهها سَعْفَةً فقال: استرقوا لها فإن بها النَّظْرَة (٣) " (٤). الرابع: عن عائشة: "أَرْخَصَ النبيُّ ﷺ في الرقية من كل ذي حُمَةٍ" (٥). الخامس: قال أنس لثابت - وقد اشتكى -: "ألا أَرقيك برُقْية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، ولا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا" (٦).

стр. 636

وفي رواية عائشة: "كان يُعَوِّذُ بعضهم؛ يمسحه (١) بيمينه ويقول: أذهب البأس" (٢)، الحديث. السَّادس: عن عائشة: "كان النبي ﷺ يقول للمريض: بسم الله، تُربة أرضنا، بِرِيقَةِ (٣) بعضنا، يُشفى سقيمُنا، بإذن ربنا" (٤). وأمَّا سائر الطرق: فمنها شرطة محجم، قال جابر بن عبد الله: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن يكن في شيء من أدويتكم خَيْرٌ ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار، وما أُحِبُّ أن أَكْتَوِي" (٥). وعن ابن عباس: "احتجم النبي ﷺ من شَقِيقَةٍ كانت به وهو مُحْرِمٌ" (٦). قال القاضي أبو بكر ﵁: وتحقيقُ هذه الأصول الأربعة: أن الرقية عَمَلٌ من خارج البدن (٧)، وهؤلاء الثلاثة هي في داخل البدن، ويلحق بهؤلاء الثلاثة نظائرُ لها (٨) ثمانية:

стр. 637

الأولى: ألبان الإبل الثانية: أبوالها فقد (١) روى أنس: "أن ناسًا استوخموا المدينة، فكان بهم سقم، فأنزلهم (٢) النبي ﷺ الحَرَّةَ في ذَوْذٍ له، فقال: اشربوا من أبوالها وألبانها (٣) " (٤). ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: "عليك بألبان البقر، فإنها تبرئ من السحر" (٥)، ولم يصحَّ عنه. الثالثة: الحبة السوداء روى خالد بن سعد قال: "خرجنا ومعنا غالب بن أَبْجَرَ فمرض في الطريق، فقَدِمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عَتيق، فقال لنا: عليكم بهذه الحُبَيبة السوداء، فخُذُوا منها خمسًا أو سبعًا فاسحقوها، ثم

стр. 638

اقطرُوها في أَنْفِه بقَطَرَاتِ زَيْتٍ في هذا الجانب وفي هذا الجانب، فإن عائشة حدَّثتني: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: إن هذه الحبة السوداء شفاءٌ من كل داء، إلا السَّام، قلت: وما السَّامُ؟ قال: الموت" (١). الرابعة: التَّلْبِينَةُ كانت عائشة ﵂ تأمر بالتلبينة للمريض والمحزون على الهالك، وتقول: "هو البغيض النافع" (٢). وكانت تقول: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن التلبينة تُجِمُّ فؤاد المريض، وتَذْهَبُ ببعض الحزن" (٣). ولَفْظُ مسلم عن عائشة: "أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع النساء لذلك ثم تفرَّقن، إلَّا أهلها وخاصتها، أمرت ببُرْمَةٍ من تلبينة فطُبِخَتْ، ثم صُنِعَ ثريد، فصبَّت التلبينة عليها، ثم قالت: كُلْنَ منها، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: التلبينة مُجِمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن" (٤).

стр. 639

الخامسة: السَعُوطُ رُوي: "أن النبي ﷺ احتجم واسْتَعَطَ" (١). السَّادسة: العود الهندي قال ﷺ : "عليكم بهذا العُودِ الهندي، فإن فيه سبعة أشفية؛ يُسَعَّطُ من العُذْرَةِ، ويُلَدُّ به من ذات الجَنْبِ" (٢)، روته أُمُّ قَيْسٍ بنت مِحْصَنٍ. وروى أنس بن مالك: "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقُسْطُ البَحْرِي" (٣). السَّابعة: الكَمْأَةُ (٤) انفرد سعيد بن زيد عن النبي ﷺ بقوله: "الكَمْأَةُ من المَنِّ، وماؤها شفاء للعين" (٥)، وصحَّ وثبت مع ذلك. الثامنة (٦): ثبت "أن النبي ﷺ لمَّا جُرِحَ ورَأَتْ فاطمة - رضوان الله عليها -

стр. 640

الدم لا يرقأ أحرقت حصيرًا وحَشَتْ به جُرْحَ النبي ﷺ ، أو ألصقتها عليه (١) فرقأ الدم" (٢). الماء: ثبت عنه ﷺ وخاصةً من طريق أسماء بنت أبي بكر ﵂: "أنها كانت إذا أُتيت بامرأة قد حُمَّتْ تدعو لها، أخذت الماء فصبَّته بينها وبين جَيْبِها، وقالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نَبْرُدَها بالماء" (٣). وفي الصحيح - حين مرض النبي ﷺ : "فلمَّا (٤) أفاق قال: صُبُّوا عليَّ من سَبْعِ قِرَبٍ لم تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهن" (٥). العسل: في الصحيح عن أبي سعيد: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه، قال: اسقه عسلًا، فسقاه، ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاءه الرابعة فقال له: لقد سَقَيْتُهُ فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله ﷺ : صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فَبَرَأَ" (٦).

