← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

شَرْطُ التداوي: ومهما استعمل (١) شيئًا من هذه الأدوية فلا يعتقد أنه فَعَلَ شيئًا ممَّا يظن الغافل (٢) أنه يفعله، وإنَّما الباري تعالى يخلق عنده ما يخلق (٣)؛ من قبض أو إرسال، أو نَفْع أو ضُرٍّ، كما يخلق الشِّبَعَ عند أكل الخبز، والرِّيَّ عند شُرْبِ الماء، والحَرْقَ عند اتصال النار، فإذا قَصَدَ بالطِّبِّ إدامة الصحة أو دَفْعَ السقم، وعَلِمَ أنه علامةٌ لا مُوجِبٌ لدَفعْ الألم أو دفع السقم، فهو من الذين "لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكَّلون" على أحد الأقوال. وثَحْقِيقُ القَوْلِ فيه: أن ظاهر هذا الحديث يقتضي حال أيوب والصدِّيق في التخلِّي عن الطب والمعاناة، والاستسلام لأمر الله، والإلقاء بالأيدي لقضائه النازل وحُكْمِه النافذ. وقد قيل: إنه منسوخ بجواز التداوي. قال بعضهم: وذلك لا يجوز؛ لأن الأخبار في الفضائل لا يدخلها نسخ، وإنما يدخل النسخ في الأحكام. وهذه غفلة؛ فإن هذا من الأحكام؛ وهو جَوَازُ التداوي بعد أن كان ممنوعًا بالنهي عن الكَيِّ والأمر بالاستسلام. ومنهم من قال - في القول الثالث -: إن خبر السبعين الألف يُفِيدُ بيان الأفضل من حال العبد في التوكل، وهذه الأخبار كلها تُفِيدُ الجواز. وبه أقول.

стр. 667

وأمَّا (١) النسخ فلا سبيل إليه؛ لأن النبي ﷺ قد كُوشِفَ بهم في الآخرة، ورأى أحوالهم في القيامة، وأَعلمه (٢) بصفتهم وعددهم وخصلتهم، فهذا ما لا يَصِحُّ نَسْخُه بحال من الأحوال، وإنما استرقى النبيُّ ﷺ لنَفْسِه - وإن كان الأفضل ترك الرُّقية - رحمةً بأُمَّتِه، حتى يأنسوا به، فهو يَرْقِي ويعلم أن المقصود منها ذكر الله على كل حال، وإليه المرجع والمآل، وهو الذي يُدَبِّرُ الأمور، ويقلب الأحوال. وقد كان ﷺ يفعل ما الأفضل أن يفعل غيره (٣)، رِفْقًا بالأمة؛ لئلَّا يشق عليهم ألَّا (٤) يتأخَّروا عن فِعْلِه، ويتكلَّفوا (٥) ما لا طاقة لهم به، فجزاه الله أفضل ما جزى به نبيًّا عن أمته (٦)، و ﷺ ، وتغمَّده الله بفضله ورحمته. تدريج: فإن قدَّر الله عافيته، وأعاد صحته؛ دام بقاؤه في مقامه الأول، وهو الدنيا، وعادت عليه (٧) وظائفه نظرًا للأُخرى، وطَفِقَ يتردَّد (٨) كما كان؛ بين ما يهوى أو ما هو به أحرى، فلينظر على أي صرعيه يقع، وليَبْتَدِرْ ما هو له أنفع، وإيَّاك أن تطمع في أن تأتلف له الدنيا والآخرة أو تجتمع، وما أبعد

стр. 668

هذا لمن ارتاد أو انتجع (١)، فإن ذلك لا يقدر عليه إلَّا (٢) الأقوياء من الصحابة بعد الأنبياء؛ كالأغنياء من العشرة البررة الأتقياء؛ عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وإن عَطفَتْ عليه المَنُونُ عَنَانَها، وأدلعت عليه (٣) البَوْغَاءُ لسانها، وكشفت له الحقيقة حنانها؛ انتقل إلى: * * *

стр. 669

المقام الثاني: وهو الموت

стр. 670

وقد كان (١) يجوز في حُكْم الله وحِكْمَتِه أن يكون عَدَمًا مَحْضًا، وفناء صِرْفًا، ولا يكون بعده وجود، إلَّا أن المُدَبِّرَ دَبَّرَ ما أراد، والمُبْدِئَ المعيد أبدأ وأعاد، وهو الحكيم العليم، فجاء ذلك بخبره، وجرى على مقتضى إرادته وقوله، وهو أوَّلُ منازل الآخرة، وآخرُ منازل الدنيا (٢). وقد قال النبي ﷺ من رواية المُسْتَوْرِدِ بن شدَّاد أخي بني فِهْر -: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه - يعني: السبابة أو الإبهام، والسبَّابة أكثر - في اليمِّ، فلينظر بم ترجع إليه" (٣). وله أحوال (٤): * * *

стр. 671

الأوَّل: حالة القبض وقد تكلَّم الناسُ في كيفيته، وأوردوا فيه روايات لم يصحَّ منها حرفٌ. وقد قالوا: "إنه ينتقل من غفلة إلى ذِكْرَى - وصدقوا -، ومن (١) نوم إلى يقظة"، وقد تَجَوَّزُوا في هذا القول وتجاوزُوا، وقد بيَّنَّا الحق فيه في كتاب "العواصم" (٢). ولو كانت الحياةُ الدنيا هي الأمد الأقصى والمرتبة العُليا التي إليها المنتهى (٣) لكان الخَلْقُ عَبَثًا، والعالم باطلًا، وتعالى الله عن ذلك، وكلُّ ما أوردوه في كيفية قبض الأنفس والأرواح يدور على أنهما جسمان أو عَرَضَانِ؛ معلومان أو مجهولان، مُتَّحِدَانِ أو مُتَعَدِّدَانِ، ورأى كثيرٌ من الناس أن ظواهر الأخبار تدلُّ على حقيقة الجِسْمِيَّةِ فيها، إلَّا أن الذي (٤) صحَّ منها قليل (٥).

