← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقال رسول الله ﷺ : "كيف أنعمُ وصاحب القَرْنِ قد الْتَقَمَ القَرْنَ، وحَنَا جَبْهَتَه، واستمعَ الإِذْنَ متى يُؤمر بالنفخ فيَنْفُخُ، فكأنَّ ذلك ثَقُلَ على أصحاب النبي ﷺ ، فقال لهم: "قولوا: حَسْبُنا الله، ونعم الوكيل" (١). وهما حديثان حسنان. أمَّا الأول فحديث أبي سعيد، وقد تقدَّم. وأمَّا الثاني فحديث أبي هريرة، ذكره الطبري (٢)، وهو صحيح (٣). قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق الصُّورَ وأعطاه إسرافيل، فهو واضعُه على فيه، ينتظر متى يُؤمر، قَرْن عظيم يُنفخ فيه ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى: نفخة الفزع. والثانية (٤): نفخة الصعق (٥). والنفخة الثالثة: نفخة القيام بأمر الله.

стр. 772

يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥]، فتُسَيَّرُ (١) الجبال فتكون سرابًا، وتُرَجُّ الأرضُ بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦]، فتكون الأرض كالسفينة المُوثَقَةِ، وتضربها الأمواج تَكْفَأُ بأهلها، فيَمِيدُ (٢) الناس على ظهرها؛ فتَذْهَلُ المراضع، وتَضَعُ الحوامل، ويشيب الولدان، فبينما هم كذلك إذ تصدَّعت الأرض من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فرأوا أَمْرًا عظيمًا، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمُهْلِ، ثم خَسَفَ شمسها، ثم خَسَفَ قمرها، وانتثرت نجومها، والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك"، قال أبو هريرة: "هُم ممَّن استثنى الله، حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]، فقال: أولئك الشهداء، وَقَاهُم الله فزَعَ ذلك اليوم وأَمَّنَهُمْ، وهو عذاب الله يَبْعَثُه على شِرَارِ خَلْقِه، وهو الذي يقول الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] " (٣). قال القاضي الإمام أبو بكر (٤): وكُلُّهُ فَزَعٌ، لعظيم أَهْوَالِه، وكثرة أَوْجَالِه، وهو يَوْمٌ وَاحِدٌ. أوَّلُه:

стр. 773

الزَّلْزَلَةُ: وهو الاسم الثاني عشر (١) تكون عن النفخة (٢) الأولى بهذا الحديث الصحيح (٣) الواحد المُفْرَدِ (٤)، ولمَّا بَدَأَ النبي ﷺ بذِكْرِ الزلزلة التي تكون عن النفخة (٥) الأولى؛ ذَكَرَ ما يكون في ذلك اليوم من الأهوال العِظَامِ التي يُعطيها قوله: ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. ومن فَزَعِهَا (٦) ما لا تُطِيقُ حَمْلَه (٧) النُّفُوسُ، وهو قوله تعالى لآدم: "ابعث بَعْثَ النار" (٨)، فيكون ذلك في أثناء ذلك اليوم، ولا يقتضي ذلك أن يكون مُتَّصِلًا بالنفخة الأولى؛ التي يَشِيبُ فيها الوليد (٩)، وتضع الحوامل، وتَذْهَلُ المراضع، ولكن يحتمل أمرين:

стр. 774

أحدهما: أن يكون آخِرُ الكلام مَنُوطًا بأوَّله، تقديره: يُقال لآدم: ابْعَثْ بَعْثَ النار أثناء (١) يوم يَشِيبُ الوليد، وتضع الحوامل، وتذهل المراضع، من أوَّله. الثاني: أن شَيْبَ الوليد ووَضْعَ الحوامل وذُهُولَ المراضع يكون في النفخة الأولى حقيقةً (٢). وفي هذا القول الثاني تكون صفته بذلك إِخْبَارًا عن شِدَّتِه، وإن لم يُوجد عَيْنُ (٣) ذلك الشيء فيه، وهذه طريقة العرب في فصاحتها. وهى: الزلزلة. وهي: الصيحة. وهو: يوم الصيحة التي قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٤]. وهو: يَوْمُ الناقور، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]. وهو: الصُّورُ. وهي: القارعةُ؛ لأنها تَقْرَعُ السمع والفؤاد بالمكروه. فجعل ذلك كله من المحسوس مثلًا لتأثيرها (٤) في الآذان والنفوس.

