← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الاسم الثاني: القيامة وهي في العربية: مصدر قام يقوم، دخله التأنيث للمبالغة؛ على عادة العرب. وهي: عبارة عن الانتصاب بعد الجلوس أو الاضطجاع. وقال الله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. وقد يُنسب الفعل إليها فيقال: قامت القيامة. قال الله سبحانه مُخْبِرًا عن بعض الشاكِّين فيها: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]، على عادة العرب في إضافتها الفِعْلَ إلى المَحَلِّ والزمان وغيره مما لم يكن منه الفعلُ، يقولون: ليل قائم، ونهار صائم، وسِرٌّ كاتم، وليست هذه الأسماء إِخْبَارًا عن أفعالِ فاعلين حقيقةً، فسُمِّيَتِ القيامة باسم ما فيها، كأنه زمانٌ سُمِّيَ باسم فِعْلٍ، أو أفعال وُجدت فيه. [معاني القيام]: والقيامُ (١) فيه ثلاثة معان: المعنى الأول: قيام الخلق من القبور كلهم بدعوة العزيز القدير، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. وقال تعالى في المعنى الثاني: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].

стр. 737

المعنى الثالث: قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. فأمَّا الآية الأولى ففيها خمسة (١) أقوال: الأوَّل: يقومون: يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، يحمدونه وقت لا ينتفعون بالحمد. الثاني: بمعرفته (٢). الثالث: بطاعته (٣). ومعنى هذين القولين أنهم علموا ما جهلوا، ولكنه لا ينفعهم؛ لأنه إيمان اضطرار ومشاهدة، وإنما ينفع إيمانُ الغيب والاختيار. الرابع: رَوَينا في "أحاديث الشريف ابن أبي الجِنِّ (٤) " (٥): أن النبي ﷺ قال: "يقومون، يقولون: لا إله إلا الله" (٦).

стр. 738

الخامس: بأمره (١)، ويكون أَمْرَ تَكْوِينٍ، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٣٨ - ٤٠]. وبهذا المعنى عَدَلَ الطَّبَرِيُّ عن قول ابن جُبَير الأوَّل، إلى أن قال: إن الكلام تامٌّ في قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، وقوله: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ (٢). معناه: أن الحمد (٣) لله حقًّا؛ لا أنهم يقولونه. فيكون تقدير الكلام في معناه المطلوب. ومعنى (٤) قوله: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾، أي: بأن له الثناء والحمد بالفعل الذي ينفرد به، والجلال الذي يختص به، فلا يبقى منهم بالقدرة مضطجع إلَّا قام حيًّا على قَدَمَيْهِ؛ صغيرًا أو كبيرًا، صحيحًا أو زَمِنًا. قال الفقيه الحافظ أبو بكر (٥)؛ والذي أراه أنهم يقومون فيقولون: "سبحانك اللهم وبحمدك"، أو كيف قالوا، فإن يوم القيامة يَوْمٌ يُبدأ بالحمد ويُختم به، وقال الله تعالى في أوَّله: ﴿يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾،

стр. 739

قال (١) تعالى في آخره: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، وقال مُخْبِرًا عن أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يوس: ١٠]. وأمَّا قوله جل وعز: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) [المطففين: ٦]؛ فقد قال النبي ﷺ : "يقومُ أحدُهم في عَرَقِه إلى أنصاف أُذُنَيْهِ" (٣). وفي الحديث الصحيح: "إن الشمس تدنو من رؤوس الخلق، ويغلبهم الكرب، ويغشاهم العرق؛ فيذهب في الأرض سبعين ذراعًا" (٤). وفي البخاري ومسلم: "سبعين (٥) باعًا، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ أنصاف أذنيه، ومنهم من يبلغ حَقْوَيه" (٦). ويتفاوتون بين ذلك، ومنهم من يُلْجِمُه العَرَقُ إلجامًا، وهو يوم العرق، وكل واحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف أذنيه، وإلى جانبه

