← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وأين أنت (١) عن النظائر المرويَّة المقطوع بها في الشريعة؟ وهي كلام جبريل؛ "مثل صلصلة الجرس" (٢) مع النبي بحضرة الناس، ولا يُدركه سواه. وأبنك عمَّا ثبت في الصحيح من خبر صاحب الفترة، فيما تشهد له القدرة (٣)، وتعضده العبرة، وهو قولُه ما روى حُذَيْفَةُ أن النبي ﷺ قال: "إن رجلًا حضره الموت؛ لمَّا يئس من الحياة أوصى أهله، إذا مُتُّ اجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا (٤) نارًا، حتى إذا أَكَلَتْ لحمي، وخَلَصَتْ إلى عظمي؛ فخذوها فاطحنُوها، فذرُّوها في اليمِّ في يَوْمٍ رَاحٍ، فجمعه الله فقال: لم فعلت هذا؟ قال: خشيتُك، فغفر له" (٥). فهذا ينبيء عن سعة القدرة، وسُرعة التقدير والتكوين، وإنفاذ القضاء والقدر، ولكن (٦) كان هذا في زمن الفترة حين لا رسول يُبَيِّنُ، والشرع قد درس؛ نَفَعَتْهُ عمَّا جهل المعذرة، بما حصل له (٧) من المعرفة، ولو كان الشرع قائمًا ما صحَّ ذلك له في المشهور، وقد بيَّنَّا ذلك في موضعه، فلا وجه لما نَزَعْتَ به، ولا خفاء بما قلتُه لك.

стр. 702

وانقلبنا عن ذلك المجلس والشيطان خزيان ينظر، وهذا المعنى كلُّه مستوفًى في "نرهة المناظر (١) "وغيره من "كُتُبِ الأصول". الإشكال الخامس: قالوا: إن الله يقول مُخْبِرًا عن الكفار في حَالٍ، قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]، فأخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم يُراجَعون عند سؤالهم عن مدة لُبثهم، أنهم لَبِثُوا يومًا أو بعض يوم، ولو كانوا في عذاب لكان اليومُ عندهم ألف عام، فإن أيام النعيم ساعاتٌ قِصَارٌ، وأيام العذاب أعوامٌ طِوَالٌ. قال علماؤنا (٢) - ما معناه -: "إن هذا تَلْبِيسٌ في السؤال، فإنهم سُئِلوا عن مدة مقامهم في الدنيا، لا عن مدة مقامهم في القبور، وأيام الدنيا التي قَطَعُوها بالنعيم، وأَفْنَوْهَا بالمرح، واغتروا بها، وظنوا أن لا دار وراءها، مع رؤيتهم أنه لا بقاء لها، ولكن النفس الجاهلة مُولَعَةٌ بحب العاجلة". فلمَّا عاينوا العذاب الدائم قيل لهم: كم لبثتم فيما تمتعتم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. وكذلك النعيم كله إذا زال المرءُ عنه، إنما هو لحظة، سواءٌ انتقل منه إلى نعيم أو عذاب، وأَشَدُّه الانتقال منه إلى ضده:

стр. 703

فمن عاش عامًا كمن عاشا ألفًا … فما العام والأَلْفُ إلا سواءْ (١) فيقول الله لهم: ما (٢) لبثتم بما لبثتم (٣) إلَّا قليلًا، وإن كان أمدًا طويلًا، لأنه يفنى، ولا كثير فيما له آخِر، ولا قليل فيما لا بقاء (٤) له. الإشكال السَّادس: قال الله تعالى (٥) مُخْبِرًا عن الكفار: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٣ - ١٠٤]. والسؤال واحد، والجواب منه إن قالوا: إنه خبرٌ عن مدة اللبث في القبر، قلنا إنه خبر عن مدة اللبث في الدنيا، ويعاد عليهم في ذلك من الجواب مثل ما تقدم عن الإشكال الخامس، إذ هُوَ هُوَ نفسُه (٦). الإشكال السَّابِع: قالوا: إن الله قال مخبرًا عنهم: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥١]، ولو كانوا في عذاب ما ندموا على فراقه؟ قيل لهم: لو خرجوا منه إلى نَعِيم لكان هذا، ولكنهم يخرجون إلى أشدَّ منه، فما من كَرْبٍ يلقاهم إلَّا وهم ملاقون فيه من العذاب أشد ممَّا كانوا فيه، ويُهَوَّنُ على المؤمنين (٧).