стр. 672

ومن الحق عليكم ألَّا تجعلوا ذلك من فُرُوضِ معارفكم، ولا من وظائف عقائدكم، وإنَّما عليكم أن تحفظوا فيها أربعة عقود: العَقْدُ الأوَّل: أنها موجودةٌ عن عدم، مخلوقة من غير شيء، محصورة محاط بها، مُقَدَّرَةٌ في ذاتها وحقيقتها كسائر الحوادث. الثاني: أنها باقية لا فناء لها بعد وجودها. الثالث: أنها تنفرد (١) باللذة والألم والنعيم والعذاب عن الجسم؛ كما تَلْتَذُّ وتألم، وتُنَعَّمُ وتُعَذَّبُ (٢) معه، ولا يصح أن ينفرد عنها الجسمُ بشيء من ذلك. الرابع: أنه يبقى النظر في انفرادها عن الجسم بذلك؛ هل يقال: بأنها جِسْمٌ آخَرُ فيصحُّ له الانفراد دونه؟ أم هي عَرَضٌ فلا يصح أن تقوم بنفسها دون الجسم؟ ولا يصحُّ أن تقوم (٣) بجسم آخر فيُعَذَّبُ من لم يذنب، أو يُنَعَّمُ من لم يُحْسِنْ، والخبرُ الصِّدْقُ قد جاء بأن الثواب والعقاب إنما يكون للمحل الذي تولَّى الطاعة والعصيان. وقد قال بعضُ علمائنا (٤): "إن الروح إن كانت عَرَضًا فلا بد من وجودها بجزء من البدن".

стр. 673

ولعله الذي ورد في (١) الحديث الصحيح: "كُلُّ ابن آدم تأكله الأرض إلا عَجْبُ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ، وفيه يُرَكَّبُ" (٢)، فيقوم به، ويكون كلَّما ورد عليه مُضَافًا على تلك الحال إليه. وذلك كله لا يضر في العقيدة، ولا يقف الحكم بالإيمان عليه، بل يكفي العَقْدَانِ (٣) الأوَّلان للنجاة إلى النعيم الأكثر، والفوز بالمُلْكِ الأكبر. تفصيل: وقد يكون القبضُ بإنذار ومقدمة، ويكون بغتة. فإن كان بغتة (٤) فقد رُوي (٥) في الأثر الحسن: "أنها أَخْذَةُ أسَفٍ" (٦). وروى الترمذي عن عائشة: "أنها راحة للمؤمن، وأخذة أَسَفٍ للكافر" (٧).

стр. 674

وفيه عن ابن عباس: "أن داود مات بوم مات يوم السبت فُجَاءة" (١). وهذا كله لا أصل له، فلا يعَوِّلْ أَحَدٌ منكم عليه. وفي الصحيح (٢) - واللفظ للبخاري - عن عائشة: "أن رجلًا قال للنبي: إن أمي افتُلِتَتْ نفسُها، وأظنها لو تكلَّمت تصدَّقت، فهل لها أجر إن تصدَّقت عنها؟ قال: نعم" (٣). وإمَّا أن يكون بإنذار، وذلك بوجهين لصنفين؛ أعلى: وهم الأنبياء. وأدنى: وهم سائر الخلق. فأمَّا الأنبياء؛ فقد روت عائشة في الصحيح: "كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لم يُقبض نبي قطُّ حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيى أو يُخيَّر، فلمَّا اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غُشي عليه، فلمَّا أفاق شَخَصَ بصره نحو سقف البيت ورفع يده أو أصبعه، وقال (٤): اللهم الرفيق الأعلى، فقلت: إذًا لا يجاورنا - وفي رواية: لا يختارنا -، فعرفتُ أنه حديثه الذي كان يحدثنا، وكانت هذه آخر كلمة تكلَّم بها، وهو قوله: اللهم الرفيق الأعلى" (٥)، وهو صحيح.

стр. 675

وقد تقدَّم حديثُ أبي مُوَيْهِبَةَ (١) في تخييره ﵇ بين الخُلْدِ في الدنيا وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله (٢). وروى أبو هريرة فيه: أن النبي ﷺ قال: "أُرْسِلَ مَلَكُ الموت إلى موسى فقال له: أجب ربك، قال: فلمَّا جاءه صَكَّ عَيْنَ ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، وقد فقأ عينى، فردَّ الله إليه (٣) عينه، وقال: ارجع إلى عبدي وقل (٤) له: الحياة تريد؟ فإن كنتَ تريد الحياة فقل له يضع يده على مَتْنِ ثور، فكل ما وارت يدُه من شعرة فله بها سَنَةٌ، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، قال: فسأل الله أن يُدْنِيَه من الأرض المقدَّسة رَمْيَةً بحَجَرٍ، ثم قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : والله لو كنتُ ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، عند الكَثِيبِ الأحمر" (٥). قال القاضي الإمام أبو بكر (٦): فقَبْرُه شرقي المسجد الأقصى، بإزاء كنيسة يقال لها العَزَرِيَّة (٧)، على نَحْوٍ من فرسخ منه.

стр. 676

وأمَّا سائر الخلق؛ فإن من سعادة المرء أن يتقدَّمه الخوف من المنيَّة بتوقع وُرُودِها في فُسْحَةِ من العمر، بما يتحقق من مَغِيبِ الأجل عنه، أو يبلغ سن العبد (١) إلى الهرم، ويصير بعد النضارة حَرَضًا، فيحمله ذلك على استشعار الموت، فيقدم له التوبة، ويستدرك من صلاح العمل، حتى إذا أمر الله بقبض نفسه رُفع له الحجاب، وكُوشِفَ بأمر الآخرة، وخُلِقَ له إدراكها، فحينئذ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وإنما ينتفع المرء إذا أسلم في غَيْبٍ من أمر الآخرة، وهو: المُحْتَضِرُ: قال الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وهذا أوَّل قول العبد المحروم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وسيعود إلى سؤال ذلك، ولا يُقْبَلُ منه آخِرًا، كما لم يُقْبَلْ منه أوَّلًا. ورُوي (٢) في الصحيح - واللفظ للبخاري - عن عبادة: قال النبي ﷺ : "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس ذلك (٣)، ولكن المؤمن إذا حضره الموتُ بُشِّرَ برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه ممَّا أمامه، فأحبَّ لقاءَ الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِرَ بُشِّرَ بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه ممَّا أمامه، كره لقاءَ الله وكره الله لقاءَه" (٤).