стр. 775

فهذان اسمان من النَّقْرِ والقَرْعِ (١) بمعنًى واحد، إلَّا أنَّ النَّقْرَ أعمُّ من القَرْعِ (٢). وهو يوم التنادي، بتخفيف الدال؛ مِن النداء (٣)، أو بتشديدها، مِن ندَّ إذا ذهب، وهو: * * *

стр. 776

يوم تُوَلُّون مُدْبِرِينَ: وهو الاسم الثالث عشر (١) إذا ذهب أيضًا في غير قصد (٢). ورُوي عن أبي هريرة أيضًا أن النبي (٣) ﷺ قال: "يأمر الله إسرافيل فينفخ نفخة الفزع، فيفزع (٤) أهل السماوات والأرض، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (٥)، فيُسَيِّرُ الله الجبال، وتُرَجُّ الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى فيها: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٦ - ٨]، فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع (٦)، وتضع الحامل، وتشيب الولدان، ويُوَلِّي الناسُ مُدْبِرِين، يُنادي بعضُهم بعضًا، وهو الذي يقول الله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢ - ٣٣] " (٧).

стр. 777

وقد رُوِيَت في ذلك أخبارٌ (١) وآثارٌ (٢) كثيرة هذه أمثلها، فدَعُوهَا، فالمعنى الواحد يكفينا منها ومن هَوْلها، ومن تحقيق المعنى لها. قال القاضي (٣) ﵁: وإذا كان يوم التنادي فيُريد به: يوم النداء، وهو: يوم الدعاء. * * *

стр. 778

يوم النداء وهو الاسم الرابع عشر وقيل له: تَنَادِي، وهو تفاعلٌ من اثنين، فيكون: / * * *

стр. 779

الدعاء: وهو الاسم الخامس عشر ويجاب الدعاء فيسمى تناديًا؛ لأن باب التفاعل أن يكون من اثنين (١)، إلَّا أنه قد يكون من صنف واحد، وقد يكون جزاؤه وجوابه يُجعل مثله ويُخبَر به بلفظ التفاعل، عربية فصيحة. والنداء على ثمانية (٢) وجوه: الأول: نداء أهل الجنة لأهل النار بالتقريع. الثاني: نداء أهل النار لأهل الجنة بالاستغاثة كما أخبرنا (٣) الله عنهم. الثالث: يدعو كل أناس بإمامهم، وهو قوله: "لتَتْبَعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد" (٤). الرابع: يُنادَى: "أَلَا إن فلان بن فلان (٥) قد سَعِدَ سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا، وإن فلانًا قد شَقِيَ شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا".

стр. 780

الخامس: يُنادَى عند ذبح الموت: "يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت" (١). السَّادس: ينادي أهلُ النار: "يا حسرتا، ويا ويلتا (٢) ". السَّابع: ﴿يَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. الثامن: ينادي الله أَهْلَ الجنة فيقول: "يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من خلقك، فيقول: أعطيتكم أفضل من ذلك (٣)؛ رضائي (٤)، فلا أسخط عليكم أبدًا" (٥). قال الفقيه الحافظ (٦): المعنى واحد، والمحل واحد، والألفاظ مختلفة، ويُكَنَّى (٧) عنها (٨) بما تقدَّم: الزلزلة. وهي الرجفة؛ قال (٩): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٣].

стр. 781

وهو الاضطراب. وهي الرجَّةُ (١)؛ قال الله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤]، وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ كان مع أصحابه على حِرَاء مرة، وعلى أُحُدٍ أُخرى، فرجف بهم الجبلان، فقال له النبي ﷺ : "اثْبُتْ، فإنما عليك نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدان" (٢)، وفي رواية: "وشهيد". وفي الآثار النَّهْيُ عن ركوب البحر عند ارتجاجه (٣)، أي: اضطرابه، وهي التي قال النبي ﷺ : "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة" (٤)، حديث حسن. وهُمَا: الاسم السَّادس عشر، والسَّابع عشر (٥). وتُدَكُّ الأرض، وتُسَيَّرُ الجبال، وتُصَيَّرُ الجبال صُوفًا منفوشًا، ويعود الكل منها كثيبًا مَهِيلًا، وتُبَسُّ كما تقدَّم، أي: تُجْعَلُ كالفُتَاتِ بعد شِدَّتِها. ضَرَبَ لها مَثَلَيْنِ: أحدهما: في اللِّينِ، وهو الصُّوفُ، بعد شدَّتها (٦).