стр. 704

الإشكال الثامن: قالوا: إن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم قالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، فذَكَرَ الله حياتَيْنِ ومَوتَتَيْنِ (١)، وعندهم أنها ثلاث (٢)؟ قلنا: بل هي أكثر من خمسة (٣)، وقد بيَّنَّاها في "المتوسطة" (٤) وغيره من "كتب الأصول"؛ واحدة منها مشاهدة، وسائرها مُدركة بالعبرة، وتشهد له القدرة، إلا أن الله تعالى أخبر عنهم هاهنا بمثل ما أخبر في إقامة الحجة عليهم بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وإنما احتجَّ عليهم بما شاهدوا. كما أخبر عن قولهم: إنهم ذكروا ما شاهدوا، ولم يكن الكفار ممن يؤمن بالغيب، ولا يعرف دليلًا، ولا يُقِرُّ بشريعة، ولا يعلم قَدْرَها (٥)، ولا قَدَرَ (٦) الله حَقَّ قَدْرِه (٧)، فهو في الآخرة كما كان (٨)، وكذلك تقولون أنتم أيضًا، فإنكم إخوانهم، بهم مرتبطون، وعلى آرائهم تحومون، وإليها تقودون (٩) أنفسكم وتسوقون.

стр. 705

وقد يحتمل أن يريد بالمَوْتَتَيْنِ موتة (١) الدنيا وموتة (٢) القبر بعد الإحياء، وبالحياتين قرينتيهما (٣)، وقد بيَّنَّا المسألة في "المشكلين" (٤)، و"الإملاء" (٥)، وغيره، وكل ما يَنْزِعُونَ به (٦) فهو محتمل، وهو عليهم لا لهم (٧).

стр. 706

تحقيق: وقد قال بعضُ العارفين: "إذا انقطع المرء بالموت عن الدنيا ورحل إلى الآخرة (١) فقد ورد في عِلْمِه بما عندنا ومعرفته بما لَدَينا (٢) أخبارٌ؛ أكثرها لا أصل لها، والصدق فيها قليل". قال الفقيه القاضي أبو بكر (٣): ونحن نُورِدُ عليكم الآن ما صحَّ منها (٤): الأوَّل: مخاطبتُه لمن يحمله بقوله: "قَدِّمُوني قَدِّمُوني (٥) " (٦). الثاني: سماعُه لعذاب الرجلين اللذين يُعذبان فيما هو غيرُ كبير (٧). الثالث: خرج النبي ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتًا فقال: "يَهُود تُعذَّب في قبورها" (٨).

стр. 707

الرابع: حديثُ سماعه لقَرْعِ النعال المنصرفة عنه بعد دفنه (١). الخامس: حديث عمرو بن العاص في وَصاته عند موته، خرَّجها مسلم بن الحجاج، قال فيه: "وامكثوا على قبري قليلًا أستأنس بكم، حتى أنظر بما أُراجع رُسُلَ ربِّي" (٢). السَّادس: حديث يوم بدر، قال عمر بن الخطاب ﵁: "إن رسول الله ﷺ كان يُرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، والذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدَّ رسول الله ﷺ ، فجُعلوا في بئر؛ بعضهم على بعض، أربعةً وعشرين رجلًا، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم فقال: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان (٣)، هل وجدتم ما وعدكم الله حقًّا ورسوله حقًّا (٤)؟ فإني قد وجدتُ ما وعدني الله حقًّا، قال عمر: كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها (٥)؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردُّوا شيئًا" (٦)، خرَّجه الصحاح، وهذا لفظ مسلم.

стр. 708

فأمَّا الحديثُ الآخِرُ وهو الأوَّلُ في الحقيقة؛ فلا يقاس بالنبي ﷺ في ذلك أَحَدٌ، ولا يجد الناظر فيه (١) عنه (٢) مُلْتَحَدًا، وليس فيه نصٌّ بأن أهل القبور يعلمون، إنما فيه (٣) أن النبي ﷺ أسمعهم كلامه، ولعلهم يسمعون كلامه بمنزلته، كما يسمع (٤) هو عذابهم، فيَجْعَلُ (٥) على قبور المسلمين منهم جرائد رطبة يُخَفِّفُ بها عنهم، وبحديث الجرائد (٦) يستدلُّ الناس على أن الأرواح في القبور، وهو أبين في ذلك من حديث ابن عمر في الصحيح: "إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى ببعثك الله إليه يوم القيامة" (٧)، لأن عَرْضَ مقعده عليه ليس فيه بيانٌ عن موضعه الذي يراه منه. وحديثُ الجوائد نَصَّ على أن أولئك كانوا في قبورهم، وكذلك حديث اليهود (٨)، ولا يعارضه إلا حديث كعب: "إن نسمة المؤمن طائر يعلُق في شجر الجنة" (٩)، وذلك مخصوص المعنى في الشهيد، لأنه لا يُتَعَجَّلُ الأكل والنعيم لأحد إلَّا للشهيد في سبيل الله، بإجماع من الأمَّة.