стр. 641

الكَيُّ: في الصحيح: "أن أُبَيًّا رُمي يوم الأحزاب على أَكْحَلِه، فبعث النبي ﷺ إليه طبيبًا، فقطع منه عِرْقًا ثم كواه عليه" (١). ورُمي سعد بن معاذ في أكحله، قال: "فحَسَمَهُ النبي ﷺ بمِشْقَصٍ ثم وَرِمَتْ، فحَسَمَهُ الثانية (٢) " (٣). الزيت: صحَّ عن زيد بن أرقم قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتداوى من ذات الجَنْبِ بالقُسْطِ البحري والزيت". وثبت أن عمران بن حُصَين قال: "نهى النبي ﷺ عن الكَيِّ، قال: فما زال البلاء بنا حتى اكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا - وفي رواية: فما أفلحن ولا أنجحن -، وكان يُسلَّمُ عليَّ، فلمَّا اكتويتُ فقدت ذلك، ثم راجعني (٤) بعد ذلك السَّلام" (٥).

стр. 642

قال الحافظ أبو بكر (١) ﵁: فصار التداوي أصلًا في هذا الباب من هذه الأحاديث، وقد جمعتُ وجوه المداوات كلها على أنواع الأدواء بجُملتها حسبما بيَّنَّاه في "شرح الحديث (٢) " (٣)، وليس هذا موضع التطويل به فيه، لأنه لم نَبْنِ عليه هاهنا، وإنما هي (٤) للأصول في الأبواب والأركان في المقاصد، واستعمالها مختلف فيه. تتميم (٥): فمن الناس من يستعملها بصُوَرِها (٦)، ومنهم من يستعملها بقوانينها في "كتب الأطبَّاء". فأمَّا الصدر الأوَّل فكانوا يستعملون منها بصورها، "فكان عوف بن مالك - وفي رواية: عبد الله بن عمر - يخلطون الماء بالعسل والزيت ويتداوون به" (٧)، لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال في العَسَلِ: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وهذا إن اتفق في هذه الأعيان فليس

стр. 643

يتفق على الإطلاق في سائر الأعيان المذكورة في الحديث في كل حال، ولا على صفاتها في كل وقت، ألا تراه كيف ذَكَرَ القُسْطَ ونوَّع وجوه استعماله؟ وقال: "الكَمْأَةُ من المنِّ، وماؤها شفاءٌ للعين" (١)، ولا يكون ماؤها شفاءً للعين إلَّا بنوع من التحيل، والحُمَّيَاتُ أصنافٌ (٢) كثيرة. ومنها ما لا ينفعه تبريد الماء. وخرج كلامُ النبي ﷺ على (٣) المعهود في أرضه، وعلى ما يناسبها في غيره. وذَكَرَ أيضًا ﷺ من الأدوية ما كان عام الوجود، قريب التناول في الدساكر (٤) والقرى، ولها أمثال كثيرة ممَّا خلق الله لذلك (٥)، وإنما ذكرتُ هذه لعوارض (٦) من الأسولة بإحالات (٧) من الأجوبة على مجرى العادة، ورِفْقًا بالناس في عاداتهم (٨) من الركون إلى الأسباب والرغبة في (٩) طلب الصحه وإيثارها على الأسقام.

стр. 644

[أحوالُ المريض (١)]: وإذا انتهى الكلام إلى هذا المقام فلِلْمَرِيضِ أحوال: الحالة الأولى: الرضى بالقضاء، والاستسلام للبلاء، وتَرْكُ التطبب رأسًا، والإمساك عن (٢) الخبر عن المرض، ولم تكن هذه المنزلة فيما بلغنا بالصدق إلَّا لكَرِيمَيْنِ؛ الأوَّل بالزمان أيوب، والأوَّل بالمكانة محمد ﷺ ، هو الآخِرُ السَّابِقُ. [ابتلاءُ أيوب ﵇ (٣)]: فأمَّا أيوب فإن الله ابتلاه ببلاءٍ (٤) يشبُّ عنه طوق الصبر، ويضيق عنه نطاق الاحتمال، ورُويت في ابتداء قضائه (٥) وسبب بلائه أقاصيصُ قصيَّة عن سُبُلِ الحق، نذكر منها ما يفتقر إلى البيان، لئلَّا يغتر (٦) به الأحداثُ الأسنان؛ الذين لم تحنكهم تجارب العلوم، ولا قاموا بحق العصمة للأنبياء والتعظيم.

стр. 645

قال المفسرون: "كان أَيُّوبُ روميًّا من البَثَنِيَّةِ، اصطفاه الله للنبوءة (١)، وآتاه جملة عظيمة من الثروة؛ في أنواع الأموال والأولاد، وكان شاكرًا لأنعم الله، مواسيًا لعباد الله، برًّا رحيمًا، ولم يؤمن به إلا ثلاثة نفر، وكان لإبليس موقف من السماء السَّابعة في يوم من العام، فوقف به إبليس على عادته، فقال له الله أو قيل له عنه: أقدرت من عبدي أيوب على شيء؟ فقال: يا رب، وكيف أقدر منه على شيء وقد ابتليته بالمال والعافية؟ لو ابتليته بالبلاء والفقر ونزعت عنه ما أعطيته لحَالَ عن حاله، وخرج عن طاعتك، قال الله: قد سلَّطتك على أهله وماله، فانحطَّ عدو الله فجمع عفاريت الجن وأعلمهم، فقال قائل منهم: أكون إعصارًا فيه نارٌ أُهْلِكُ ماله فكان، فجاء أيوبَ في صفة (٢) قَيِّمِ (٣) في ماله فأعلمه بما جرى، فقال: الحمد لله، هو أعطاها وهو منعها، ثم جاء قَصْرَ أهله وولده (٤) فاحتمل القصر من نواحيه حتى ألقاه على أهله وولده، ثم جاء إليه فأعلمه، فألقى التراب على رأسه، ثم تاب، وصعد إبليس إلى السماء فسبقته توبة أيوب، فقال: يا رب سَلِّطْنِي على بَدَنِه، قال: قد سلَّطتك، إلَّا على لسانه وقلبه وبصره، فنفخ في جسده وهو ساجد نفخة اشتعل، فصار في جسده تَآلِيلُ، فحكَّ بأظفاره حتى دَمِيَتْ، ثم بالفخار حتى تساقط لَحْمُه على عظمه، ولم يخلص إلى شيء من حُشْوَةِ البطن؛ لأنه لا بقاء للنفس إلَّا بها، فهو (٥) يأكل