стр. 740

- مَثَلًا - يَمْنَةً من يبلغ كَعْبَيْه، ومن الجهة اليُسرى (١) من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقُه إلى نصفه، ومن خلفه من يبلغ العرق صدرَه، وهذا خلاف المعتاد في الدنيا؛ فإن الجماعة إذا وَقفوا في الأرض المعتدلة أخذهم الماء أخذًا واحدًا، وهؤلاء يتفاوتون - كما ذكرنا؛ مع استواء الأرض ومجاورة المحلِّ، وهذا من القدرة العظمى التي تخرق العادات في زمان الآيات (٢). فأمَّا قَوْلُه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾، فإن الروح في العربية والشريعة ينطلق على معانٍ، والمراد به هاهنا مَلَكٌ (٣)، لعله أن يكون رُوح القدس؛ الروح الأمين المذكور في القرآن (٤). المعنى: يقوم الروحُ صفًّا وحده، والملائكة كلهم صفًّا آخر (٥). وقيل: تقوم الملائكة صُفُوفًا تحيط ببني آدم من كل جانب. ولن يغلب الله أحدٌ، ولكنه مُلْكٌ وحكمة، وقدرة ومشيئة. ويحتمل أن يكلون للقيامة معنًى خامس، وهو: طول الوقوف، فلخروجه عن المعتاد سُمِّيَ له؛ ولأنه أجمل في الهيئة، وأحسن في العبادة.

стр. 741

وفي الحديث الحسن: "ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف تَصُفُّ الملائكة عند ربهم؟ قال: يُقيمون الصفوف المقدمة، ويَتَرَاصُّون في الصَّفِّ" (١). وفي الصحيح: "لتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو ليُخالفنَّ الله بين (٢) وجوهكم" (٣).

стр. 742

الاسم الثالث: البَعْثُ وحقيقتُه: إثارة الشيء عن خفاء، أو تحريكُه عن سكون (١). وأحقُّ ما يكون بذلك السَّاعة؛ فإنها كالجاثمة تُثار، والساكنة تُحَرَّك، والباطنة تُظهر، وذلك راجعٌ إلى ما يجري فيها من الأحوال والمعاني، والأفعال والأحكام، والمقادير والأقدار. وأَوَّلُ ذلك خروج الناس من القبور، ثم ما يجري بعد ذلك من المعاني، وفي رؤيا ابن زِمْلِ: أنه رأى ناقة عجفاء شارفًا، وكأنَّ النبي ﷺ يبعثها، فقال النبي ﷺ : "الناقة هي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي" (٢)، والحديث طويل، وفيه قصة مشهورة. وثبت في كيفية البعث حَدِيثٌ صحيحٌ - واللفظ لمسلم -: "يُبعث كل أحد على ما مات عليه" (٣)، عن جابر عن النبي ﷺ . وثبت وصح أنه يُنزل الله الماءَ من السماء على الأرض، فينبت به الخلق (٤). زاد وَهْبُ بن مُنَبِّه في صفته: "كهيئة مَنْيِ الرجال".

стр. 743

وهذا ممَّا لا يُحتاج إليه، ولم يصحَّ نقله فيعوَّل عليه، فهذا هو البعث الأوَّل. وفي الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يقول: يا آدم؛ ابعث بَعْثَ النار، فيقول: يا رب، وما بَعْثُ النار؟ فيقول: من كل أَلْفي تِسْعُ مائة وتسعة وتسعون، فذلك حين يشيب الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله، أَيُّنَا ذلك الرجل؛ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا، ومنكم رَجُلًا (١) " (٢)، وذكر الحديث، وفي رواية: "تسعٌ وتسعون" (٣)، بدل تسع مائة وتسعة وتسعين (٤). وفي الصحيح: "أبشروا (٥)، فإنكم في أمَّتَيْنِ ما كانتا قط في شيء إلَّا كثَّرتاه، من يأجوج وماجوج تسعُ مائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد منكم إلى الجنة" (٦).

стр. 744

وفي رواية: "إني لأرجو أن تكونوا شَطْرَ أهل الجنة، ما أنتم في الأمم إلَّا كالشعرة البيضاء في جِلْدِ الثور الأسود، أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الحمار" (١)، وهو البعث الثاني؛ فتراهم كالفراش المبثوث، وهو النشور، وهو الاسم الرابع. * * *

стр. 745

[الاسم الرَّابع: النُّشُورُ] وله معنيان: أحدهما: التفريق، وسيأتي بيانه، من قولك: أَمْرُهم نَشَرٌ. والثاني: الإحياء، تقول العرب: نشر الميت، إذا حَيِيَ (١) معلومٌ شِعْرًا (٢) ونقلًا وحديثًا. * * *

стр. 746

الاسم الخامس: الحَشرُ وهو في العربية: عبارةٌ عن الإكراه على الفعل (١). قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١١ - ١١٢]. أي: من يَسُوقُ السَّحَرَةَ كرهًا. وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحشر: ٢]، فكان ذلك أوَّل حشرهم، وآخِرُه الحشر إلى جهنم؛ فإنه ما من أوَّل إلَّا له آخِر، حاشا الأوَّل الآخِر. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦]، يعمهم بالحشر (٢)، ويخص بعضهم بشرف المنزلة. وقد بيَّن ﷺ كيفية الحشر، وهو متنوع: [الأوَّل]: فقال النبي ﷺ كما تقدَّم -: "إن النار تَحْشُرُ الناس، تَبِيتُ معهم حيث باتوا، وتَقِيلُ معهم حيث قَالُوا" (٣).