стр. 709

وقد رُوي عن مالك: "أن الأرواح تسرح حيث شاءت" (١)، وقد ورد في حديث كعب هذا فدلَّ على أنه مخصوص عنده في الشهداء، فأمَّا حُكْمُه بسَرَاحِ الأرواح فلا أعلم له طريقًا في الشريعة يُعوَّل على طريقه. وأمَّا حديثُ قَرْع النعال فإنه مخصوص بذلك الوقت، بل هو نصٌّ فيه، فلا يعلم هل يدوم أم لا؟ وأمَّا حديثُ عمرو بن العاص فلم يُسنده إلى النبي ﷺ ، وإنَّما هو رجاءٌ رجاه حين سمع حديثَ سماع (٢) قَرْع النعال فطمع؛ كما سمع قَرْعَ نعالهم أن يكون له أُنْسٌ في مقامهم، وإلا فأى أنس يُرجى في الآخرة من أهل الدنيا؟ إلا إن كان بالصدقة والدعاء. وفي حديث عُمَرَ المتقدم: "كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها"؟ وأقره النبي ﷺ على ذلك، فدلَّ على أنها تختلف حالها، وعلى (٣) أنها تفارق الأجساد فتُعذَّب الأرواح ويُوَصَّل العذاب إلى الأبدان، والكل محتمل (٤) جائز، حكمة بالغة. وأمَّا قول الجنازة على السرير: "قَدِّمُوني قدموني"، فيحتمل أن يكون مخصوصًا بتلك الحالة، ويحتمل أن يكون عبارة بلسان الحال عن لسان المقال، والباري قادر على ذلك كله، وهو الكبير المتعال.

стр. 710

خِصِّيصَةٌ: أمَا إنه رُوي أن النبي ﷺ قال: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أَرَمْتَ؟ قال: يقولون: بليت، قال: إن الله حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء" (١). وكان عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيُصَلِّي على النبي وعلى أبي بكر وعمر (٢)، وفي رواية: "يُصَلِّي على النبي، ويدعو لأبي بكر وعمر" (٣). وهذا يدلُّ على أنه كان (٤) يغتنم الأَجْرَ في الصلاة على النبي ولا يُسَلِّمُ عليه؛ لأنه غائب عنه، أو كان يصلي عليه لهذا الحديث الذي أخبر النبي ﷺ فيه أن الصلاة معروضة عليه، ولم يَرِدْ أن السَّلام معروضٌ عليه، ويحتمل أن يكون ذلك العرض في يوم الجمعة، والحديث حَسَنٌ، وإن لم يكن على شرط الصحيح، خرَّجه جماعة، منهم أبو داود، وهذا الذي أثبتناه هاهنا هو لَفْظُه (٥).

стр. 711

وقد ثبت أن النبي ﷺ خرج على المقبرة فقال: "السَّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (١)، ويحتمل أن يكون خرج ائتمارًا، أو اعتبارًا، أو اتفاقًا، وسلَّم عليهم بركة عليهم ورحمة، وإسماعًا (٢) لهم، فيكون ذلك مختصًا به، ونُسَلِّمُ كتسليمه، فيفعل الله ما يشاء (٣) به. قال الإمام القاضي أبو بكر (٤): وهذا نَوْعٌ شَرِيفٌ من زيارة القبور المنسوخ من النهي (٥) عن زيارتها، فلا بأس بالمشي إليها، والوقوف عندها، والاعتبار بها، والدعاء لأهلها (٦). وقد ثبت أن النبي ﷺ خَرَجَ بأمر ربه إلى أهل البقيع لم ليلًا ليستغفر لهم، من حديث عائشة (٧)، ولو شاء الله لاستغفر لهم من مكانه، ولكن الله أراد أن يشرع الإتيان إليها إلَّا للنساء، فإن النهي فيهن ثابتٌ. صحَّ وثبت أن النبي ﷺ قال: "لعن الله زوَّارات القبور" (٨).

стр. 712

وقال بعضهم: "إنما كُرِهَ زبارة النساء القبورَ لكثرة جزعهن وقلة صبرهن" (١). وقال بعضهم: "دخلن في عموم رُخْصَةِ الرجال" (٢). وقد ثبت أن عبد الرحمن بن أبي بكر توفي بحُبْشِيٍّ (٣)، قال: "فحُمِلَ إلى مكة فدُفِنَ بها، فلمَّا قدمت عائشةُ أتت قَبْرَ عبد الرحمن فقالت: وكنَّا كنَدْمَانَيْ جديمةَ حقبةً … من الدهر حتى قيل: لن يتصدَّعَا (٤) فلمَّا تفرَّقنا كأني ومالكًا … لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معَا (٥) زاد فيه أبو بكر الطُّرطوشي (٦): كأنَّا خُلِقْنا للنَّوَى وكأنَّما … حرامٌ على الأيام أن نتجمَّعَا