стр. 782

والثاني: الفُتات المَبْسُوسُ، وهو أقرب إليها، لقوله في الحديث الصحيح: "تكون الأرض يوم القيامة دَرْمَكَةً بيضاء، كهيئة الخبز (١) النقي" (٢)، الحديث. وضرب لذلك (٣) مثلًا، الهَباء المنبثَّ؛ الذي تراه في شُعاع الشمس من الكَوَّةِ -بفتح الكاف-، وهي النافذة، فإن كانت بضمها فهي الطاق، ويقال لها كُوَّةً حينئذ، بضَمِّ الكاف، فهي (٤) كهيئة الغبار، فماذا قَبَضْتَ عليه لم تجد شيئًا. ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]، و ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾، وذلك بوقوع الواقعة، وسيأتي معناها، ويتبعها ما بعدها. فهذه سِتَّةُ أسماء. أمَّا الدَّكُّ في الأرض فهو تسويةُ وَجْهِها حتى تكون كما قال الله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧].

стр. 783

وأمَّا الجبالُ؛ فإمَّا يُعْدِمُها الله لأنه خلقها أَوْتَادًا لها، فيُعدمها ويُمسكها الذي كان يُمسكها (١) ولأوتادها؛ لأنَّ لله فيها قُدْرَةً ضلَّ عنها أهل الفلسفة، ولم يُوَفقْ لها أهل الإلحاد والعَطَلَةِ، وغفل عنها علماء المِلَّةِ، وهي: نكتة بديعة: وهي أن الله رفع السماوات بغير عمد، فإن كانت السماء فَلَكًا -كما قال الذين لا يعلمون- فليس لهذا القول حقيقة، ولا إشكال في أنها غيرُها، كما بيَّنَّاه في "كتب (٢) الأصول". وأمَّا الأرض فهي على الماء، وقد دحاها الله وأرساها بالجبال، والعِلَّةُ التي تُوجِبُ اضطرابها من أسفل، فكيف تُوَتَّدُ من فوق ولا رباط بين الوَتَدِ وبين سبب الاضطراب، وما كان على وجه الماء يضطرب باضطرابه لا يُرْسَى بثِقَلٍ من فوقه، وإنما يُوَتَّدُ بما تحت الماء، فجعل الله الجبال أوتادًا، تسميةً منه خَلَقَ عندها السكون؛ ليعلم العُقلاء أن الأسباب لا تُوجِبُ بنفسها (٣)، وإنَّما هي علامات على فِعْلِ الله (٤) الذي ينفرد بخَلْقِه دون أَحَدِ سواه. وأمَّا بسطُها على وجه الأرض بَسْطًا؛ والأوَّل أظهر، لقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦]، تُسَيَّرُ بعد السكون، وتُلَيَّنُ بعد الجمود

стр. 784

والشدة، ثم تُصَيَّرُ كالفُتات، وتُصَيَّرُ بعدُ كالكثيب الأَهْيَلِ الذي تُسْفِيه (١) الرياح (٢)، وتعود هباءً منثورًا، وترى الأرض بعدها بارزةً دونها (٣). والسكران هو الذي (٤) لا "يَبُثُّ ولا يُبِثُّ (٥)، ولا يَفْهَمُ ولا يُفْهِمُ، إنما هو في اختلاط وهذيان من القول. وتذهل الأم عن ولدها، أي: يذهب علمُها به، حتى تتركه في مهاده، أو يسقط من حِوَائِها (٦) ولا تشعر به، يُخْلَعُ العِلْمُ من (٧) قلبها حتى لا يبقى للشفقة والحنان شرطٌ يوجدان معه، وهو العِلْمُ، وتَضَعُ الحاملُ حَمْلَها (٨)، وذلك بذهاب قدرة الله في إِمْسَاكِه وإِعْدَامِه للحَبْسِ له. وفي الصحيح: "تقوم الساعة والرجل يحلب اللِّقْحَةَ فما يَصِلُ الإناءُ إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى نقوم، والرجل يَلُوطُ (٩) حوضه فما يَصْدُرُ حتى تقوم" (١٠).

стр. 785

قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١) ﵁: وأمَّا النفخة الثانية فهي (٢) نفخة الصعق والفزع، على أحد القولين، وذلك أن الله قال في موضع: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، فهذه الثانية (٣) بلا إشكال، وقال في موضع آخر مكتوب قبله -ولا أعلم وقت نزوله-: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، فيحتمل أن تكون الأولى؛ وهي: الزلزلة، ويحتمل أن تكون الثانية؛ وهي (٤): الموت العام. فأمَّا صَعْقُ النفخ الذي هو الموت فلا بُدَّ لكل أَحَدٍ (٥) منه، إلَّا من شاء الله، على ما يأتي بيانُه إن شاء الله. وأمَّا نفخة الفَزَعِ فيَفْزَعُ منها كلُّ أحد من غير استثناء (٦)، وهو ضَعْفُ النفس. أمَّا فَزَعُ أهل الأرض فلِمَا يَجِدُونَ من الزلازل ويَرَوْنَ ممَّا لا طاقة لهم به، ويستشعرون ما وراء ذلك. وأمَّا أهلُ السماء فلِمَا (٧) يعلمون ممَّا يجري على مَحَالِّهَا، وما يذهب من أمكنتها، ويُخاف من أمر ربها، ودَعْوَى الرسل يومئذ: "اللهم سَلِّمْ