стр. 677

ولهذا المعنى لا ينبغي لأَحَدٍ تَمَنِّي الموت، فإن النبي ﷺ نهى عنه، قال فيما ثبت وصَحَّ من طُرُقٍ عديدة (١) عن حارثة بن مُضَرِّب: "دخلتُ على خَبَّاب وقد اكتوى"، وذَكَرَ الحديث إلى قوله: "ولولا أن رسول الله ﷺ نهى أن يُتَمَنَّى الموت لتمنَّيناه" (٢). وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٣) أنه قال (٤): "انتشرت رعيتي، وضعفت قوتي، فاقبضني إليك غير مفتون" (٥). فلم يَتَمَنَّ الموتَ خبَّابٌ لأجل الألم الذي كان طاف به، وسأل عمرُ الموتَ لأنه خاف أن يُرَدَّ إلى أرذل العمر؛ لأنه قد كان النبيُّ يستعيذ منه، وتوقَّع التقصير في أمور الرعية. هذا، وقد جُبِلَ المرء على حُبِّ الحياة، فإن كان رُكونًا إلى الدنيا فله الويل الطويل من الغَبْنِ (٦)، وإن كان ليستدرك (٧) ما فَرَطَ منه فنِعْمَ بقية العمر إن سَلِمَ له من الأُبَنِ (٨)، وإن كان تمني الموت ممَّا يرى من المنكر فإنه

стр. 678

جائز، قال النبي ﷺ في الصحيح -: "لن تقوم السَّاعَةُ حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه" (١). ولذلك استحبَّ الناسُ تلقين الميت عند الاحتضار، صَحَّ من طُرُقٍ أن النبي ﷺ قال: "لَقِّنُوا موتاكم لا إله إلا الله" (٢). أخبرنا القاضي (٣) أبو المُطَهَّر سعدُ بن عبد الله الأصبهاني: أنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الحافظ: أنا أبو علي الحسن بن محمد الفقيه بجُرْجَانَ: سمعتُ عمر بن محمد بن إسحاق (٤) الرازي يقول (٥): سمعتُ (٦) أبا جعفر التُّسْتَرِي يقول: "حَضَرْنَا أبا زرعة وكان في السَّوْقِ، وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء، فذكروا حديث التلقين؛ قول النبي ﷺ : "لَقِّنُوا موتاكم لا إله إلا الله"، فاستحيوا من أبي زرعة، وقالوا: تعالوا نتذاكر الحديث، فقال محمد بن مسلم: نا الضحَّاك بن مخلد أبو عاصم: نا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن بْن (٧)، ولم

стр. 679

يجاوزه، فقال أبو حاتم: نا بُنْدَار: نا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح، ولم يجاوزه، والباقون سُكُوتٌ، فقال أبو زرعة - وهو في السَّوْقِ -: حدَّثنا أبو عاصم عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن (١) أبي عَرِيب عن كثِير بن مُرَّة الخضرمي عن معاذ بن جبل: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخِرُ كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دَخَلَ الجنة"، وتوفي ﵀" (٢). وقال النبي ﵇: "إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يُؤَمِّنُونَ" (٣)، صحيح. وقال لأهل الميت: "لا تدعوا لأنفسكم إلا بالخير (٤)، فإن الملائكة يؤمنون" (٥). وقال ﷺ : "ألم تروا الإنسان إذا مات شَخَصَ بصرُه، قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبع بصرُه نفسَه" (٦).

стр. 680

وذلك مع حضور العقل لما في الدنيا، قبل أن يطمح البصر، ويحشرج الصدر، ويقشعر الجلد، فيرتحل حينئذ عنَّا (١). سَكَرَاتُ الموت: ثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: "إن رسول الله ﷺ كان بين يديه عُلبة أو رَكْوَةٌ فيها ماء (٢)، فجعل يُدخل يديه (٣) في الماء ويمسح بهما (٤) وجهه، ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، ثم نَصَبَا يده فجعل يقول: بل (٥) الرفيق الأعلى، حتى قُبِضَ ومالت يده" (٦). وثبت عن عائشة أنها قالت: "لا أكره شِدَّةَ الموت لأحد بعد ما رأيت من رسول الله ﷺ " (٧).

стр. 681

وحقيقة (١) السكرة: ضيق الحال وخروجها عن حد المعتاد والمختار، وهو حقيقة "س ك ر" حيث وقع البناءُ المذكور. وهي تشتد على الكافر عقوبةً، وتشتد على المؤمن كفَّارةً إن وجدت ذنوبًا، ودرجات إن لم تصادف ذنوبًا، كما نقول في آلام المرض ومصائب الدنيا: إنها إن صادفت في المؤمن ذنوبًا (٢) كفَّرتها، وإلَّا فهي درجات (٣) رفعتها، وفي حق الكافر العافية مكافأة على جميل إن كان فَعَلَه في الدنيا، أو استدراج، والبلاءُ تعجيلُ عقاب. فأمَّا في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فلفائدتين: إحداهما (٤): مثل فائدة الوعك الذي كان يُضاعف عليه ألمُه لادِّخار المنازل، [ثانيتهما]: أو ليكون ذلك سَلْوَةً لأُمَّته، وأُسوة لمن يأتي بعده من أتباعه وزُمْرَتِه. وفي "صحيح الصحيح" عن أبي قتادة: قال النبي ﷺ مُبَيِّنًا لحال القِسْمَيْنِ: "مستريح ومُستراح منه" (٥). أمَّا العبدُ المؤمن فيستريح من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبدُ الكافر يستريح منه العباد (٦) والبلاد والشجر والدواب.