стр. 713

ثم قالت: لو حضرتُك ما دُفِنْتَ إلا حيث مُتَّ، ولو شهدتُك ما زرتُك" (١). وكان عبد الرحمن قد مات في نومة كان (٢) نامها بمكة، وحُمِلَ إلى حُبْشِيٍّ؛ وهو على عشرة أميال منها. قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁: وإنه ليَجِبُ اليوم - وقبل اليوم - منعهن من المساجد، فكيف من القبور! ولكنه مُنْكَرٌ قد غلب الجمَّ (٤) الغفير في جملة المناكر (٥). * * *

стр. 714

[المقامُ الثالث: البَعْثُ والنُّشُورُ]

стр. 715

قال القاضي أبو بكر (١): ولا تزال القبور في عمارة ودثور، إلى يوم البعث والنشور، وهو "المقام الثالث"؛ بقيام القيامة، وخروج الخلق من قبورهم إلى سجونهم أو قصورهم، وهي الساعة (٢) الموعود أمرها، ولها مُقَدِّمات، وعلامات، وأسماء وصفات، وفبها مقامات وحالات جمعنا منها ما حضر في الخاطر، مع عُدواء الدار، وبُعد المُستار (٣)، وغلبة الأعداء على الحق الأولياءَ. فأمَّا مُقَدِّمَاتُها وعلاماتها التي أَنْذَرَ النبيُّ ﵇ بها فعلى قسمين؛ خاصة وعامة، وقد أكثر الناس السؤال عنها رسول الله ﷺ حتى أنزل الله على رسوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، إلى منتهاها. وما زالوا يُكثرون ذلك حتى (٤) قال يومًا لمن سأله (٥) - وبين يديه غلام من الأنصار، وفي رواية: غلام من أَزْدِ شَنُوءَةَ، قال أنس -: "وذلك الغلام يومئذ من أترابي"، وفي رواية عنه أيضًا: "سئل وقد مُرَّ عليه (٦) بغلام

стр. 716

المغيرة بن شعبة فقال: إن يُؤَخَّرْ هذا الغلام فلن يدركه الهَرَمُ حتى تقوم الساعة"، وفي رواية - يقال له: محمد -: "إن يَعِشْ هذا الغلام فعسى ألَّا يدركه الهَرَمُ حتى تقوم السَّاعة (١) " (٢). قال القاضي (٣): وقد مرَّت قرونُ أمثالِ عُمْرِ ذلك الغلام ولم تقم الساعة، وقد بيَّن البخاري ذلك عن عائشة فقال عنها: "كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي ﷺ يسألونه متى الساعة، وكان ينظر إلى أصغرهم فيقول. إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم" (٤)، قال هشام - يعني: ابن عروة -: "يعني: موتهم". وهذا صحيح؛ فإن قيام الساعة عبارة عن مَوْتِ جميع الخلق وحياتهم (٥) بعد ذلك، وموتُهم يكون مناوبة، وبعثُهم يكون جملهَ، فكل من مات فقد حانت ساعته الأولى، وقامت قيامته، وتعجَّل وعده ووعيده، وانكشف له يقينه، وصار من ورائه بَرْزَخٌ إلى الساعة العامَّة.

стр. 717

[أَشْرَاطُ السَّاعة ومُقَدِّمَاتُهَا] وأمَّا مُقَدِّمَاتُها فكثيرة جدًّا، وقد امتزج الصحيح منها بالباطل في ألسنة الناس وكتبهم، فَعَوِّلُوا منها على ما قبضته يدُ الإسلام، وحارته على الأمَّة وشدَّت عليه (١) كفَّها، والكف المذكورة بأناملها هي (٢): الكُتُبُ الخمسة؛ البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وكذلك فافعلوا في كل أثَرٍ، إذا وجدتم لأحمد بن حنبل أو لعبد الله بن المبارك أو لأبي السَّرِيِّ هنَّاد بن السري شيئًا فعَوِّلُوا عليه، فإنه كان كل واحد منهم يتحرَّى الصدق على النبي ﷺ جُهده. وقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]. وقد كنت أمليتُ في "أنوار الفجر" أشراطَها على الإيعاب والشرح؛ من أولها: وهو مُحَمَّدٌ (٣) ﷺ ، إلى آخرها: وهي الصيحة، وكلها إِنْذَارٌ من الله وإِعْذَارٌ. قال النبي ﷺ : "بُعِثْتُ أنا والسَّاعة كهاتين"، وقرن شعبةُ الراوي بين أصبعيه؛ المُسَبِّحَةِ والوُسْطى، يَحْكِيه، قال شعبة: "وسمعت قتادة يقول في

стр. 718

قصصه: "كفضل إحداهما على الأخرى"، فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة" (١)، واللفظ لمسلم. حتى إن بعضهم قدَّر منها مدة الدنيا، فقال: "إن المُسَبِّحَةَ تزيد عليها الوُسطى بنِصْفِ سُبُعِ" (٢)، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الحسن: "عُمْرُ أمتي نصف يوم خمس مائة عام" (٣)، فالدنيا على هذا التركيب سبعة آلاف عام، وهذا تركيب ضعيف (٤) لا يثبت بمثل هذه القصة العظمى والقضية الكبرى. والباري تعالى قد نفى ذلك بقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، فكيف يَحْكُمُ بإخفائها ثم يدل على إظهارها؟ وإنَّما جعل الأشراط إنذارًا لتتأهَّب الكافَّةُ لها، كما جعل خفاء الأجل على العبد إنذارًا للتأهب (٥) للموت.