стр. 747

الثاني: صحَّ عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحْشَرُ الناس على ثلاثة طرائق؛ راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتَحْشُرُ بقيتَّهم النارُ - كما تقدَّم -، تَبِيتُ معهم حيث باتوا، وتَقِيلُ معهم حيث قَالُوا، وتُصبح معهم حيث أصبحوا، وتُمْسِي معهم حيث أَمْسَوا" (١). الثالث: عن ابن عباس وغيره (٢): "يحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا كما خلقوا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] " (٣)، ودْكر الحديث. الرابع: روى بَهْزُ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تحشرون رَجْلًا (٤) ورُكبانا، وتُجَرُّونَ (٥) على وجوهكم" (٦)، واللفظ للترمذي، حسن صحيح.

стр. 748

وصحَّ عن عائشة - أنها لمَّا سمعت أنهم يُحشرون على وجوههم ورؤوسهم؛ قالت: "يا رسول الله، وكيف يمشي أحدٌ على رأسه؟ قال: إن الذي أَمْشَاهُ على رِجْلِه (١) قادرٌ على أن يُمْشِيَه على رأسه" (٢). الخامس: قال عمرو (٣) بن قيس المُلائي: "إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن شيء صورةً وأطيبه ريحًا (٤)، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلَّا أن الله قد طيَّب ريحك، وحسَّن صورتك، فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا، أنا عملك الصالح، طال ما ركبتك في الدنيا (٥)، اركبني اليوم، وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، إلَّا أن الله قد قبَّح صورتك، ونتَّن ريحك، فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا، أنا عملك السيئ، طال ما ركبتني في الدنيا، وأنا اليوم أركبك، وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] " (٦).

стр. 749

قال الإمام الحافظ أبو بكر (١): وهذا لم يصح، وإن كان جائزًا في حكم الله وقدرته، ولكنه لم يَثْبُتْ سندُه، فلا نُعَوِّلُ عليه (٢). * * *

стр. 750

الاسم السَّادس: العَرْضُ وحَقِيقَتُه: إدراك الشيء بإحدى الحواس ليُعلم حالُه، وغايته (١) السمع والبصر (٢). قال الله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨]. قال الإمام أبو بكر (٣): ولا يزال الخلق قيامًا في يَوْمٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، ما شاء الله أن يقوموا، ثم رُوي في الصحيح: "أنهم يَهْتَمونَ فيُلهمون (٤)، فيقولون: قد كُنَّا نستشفع في الدنيا فنسأل الشفاعة إلى ربنا، فيقولون: ايتوا آدم أبا البشر، خلقه الله بيده، وأَسْجَدَ له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء" (٥)، وذكر الحديث، إلى أن قال: "فأَسْجُدُ"، الحديث، إلى أن قال: "فيَقُوم ويُؤْذَنُ له، وتُرْسَلُ الأمانة والرَّحِمُ؛ فيقومان

стр. 751

على (١) جَنْبَتَي الصِّراط؛ يمينًا وشمالًا" (٢)، وذكر الحديث، وهو كله مُخْتَصَرٌ مُفَصَّلٌ، ليس من حديث يوم القيامة مُسْنَدٌ مَجْمُوعٌ، وإنَّما هو كله مُفْتَرِقٌ، وقد جمعنا منه حديث الشفاعة في "كتاب النَّيِّرَيْنِ لإملاء شَرْحِ الصَّحيحين"؛ مُخْتَصَرًا في "صريح (٣) الصَّحِيحِ". [كيفية العرض (٤)]: وفي كيفية العرض أحاديث كثيرة؛ المُعَوَّلُ منها على تسعة أحاديث، في تسعة أوقات: الأول: الحديث الصحيح المشهور؛ رواه أبو هريرة وأبو سعيد - واللفظ له - قال: "إنَّ ناسًا في زمان رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : هل (٥) تُضَارُّون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا (٦) ليس معها سحاب؟ وهل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر صَحْوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: ما تُضَارُّون في رؤية الله يوم القيامة إلَّا كما تُضَارّون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذَّن مؤذن: لتَتْبَعْ كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ كان يعبدُ