стр. 786

سَلِّمْ" (١)، وكلُّهم يقول: "نَفْسِي نَفْسِي" (٢)، ومحمد ﷺ يقول -بشريف منزلته، ورفيع درجته، وثبوت قلبه-: "يا رب أُمَّتِي" (٣). وأمَّا الاستثناء؛ فقيل: إنهم الأنبياء. وقيل: هم الشهداء. إلى أقوال أُخَر بيَّنَّاها في "أنوار الفَجْرِ". والذي ثَبَتَ من ذلك أن النبي ﷺ قال: "يُصعق الناس فأكون أوَّلَ من يُفيق، فأجد موسى آخذًا بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أفَاقَ قَبْلِي أم كان ممَّن استثنى الله" (٤). وفي رواية: "أم جُوزِيَ بصعقة الطُّورِ" (٥). ومن هاهنا قال أبو بكر (٦) في رسول الله ﷺ : "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، والله لا يَجْمَعُ الله عليك المَوْتَتَيْنِ أبدًا، أمَّا الموتة التي كتبها الله عليك فقد مُتَّهَا" (٧).

стр. 787

والثالثة: يَحْيَى (١) الخلقُ أجمعون (٢)، وبينهما أربعون مجهولة، لا يُعلم ما هي من أنواع الأزمنة؛ ساعات، أو أيامًا، أو شهورًا، أو سنة. وأمَّا الشهيدُ فقد روى الترمذي والطبري -ونصُّ الترمذي قد تقدَّم-؛ قال رسول الله ﷺ : "للشهيد عند الله ستُّ خِصَالٍ؛ يُغفر له في أول دفعة، ويَرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويَأْمَنُ من الفَزَع الأكبر، ويُوضع على رأسه تاجُ الوَقَارِ؛ الياقوتة منها خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزَوَّجُ اثنتين وسبعين زَوْجَةً من الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعُ في سبعين من أقاربه" (٣)، حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٤): عن النبي ﷺ : "ويَعْلُقُ من شجر الجنة مُعَجَّلًا رِزْقُه، مِنْها له أَشْكَالٌ" (٥). وبيانُه: قال النبي ﷺ : "يَضَعُ الله السماوات على إِصْبَع، والأَرَضِينَ على إِصْبَع، والجبال على إصبع، والماء على إصبع، وسائر الخَلْقِ على إصبع" (٦).

стр. 788

وفي رواية -بدل إصبع-: "ذِهِ". في مَوْضِعٍ: "فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، قالت عائشة: "يا رسول الله (١)، فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: على الجسر" (٢). ويدخل هذا أيضًا تحت قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]، فإنَّ هذا كله دعاءٌ بالقَوْلِ والمَعْنَى، وهذه أعظمُ الإجابات التي قبلها، وأوَّلٌ (٣) لما بعدها. قال الإمام أبو بكر (٤) ﵁: فإذا عمَّت بذلك كله كانت غاشيةً؛ لأنه لا يبقى أحدٌ إلَّا تَغْشَاهُ، ولا مخلوق إلَّا وتَشْتَمِلُ عليه، حتى يكون ما ذكرنا من أوصافها وأسمائها وما سنذكره. وتَخْشَعُ الوجوه، أي: تَذِلُّ، وخَصَّ الوَجْهَ لأنه أَشْرَفُ الأعضاء، وفيه الإنسان والإنسانية، بآثارها فيه تظهر، ومنها تُعلم. وأمَّا: * * *

стр. 789

الواقعة: وهو الاسمُ الثامن عشر فإن أَصْلَ "وَقَعَ" في لسان العرب: كان ووَجَدَ (١). وجاءت به الشريعة في تأكيد ذلك بثبوت ما وجد، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. والمُراد بالقول هاهنا: إخبارُ الباري عن الساعة وأنها قريبة. ومنهم من يُنكرها، ومنهم من يستبعدها، فإذا كانتْ فَعَلَامَاتُها تقدَّمت، ومن أعظم علاماتها (٢) الدابَّةُ. ومن الحديث الحَسَنِ: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "تخرج الدابَّةُ معها خاتَمُ سليمان، وعصا موسى، فتَجْلُو وُجُوهَ (٣) المؤمنين، وتَخْتِمُ أَنْفَ الكُفَّار (٤) بالخاتم، حتى إن أهل الجوار (٥) يجتمعون فيقول (٦): هاهنا