стр. 719

قال النبي ﷺ : "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر له شيء يوصي فيه إلَّا ووصيته مكتوبة عنده" (١). وقد صرَّح النبي ﷺ بذلك في حديته، كان يقول: "أنا النذير العُريان" (٢)، ولمَّا نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين) (٣)، صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فلان، يا بني فلان؛ لبطون قريش، حتَّى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أَرْسَلَ رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغِيرَ عليكم أكنتم تصدقوني (٤)؟ قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صِدْقًا، قال: فإني نذير لكم بين يَدَىْ عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًّا لك سائر اليوم، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ " (٥)، هذا لفظ البخاري ومسلم، وذكر الحديث.

стр. 720

وقال (١) ﵁: "بُعِثْتُ في نَفَسِ الساعة فسبقتُها، كما سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ" (٢). وقال (٣) ﷺ : "بادروا بالأعمال فِتَنًا تكون بين يَدَي الساعة كقِطَعِ الليل المظلم" (٤)، صحيح. وقال (٥) ﷺ : "إذا ضُيِّعَت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: إذا أُسْنِدَ الأمر إلى غير أهله" (٦). وقال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله" (٧)، برفع الهاء ونصبها، فمن رفعها فمعناه ذهاب التوحيد، ومن نصبها فمعناه انقطاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 721

وقال ﵁: "لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا قَوْمًا كأن وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقَةُ (١)، ولن تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا (٢) نعالُهم الشَّعَرُ" (٣). "ولن تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من الحجاز تضيئُ أعناقَ الإبل ببُصْرَى" (٤). "ولن تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان من المسلمين دعواهما واحدة" (٥). "ولن تقوم الساعة حتى يمرَّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه" (٦)؛ لما يرى من عظيم البلاء، ورِبْحِ الأعداء، وغبْن الأولياء،

стр. 722

ورياسة الجهلاء، وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم، والجهر بالمعاصي، واستيلاء الحرام على أموال الأرض، والتحكم في الأبدان والأعراض والأموال بغير حق. وقال ﷺ (١): "ولن تقوم الساعة حتى تضطرب أَلَيَاتُ نساء دَوْسٍ على ذي الخَلَصَة" (٢)؛ وكان صنمًا تعبده دَوْسٌ في الجاهلية. وعن عائشة عنه ﷺ : "لن تقوم الساعة حتى تُعبد اللَّاتُ والعُزَّى، قلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، إن ذلك ثابت، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة تتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خَرْدَلٍ من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (٣). وهو ﷺ لم يمت حتى اضطربت أَلَيَاتُ نساء دَوْسٍ على ذي الخَلَصَة، وفيه كلام قد بيَّنَّاه في موضعه، وقد بينَّاه في "شرح الحديث". وقال ﷺ : "لا (٤) تقوم السَّاعة إلَّا على شِرار الناس".

стр. 723

وقال ﵇: "لن تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يَسُوقُ الناس بعصاه" (١). وروى عبد الكبير بن عبد المجيد، أبو بكر الحنفي، - وهم أربعة إخوة: شريك، وعُبيد الله، وعمر (٢)، وعبد الكبير، بنو عبد المجيد الحنفي -، قال (٣): حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر قال: سمعت عمر بن الحكم يحدث عن أبي هريرة قال: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رَجُلٌ يقال له الجَهْجَاهُ" (٤). وقال: "يُخَرِّبُ الكعبة بيتَ الله ذو السُّوَيْقَتَيْنِ من الحبشة". وقد دخل القِرْمِطِيُّ (٥) مكة (٦) وأخذ منها الحجر الأسود، وحمله إلى بلاده، وأقام هنالك نحوًا من ثلاثين سنة، وقال: "إنه مغناطيس الناس

стр. 724

الذي يجذبهم إلى مكة فسيجذبهم إليَّ"، وجهل السخيف أن المغناطيس هو التوحيد، والحق الذي يجعله الله في القلوب. وقال ﷺ : "يكون في آخر أمتي خليفة يَحْثِي المال حَثْيًا ولا يَعُدُّه" (١). وقال ﷺ : "سمعتم بمدينة جانبٌ منها في البر وجانبٌ في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية مثلها، فيسقط جانبها الآخر، ثم بقولوا الثالثة فتفرج لهم فيدخلونها فيغنمون، فبَيْنَا هم يقسمون الغنائم إِذْ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء وبرجعون" (٢). وقال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود، فيقتلهم المسلمون، ثم يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله، إلَّا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود" (٣).