стр. 752

غيرَ الله من الأنصاب والأصنام إلَّا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يَبْقَ إلَّا من كان بعبد الله من بَرٍّ وفَاجِرٍ وغُبَّرَاتِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا (١): كنا نعبد عُزَير بن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد (٢)، فماذا تبغون؟ قالوا: عَطِشْنا يا ربنا فَاسْقِنَا، فيُشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ فيحشرون إلى النار كأنها (٣) سَرَابٌ (٤) تَحْطِمُ بعضُها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يُدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح بن مريم، فيقال لهم (٥): كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا (٦) تبغون؟ فيقولون: عَطِشْنَا يا ربنا فاسْقِنَا، قال: فيُشار إليهم: ألا تَرِدُونَ؟ فيُحشرون إلى جهنم كأنها (٧) سَرَابٌ (٨) تَحْطِمُ بعضُها بَعْضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلَّا من كان يعبد الله من بَرٍّ وفَاجِرٍ؛ أتاهم رَبُّهم (٩) في أدنى صورة من التي رَأَوْهُ فيها، قال: فما تنتظرون؟ تَتْبَعُ كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أَفْقَرَ ما كنا إليهم ولم نُصاحبهم (١٠)، فيقول: أنا ربكم"، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا، مرَّتين أو ثلاثًا، حتى إن

стр. 753

بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل كانت بينكم وبينه (١) آية فتعرفونه بها؟ فيفولون: نعم، فيُكشف عن ساق؛ فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلَّا أَذِنَ الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلَّا جعل الله له ظهره طَبَقَةً واحدة؛ كلما أراد أن يسجد خَرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في الصورة التي رأوه (٢) فيها أوَّل مرة، فيقولون: أنت ربنا، ثم يُضرب الجسر على جهنم، وتَحِلُّ الشفاعة، فيقولون: اللهم سَلِّمْ، اللهم سَلِّمْ (٣) " (٤)، وذَكَرَ الحديث إلى آخره. الثاني: صحَّ من كل طريق عن عائشة أنها قالت: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: من نُوقِش الحساب عُذِّب، قلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؛ قال: ذلك العَرْضُ" (٥). الثالث: رَوى الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يُعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات؛ فأمَّا عرضتان: فجدال ومعاذير، فعند ذلك تَطِيرُ الصحف في الأيدي؛ فآخذٌ بيمينه، وآخذٌ بشماله" (٦)، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة.

стр. 754

الرابع: رُوي عن أنس (١) أنه قال: عن النبي ﷺ : "يُجَاءُ بابن آدم يوم القيامة كأنه بَذَجٌ؛ فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتُك وخوَّلتُك وأنعمتُ عليك، فما (٢) صنعتَ؟ فيقول: يا رب، جمعتُه وثمَّرتُه، فتركتُه أكثر ما كان، فأَرْجِعْنِي آتِك به، فيقول له: أرني ما قدَّمت، فيقول: يا ربِّ، جمعتُه وثمَّرتُه، فتركته أكثر ما كان، فأَرْجِعْنِي آتِك به، فإذا عبد لم يُقَدِّمْ خيرًا، فيُمْضَى به إلى النار" (٣). قال الإمام أبو بكر (٤): هذا حديثٌ صحيحٌ من مراسيل الحَسَنِ. الخامس: وثبت عن أبي هريرة وأبي سعيد - واللفظ له -: "يُؤتى بعبد يوم القيامة فيقال له: ألم أحعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وتركتك ترأس وترتع (٥)، فكنت تظن أنك تلاقي (٦) يومك هذا؟ قال: فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نَسِيتَني" (٧)، وهذا حديث صحيح. السَّادس: ثبت من طُرُقٍ صِحَاحٍ؛ وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيضع عليه الله كَنَفَه، فيقول: عَبْدِي، تَذْكُرُ يوم كذا

стр. 755

وكذا، حين فعلت كذا وكذا؟ فلا يزال يُقَرِّرُه حتى يرى أنه قد هلك، ثم يقول له (١): عبدي؛ أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (٢). السَّابع: وفي الصحيح عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم آخِرَ أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا من النار؛ رجلٌ يؤتى به يوم القيامة فيقال (٣): اعرضوا عليه صغار ذُنوبه، وارفعوا عنه كِبَارَها، فيعرضُ الله عليه صِغَارَ ذدوبه، فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكِر، وهو مُشْفِقٌ من كبار ذنوبه أن تُعرض عليه، فبقال له (٤): إن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، قد عملتُ أشياء لا أراها هاهنا، فلقد رأيتُ رسول الله ﷺ ضَحِكَ حتى بَدَتْ نوَاجِذُه" (٥). الثامن: وفي الصحيح عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرُجُ (٦) من النار أربعةٌ فيُعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي ربِّ، إذ أخرجتني منها فلا تُعِدْني (٧) فيها، فيُنجيه الله منها" (٨).