стр. 682

ومنهم من يُقبض بالقعقعة، كما رُوي في الصحيح: "أن بعض بنات النبي ﷺ أرسلت إليه أن وَلَدَها يَجُودُ بنفسه"، فجاء في حديث: "فرُفِعَ إليه ونفسُه تَقَعْقَع كأنها شَنٌّ" (١). فسبحان المؤلم مَن (٢) لم يذنب من غير اعتراض ولا سؤال. ومنهم من يُقبض بعَرَقِ الجبين، كما رَوى الترمذي (٣) وغيره عن بُرَيدة، ولم يصح. [نُسَخُ جامع الترمذي]: وعُذْرًا إليكم؛ فإنَّا ربَّما أحلنا على "الترمذي" فنظرتموه في "النسخة المحبوبية" (٤) فلم تجدوه، فانظروه في "النسخة المروزية" (٥) فهي أكمل، فقد (٦) رويناهما معًا والحمد لله.

стр. 683

وقد أخبرنا أبو الحُسَين (١) المبارك بن عبد الجبَّار (٢): أنا عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأَزَجِي (٣): نا محمد بن أحمد المُفيد (٤): نا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن السَّقَطِي: نا أبو خالد يزيد بن هارون عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "المَوْتُ كَفَّارَةٌ لكل مسلم" (٥)، صحيح حسن.

стр. 684

[كيفية قبض الروح (١)]: وورد في كيفية قبض الروح ثلاث آيات: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٣٩]. وقال في آية ثانية: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. وقال في آية ثالثة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٤]. فقال علماؤنا - رحمة الله عليهم -: إنها ثلاثة أقوال لثلاثة معان: أمَّا إضافة الوفاة إلى الله تعالى فهي الحقيقة؛ لأنه الفاعل على الإطلاق للموت، وللمُتَوَلِّي للموت (٢)؛ كان مَلَكًا واحدًا أو ألف (٣) مَلَكٍ، لأنه خالق الأعيان والأفعال لا خالق سواه، والكلُّ مَحَلٌّ لفِعْلِه (٤). وأمَّا إضافةُ (٥) الموت إلى مَلَكِ الموت لأنه الأمير المقدَّم على جميع الملائكة، والكُلُّ تحت يده، يتناولون ذلك بأمره في كل شخص وموطن، على سبيل العرب في إضافتها الفِعْلَ إلى الآمِرِ.

стр. 685

وأمَّا إضافة الموت إلى الملائكة فلأنهم المباشرون حِسًّا، والكُلُّ مضاف عربية إضافة صحيحة، وإن اختلفت المعاني معقولًا ومحسوسًا، وحقيقة ومجازًا، وأفاد الجميعُ العبارة بالبيان لملكوت الله وجبروته، وتدبيره وحِكْمَتِه، وإذا كانت الملائكة هي التي تتولَّى قبض الروح، ففي تنويع قَبْضِ الروح (١) آيَةٌ وأحاديث. أمَّا الآية فقد تقدَّمت، وهي قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾، وقوله: و ﴿الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، والمعنى في البَسْطِ (٢) يحتمل وجهين: أحدهما: المد والفتح حتى يقع فيها الروح؛ والثاني: الضرب، من قولك: "بسطتُ يدي على فلان"، إذا ضربتَه، وهو الأظهر لوجهين: أحدهما: أنه لو كان معنى البَسْطِ (٣) المد حتى يقع فيها الروح، فمن كان يُخْرِجُ الروح؟ والله قد أخبرنا بإخراجه على أيديهم. والثاني: أنه قد فسَّر البَسْطَ بالضرب في الوجوه والأدبار في الآية الأخرى: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، يقولون - في بعض الأقوال - للأجساد: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. ولو صحَّ أن هذا خطاب حقيقة لكان خطاب تكوين لا تكليف؛ لأن الأجساد لا تعقل فتكلَّف، ولا تُضبَط فتسلم.

стр. 686

وقال بعضهم: "إن معناه أنه بقال لهم: قد كنتم تزعمون أنكم تحكمون أنفسكم وتملكون أمركم، فالآن أخرجوا أنفسكم عن هذه الضيقة التي قد حصلتهم فيها". والكل صحيح ممكن محتمل. وأمَّا الحديث فصحَّ وثَبَتَ أن النبي ﷺ قال (١): "إذا حضِرَ المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء - وفي رواية: بقطعة من إستبرق -، فيقولون: اخرجي راضية مرصية عنك، إلى رَوْح وريحان، ورَبٍّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح مِسْكٍ، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به بابَ - يعني: باب السماء -، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد به فرحًا (٢) ص أحدكم بغائبه يَقْدَمُ عليه، فيسألون ما فعل فلان؟ ها فعل فلان؟ فيقولون (٣): دعوه، فإنه كان في غَمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ به إلى أمه الهاوية، وإنَّ الكافر إذا حُضِرَ أتته ملائكة العذاب بمِسْحِ - يعني: قطعة من صوف -، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة (٤)، حتى يأتون به باب الأرص فيقولون: ما أنتن هذه الريح (٥)، حتى يأتوا به أرواح الكفَّار" (٦).