стр. 725

وقال ﷺ : "لن تقوم الساعة حتى يخرج دجَّالون كذَّابون، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله" (١). ورَوى أبو سعيد عنه ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تُكَلِّمَ السباعُ الإنسَ، وحتى يكلم الرجلَ عَذَبَةُ سَوْطِه، وشِراكُ نَعْلِه، وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده" (٢)، رواته ثقات مأمونون. وصحَّ وثبت من كل طريق عن أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى يَحْسِرَ الفُرات عن جبل من ذهب يقتتل الناسُ عليه، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو" (٣). ورَوى مسلم عن يُسَيْرِ بن جابر قال: "هاجت رِيحٌ حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هِجِّيرَى إلَّا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، فقعد وكان متكئًا، فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يُفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا، ونحَّاها نحو الشام، فقال: عَدُو يجمعون لأهل الشام، ويجمع لهم أهل الشام، قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، قال: ويكون عند ذلك (٤) القتال رِدَّةٌ شديدة، فيشترط المسلمون شُرطة للموت لا ترجع

стр. 726

إلَّا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهما الليل، فيفيء (١) هؤلاء وهؤلاء، كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شُرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتبون حتى يُمسوا، فيفيء (٢) هؤلاء وهؤلاء، كلٌّ غير غالب، وتفنى الشُّرطة، فإذا كان يوم الرابع نَهَدَ إليهم بقيةُ أهل (٣) الإسلام، فيجعل (٤) الله عليهم الدائرة، فيقتتلون مَقْتَلَةً، إمَّا قال: ما يُرى مثلها، وإمَّا قال: لم يُر مثلها، حتى إن الطائر (٥) ليَمُرُّ بجنباتهم فما يخلفهم، حتى يخرَّ مَيِّتًا، فيتعادٌ بنو الأب؛ كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلَّا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يُفرح؟ أو أي ميراث يُقسم؟ فبَيْنَا (٦) هم كذلك إذ سمعوا بناس هم أكثر من ذلك، فجاءهم الصريخ أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم (٧)، فيرفضون ما في أيديهم ويُقْبِلُونَ (٨)، فيبعثون عشر فوارس طليعة، قال: قال رسول الله ﷺ : إنِّي لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" (٩).

стр. 727

وصحَّ عن حذيفة أنه قال: "أَشْرَف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خُسوف؛ خَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعْرِ عَدَنٍ؛ تَسُوقُ الناس أو تحشر الناس، فثبيت معهم حيث باتوا، وتَقِيلُ معهم حيث قَالُوا، وقيل في العاشر - من طريق صحيحة -: إمَّا ريح تطرحهم في البحر، وإمَّا نزول عيسى بن مريم" (١). وقال ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنى، وتُشرب الخمر، ويكثر النساء، ويَقِلُّ الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة قَيِّمٌ واحدٌ" (٢). وقال ﵇ (٣): "ستخرج نار من حضرموت، أو من بحر حضرموت، قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام" (٤).

стр. 728

ومن الحديث الحسن في ذلك: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم السَّاعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لُكَع بن لُكَع" (١). وقال رسول الله ﷺ : "والذي بعثني بالحق، لا تنقضي مدة الدنيا حتى يقع بها الخسف والقذف والمسخ، قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله؟ قال: إذا رأيتم النساء يركبن السروج، وكثرت القينات، وفشت شهادات الزور، واستغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء" (٢). وقال ﷺ : "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حلَّ بهم البلاء، قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنمُ دُوَلًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتُعُلِّمَ لغير الدين، وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه، وبرَّ صديقه وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وساد القبيلةَ فاسقُهم، وكان زعيمُ القوم أرذلَهم، وأُكرم الرجل مخافة شره، وشُربت الخمور، ولُبس الحرير، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخرُ هذه الأمة أوَّلَها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراءَ، وزَلْزَلَةً وخَسْفًا ومَسْخًا وقَذْفا وآياتٍ، تَتَابَعُ كنظام لآلي (٣) قُطِعَ سِلْكه فتتابع" (٤)، وهذا حديث غريب، فيه نظر كثير.

стр. 729

وقد ثبت عن أبي هريرة - واللفظ للبخاري - قال: "قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة" (١). قال القاضي الإمام أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: وهو أوَّل خطب طَرَقَ الإسلام. ولقد أخبرنا أبو الفضائل (٣) بن طَوْقٍ (٤) ببغداد فيما أَذِنَ لنا فيه: عن الأستاذ أبي القاسم القُشَيري عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِي: وذكر الجُنَيْد، وقال وحكى عنه أنه قال: "لولا أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "زعيم القوم أرذلُهم" (٥) ما تكلَّمت عليكم".