стр. 790

يا مؤمن، هاهنا يا كافر، ويقول: ها يا مؤمن، ها يا كافر" (١)، وقد بيَّنَّاه في "التفسير" (٢). قال الإمام الحافظ: وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧]. وقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]؛ معناه: كانت، كأنه لعظيم أمرها شيءٌ جاءت من فوق، لا يُرَدُّ ولا يَبْقَى ولا يُدْفَعُ. وقوله: ﴿كَاذِبَةٌ﴾: مَصْدَرٌ، كالباقية والعاقبة، أي: ليس لوقعتها مقالة كاذبة (٣). وتحقيق ذلك: أن كل من يطرأ عليه أمرٌ فيسمعُه، أو يرى علامتَه يرجُو زوالَه ودَفْعَه، أو يَفْزَعُ بآماله إلى تكذب (٤) المُخْبِرِ به، أو حَمْلِ دلائله على غيره، أو يَرْجُو موتَه قبل وروده عليه ونزوله به، ولا يُتصوَّر شيءٌ من ذلك في أَمْرِ القيامة، وكلُّ شيء آتٍ يُتَوقَّعُ، فإنه يُسَمَّى عند إتيانه وَاقِعًا، قال الشاعر (٥):

стр. 791

فما زلقتُ ولا أَبْلَيْتُ كاذبةً … إذا الرِّجَالُ على أمثالها زَلَقُوا ومن أسمائها: الخَافِضَةُ الرَّافِعَةُ، وهُمَا من المتقابلات، كالطَّوِيلِ والقَصِيرِ، وهُمَا: * * *

стр. 792

التاسع عَشَرَ والمُوَفِّي عِشْرِينَ: [الخافضةُ الرَّافعةُ] وقد بينَّاهُمَا (١) في "أصول الفقه"، وقد أَوْرَدْنَاهُمَا (٢) في "أنوار الفَجْرِ". [معاني الرفع والخفض]: مِنْ خَفْضِها ورَفْعِها معاني كثيرةٌ: فأولُّها: رَفْعُ المتَّقين على الرِّكَابِ وَفْدًا، كما تقدَّم. ثانيها: حديث جابر: "نحنُ يوم القيامة على كَوْمٍ فوق الناس" (٣)، وهذا حديثٌ فيه تخليطٌ في "كتاب مُسْلِمٍ"، لم يُتْقِنْه رَاوٍ (٤).

стр. 793

ومعناه: أن جميع الخَلْقِ على بَسِيطٍ من الأرض سواء، إلَّا مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَه؛ فإنه يَرْفَعُ جميعهم على شِبْهِ الكَوْم، ويَخْفِضُ الناس عنهم. وفي رواية: "أكون أنا وأمتي يوم القيامة على تَلٍّ، فيكسُوني ربِّي حُلَّةً خضراءَ، ثم يؤذن لي، فذلك المقام المحمود" (١). ثالثها: في رَفعْ النبي صلى الله عليه ما رُوِي: "أنه يَرْفَعُه ويُقْعِدُه على عَرْشِه" (٢)، وقد بيَّنَّا ذلك في "التفسير". رابعُها: الأبرار يُرْفَعُونَ إلى عِلِّيِّينَ، ويُخْفَضُ المنافقون إلى الدَّرَكِ الأسفل من النار. خامسُها: يُرْفَعُ مُحَمَّدٌ ﷺ بالشفاعة في أوَّل الخلق. سادسُها: يَرْفَعُه بأنه أوَّلُ من يدخل الجنة. سابعها: تَرْفَعُ العادلين، في الحديث الصحيح: "المُقْسِطُونَ يوم القيامة على منابر من نُورٍ، عن يَمِينِ الرحمن، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" (٣). ثامنُها: أنه يَرْفَعُ القُرَّاءَ إلى (٤) حيث انتهت قراءتهم، "يقال لقارئ القرآن: اقرأ ورَتِّلْ كما كنت تُرَتِّلُ في الدنيا، فإن منزلتك عند آخِر آيةٍ تقرأُها" (٥).