стр. 687

[الحالة الثانية: احتمال الميت إلى مدفنه] وفي الحالة الثانية: وهي احتماله إلى مدفنه، وفي ذلك آثار وأخبار، من صحيحها ما رُوي: "أن الجنازة إذا وُضِعت - وأَصَحُّه (١): على السرير -، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قَدِّمُوني قدموني، وإن كانت غير ذلك قالت: يا ويلها، إلى ابن تذهبون بها (٢)؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه (٣) لصَعِقَ" (٤). وسُنَّتُها الإسراعُ؛ في الصحيح - واللفظ للبخاري -: "أسرعوا بالجنائز، فإن تَكُ صالحةً فخَيْرٌ تُقَدِّمُونَها إليه، وإن يكُ سوى ذلك فشَرٌّ تضعونه عن رقابكم" (٥). [الوَصَاةُ بالأحاديث الصحيحة وتجنب الأباطيل والمنكرات]: وفي خروج الروح والصعود بها وحملها أحاديثُ لا ينبغي لأحد منكم أن يلتفت إليها، فاشتغلوا بما صحَّ؛ فإن حُكْمَ الله عظيم، وما صحَّ عندنا

стр. 688

منه على لسان نبيه قليل، والمُدَلَّسُ كثير، والقارئ (١) له بالنقد غير بصير، فاقتصروا على يد الإسلام (٢) إن أردتم أن تقبضوا بها على الإسلام، وتتحقَّقوا (٣) الفَوْزَ إلى دار السَّلام، فإن من حدَّث عن النبي حديثًا يُرى أنه كَذِبٌ فهو أحدُ الكاذِبَيْنِ (٤). [القَوْلُ في الشهداء]: وأمَّا القول في الشهداء فالأحاديث الصِّحَاحُ فيه قليلة، وثوابها عظيم، فإنها تُكَفِّرُ كل خطيئة إلا الدين، وهو حَيٌّ عند ربه يُرْزَقُ، فَرِحًا بما آتاه الله من فَضْلِه ولَقِيَه به من بِرِّه، وأحاديثُهم كثيرة، الصحيح منها ما أُورِده عليكم، فاحفظوها وذَرُوا سواها: الأوَّل: "ما من أَحَدٍ يُكْلَم في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ (٥)، والريحُ رِيحُ مِسْكٍ" (٦).

стр. 689

والثاني: "القتلُ في سبيل الله يُكَفِّرُ كلَّ خطيئة إلا الدَّيْنَ" (١). الثالث: "من اعبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما الله على النار" (٢). الرابع: "من شاب شَيْبَةً في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة" (٣). الخامس: "لا يجتمع غُبَارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنَّم" (٤). السَّادس: قال النبي ﷺ : "وَدِدْتُ أنِّي أُقاتِل في سبيل الله فأُقتَل، ثم أُحيى ثم أُقتَل، ثم أُحيى ثم أقتَل" (٥). السَّابع: قال النبي ﷺ : "أرواح الشهداء في حواصل طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ من ثَمَرِ الجنة، أو شجر الجنة" (٦). وثبت وصحَّ أن النبي ﷺ قال: "إنما نسَمَةُ المؤمن طائر تَعْلُقُ في شجر الجنة" (٧).

стр. 690

واختلف الناس هل يرجع هذا الحديث إلى ما (١) قبله فيعني به الشهيد، أو يكون عامًّا في المؤمنين؟ وقد جاء هذا المعنى من طُرُقٍ، ورُويت أيضًا معاني هذا الحديث (٢) من طرق، والصحيح منها هذه السبعة، وهي كافية في الباب. وقد ثبت وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا من قلبه أعطاه الله أجر الشهادة" (٣)، من طريق معاذ بن جبل. وحديثُ الباب الذي نحن فيه ما روى المقدامُ بن مَعْدِي كَرِبَ قال: "قال رسول الله ﷺ : للشهيد عند الله ست خصال؛ يغفر الله له في أول دفعة، ويرى مقعده في (٤) الجنة، ويجار من عذاب القبو، ويأمن الفزع الأكبر، ويُوضَعُ على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويُزَوَّجُ اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشَفَّعُ في سبعين من أقاربه" (٥). قال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح غريب" (٦). وفي طريقه: بقيَّة بن الوليد، فالله أعلم.

стр. 691

الحالة الثالثة (١): [في أحوال الميت بعد إقباره] فإذا وُضِعَ في لَحْدِه (٢) وهِيلَ الترابُ عليه؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن العبد إذا وُضع في قبره وتولَّى عنه أصحابه؛ إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالهم، أتاه مَلَكان، فيُقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل - لمحمد ﷺ ؟ وما عِلْمُك بهذا الرجل؟ فأمَّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى فأحبنا وآمَنَّا واتَّبعنا، فيقال له: نَمْ صالحًا، قد علمنا إن كنت لمؤمنًا، انظر إلى مقعدك من النار قد بدَّلك (٣) الله به مَقْعَدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، ويُفسَح له في قره، وأمَّا المنافق أو الكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارق من حديد ضربة (٤) بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلَّا الثقلين" (٥).

стр. 692

زاد ابن عمر عن النبي ﷺ صحيحًا -: "ويقال له: هذا مقعدُك حتى يبعثك الله إليه (١) يوم القيامة" (٢). وقال - في الصحيح ﷺ وقد مرَّ على قبرين فقال: "إنهما ليُعَذَّبان، وما يعذبان في كبير، أمَّا أحدهما فكان لا يستتر (٣) من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" (٤). ومن الحديث الحسن الصحيح عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إذا قُبِرَ (٥) الميت - أو قال: أحدكم -، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المُنْكَر، وللآخر النَّكِير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان بقول، هو عبد الله ورسوله، شهد (٦) أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يُفْسَحُ له في قبره سبعون دراعًا في سبعين، ثم يُنوَّر له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي (٧) فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كنومة العروس؛ الذي لا يوقظه

стр. 693

إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه (١) الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها مُعَذَّبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" (٢). [إشكالات والجواب عنها]: قال القاضي الإمام أبو بكر (٣) ﵁: وفي أحاديث هذه الحالة إشكالٌ من ثمانية أوجه: الإشكال الأوَّل: كلام الجنازة على السرير وسماع الخلق له إلا الإنسان، وكيف يكون صوتٌ مسموع لسامع في محل لا يسمعه آخر معه سليم الحاسة عن آفة الإدراك؟ الأشكال الثاني: في صيحة المقبور عند ضربه بالمِقْمَعَةِ، فيلزم عليه ما يلزم (٤) في الإشكال الأوَّل من السؤال. والبيانُ عنه: أن الإدراك معنًى يخلقه الله لمن شاء بما شاء أي وقت شاء، ويمنع منه من شاء، وليس بطبيعة، ولا على (٥) وتيرة واحدة، ولا صفة وسبب يقوم بالمحل الذي به يكون السمع، وهذا بَيِّنٌ في "كُتُبِ الأصول".