стр. 646

ويشرب، فمكث كذلك ثلاث سنين، فلمَّا غلبه أيوبُ اعترض لامرأته في هيئة أعظم من هيئة بني آدَمَ في القَدْرِ والجمال، فقال لها: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعتُ بصاحبك ما صنعت، ولو سجد لي سجدة واحدة لرددت عليه حاله وماله، وهُمْ عندي، وعَرَضَ لها في بطن الوادي ذلك كله في صورته، وقد سَمِعَتْ: أنه لو أكل طعامًا ولم يذكر اسم الله لعُوفي من البلاء، فأخبرتْ أيوب، فأقسم أن يضربها إن عافاه الله" (١). وذكروا كلامًا طويلًا؛ من مراجعته في القول لربه، وتَبَرُّمِه من البلاء الذي نزل به، وأن النفر الثلاثة الذين آمنوا به نَهَوْهُ عن ذلك واعترضوا عليه وبصَّروه، وتَرَكْتُه واختلاله (٢) وقلة الفائدة فيه. وقيل: استعان به مظلوم فلم ينصره فابتُلِي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يومًّا الناس فمنع فقيرًا الدخول فابتلي لذلك. وقيل: كان أيوب يغزو مَلِكًا، وكان له غنم في ولايته فداهنه لأجلها، فعُوتِبَ (٣) بذلك. إلى أخبار جمعها كل أحد منهم (٤) على قَدْرِ ما ظهر إليه (٥).

стр. 647

ذِكْرَى في حال الأنبياء (١): قال الحافظ أبو بكر (٢): قد بينَّا تنزيه الأنبياء عن شُبَهٍ (٣) في العقائد أو عصيان في الأفعال بما يُغني عن الإطناب فيه، ولم يصحَّ عن أيوب في أمره إلَّا ما أخبر الله عنه في كتابه في آيَتَيْنِ: الأولى: قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. والثانيه: قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]. وأمَّا النبي ﷺ فلم يصحَّ عنه أنه ذَكَرَهُ بحرف واحد، إلَّا قوله: "بَيْنَا أيوب يغتسل إذ خرَّ عليه رِجْلٌ من جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فقال الله له: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي (٤) عن بركتك" (٥)، وإذ (٦) لم يصح عنه (٧) فيه قرآن ولا سنَّة

стр. 648

إلا ما ذكرنا، فمن الذي يُوصِلُ السَّامعَ إلى أيوبَ خبرُه؟ أم على أي لسان سَمِعَه؟ [التَّحْذِيرُ من الاغترار بالإسرائيليات]: والإسرائيلياتُ مرفوضة عند العقلاء؛ بَلْهَ العلماء، على البتات (١)، فاغْتَمِضْ (٢) عن مسطورها بصرك، واضمم عن كَتْبِها يَدَك، وأَصْمِمْ عن سماعها أُذُنَك، فإنها (٣) لا تُعْطِي فِكْرَك إلا خبالًا (٤)، ولا تزيد فؤادك إلَّا اختلالًا (٥)، وها نحن نُفِيضُ معكم في ذِكْرِه، ونُنْبِئُكُمْ بالحقيقة من أَمْرِه. [التفصيلُ فيما نُسِبَ إلى أيوب ﵇]: أمَّا قولهم: "كان أيوب رُومِيًّا من البَثَنِيَّةِ"، فليس لنا بذلك عِلْمٌ ننفيه أو نُثبته، غير أنَّا نقول: آمَنَّا به وصدَّقناه ممَّن كان، ونحن نتحقَّق أنه من ذرية إبراهيم وولده. وأمَّا قولهم: "إن الله أعطاه مالًا كثيرًا"، فيدل عليه (٦) - على الجملة فيه دون التفصيل الذي فصَّلوه - قَوْلُه حين خرَّ عليه رِجْلُ (٧) جراد من

стр. 649

ذَهَبٍ، فجعل يحثي في ثوبه، فقال الله له: "ألم أكن (١) أغنيتك عمَّا ترى؟ " (٢). وأمَّا وصفه بصفات الجلال والكرم فهي من صفات (٣) الأنبياء الذين هو من أَجَلِّهم قَدْرًا، وكلهم كذلك، وإن تفاوتت درجاتهم. وأمَّا قولهم: "لم يؤمن به إلا ثلاثة نفر"، فهذا ممكن، فإن الله قد أخبر عن خليله إبراهيم بقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وفي الحديث الصحيح: "يأتي النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرهط" (٤). وأمَّا قولهم: "إنه كان لإبليس مَوْضِعٌ في السَّماء السَّابعة يومًا من العام"، فقَوْلٌ باطل قطعًا. ولا أعلمُ كيف جاز على أصحاب التفسير مع روايتهم أنه مُهْبَطٌ من عِلِّيِّينَ، بلعنة وسَخَطٍ إلى الأرض، ثم يَرْقَى إلى مَحَالِّ الرضى، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السماوات العُلى، ويعلو إلى السَّابعة منهن على منازل الأنبياء، فيقف العدو فوق الخليل، إن هذا لخطبٌ من الجهالة جليل (٥)، فيا لله ويا لَلْمُسْلِمِينَ من استيلاء الجهل وغلبة الباطل، وكثرة التخليط ومَزْجِ الصِّدْقِ بالكَذِبِ وتَعَلُّقِ الناس به في عقائدهم وأعمالهم،