стр. 794

ترفع الشهداء (١) في أعلى منازل الجنة، وهو تاسعُها. تَرْفَعُ أبا بكر وعمر؛ كما قال ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ كما تتراءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغائر في أُفقِ السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأَنْعِمَا (٢) " (٣)، عاشرُها. تَرْفَعُ كافل اليتيم، كما قال ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" (٤)، يريد الاقتران في الجِوَارِ، وهو الحادي عَشَرَ. تَرْفَعُ عائشةَ على فاطمة، وهي الرُّتْبَةُ الثانية عَشَرَ؛ فإنَّ عائشةَ (٥) مع النَّبِيِّ ﷺ ، وفاطمة (٦) مع عَلِيٍّ رِضْوَانُ الله عليه، وفي ذلك كَلَامٌ طَوِيلٌ (٧) بينَّاه في "التَّفْسِيرِ" (٨).

стр. 795

يَوْمُ الحِسَابِ: وهو الاسم الحادي والعشرون وبناءُ "ح س ب" له في العربية معانٍ كثيرةٌ تَرْجِعُ إلى معنًى واحد على قَوْلِ بعضهم (١)، ونحن الآن لمَّا نلتزمْ ذلك.

стр. 796

والمراد به هاهنا: العَدَدُ (١)، وذلك أن الباري تعالى يُعَدِّدُ على الخلق أعمالهم، من إحسان وإساءة، ويُعَدِّدُ عليهم نِعَمَه، ثم يُقَابِلُ البعض بالبعض على مقادير (٢) عِلْمِه فيه، ووقوعها بصفاتها، فما شَفَّ منها على الآخر حُكِمَ للشفوف بحكمه الذي عيَّنه؛ للخَيْرِ بالخير، والشَّرِّ بالشَّرِّ. ومن أَهْوَالِهَا حديثُ أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث، "فيَلْقَى العَبْدَ فيقول: أَيْ فُلْ، ألم أُكْرِمْكَ وأُسَوِّدْكَ وأَذَرْكَ ترأس وترتع؟ فيقول: بلى، فيقول: أفظننت أنك مُلَاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يَلْقَى (٣) الثاني فيقول: أي فُل، ألم أكرمك؟ ألم أُسَوِّدْكَ وأزوجك؟ وأسخر لك الخَيْلَ والإبل؟ وأَذَرْكَ ترأس وترتع؟ فيقول: بلى، أي رب، فيقول: أفظننت أنك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما. نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك" (٤). وقد قال الله: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، أي: حاسبًا؛ فَعِيل بمعنى فاعل، فإذا نظر فيها رأى أنه قد هَلَكَ، فإن أدركته سابقة حسنة وُضِعَتْ له لا إله إلا الله في كِفَّةِ الميزان، فرَجَحَتْ له السماوات والأرض.

стр. 797

وعن عائشة في الصحيح: قال النبي ﷺ : "من حُوسب عُذِّبَ، قالت له عائشة: أليس قد قال الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]؟ قال: ذلك العرض، من نُوقِشَ الحساب عُذِّبَ" (١). * * *

стр. 798

يوم السؤال وهو الاسم الثاني والعشرون وهو: عبارةٌ عن الاستفهام عَمَّا عند المُسْتَفْهَمِ منه فيما يُسْتَفْهَمُ فيه (١). وحُكْمُه في الأصل أن يكون مع جهل السائل، وذلك مُحال على الله، وقد يُسأل عن الشيء مع عِلْمِه به على معنى التقرير فيه، وذلك واجبٌ لله؛ لأنه العليم الذي لا يخفى عليه شيءٌ، ولا يعزب عن علمه شيء. والباري تعالى يسألُ الخَلْقَ في الدنيا والآخرة تقريرًا لإقامة الحجة وإظهار الحكمة، قال الله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١]، ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الزخرف: ٤٤]، وأمثاله كثيرة (٢)، وقد بيَّنَّاه في "مُشْكِلِ الحديث". وقال تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. وقال ﷺ : "لن تزول قَدَمَا ابن آدم عن الصراط حتى يُسأل عن عُمُرِه فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عَمِلَ فيما عَلِمَ" (٣).