стр. 694

والدَّلِيلُ عليه قطعًا نزول جبريل إلى النبي ﵉ بالوحي؛ يُكَلِّمُه به مثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ (١)، ويسمعه منه ويَعِيهِ عنه، ولا يسمعه أَحَدٌ من أصحابه، وفي رواية: "كدَوِيِّ النحل" (٢). الإشكال الثالث: كَوْنُ الروح في أجواف طير خُضْرٍ، أو طَيْرًا أخضرَ. والبيان له: أن الروح لا تخلو أن نكون عَرَضًا أو قائمة بنفسها؛ جِسْمًا أو جَوْهَرًا. فإن كانت عَرَضًا فكيف تُوجَدُ بمَحَلِّ حَيٍّ بروحه فتقوم به فتكون حيًّا بها أو لا تكون؟ وذلك محال، أو تكون جِسْمًا، فالعقول تمنع أن تكون في جسم آخر، والأصول تدفعه. هذا كلامُ بعض من شرح الحديث (٣)، وهو لا يعلم ما المعقول ولا الأصول، ولكنه أبو سلمة صَرَخ، بهذا فخلط ولَطَخ، وجهل ما بينه وبين هذه الحقيقة من البَرْزَخ. والحديث صحيحٌ كيفما قدَّرت الروح، فإن قدَّرتها عَرَضًا فلم تفارق الجسم إلا بجُزْءٍ (٤) منه معها كما بيَّنَّاه من قبل.

стр. 695

وإن كانت جِسْمًا فيجوز بالوجهين أن تُودَعَ في جوف طائر، أو تكون على هيئة طائر في صفاته، ويصل إليها الغداء. وإن كانت وديعة في جوفها فيصل إليه من عُلَقِها كما يصل إلى المولود من أُمِّه؛ بما يصل الله به (١) بينهما من أَمْرِه. ويكون هذا مخصوصًا بالشهداء الذين عَجَّلُوا بأنفسهم إلى الموت، فعجَّل (٢) الله لهم الثواب من النعيم قبل ما كان ضَرَبَهُ لغيرهم من الوقت، ويُحمَل الحديث المطلق على المقيَّد. وما رُوي (٣): "أن أرواح آل فرعون في أجواف طَيْرٍ سُودٍ تُعرض على النار غدوة وعشية" (٤) لم يصح، فلا تلتفتوا إليه، أَمَا إنهم يُعَذبُونَ كما قال الله: "بالغداة والعشي" (٥)؛ بالعرض على النار، بَيْدَ أنَّا لا نعلم صفتهم ولا كيفية عَرْضِهم. الأشكال الرابع: قالوا: فإذا قلتم: إن الموت ليس بعدم ولا فناء، وإنما هو انتقال من دار إلى دار، فإذا انتقلوا هن هذه الدنيا وحصَلُوا في الدار الأخرى هل يدركون شيئًا من معاني الأُولى (٦)؟

стр. 696

أو يُحِسُّونَ بأمر من أمورها ويعلمون حالًا من أحوال أهلها؟ فإن كانوا لا يعلمون بذلك كما تقولون، فكيف يفوتهم عِلْمُ هذه الدار وهم أحياءٌ غير أموات؟ وإن كانوا يعلمون بذلك فما الذي يمنعهم عن الجواب والمفاوضة فيما حصل من المعرفة بما حصل عندهم منهم؟ البيانُ: قلنا: قد سبق الإيضاحُ منَّا بأن الدنيا والآخرة داران ومُقامان، ولكل واحدة أهلون؛ لهم صفات وأعمال وأحوال، وفي كل واحدة ما لا يصلح للأخرى، وقد جعل الباري لكل مقام حالًا وعملًا، وعلمًا وجهلًا، وحَكَمَ بأن شيئًا من الآخرة لا يُدرك بصفة من صفات الدنيا. وأمَّا إدراكُ صفة الدنيا من الآخرة ففي ذلك اختلاف وتفصيل يأتي بيانه إن شاء الله مطلقًا ومفسرًا، ولو شاء ربكم لجعل الأمر بابًا واحدًا، ولكنه (١) فصَّلها (٢) تفصيلًا بقدرته وإرادته وحِكْمَتِه، وأنفذ فيها حُكْمَه، وهو العزيز الحكيم. أو لا ترى أن دار الدنيا تتفاوت حال عمارتها (٣) من العاقل وغير العاقل؟ فيكون عند كل واحد من الصنفين من الإدراك ما لا يدركه الآخر.

стр. 697

نعم، والصنف العاقل يتفاوتون في المعرفة؛ فيدرك صنفٌ معرفة ما لا يدرك الآخر منها حرفًا، فإن الله خلق هذه الدار الدنيا دار قصور وتفصير، أو لا ترى أن الله يختص برحمته من يشاء؟ ويُقَدِّمُ بعض الخلق على بعض، فمكن الأنبياء من إدراك الآخرة بجميع ما فيها من دار الدنيا، بما ألقى فيهم من المعرفة، ووهبهم من العلم، وآتاهم من القوَّة، وأدام لهم من العصمة، واصطفاهم به من الكرامة، ورفعهم إليه من المنزلة؛ على تباينهم في مقاماتها، وتفاوتهم في درجاتها. ومن الناس من تضيقُ حَوْصَلَتُه عن فَهْمِ هذه الحقائق، ويَقْصُرُ عن دَرْكِ معارفها، ويخفى عليه ألَّا أُخِذَ علينا (١) فيها (٢) الإيمانُ والتصديقُ بكل مُمْكِنٍ يُخْبِرُ عنه الصَّادق الناقل إلينا عن الحقِّ الحقَّ. مُفَاوَضَةٌ: [في عذاب القبر] قال لي بعضُ القدرية في مجلس النظر يومًا - وقد أنكر عذاب القبر -: الدليلُ على بطلان مذهبكم فيه أنَّا نرى الميت يُوضع في القبر ويُنثر عليه حَبُّ السِّمْسِم مُرَتَّبًا محصورًا، ويُربط عليه الكفن ضَغْطًا، ويُعَلَّمُ تعليمًا، ثم يؤتى إليه من بعد المغيب عنه فيوجد على هيئته، ولو كان يُقام ويُقعد ويُضرب، ويَضطرب ويُصعق (٣) ويَزعق، ما ثبتت تلك الهيئة على حالها، وكذلك المصلوب؛ يبقى على هيئته الدهور، ولا تختلف عليه الهيئات، ولا يُضغط لأنه في الهواء.