стр. 650

﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]، اهدني لما اختلفوا فيه من الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. وأمَّا قولهم: "إن الله قال له: هل قدرت من عبدي أيوب على شيء؟ "، فهو قَوْلٌ (١) بَاطِلٌ قطعًا؛ لأن الله لا يُكَلِّمُ الكفَّار الذين هم من جند إبليس الملعون، فكيف أن يكلم من يتولَّى (٢) ضلالهم؟ وأمَّا قولهم: "إن الله قال له: قد سلَّطتك على ماله وولده"، فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة. وكذلك قولهم: "إنه نَفَخَ في جسده حين سلَّطه الله عليه"؛ فهو أبعد، والباري تعالى قادرٌ على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كَسْبٌ؛ حتى لا تقرَّ له - لعنه الله - عَيْنٌ بالتمكين (٣) من الأنبياء في أموالهم وأهليهم وأنفسهم. وأمَّا قولهم: "إنه (٤) قال لزوجه: أنا إله الأرض، ولو تَرَكَ ذِكْرَ الله أو سَجَدْتِ أنتِ لِي لعافيتُه"، فاعلموا أنكم لو تعلمون أنه لو عَرَضَ لأحدكم وبه ألمٌ وقال له هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلهًا في الأرض، ولا (٥)

стр. 651

أنه يسجد له، ولا أنه يُعافَى من البلاء، فكيف أن تستريب بذلك زوجةُ نبي؟ ولو كانت زوجة سَوَادِي (١) أو فَدْمٍ بَرْبَرِيٍّ ما ساغ ذلك عندها. وأمَّا تصويرُه الأموال والأهل في وادٍ للمرأة فذلك ممَّا لا يقدر عليه إبليس بحال، ولا هو في طَوْقِ السِّحْرِ فيقال: إنه من جنسه، ولو تصوَّر لعَلِمَتِ المرأة أنه سِحْرٌ كما نعلمه نحن، وهي فوقنا بالمعرفة (٢) بذلك، فإنه لم يَخْلُ قطُّ زمانٌ عن السِّحْرِ وحديثِه وجَرْيِه بين الناس وتصويره. قال القاضي أبو بكر (٣): والذي جرَّأهم على ذلك وتذرَّعوا به إلى ذِكْرِ هذا قَوْلُه تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، فلمَّا رأوه قد شكى مسَّ الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال، وليس الأمرُ كما زعموا، والأفعال كلها؛ خيرها وشرها، إيمانها وكفرها، طاعتها وعصيانها (٤)، خالقها هو الله وحده، لا شريك له في خلقها، ولا في خلق شيء غيرها، ولكن (٥) الشر لا ينسب إليه ذِكْرًا، وإن كان موجودًا منه خَلْقًا، أَدَبًا أُدِّبْنَا به، وتمجيدًا عُلِّمناه، وكان من ذِكْرِ النبي مُحَمَّدٍ ﷺ لرَبِّه به قَوْلُه من جملته: "والخير في يديك، والشَّرُّ ليس إليك" (٦)، على هذا المعنى، ومنه قَوْلُه إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ

стр. 652

يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقال الفتى للكليم: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وأمَّا قَوْلُهم: "استعان به مظلوم فلم ينصره"، فمن لنا بصحة هذا؟ ولا يخلو أن يكون قادرًا على نَصْرِه؛ فلا يحل لأحد تَرْكُه، فيُلَامُ على أنه عصى وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، أو كان عاجزًا فلا شيء عليه في ذلك. وكذلك قَوْلُهم: إنه مَنَعَ فقيرًا (١) من الدخول"، إن كان عَلِمَ به فهذا باطلٌ عليه، وإن لم يعلم به فلا شيء عليه فيه. وأمَّا قَوْلُهم: "إنه دَاهَنَ على غَنَمِه للمَلِكِ الكافر"، فلا تقل: "داهن، ولكن قل: دارى (٢)، ودَفْعُ الكافر أو الظالم عن النفس والمال والأهل بالمال فذلك جَائِزٌ، نعم، وبحُسْنِ الكلام. [ما ورد من الأقوال في معنى قول أَيُّوبَ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾]: قال الحافظ أبو بكر (٣): وقد قال العلماءُ فيه أقوالًا، إنه أراد بقوله: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ ما يأتي تفسيرُه بعد هذا في جملة الأقوال مذكورًا مُنَقَّحًا إن شاء الله، وذلك ينحصر في ستة (٤) وعشرين قولًا (٥):