стр. 730

وهذا تواضع عظيم، وكسْرٌ للنفس، وتحقيرٌ للقَدْرِ ليست طريقته (١). قال النبي ﷺ : "وحتى يبعث دجالون كذابون، قريبٌ من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهَرْجُ؛ وهو: القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يُهِمَّ ربُّ المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه: لا أَرَبَ لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول (٢): با ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فحينئذ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ولتقومنَّ الساعة وقد نَشَرَ الرجلان ثوبَهُما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرجل بلَبَنِ لِقْحَتِه فلا يطعمه (٣)، ولتقومنَّ الساعة وقد رَفَعَ أُكْلَتَه إلى فيه فلا يَطْعَمُهما" (٤).

стр. 731

قال الإمام قاضي الجماعة أبو بكر بن العربي (١): هذه ثلاث عشرة علامة، جمعها أبو هريرة في حديث واحد، ولم يَبْقَ بعد هذا ما يُنظر فيه من صحيح العلامات والأشراط، والرواياتُ كثيرةٌ في ذلك، فلا تلتفتوا إليها تعيينًا وتفصيلًا، فإن في عموم إنذار النبي ﷺ ؛ بفساد الزمان، وتغيير (٢) الدِّين (٣)، وذهاب الأمانة، ما يُغنى عن ذكر التفاصيل الباطلة في أشراط الساعة ونِسْبَتها إلى النبي ﷺ ، فيجمعُ المرء بين شُغل قلبه وتضييع زمانه بالكذب على النبي ﷺ ، أو يذكر مما لم يصح، وفيما صحَّ غُنْيَةٌ عنه. * * *

стр. 732

[أسماءُ السَّاعة وصفاتُها (١)]

стр. 733

ونعود إلى أسماء الساعة (١) وصفاتها؛ وهي كثيرة جدًّا، متنوعة معنى وعَدًّا، وكثرةُ أسمائها لعظيم شأنها، وكل ما عَظُمَ شأنه تعدَّدت صفاته، وكثرت أسماؤه، ألا ترى أن السيف لمَّا عَظُمَ موقعُه وتأكَّد نفعُه جمعوا له خمس مائة اسم، وله نظائر كثيرة. * * *

стр. 734

الاسم الأوَّل: السَّاعة وهي كلمة يُعَبَّرُ بها في العربية عن جُزْءِ من الزمان غير محدود في الأصل، ويُطلق (١) في العرف على جُزْءٍ من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة؛ اللذان هما أصل الأزمنة، وتارة تكون هذه السَّاعة متساوية، وتارة تكون متفاوتة (٢) مختلفة، وهذه القسمة عقلية قديمة في الخِلْفَة، شرعية نطق بها الخبرُ، وورد بتحقيقها الأثرُ، قال ﷺ : "الجمعة اثنتَا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يُصَلِّي؛ يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إيَّاه" (٣)، خرَّجه أبو داود. وكان (٤) مالك يَرُوحُ إلى الجمعة في السَّاعة السَّادسة؛ وهي التي يكون بانقضائها (٥) وقت في خول الصلاة (٦).

стр. 735

وتقول العرب: أفعل كذا السَّاعة، وأنا السَّاعة في أمر كذا، ويريد (١) به الوقت الذي أَنْتَ فيه، أو الذي يَلِيه، تقريبًا له. وحقيقة الإطلاق فيها: أن الساعة بالألف واللام عبارةٌ في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه (٢)، وهو المُسَمَّى بالآن، وسُمِّيَتْ به القيامة؛ إمَّا لقربها؛ فإن كلَّ اتٍ قطعًا فريب جدًّا، وإن وُسِّعَتْ فيه الآماد؛ كان مكروهًا أو محبوبًا، فإنَّ النفس تستشعر المكروه الآتي قطعًا لا محالة، فيُورِثها نَكَدًا في العيش، وكَرَبًا في النفس، وتستشعر المحبوب الآتي لا محالة، فتَأْلَمُ بانتظاره، وأومَّا أن تكون سُمِّيَتْ به تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العِظَام؛ التي تصهر (٣) الجلود وتَكْسِرُ العِظَام. * * *

стр. 736

الاسم الثاني: القيامة وهي في العربية: مصدر قام يقوم، دخله التأنيث للمبالغة؛ على عادة العرب. وهي: عبارة عن الانتصاب بعد الجلوس أو الاضطجاع. وقال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. وقد يُنسب الفعل إليها فيقال: قامت القيامة. قال الله سبحانه مُخْبِرًا عن بعض الشاكِّين فيها: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]، على عادة العرب في إضافتها الفِعْلَ إلى المَحَلِّ والزمان وغيره مما لم يكن منه الفعلُ، يقولون: ليل قائم، ونهار صائم، وسِرٌّ كاتم، وليست هذه الأسماء إِخْبَارًا عن أفعالِ فاعلين حقيقةً، فسُمِّيَتِ القيامة باسم ما فيها، كأنه زمانٌ سُمِّيَ باسم فِعْلٍ، أو أفعال وُجدت فيه. [معاني القيام]: والقيامُ (١) فيه ثلاثة معان: المعنى الأول: قيام الخلق من القبور كلهم بدعوة العزيز القدير، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. وقال تعالى في المعنى الثاني: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].