стр. 756

وروى مسلم: "يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حتى تُزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم (١) من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لستُ بصاحب ذلك" (٢)، وذكر حديث الشفاعة. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وذلك قوله في الحديث المتقدم: "ألا تَرِدُونَ؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سرابٌ (٣) تَحْطِمُ بعضُها بعضًا" (٤)، وهذا ممَّا أغفله الأئمة في التفسير. التاسع: العَرْضُ على الله، ولا أعلمه في الحديث إلَّا قوله في النص المتقدم: "حتى إذا (٥) لم يَبْقَ إلَّا من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجر أتاهم ربُّ العالمين" (٦)، وذكر الحديث، والصراط والميزان والحوض. قال الإمام أبي بكر (٧) ﵁: وقد تقدَّم في المقام الدنيا وفي القبر وُجُوهٌ من العَرْضِ:

стр. 757

الأوَّل: عَرْضُ الأعمال كل يوم عند تعاقب الملائكة لصلاة الصبح وصلاة العصر (١). الثاني: عَرْضُ الأعمال كل إثنين وخميس، وكان النبي ﷺ يَصُومُهما، ويقول: "أُحِبُّ أن يُعْرَضَ عملي وأنا صائم" (٢). الثالث: عَرْضُ حال المتجالسين للذِّكْرِ، ففي الحديث الصحيح: "إن لله ملائكة سيَّاحين في الأرض، فُضُلًا عن أعمال الناس، يجلسون إلى حِلَقِ الذكر فيصعدون إلى الباري، فيقول لهم: كيف تركتم عبادي - وهو أعلم بهم -؟ فيقولون: وجدناهم يسألونك الجنة، قال: وهل رأوها؟ قالوا: لم يروها، قال: فكيف لو رأوها؟ لكانوا أشد حُبًّا لها، فيقولون: وجدناهم يستعيذونك من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون (٣): لم يروها، فيقول: وكيف لو رأوها؟ لكانوا أشد منها استعاذة" (٤)، الحديث. وقد تقدَّم عَرْضُ العَبْدِ على مقعده بالغداة والعَشِيِّ في قبره (٥).

стр. 758

يومُ الجَمْعِ: وهو الاسمُ السَّابع وحقيقته في العربية: ضَمُّ شَئٍ إلى شَيْءٍ، فَرْدًا إلى فَرْدٍ، حتى يكون شيئين، أو (١) زَوْجًا إلى زَوْجٍ، حتى يكون أشياء (٢). وهو وإن كان يوم الجمع فإنه يَوْمْ الفَرْقِ، وهو الاسمُ الثامنُ. * * *

стр. 759

[الاسم الثامن: يَوْمُ الفَرْقِ] قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]، وقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]، وقد سبق القضاء ونفذ الحُكْمُ بجَمْعِهم وفَرْقِهِم؛ عِلْمًا وكتابًا، وخَلْقًا وتطويرًا، ومعاشًا ومَوْتًا ونُشُورًا، وثَوَابًا وعِقَابًا، ودِينًا ودُنْيَا، وفاتحةً وخاتمةً، وإقبالًا وإدبارًا، ورَوْضَةً وحُفْرَةً، ومَوْقِفًا وحِسَابًا، وقَبُولًا ورَدًّا، وجوارًا (١) تقريبًا، وإقصاءً تبعيدًا (٢)، وجوازًا على الصراط، ورِيًّا وعَطَشًا، ونُورًا وظُلْمَةً، ووَزْنًا وإعطاءَ كتاب، ومآبًا وقرارًا، ولكل واحد حديثٌ وآيَةٌ بيَّنَّاهَا في "أنوار الفجر"، والنَّبِيهُ (٣) يستخرجها من حفظ القرآن والحديث، وهذا "السِّرَاجُ" يكفي للاستضاءة عليها في الاستراءة. والجمع يكون بوُجُوهٍ: الأوَّل: ما تقدَّم من جَمْعِ مُتَفَرِّقِ (٤) الأجساد في الأرض؛ حتى يرجع كل عُضْوٍ إلى مَقَرِّه، وكل قِطْعَةٍ من البدن إلى جارتها، وقد سأل إبراهيم معرفة مُعَايَنَة الكيفية، فأراه الله إيَّاها في الطيور الأربعة.