стр. 653

الأوَّل: قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ولم يقل: ارحمني، ولا تعرَّض لطلب زواله مع عظيم بلائه، فقال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١)، ولم يقل: ارحمني، وسيأتي تحقيق ذلك في "باب الدعاء" من هذا الكتاب إن شاء الله، وهذا رَدٌّ عظيم على دعاوى حُكِيَتْ فيما جرى بينه وبين أصحابه الذين آمنوا به، وفي مراجعتهم له، وما سأل أيوبُ ربَّه فيه، والله قد أخبر عنه بما قال؛ من ذِكْرِه ضُرَّه، وذِكْرِه لربِّه، فلا زيادة عليه بحال. الثاني: إن الله تعالى مَدَحَ أيوب بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، ولم يسلبه الصَّبْرَ قولُه: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، ولو دعا وسأل (٢) الزوال لكان قد فاته جُزْءٌ من الصبر، وإن كان لا يُؤَثِّرُ في الأجر، وإنما يُفَوِّتُ منزلةً أثبتها الله له؛ وهي الغاية في الصبر (٣). وقد قيل - وهو الثالث -: "إنَّ هذا وإن كان فإنه به جُزْءٌ من الصبر، وإن كان لا يؤثر في الأجر، فإنه عفا الله عنه لمَّا كان نادرًا، وراعى له الغالب من أحواله في أوقات بلائه" (٤). الرابع: أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، إقرارًا بالعجز، فلم يكن منافيًا للصبر (٥).

стр. 654

الخامس: أنه أجراه سبحانه على لسانه؛ ليكون حُجَّةً لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم. السَّادس: أجرى ذلك على لسانه إلزامًا له، صِفَةُ الآدمي (١) في الضعف عن (٢) تحمل البلاء. السَّابع: قال بَعْضُهم: "إنَّما كان هذا القَوْلُ منه على جهة الشُّكْرِ، أي: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ الذي لا تَخُصُّ إلَّا أولياءك، ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ في وضعي معهم وعَدِّي في جملتهم، وإلحاقي في إنزال بلائك بي بهم" (٣). الثامن: أنه قال: أَ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾؟ كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؟ [الشعراء: ٢٢]، وليس يمتنع حَذْفُ ألف الاستفهام في الكلام، ولكن ليس في الآية التي استُشهِد بها حذف، وإنما هي على حالها (٤). التاسع: قيل: "إن جبريل نزل إليه فقال له أيوب: ماذا أصنع؟ فقال له جبربل: سيَّان عند الله بلاؤك وشفاؤك، فحينئذ قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ " (٥). وهذا مُمْكِنٌ لو صحَّ به نَقْلٌ.

стр. 655

العاشر: "أن دُودَةً سقطت من لحمه فأخذها فردَّها في موضعها فعقرته، فصاح: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، فقيل له: أعلينا تتصبَّر؟ " (١). وهذا بعيدٌ جِدًّا، مع أنه يفتقر إلى نَقْلٍ صحيح، ولا سبيل إلى وجوده (٢). الحادي عشر: أن الدُّودَ كانت تتناول بَدَنَه، فصبر حتى تناولتْ دُودَةٌ قَلْبَه، وأخرى لسانه، فحينئذ قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؛ لاشتغاله عن ذِكْرِ الله (٣). وما أحسن هذا لو كان له سَنَدٌ، ولم تكن دعوى (٤) عريضة! الثاني عشر: أنه أُبْهِمَ عليه جهة (٥) أخذ البلاء له؛ هل هو تأديب أو تعذيب؟ أو تخصيص أو تمحيص؟ أو ذُخْرٌ أو طُهْرٌ؟ فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، أي: ضُرُّ الإشكالِ في جهة أخذ البلاء (٦). وهذا غلُوٌّ لا يحتاج إليه. الثالث عشر: أنه قيل له: "سَل الله العافية، فقال: أقمتُ في النعيم سبعين سنة، فأُقِيمُ في البلاء سبعين سنة، وحينئذ أَسْأَلُه، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ " (٧).

стр. 656

وهذا مُمْكِنٌ؛ لكنه لم يصحَّ في إقامته مدة، ولا في هذه القصة. الرابع عشر: "أنه نَزَلَ به البلاء العظيم؛ فبينما هو يومًا إذ مَرَّ به لُمَّةٌ من أعدائه فقالوا: لو كان لهذا عند الله قَدْرٌ لما كان بهذه المَقْذَرة على هذه المزبلة (١)، فقال حينئذ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ "، أي: شماتة الأعداء" (٢). وهذا ممكن؛ فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ (٣) [الأعراف: ١٥٠]. الخامس عشر: "أن تلاميذه الذين كانوا يكتبون عنه لمَّا أفضت حَالُه إلى ما انتهت إليه مَحَوْا ما كتبوا عنه، وقالوا: ما لهذا عند الله قَدْرٌ، فاشتكى الضُّرَّ في ذهاب الوحي والدِّينِ من أيدي الناس" (٤). وهذا ممَّا لم يصحَّ سَنَدُه، والله أعلم به. السَّادس عشر: أن ضُرَّه كان قول إبليس لزوجه: "اسجدي لي" (٥)، فخاف ذهاب الإيمان عنها، فتهلك ويبقى هو بغير كافل (٦). السَّابع عشر: لمَّا ظهر البلاءُ قال قَوْمُه: "قد أَضَرَّ بنا كَوْنُه معنا، وقَذَرُوه، فليخرجْ عنَّا، فأخرجته امرأتُه إلى ظاهر البلد، فكانوا إذا خرجوا فرأوه تطيَّروا به وتشاءموا برؤيته، فقالوا: ليَبْعُدْ بحيث لا نراه، فخرج (٧) إلى بُعْدٍ من القرية، فكانت امرأتُه تقوم عليه وتحمل قُوتَه إليه، فقالوا: إنها