стр. 737

المعنى الثالث: قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. فأمَّا الآية الأولى ففيها خمسة (١) أقوال: الأوَّل: يقومون: يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، يحمدونه وقت لا ينتفعون بالحمد. الثاني: بمعرفته (٢). الثالث: بطاعته (٣). ومعنى هذين القولين أنهم علموا ما جهلوا، ولكنه لا ينفعهم؛ لأنه إيمان اضطرار ومشاهدة، وإنما ينفع إيمانُ الغيب والاختيار. الرابع: رَوَينا في "أحاديث الشريف ابن أبي الجِنِّ (٤) " (٥): أن النبي ﷺ قال: "يقومون، يقولون: لا إله إلا الله" (٦).

стр. 738

الخامس: بأمره (١)، ويكون أَمْرَ تَكْوِينٍ، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٣٨ - ٤٠]. وبهذا المعنى عَدَلَ الطَّبَرِيُّ عن قول ابن جُبَير الأوَّل، إلى أن قال: إن الكلام تامٌّ في قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، وقوله: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ (٢). معناه: أن الحمد (٣) لله حقًّا؛ لا أنهم يقولونه. فيكون تقدير الكلام في معناه المطلوب. ومعنى (٤) قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، أي: بأن له الثناء والحمد بالفعل الذي ينفرد به، والجلال الذي يختص به، فلا يبقى منهم بالقدرة مضطجع إلَّا قام حيًّا على قَدَمَيْهِ؛ صغيرًا أو كبيرًا، صحيحًا أو زَمِنًا. قال الفقيه الحافظ أبو بكر (٥)؛ والذي أراه أنهم يقومون فيقولون: "سبحانك اللهم وبحمدك"، أو كيف قالوا، فإن يوم القيامة يَوْمٌ يُبدأ بالحمد ويُختم به، وقال الله تعالى في أوَّله: ﴿يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾،

стр. 739

قال (١) تعالى في آخره: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، وقال مُخْبِرًا عن أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يوس: ١٠]. وأمَّا قوله جل وعز: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) [المطففين: ٦]؛ فقد قال النبي ﷺ : "يقومُ أحدُهم في عَرَقِه إلى أنصاف أُذُنَيْهِ" (٣). وفي الحديث الصحيح: "إن الشمس تدنو من رؤوس الخلق، ويغلبهم الكرب، ويغشاهم العرق؛ فيذهب في الأرض سبعين ذراعًا" (٤). وفي البخاري ومسلم: "سبعين (٥) باعًا، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ أنصاف أذنيه، ومنهم من يبلغ حَقْوَيه" (٦). ويتفاوتون بين ذلك، ومنهم من يُلْجِمُه العَرَقُ إلجامًا، وهو يوم العرق، وكل واحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف أذنيه، وإلى جانبه

стр. 740

- مَثَلًا - يَمْنَةً من يبلغ كَعْبَيْه، ومن الجهة اليُسرى (١) من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقُه إلى نصفه، ومن خلفه من يبلغ العرق صدرَه، وهذا خلاف المعتاد في الدنيا؛ فإن الجماعة إذا وَقفوا في الأرض المعتدلة أخذهم الماء أخذًا واحدًا، وهؤلاء يتفاوتون - كما ذكرنا؛ مع استواء الأرض ومجاورة المحلِّ، وهذا من القدرة العظمى التي تخرق العادات في زمان الآيات (٢). فأمَّا قَوْلُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾، فإن الروح في العربية والشريعة ينطلق على معانٍ، والمراد به هاهنا مَلَكٌ (٣)، لعله أن يكون رُوح القدس؛ الروح الأمين المذكور في القرآن (٤). المعنى: يقوم الروحُ صفًّا وحده، والملائكة كلهم صفًّا آخر (٥). وقيل: تقوم الملائكة صُفُوفًا تحيط ببني آدم من كل جانب. ولن يغلب الله أحدٌ، ولكنه مُلْكٌ وحكمة، وقدرة ومشيئة. ويحتمل أن يكلون للقيامة معنًى خامس، وهو: طول الوقوف، فلخروجه عن المعتاد سُمِّيَ له؛ ولأنه أجمل في الهيئة، وأحسن في العبادة.
следующие страницы →