стр. 698

قلت له مُحَقِّقًا لمذهبي في خلق الأعمال، ومُتَعَلِّقًا في نصرته بواضح الاستدلال: الذي ربطه وعلمه بعلاماته ورَشَمَه هو الله؛ الخالق الفاعل وحده، المُسَخِّرُ في جميع أفعاله للخلق وأفعالهم. قال لي: فإذا جالسناه ولازمناه ووَّكلنا به من يداولنا عليه الأيام، والأشهر والأعوام، حتى يأرَم، فإنا نراه في صفته التي وضعناه عليها من غير تَحَرُّكٍ ولا قيام، فإذا ادَّعيتم خلاف المشاهدة وأنكرتم إدراك المحسوسات كانت صفصطة. وهو أقوى سؤال للقوم (١)، وإن الضعفاء ليكفُّون (٢) عنه. قلت له: إن العذاب على نوعين؛ منه ما يتعلق بالروح وحده، ومنه ما يتعلق بالبدن معه، ولا يُنكر عاقلٌ الأوجاع والأسقام والآلام تنزل بالباطن والظاهر من البدن، فتكون النفس في غاية العذاب، ولا يضطرب البدن، وكذلك الكرب العظيم؛ ينزل بالمرء فيكون في غاية العذاب، ولا يتحرك البدن، وتفسد الأعضاء الرئيسة (٣) وتؤول إلى الهلكة، فما يكون من وَبَالٍ (٤) ونَكَالٍ يتعلق بالروح، وبألم البدن بذلك؛ سواءٌ كان متصلًا به أو منفصلًا عنه، فإن اتصال الآلام باتصال الأجزاء في العين الواحدة عادة، وقد يتصل الألم مع انفصال الذوات؛ كالهاجر والمهجور في المحبة، والولد والوالد (٥)، وهاتان عادتان دَلَّتَا على أن الذي يُفَصِّلُ الآيات له أن يَخْرِقَ العادات، ولا سيما في زمان ذلك وفي أَهْلِه.

стр. 699

وقد يجوز أن يتصل الألم ببعض البدن، وهو المتصل بالروح؛ إن كانت عَرَضًا تخرج في جزء من الجسم، كما يكون الألم عُضْوٍ من البدن حال الدنيا دون آخر، وهذا كله محتمل جائز. قال لي: فقوله في الحديث: "يُقْعِدَانِه"، رويتَه ثم تركته، فمنك الإثبات ومنك النفي لما تثبت. قلت له: كلَّا، لا (١) أُثبت إلا ما يَثبت، ولا أنفي إلَّا ما يَنتفي، الإقعاد والإقامة تكون في الروح كما تكون في البدن، وذلك معلوم حقيقةً، مذكور نقلًا؛ تقول العرب: "أصابني المُقِيمُ المُقْعِدُ من أمر كذا". قال لي: هذا مجازٌ من الكلام، ورجوع إلى التأويل بعد الأخذ بالظاهر، وإذا نزلت عن الظاهر ورجعت إلى التأويل شاركناك فيه، وقلنا (٢) لك (٣) من الاحتمالات في الأخبار ما تصيرُ إليه فيها. قلت له: بل هو إذا أُضِيفَ إلى الروح حقيقةٌ فيه، كما إذا أضيف إلى البدن حقيقةٌ فيه، وحقيقةُ كل شيء على قَدْرِه، ألا ترى أن حقيقة الإله بصفاته معلومة على قَدْرِه، وحقيقة العبد بصفاته معلومة على قَدْرِه، وكذلك في المُحْدَثات؛ للعَرَضِ حقيقةٌ، وللجسم حقيقةٌ، وذلك (٤) يجري على صفته، والإضافة في مسألتنا إلى الروح وإلى البدن حقيقتان معًا. وقد يحتمل أن يكون الباري أيَّان رَصْدِهم علَّق العذاب على الروح وحده، فإذا زالوا علق العذاب على الروح والجسد.

стр. 700

وقد يحتمل أن يكون ذلك في الموتى عمومًا (١)، ويُخَصُّ منهم من ذكرتم من مُرصَد ومن مصلوب (٢)، وتكون الحكمة في ذلك ألا يعاينوه مُقامًا مُقْعَدًا، فيذهب أصل (٣) الفرض (٤) عليهم في الإيمان بالغيب عن أمر الآخرة دون مشاهدتها. وأنت يا هذا ما الذي يمنعك من القول بهذا كله؟ والقدرة له واسعة، والحكمة فيه شائعة شائغة، والخبر به وارد. قال لي: هو خَبَرُ آحاد. قلت له: قد استفاض حتى عُلِمَ، وعليك إذا جوَّزته أن تعتقده، ولو رَوِيتَ من بَحْرِ الآثار، أو كان للشريعة عندك مقدار؛ لامتلأ فؤادك من ذلك، ولكنْ أشياخُك بَنَوا على طَمْسِ الشريعة وإطفاء نورها، حتى قالوا: "لا يقبل خبر الآحاد حتى ينقله اثنان، وينقل عن كل واحد اثنان، حتى ينتهي إلينا (٥) بأعداد لا تحصى"، وذلك لا يتفق؛ فيؤول إلى إبطال الأحاديث كلها، وتبقى الشريعة عَرِيَّةً عن بيان الذي أنزلت عليه لها، فتَتَحَكَّمُ أنت وأشياخُك فيها.