стр. 799

فأمَّا معنى الآيات المتقدِّمة فقد بينَّاها في "أنوار الفَجْرِ"؛ أهمُّها: أن بني إسرائيل سألوا النبي ﷺ آية، بل آيات، فقال الله لنبيه ﵇: سلهم كم آيةً جاء بها موسى فكفروا، أفيريدون أن يسألوك كما سألوا موسى، ثم يكفروا بك كما كفروا من قبل به؟ لو كان لهم أَوْبٌ إلى الحق لآبَتْ بهم آيةٌ واحدةٌ. وأمَّا قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾؛ فإنها آيةٌ فيها عِلْمٌ جَمٌّ، وحُكْمٌ جَرْمٌ، وفَائِدٌ عَمٌّ. وفائدتُها: أن الله قرَّعهم (١) بما عاتبهم به؛ على الأخذ بالظاهر العَوَجِ (٢)، والتَّحَيُّلِ به على (٣) تحصيل الحرام (٤)، وطلب الرُّخَصِ في غير مَظَانِّها، والتَّذَرُّعِ إلى ما لا يجوزُ بما ظاهرُه الجوازُ. وأمَّا قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾؛ ففيها أقوالٌ، أُصولُها ثلاثة: الأوَّل: أن الله عرض عليه ﷺ الأنبياء، وأنه قادرٌ على ذلك، لو صَحَّ. الثاني: أنه عبَّر بالرُّسُلِ عن أَتْبَاعِها. الثالث: أنه عبَّرَ به عن أتباعه.

стр. 800

قيل له: من ارتاب من قومك في عبادة غير الله فليسأل الأمم عن الرِّيبَةِ التي دَخَلَتْ عليهم فيَجِدُوا الجواب عندهم، وهذا كما قيل له: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، على أَظْهَرِ التأويلات، وقد بيَّنَّاه في "المُشْكِلَيْنِ". أَصَحُّه: قَوْلُ سعيد بن جُبَير: "ما شَكَّ (١) ولا سَأَلَ" (٢)، وهو الحقُّ، وإنَّما هو تَسْلِيَةٌ للأمة، كما قال له: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ولا يجوز عليه الشِّرْكُ، ولكن هذا تهديدٌ لغيرِه به. وأمَّا قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾؛ فقيل: هم الرُّسُلُ، يجمعهم الله ثم يسألهم عمَّا كان من قَوْلِ قَومِهِم لهم. وأمَّا سؤالُه لعيسى؛ فقيل: كان (٣) إذ رفعه. وقيل: يكون يوم القيامة. وعبَّر به عن الماضي ليُوجِبَ له الكَوْنَ، إذ هو واقعٌ لا محالة. وقد ورد في الصحيح: "إن الرسل تُدْعَى مع قومها، فيقولون: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ٢١]، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُه" (٤). فيكون لأجل ذلك:

стр. 801

يَوْمُ الشَّهَادَةِ: وهو الاسمُ الثالث والعشرون والشهادةُ فيه على وُجُوهٍ أربعة: الأوَّل: شهادةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِه؛ تحقيقًا لشهادة الرُّسُلِ على قومها. في البخاري عن أبي سعيد -في كتاب الاعتصام-: قال رسول الله ﷺ : "يُجَاءُ بنُوح يوم القيامة فيقال: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم يا رب، فتُسأل أُمَّتُه: هل بلَّغكم؟ فيقولون (١): ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، فيُقال: مَن شُهُودُك؟ فيقول: محمَّد وأمته، فقال رسول الله ﷺ : فيُجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " (٢). الثاني: شهادة الأرض، قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]. صحَّ وثبت عن النبي ﷺ أنه (٣) قال: "أتدرون ما تُحَدِّثُ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارَها أن تشهد على كل عبد وأَمَةٍ بما عَمِلَ على ظهرها" (٤).

стр. 802

الثالث: شهادة الجوارح. وفي حديث أبي هريرة المتقدم؛ يقول له: "ألم أَذَرْكَ ترأس وتَرْتَعُ؟ قال: فيقول (١): يا رب، آمنت بكتابك وبرُسلك، وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثْنِي بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذًا، ثم يقال له (٢): الآن نَبْعَثُ شاهدَنا عليك، ويَتَفَكَّرُ في نفسه؛ من الذي يَشْهَدُ عليه؟ فيُخْتَمُ على فيه، ويُقال لفخذه: انطقي، فتنطقُ فخذاه ولحمُه وعظامُه، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافق الذي يَسْخَطُ الله عليه" (٣). الرابع: في حديث أنس بن مالك قال: "كنَّا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال (٤): أَتَدْرُونَ (٥) ممَّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربَّه، يقول: يا رب، ألم تُجِرْني (٦) من الظلم؟ قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجِيزُ على نفسي إلَّا شاهدًا مِنِّي، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شَهِيدًا، وبالكرام الكاتبين عليك شُهُودًا، قال: فيُخْتَمُ على فيه، فيُقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطقُ بأعماله، قال؟ ثم يُخَلِّي بينه وبين الكلام، قال: فيقولُ لأركانه: فبُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فعَنْكُنَّ كُنت أُناضل" (٧). وعند السؤال والمحاسبة يَقَعُ:

стр. 803

القِصَاصُ بين الخلق (١): وهو الاسمُ الرابع والعشرون قال أبو هريرة: (٢) إن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا (٣): المفلس منَّا -يا رسول الله- من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله ﷺ : المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مال هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضرب هذا، فيُقْعَدُ؛ فيقتصُّ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قَبْلَ أن يقتص ما عليه من الخطايا أُخِذَ من خطاياه وطُرِحَ عليه، ثم طُرِحَ في النار" (٤)، رواه مالك بمعناه كاملًا (٥).