стр. 657

تتناوله وتخالطنا فيَعْدُو بسببها ضَرَرُه إلينا، فأرادوا قَطْعَها عنه، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ " (١). الثامن عشر: "أن امرأته كانت ذات ذوائب؛ فعَدِمَتْ حين مُنِعَتْ أن تتصرَّف لأَحَدٍ بسَبَبِه ما تَعُودُ به عليه، فقَطَعَتْ ذُؤابتها، واشترت به ممَّن يصلها قُوتًا وجاءت به إليه، وكان يستعينُ بذؤاتها في تنقله وتصرفه، فلمَّا عَدِمَها وأراد الحَرَكَةَ فلم يَقْدِرْ قال: ﴿مَسَّنِيَ﴾ " (٢). وقيل: "إنها لمَّا اشترت القوت بذوائبها جاءه الشيطان في صورة رجل"، وهذا هو: التاسع عشر: فقال له: "إن أَهْلَكَ بَغَتْ، فأُخِذَتْ فحُلِقَ شعرها، فحلف أيوب أن يجلدها" (٣)، فكانت المحنة على قلب المرأة أشد من المحنة على بدن أيوب. المُوَفِّي عشرين: "أن أيوب ﵇ كان الله قد قطع قلبَه عن الألم، ومنع من إحساسه به، وشَغَلَه برَبِّه، فكان لا يُحِسُّ بالبلاء". وهذا ممَّا لا ينبغي أن يستنكر؛ فإنَّ من يخرج في الحرب (٤) لا يشعر به حتى تزول الحالة التي هو فيها، والباري سبحانه هو خالق الألم، وخالق العلم به، ثم إن الله ستره هذه المدة عن نفسه، ثم رَدَّ إليه إحساسه فوجد الألم، فما زاد أن قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾.

стр. 658

الحادي والعشرون: قيل: إن أيوب أعطاه الله من الصبر أعظم ممَّا أنزل به من البلاء، ولكنه (١) أحوجه إلى هذه الكلمة لتظهر فيه جِبِلَّةُ الآدمية، وعجز البشرية، وشيمة العبودية (٢). الثاني والعشرون: رُوي "أن جبريل احتبس عنه أربعين يومًا، فقال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ " (٣)، رُوي عن جعفر الصادق. الثالث والعشرون: "أوحى الله إلى أيوب أن هذا البلاء سأله سبعون نبيًا قبلك وما اخترتُه إلا لك، ولكن لمَّا أراد الله كَشْفَه عنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ " (٤). وهذا يَفْتَقِرُ إلى نَقْلٍ. الرابع والعشرون: ما شكى الضُّرَّ حتى عجز عن الطَّاعَةِ؛ فجعل عجزه عن الطاعة ضُرَّه الذي مَسَّه، لا ألمه الذي كان قد أَحَسَّه (٥). الخامس والعشرون: قال بعضهم: "إنه طلب من الله الزيادة ليرضى، فكشف الله عنه برحمته" (٦). وهذا قَوْلٌ يخالف النصَّ، فإنه قال فيه: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، ففيه نَوْعُ شكوى لا رِضًى.

стр. 659

قال الحافظ أبو بكر (١) ﵁: وقال الطبري في قوله: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾: "النُّصْبُ: المرض الذي أصابه، والعذاب: ذهاب ماله" (٢). وقد أخبر الله كما بيَّنَّا عنه ﷺ أنه قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، ثم فسَّره وفسَّر سَبَبَه فقال: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، وأضافه إلى الشيطان أدبًا كما بيَّنَّا عنه في غير موضع، كما أضافه إبراهيم ﷺ إلى نفسه أيضًا أدبًا فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، وأضاف الشفاء إلى الله (٣) إقرارًا وتسليمًا، وايمانًّا وإجلالًا. ويحتمل أن يكون أراد بإضافة ذلك إلى الشيطان ما كان يُوَسْوِسُ به إليه وإلى زوجه؛ من تجزيعهما (٤) ممَّا نزل بهما، واجتهاده في التبرم بالأذى، وهو يجده في كل ذلك صابرًا، فكان معه في تعب وتعذيب؛ وهي مشقة مجاهدته، فإن مقاساة المشقة والخروج من الرخاء إلى الشدة عذاب، وفي الحديث الصحيح: "السَّفَرُ قطعة من العذاب، يُمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدٌ منكم نَهْمَتَه فليعجل إلى أهله" (٥).

стр. 660

[شَرَائِطُ رواية الإسرائيليات]: ويَجِبُ عليكم أن تنظروا إلى هذه الأقوال وإلى غيرها من الأخبار الإسرائيلية، فكُلُّ ما كان منها تعظيمًا للإله والنبي، وأدبًا في الدين، واحترامًا للشرائع، ووَصَاةً بمحاسن الأخلاق، فهو مأذونٌ فيه، وما كان على خلاف ذلك فانبذوه ظَهْرًا. وفي الصحيح - واللفظ للبخاري -: أن ابن عباس قال: "يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب وكتابُكم الذي أُنزل على نبيكم أحدثُ الأخبار بالله، تقرأونه مَحْضًا لم يُشَبْ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب قد بَدَّلُوا من كُتُبِ الله، وغيَّروا وكتَبُوا بأيديهم الكتب، فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أُنزل عليكم" (١). وقد أنكر النبي ﷺ في حديث "الموطأ" على عمر قراءته التوراة (٢). وقد تتَّبعنا هذه الأقوال في "كتاب الأنبياء" وبيَّنَّاها على التفصيل، وقد كشف الله الحقيقة في ذلك فقال في أيوب: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].