стр. 760

وقد أبان النبي ﷺ عنها في حديث المُحْتَرِقِ فقال: "إن رجلًا كان فيمن قبلكم لم تبْتَئِرْ خَيْرًا، قال؛ أيُّ أَبٍ كنت لكم؟ قالوا (١): خَيْرَ أَبٍ، قال: فإذا مِتُّ فأَحْرِقُوني، ثم اسْهَكُوني، وذرُّوا نِصْفِي في البَرِّ، ونِصْفِي في البحر، فوالله لئن قَدَرَ الله عليَّ ليُعَذِّبَنِّي عذابًا ما عذَّبه أحدًا من العالمين، فلمَّا مات فَعَلُوا، فأمر الله البَرَّ فجمع ما فيه، ثم أَمَرَ البحْرَ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن خَلْقًا سَوِيًّا فعاد كما كان، فقال الله له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك، فغفر له" (٢)، وفي رواية: "فما (٣) تلافاه غيرها" (٤)، وهذه هي: * * *

стр. 761

البَعْثَرَةُ: وهو الاسم التَّاسع ومَعْناهُ: تَتَبُّع الشيء المختلط مع غيره حتى يخلص منه. ورُوي في السِّيَرِ: أن النبي ﷺ قال في حمزة - عمِّه -: "لولا أن تَجْزَعَ صَفِيَّةُ لتركته حتى يُحْشَرَ من بطون السِّبَاعِ والطير" (١). الثاني: من وُجُوهِ الجَمْعِ ما تقدَّم في الحديث: "يجمع الله الأوَّلين والآخرين في صعيد واحد؛ يُسْمِعُهم الداعي ويَنْفُذُهم البَصَرُ (٢) " (٣). الثالث: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١١١]، يحتمل أن يريد به (٤): يَجْمَعُهم في السؤال. ويحتمل أن يريد به (٥): يجمعهم في الموقف. ويحتمل أن يريد به (٦): يجمعهم فيهما.

стр. 762

ويحتمل أن يريد به (١): يجمعهم في (٢) الشهداء على الأمم، وذلك قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. وذلك كلُّه صحيحٌ مَرْوِيٌّ فيه أحاديث. الرابع -: رُوي في الحديث: "أنه يجتمع أهل الجنة" (٣)، ورُوي: "أنه يجتمع أهل النار" (٤). وأما الفَرْقُ فقد أخبر الله تعالى عن أوَّله وآخِره: أمَّا الأوَّل: فقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] أي: أنواعًا ثلاثة، ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين، ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال (٥). وقال ﷺ : "يُؤخذ برِجَالٍ يوم القيامة ذات الشمال، فأقول: يا رب (٦)، أصحابي، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (٧).

стр. 763

واختلف في الآية هل هي عامة في كل أُمَّةٍ أم في أُمَّتِنا؟ والصحيح عمومها. وأمَّا السَّابقون - أحد الأنواع الثلاثة التي ذكر الله -: فأوَّلهم أبو بكر. وقيل: هم الذين صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ (١). وقيل: هم الذين يُبادرون إلى الأعمال ولا يتراخون عنها (٢). وقد بيَّنَّا ذلك في "الأحكام" (٣). وهذه الآية وما تضمَّنت من المعنى في الميمنة والمشأمة ممَّا لم أعلمه إلى الآن، ولا أدري ميمنة ماذا ولا مشأمة ماذا، ولا رأيتُ من يدريها، والله يجعلنا وإياكم من أهل الميمنة برحمته (٤). وأمَّا الآخِر: فقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٣ - ١٥]، وهو قَوْلُه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٥]. وبينهما وجوه:

стр. 764

منها: ما رُوي في الحديث أنه ﷺ قال: "تخرج عُنُقٌ من النار فتلتقط الكفار لَقْطَ الطائر حبَّ السِّمْسِمِ" (١). ومنها: ما تقدَّم في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يجمع الأوَّلين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمِعُهم الداعي ويُنْفِذُهم البَصَرُ، ثم ينادي مُنَادٍ؛ ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، ويتبع من كان يعبد القَمَرَ القَمَرَ، ويتبع من كان يعبد الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وفي رواية: - فيُمَثَّلُ لكل أمة ما كانت تعبد -، فيَمْثُلُ لأهل الصليب الصَّلِيبُ، فلا يبقى أَحَدٌ ممن كان يعبد غير الله من الأنصاب والأصنام إلَّا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلَّا من كان يعبد الله من بَرٍّ وفاجر (٢) وغُبَّرَاتِ أهل الكتاب جميعا، فتُدْعَى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، فتدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عُزَير بن الله، فيقال لهم جميعًا: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، ثم يقولون: عَطِشْنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيُحشرون كلهم إلى النار كأنها سرابٌ (٣) تحطم بعضُها بعضًا، فيتساقطون في النار (٤) " (٥).