стр. 701

وأين أنت (١) عن النظائر المرويَّة المقطوع بها في الشريعة؟ وهي كلام جبريل؛ "مثل صلصلة الجرس" (٢) مع النبي بحضرة الناس، ولا يُدركه سواه. وأبنك عمَّا ثبت في الصحيح من خبر صاحب الفترة، فيما تشهد له القدرة (٣)، وتعضده العبرة، وهو قولُه ما روى حُذَيْفَةُ أن النبي ﷺ قال: "إن رجلًا حضره الموت؛ لمَّا يئس من الحياة أوصى أهله، إذا مُتُّ اجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا (٤) نارًا، حتى إذا أَكَلَتْ لحمي، وخَلَصَتْ إلى عظمي؛ فخذوها فاطحنُوها، فذرُّوها في اليمِّ في يَوْمٍ رَاحٍ، فجمعه الله فقال: لم فعلت هذا؟ قال: خشيتُك، فغفر له" (٥). فهذا ينبيء عن سعة القدرة، وسُرعة التقدير والتكوين، وإنفاذ القضاء والقدر، ولكن (٦) كان هذا في زمن الفترة حين لا رسول يُبَيِّنُ، والشرع قد درس؛ نَفَعَتْهُ عمَّا جهل المعذرة، بما حصل له (٧) من المعرفة، ولو كان الشرع قائمًا ما صحَّ ذلك له في المشهور، وقد بيَّنَّا ذلك في موضعه، فلا وجه لما نَزَعْتَ به، ولا خفاء بما قلتُه لك.

стр. 702

وانقلبنا عن ذلك المجلس والشيطان خزيان ينظر، وهذا المعنى كلُّه مستوفًى في "نرهة المناظر (١) "وغيره من "كُتُبِ الأصول". الإشكال الخامس: قالوا: إن الله يقول مُخْبِرًا عن الكفار في حَالٍ، قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]، فأخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم يُراجَعون عند سؤالهم عن مدة لُبثهم، أنهم لَبِثُوا يومًا أو بعض يوم، ولو كانوا في عذاب لكان اليومُ عندهم ألف عام، فإن أيام النعيم ساعاتٌ قِصَارٌ، وأيام العذاب أعوامٌ طِوَالٌ. قال علماؤنا (٢) - ما معناه -: "إن هذا تَلْبِيسٌ في السؤال، فإنهم سُئِلوا عن مدة مقامهم في الدنيا، لا عن مدة مقامهم في القبور، وأيام الدنيا التي قَطَعُوها بالنعيم، وأَفْنَوْهَا بالمرح، واغتروا بها، وظنوا أن لا دار وراءها، مع رؤيتهم أنه لا بقاء لها، ولكن النفس الجاهلة مُولَعَةٌ بحب العاجلة". فلمَّا عاينوا العذاب الدائم قيل لهم: كم لبثتم فيما تمتعتم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. وكذلك النعيم كله إذا زال المرءُ عنه، إنما هو لحظة، سواءٌ انتقل منه إلى نعيم أو عذاب، وأَشَدُّه الانتقال منه إلى ضده:

стр. 703

فمن عاش عامًا كمن عاشا ألفًا … فما العام والأَلْفُ إلا سواءْ (١) فيقول الله لهم: ما (٢) لبثتم بما لبثتم (٣) إلَّا قليلًا، وإن كان أمدًا طويلًا، لأنه يفنى، ولا كثير فيما له آخِر، ولا قليل فيما لا بقاء (٤) له. الإشكال السَّادس: قال الله تعالى (٥) مُخْبِرًا عن الكفار: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٣ - ١٠٤]. والسؤال واحد، والجواب منه إن قالوا: إنه خبرٌ عن مدة اللبث في القبر، قلنا إنه خبر عن مدة اللبث في الدنيا، ويعاد عليهم في ذلك من الجواب مثل ما تقدم عن الإشكال الخامس، إذ هُوَ هُوَ نفسُه (٦). الإشكال السَّابِع: قالوا: إن الله قال مخبرًا عنهم: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥١]، ولو كانوا في عذاب ما ندموا على فراقه؟ قيل لهم: لو خرجوا منه إلى نَعِيم لكان هذا، ولكنهم يخرجون إلى أشدَّ منه، فما من كَرْبٍ يلقاهم إلَّا وهم ملاقون فيه من العذاب أشد ممَّا كانوا فيه، ويُهَوَّنُ على المؤمنين (٧).

стр. 704

الإشكال الثامن: قالوا: إن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم قالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، فذَكَرَ الله حياتَيْنِ ومَوتَتَيْنِ (١)، وعندهم أنها ثلاث (٢)؟ قلنا: بل هي أكثر من خمسة (٣)، وقد بيَّنَّاها في "المتوسطة" (٤) وغيره من "كتب الأصول"؛ واحدة منها مشاهدة، وسائرها مُدركة بالعبرة، وتشهد له القدرة، إلا أن الله تعالى أخبر عنهم هاهنا بمثل ما أخبر في إقامة الحجة عليهم بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وإنما احتجَّ عليهم بما شاهدوا. كما أخبر عن قولهم: إنهم ذكروا ما شاهدوا، ولم يكن الكفار ممن يؤمن بالغيب، ولا يعرف دليلًا، ولا يُقِرُّ بشريعة، ولا يعلم قَدْرَها (٥)، ولا قَدَرَ (٦) الله حَقَّ قَدْرِه (٧)، فهو في الآخرة كما كان (٨)، وكذلك تقولون أنتم أيضًا، فإنكم إخوانهم، بهم مرتبطون، وعلى آرائهم تحومون، وإليها تقودون (٩) أنفسكم وتسوقون.

стр. 705

وقد يحتمل أن يريد بالمَوْتَتَيْنِ موتة (١) الدنيا وموتة (٢) القبر بعد الإحياء، وبالحياتين قرينتيهما (٣)، وقد بيَّنَّا المسألة في "المشكلين" (٤)، و"الإملاء" (٥)، وغيره، وكل ما يَنْزِعُونَ به (٦) فهو محتمل، وهو عليهم لا لهم (٧).
следующие страницы →