стр. 661

معناه: أنه دخل في البلاء على صفة، فخرج منه كما دخل فيه، وما تغيَّر منه حال ولا مقال. وهذه الجملة التي أنبأناكم هاهنا والقانون الذي نبَّهناكم عليه يَدُلُّ على ذلك المفسَّر كله؛ لمن ألقى السمع واعتمد النفع إن شاء الله (١). ذِكرُ مُحَمَّدٍ ﷺ -: وأمَّا محمَّد ﷺ فإن أَمْرَه (٢) عظيم، وقَدْرَه كريم، رُزِقَ العافية، ومُكِّنَ له في الأرض، ومَلَكَ أعداءه فمَنَّ عليهم، وسُوِّدَ على جميع الخلق، وأُعْطِيَ لواء الحمد، ورُفِعَتْ دَرَجَتُه على الخلق، يُشَفِّعُه في خلقه، ويُجْلِسُه معه على عرشه (٣)، ويُقَدِّمُ على الأُمَم أُمَّتَه، ويستشهد به وبهم على ما علَّمه؛ ليُظهر المزيَّة، ويُعْلِيَ المرتبة، ويُوجِبَ الشرف الأقصى، وذلك ليس بعمل استوجبَه، وإنَّما هو تَفَضُّلٌ منه سبحانه عليه، وكذلك جميع الخلق؛ من الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقرَّبين، والخلق أجمعين. ولئن كان أعطى سبحانه المنازل للأنبياء بالبَلاء، فلقد أعطاها لمُحَمَّدٍ ﷺ بالعافية والعَلاء، وضاعف الأجر لأُمَّتِه في حُرْمَتِه، فقال سبحانه: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، وقال النبي ﷺ في الصحيح - واللفظ للبخاري -: عن ابن عمر مجموعًا، قال النبي على المنبر: "إنما بقاؤكم فيما سَلَفَ من قبلكم من الأمم، أو إنما أَجَلُكم في أَجَلِ (٤) من خَلَا

стр. 662

قبلكم (١) من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، ومَثَلُكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، أُوتِيَ أهلُ التوراة التوراة، فعملوا حتى انتصف النهار، عجزوا فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوييَ أهلُ الإنجيل الإنجيل (٢)، قال ابنُ دينار: فقال: من يعمل من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأُوتُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن، قال: من يعمل من العصر إلى أن تغرب (٣) الشمس على قيراط؟ فعملتم به حتى غربت الشمس، فأُعطيتم قيراطين قيراطين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: ربنا أعطيتَ هؤلاء قيراطين [قيراطين]، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا وأقل عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء" (٤)، واستكملوا أجر الفريقين. قال الإمام الحافظ قاضي الجماعة أبو بكر بن العربي (٥) ﵁: فأخبر الله سبحانه أنه ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، ويؤتي المُلْكَ من يشاء، و ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].

стр. 663

قُدْوَةٌ: وقد رُوي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قيل له في مرضه: "ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني"، وفي رواية أخرى: "قد سألته فقال: إني فعَّال لما أريد" (١). أخذه سَرِيٌّ السَّقَطِي على طريقتهم، قال له الجُنَيْدُ: كيف نجدك؟ فقال (٢): كيف أشكو إلى طبيبي ما بي … والذي بي أصابني من طَبِيبي ولو صحَّ هذا لكان له وجهان: أحدهما: أنه كان أيقن بالمَنِيَّةِ فلم يكن للطب فائدة؛ لأن فائدة الطب جَلْبُ الصحة عند ذهابها، ولا خلاف فيه، أو السعي في إدامة الصحة بالتوقِّي من الأغذية المَخُوفَةِ أو إخراج الأخلاط المتوقع ضررها؛ وذلك جائز أيضًا، والأوَّل أظهر. [الثاني]: أو يكون أراد أن يكون (٣) من السَّبْعِينَ ألفًا؛ "الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون" (٤). الحالة الثانية: أن يتطبَّب بأن يستعمل الدواء إذا وجد الداء، وذلك جائز، ولا ينفي التوكل، ففي الأحاديث التي قدَّمناها كفايةٌ في الباب.

стр. 664

والحالة الثالثة: أن يتطبَّب، بأن يخاف نزول الداء بما (١) يرى من علاماته، فالنظر له جائز؛ بأن يُحِسَّ (٢) تَبَيُّغَ (٣) الدم فيخففه قبل أن يتمكن استشراؤه (٤)، أو يحس بكثرة الرطوبة فيسعى في التخفيف، أو المَشِيُّ (٥) الذي يُخرج بعضها، أو تغلبه (٦) الكروب لغلبة السوداء، أو يجد المرارة والدُّوَارَ بغلبة الصفراء، أو يجد في الأعضاء وجعًا بجريان (٧) الريح، فيقابل كل واحد منها (٨) بأضدادها (٩)، والأصل في ذلك حديثان: أحدهما: صحيح، وهو تبريد الحُمَّى بالماء (١٠). والثاني: ما رُوي في الحسان: "أن النبي ﷺ أَكَلَ البطِّيخ بالرُّطَبِ، وقال: نكسر (١١) حَرَّ هذا لبَرْدِ هذا" (١٢).