стр. 765

وهذا نحوٌ (١) من الفَرْقِ (٢) أيضًا؛ وهو قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦]، أي: متفرقين، ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾، فهذا أوَّلُ ذلك، وبعده أشياء (٣) كثيرة (٤). ومنها: التفاوت في جواز الصراط، "كالبرق الخاطف، والريح (٥) المرسلة، والطير، وأجاويد الخيل، وشَدِّ الرجال، وزَحْفًا تجري بهم أعمالهم" (٦)، صَحِيحٌ صَحِيحٌ. [الشفاعة (٧)]: ومنها: الفَرْقُ الأعظم؛ وهو كيفية الخروج من النار بالشفاعة. ففي الحديث الصحيح أنهما نوعان: من جهة الشافع نَوْعٌ؛ ومن جهة السبب المشفوع به نَوْعٌ. فأمَّا الشافع "فمُحَمَّدٌ ﷺ ، والأنبياء، والملائكة، والمؤمنون، وأرحم الراحمين (٨) " (٩).

стр. 766

والحديث: "يخرج بشفاعة رَجُلٍ من أمتي من النار أكثرُ بني تَمِيمٍ" (١). رواه عبد الله بن أبي الجَدْعَاءَ، وليس له حديث غيره (٢)، وهو صحيح. وأمَّا النوع الثاني: في التقديم والتأخير للمُخْرَجِين؛ فيُبْدَأُ بمن "في قلبه مثقال دينار من خير، ثم مثقال نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه ما يَزِنُ شعيرة، ثم ما يزن بُرَّةً - وفي رواية: "برة أو شعيرة" -، ثم ما يزن خردلة، ثم ما يزن ذرة" (٣). وهذا ترتيبٌ فيه كلام (٤). وفي رواية - بَدَلَ خَيْرٍ -: "إِيمَان" (٥).

стр. 767

ومنها: ما أعظمه وأجلَّه من فائدة للمُذنبين! وهي أن الله حرَّم على النار أَثَرَ السجود، وخُصُوصًا الوجه، "وإذا أَكَلَتْهم النار فصارُوا حُمَمًا أماتهم الله فيها إماتةً حتى يخرجُوا منها بالشفاعة" (١). * * *

стр. 768

يَوْمُ الفَزَعِ: وهو الاسمُ العاشر وحقيقة "ف ز ع": ضَعْفُ النفس عن حَمْلِ المعاني الطارئة عليها خلاف العادة، فإن استمر كان جُبْنًا (١)، وعند ذلك تتشوَّف (٢) النفس إلى ما يقَوِّيهَا، فلجرَّاء ذلك قالوا: فَزِعْتُ من كذا، أي: ضَعُفْتُ عن حَمْلِه عند طَرَيَانِه عليَّ، وفَزِعْتُ إلى كذا، أي: تَشَوَّفَتْ (٣) نفسي عند ذلك إلى ما يُقَوِّيهَا على إزالة ما نزل بها. والآخِرَةُ كلها خلافُ العادة، فهي فَزَعٌ كلها، وبعضُها أكبرُ من بعض، قال الله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، وفيه سبعة أقوال (٤): الأوَّل: الفزع الأكبر: قوله تعالى: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٢٢]. الثاني: قوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩].

стр. 769

الثالث: قوله عند ذَبْح الموت (١): "يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت (٢)، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت (٣) " (٤). الرابع: قوله (٥): ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. الخامس: هو الفراق (٦). السَّادس: هو اليأس من رَوْحِ الله، وذلك للكفار حين يُؤمر بهم إلى النار (٧). السَّابع: النفخة الآخرة (٨)، وهما (٩) نفختان بنص القرآن، وهو: * * *

стр. 770

يوم النفخة: وهو الاسم الحادي عشر (١) وممَّا رُوي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ينفخ في الصُّور ثلاث نفخات؛ نفخة الفزَع، ونفخة الصَّعْق، ونفخة القيام لرب العالمين" (٢). وهذه النفخة الثالثة معلومة بالإجماع، وبالحديث المفرد فيها. فأمَّا اقترانها الثلاث في حديث واحد فلم يثبت سَنَدُه (٣)، والنَّفْخُ صَحِيحٌ، والصورُ صحيحٌ، وكيفيتُه غيرُ صحيحة. في الترمذي وغيره عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "الصُّورُ قَرْنٌ يُنفخ فيه" (٤).