стр. 665

وقد روي (١) عن ابن عباس - إن صحَّ - أنه قال: "من وجد الحمَّى فليبُلَّ ثوبًا وليَلْبَسْهُ" (٢). وقال النبي ﷺ في مَرَضِه - وقد وَجَدَ الحَرَّ -: "أفرغوا (٣) عَلَيَّ من سَبْعِ قِرَبٍ لم تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ" (٤). وكان عندنا بالأندلس طَبِيبٌ مُسِنٌّ إذا دخل الحمَّام واستوطن البيت الحارَّ أَمَرَ (٥) بصَبِّ الماء البارد عليه، يقول: "أَعْكِسُ الحرارة إلى داخل بَدَنِي"، فإنه كان مبرودًا (٦)، وأظنه كان مبروصًا. وقال بعضُ الفقهاء: إذا وجد الحُمَّى واستعمل تبريدها بالماء اتكالًا على فضل الله وثِقَةً بوعده ذهبت عنه بإذن الله. وقد أشرنا من قبل إلى وجه التبريد بها وخصوص عموم الحَرِّ (٧) فيها، والله أعلم.

стр. 666

شَرْطُ التداوي: ومهما استعمل (١) شيئًا من هذه الأدوية فلا يعتقد أنه فَعَلَ شيئًا ممَّا يظن الغافل (٢) أنه يفعله، وإنَّما الباري تعالى يخلق عنده ما يخلق (٣)؛ من قبض أو إرسال، أو نَفْع أو ضُرٍّ، كما يخلق الشِّبَعَ عند أكل الخبز، والرِّيَّ عند شُرْبِ الماء، والحَرْقَ عند اتصال النار، فإذا قَصَدَ بالطِّبِّ إدامة الصحة أو دَفْعَ السقم، وعَلِمَ أنه علامةٌ لا مُوجِبٌ لدَفعْ الألم أو دفع السقم، فهو من الذين "لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكَّلون" على أحد الأقوال. وثَحْقِيقُ القَوْلِ فيه: أن ظاهر هذا الحديث يقتضي حال أيوب والصدِّيق في التخلِّي عن الطب والمعاناة، والاستسلام لأمر الله، والإلقاء بالأيدي لقضائه النازل وحُكْمِه النافذ. وقد قيل: إنه منسوخ بجواز التداوي. قال بعضهم: وذلك لا يجوز؛ لأن الأخبار في الفضائل لا يدخلها نسخ، وإنما يدخل النسخ في الأحكام. وهذه غفلة؛ فإن هذا من الأحكام؛ وهو جَوَازُ التداوي بعد أن كان ممنوعًا بالنهي عن الكَيِّ والأمر بالاستسلام. ومنهم من قال - في القول الثالث -: إن خبر السبعين الألف يُفِيدُ بيان الأفضل من حال العبد في التوكل، وهذه الأخبار كلها تُفِيدُ الجواز. وبه أقول.

стр. 667

وأمَّا (١) النسخ فلا سبيل إليه؛ لأن النبي ﷺ قد كُوشِفَ بهم في الآخرة، ورأى أحوالهم في القيامة، وأَعلمه (٢) بصفتهم وعددهم وخصلتهم، فهذا ما لا يَصِحُّ نَسْخُه بحال من الأحوال، وإنما استرقى النبيُّ ﷺ لنَفْسِه - وإن كان الأفضل ترك الرُّقية - رحمةً بأُمَّتِه، حتى يأنسوا به، فهو يَرْقِي ويعلم أن المقصود منها ذكر الله على كل حال، وإليه المرجع والمآل، وهو الذي يُدَبِّرُ الأمور، ويقلب الأحوال. وقد كان ﷺ يفعل ما الأفضل أن يفعل غيره (٣)، رِفْقًا بالأمة؛ لئلَّا يشق عليهم ألَّا (٤) يتأخَّروا عن فِعْلِه، ويتكلَّفوا (٥) ما لا طاقة لهم به، فجزاه الله أفضل ما جزى به نبيًّا عن أمته (٦)، و ﷺ ، وتغمَّده الله بفضله ورحمته. تدريج: فإن قدَّر الله عافيته، وأعاد صحته؛ دام بقاؤه في مقامه الأول، وهو الدنيا، وعادت عليه (٧) وظائفه نظرًا للأُخرى، وطَفِقَ يتردَّد (٨) كما كان؛ بين ما يهوى أو ما هو به أحرى، فلينظر على أي صرعيه يقع، وليَبْتَدِرْ ما هو له أنفع، وإيَّاك أن تطمع في أن تأتلف له الدنيا والآخرة أو تجتمع، وما أبعد

стр. 668

هذا لمن ارتاد أو انتجع (١)، فإن ذلك لا يقدر عليه إلَّا (٢) الأقوياء من الصحابة بعد الأنبياء؛ كالأغنياء من العشرة البررة الأتقياء؛ عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وإن عَطفَتْ عليه المَنُونُ عَنَانَها، وأدلعت عليه (٣) البَوْغَاءُ لسانها، وكشفت له الحقيقة حنانها؛ انتقل إلى: * * *

стр. 669

المقام الثاني: وهو الموت

стр. 670

وقد كان (١) يجوز في حُكْم الله وحِكْمَتِه أن يكون عَدَمًا مَحْضًا، وفناء صِرْفًا، ولا يكون بعده وجود، إلَّا أن المُدَبِّرَ دَبَّرَ ما أراد، والمُبْدِئَ المعيد أبدأ وأعاد، وهو الحكيم العليم، فجاء ذلك بخبره، وجرى على مقتضى إرادته وقوله، وهو أوَّلُ منازل الآخرة، وآخرُ منازل الدنيا (٢). وقد قال النبي ﷺ من رواية المُسْتَوْرِدِ بن شدَّاد أخي بني فِهْر -: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه - يعني: السبابة أو الإبهام، والسبَّابة أكثر - في اليمِّ، فلينظر بم ترجع إليه" (٣). وله أحوال (٤): * * *
следующие страницы →