стр. 771

وقال رسول الله ﷺ : "كيف أنعمُ وصاحب القَرْنِ قد الْتَقَمَ القَرْنَ، وحَنَا جَبْهَتَه، واستمعَ الإِذْنَ متى يُؤمر بالنفخ فيَنْفُخُ، فكأنَّ ذلك ثَقُلَ على أصحاب النبي ﷺ ، فقال لهم: "قولوا: حَسْبُنا الله، ونعم الوكيل" (١). وهما حديثان حسنان. أمَّا الأول فحديث أبي سعيد، وقد تقدَّم. وأمَّا الثاني فحديث أبي هريرة، ذكره الطبري (٢)، وهو صحيح (٣). قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الصُّورَ وأعطاه إسرافيل، فهو واضعُه على فيه، ينتظر متى يُؤمر، قَرْن عظيم يُنفخ فيه ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى: نفخة الفزع. والثانية (٤): نفخة الصعق (٥). والنفخة الثالثة: نفخة القيام بأمر الله.

стр. 772

يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، فتُسَيَّرُ (١) الجبال فتكون سرابًا، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦]، فتكون الأرض كالسفينة المُوثَقَةِ، وتضربها الأمواج تَكْفَأُ بأهلها، فيَمِيدُ (٢) الناس على ظهرها؛ فتَذْهَلُ المراضع، وتَضَعُ الحوامل، ويشيب الولدان، فبينما هم كذلك إذ تصدَّعت الأرض من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فرأوا أَمْرًا عظيمًا، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمُهْلِ، ثم خَسَفَ شمسها، ثم خَسَفَ قمرها، وانتثرت نجومها، والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك"، قال أبو هريرة: "هُم ممَّن استثنى الله، حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، فقال: أولئك الشهداء، وَقَاهُم الله فزَعَ ذلك اليوم وأَمَّنَهُمْ، وهو عذاب الله يَبْعَثُه على شِرَارِ خَلْقِه، وهو الذي يقول الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] " (٣). قال القاضي الإمام أبو بكر (٤): وكُلُّهُ فَزَعٌ، لعظيم أَهْوَالِه، وكثرة أَوْجَالِه، وهو يَوْمٌ وَاحِدٌ. أوَّلُه:

стр. 773

الزَّلْزَلَةُ: وهو الاسم الثاني عشر (١) تكون عن النفخة (٢) الأولى بهذا الحديث الصحيح (٣) الواحد المُفْرَدِ (٤)، ولمَّا بَدَأَ النبي ﷺ بذِكْرِ الزلزلة التي تكون عن النفخة (٥) الأولى؛ ذَكَرَ ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال العِظَامِ التي يُعطيها قوله: ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. ومن فَزَعِهَا (٦) ما لا تُطِيقُ حَمْلَه (٧) النُّفُوسُ، وهو قوله تعالى لآدم: "ابعث بَعْثَ النار" (٨)، فيكون ذلك في أثناء ذلك اليوم، ولا يقتضي ذلك أن يكون مُتَّصِلًا بالنفخة الأولى؛ التي يَشِيبُ فيها الوليد (٩)، وتضع الحوامل، وتَذْهَلُ المراضع، ولكن يحتمل أمرين:

стр. 774

أحدهما: أن يكون آخِرُ الكلام مَنُوطًا بأوَّله، تقديره: يُقال لآدم: ابْعَثْ بَعْثَ النار أثناء (١) يوم يَشِيبُ الوليد، وتضع الحوامل، وتذهل المراضع، من أوَّله. الثاني: أن شَيْبَ الوليد ووَضْعَ الحوامل وذُهُولَ المراضع يكون في النفخة الأولى حقيقةً (٢). وفي هذا القول الثاني تكون صفته بذلك إِخْبَارًا عن شِدَّتِه، وإن لم يُوجد عَيْنُ (٣) ذلك الشيء فيه، وهذه طريقة العرب في فصاحتها. وهى: الزلزلة. وهي: الصيحة. وهو: يوم الصيحة التي قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٤]. وهو: يَوْمُ الناقور، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]. وهو: الصُّورُ. وهي: القارعةُ؛ لأنها تَقْرَعُ السمع والفؤاد بالمكروه. فجعل ذلك كله من المحسوس مثلًا لتأثيرها (٤) في الآذان والنفوس.

стр. 775

فهذان اسمان من النَّقْرِ والقَرْعِ (١) بمعنًى واحد، إلَّا أنَّ النَّقْرَ أعمُّ من القَرْعِ (٢). وهو يوم التنادي، بتخفيف الدال؛ مِن النداء (٣)، أو بتشديدها، مِن ندَّ إذا ذهب، وهو: * * *
следующие страницы →