стр. 804

ورُوِي في الحديث: "أن الله يجعل القصاص بين الدوابِّ؛ تقتص الشاة (١) الجمَّاءُ من القَرْنَاءَ، فإذا فُرِغَ من القصاص يينهم قيل لهم:. كُونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤] " (٢). وقيل: "يقال لهم: كونوا ترابًا دون قِصَاصٍ". وعن النبي ﷺ -واللفظ للبخاري-: عن أبي سعيد: قال النبي ﷺ : "يَخْلُصُ المؤمنون من النار فيُحْبَسُونَ على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض؛ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، والذي نَفْسُ محمَّد بيده لَأَحَدُهم أَهْدَى بمنزله في الجنة مِنْهُ بمنزله كان في الدنيا" (٣). وبهذه المعاني كلِّها يَحِقُّ ما كان قبل ذلك عند قَوْمٍ كَثِيرٍ؛ لا معنى له لإنكارهم البعث، وجَهْلهِم بالله؛ وأيَّامه، وسُنَّتِه في خَلْقِه، وقُدْرَته عليهم، وحِكْمَته فيهم؛ فسُمِّيَتِ (٤): * * *

стр. 805

الحاقَّةُ: وهو الاسم الخامسُ والعشرون وقد بيَّنَّا في غَيْرِ مَوْضِع أن الحق هو: الشيء الثابت الكائن (١)، وليس بالحقيقة إلا لله وحده، فإنه ثابت ثُبُوتًا لم يتقدَّمه عَدَمٌ، ولا يتعقَّبه فناءٌ، وهو كما قال فيه النبيُّ ﷺ : "اللَّهم -وذكر الحديث- أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيئون حق" (٢). واختلف في تسميتها بأنها حاقَّةٌ: فقال الطبري: "إنَّما سُمِّيَتْ حاقَّةً لأن الأمور تَحِقُّ فيها" (٣). كأنه جعلها من باب: ليل قائم (٤)، ونهار صائم. وقيل: سُمِّيَتْ حاقَّةً لأنها كانت من غير شكٍّ. ويحتمل أن يكون معناه: أنه يحق لها أن يكون فيها ما فيها؛ لأنها المقصود بالخَلْقِ، والعاقبة لهم، وحكمة الله سبحانه فيهم، وهي:

стр. 806

الطَّامَّةُ: وهو الاسمُ السَّادس والعشرون ومعناها: الغالبة، من قولهم: طَمَّ الشيءُ إذا عَلَا وغَلَبَ. ولأنها تغلب كلَّ شيء، كان بها هذا الاسمُ حقيقةً دون كل شيء. وهي كما قدَّمنا: القارعة، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤]، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ القارعة: ١ - ٣]، يُكَرِّرُها تأكيدًا، وذلك يكون في المدح والذَّمِّ، وقد بيَّنَّاه في موضعه. وقد بيَّنا أنه (١) مِن قَرَعَ، أي: ضَرَبَ. ويمكن أن تكون سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها لا نظير لها، من قولهم: فلانٌ قَرِيعُ دَهْرِه، والمختارُ من أهل عصره. والقَرِيعُ: الفَحْلُ من الإبل. وقَرِيعُ القُرَّاءَ رئيسُهم. وإن قلت: إنها بالمعنيين جميعًا قارعةٌ، فإنها خِيَارُ الأيام للمؤمنين، وضاربةٌ بالأهوال للكافرين، وهذا بَدِيعٌ فاعلموه مَعْشَرَ المُرِيدِين -يرحمكم الله- من حُكْمِ الله (٢)، وهي:

стр. 807

الصَّاخَّةُ: وهو الاسمُ السَّابع والعشرون وهي: التي تُورث الصَّمَمَ، وإنها لمُسْمِعَةٌ، فكيف هذا (١)؟ قلنا: هذا مِن بَدِيعِ الفصاحة، لقد قال بعض حُدَّاثِ (٢) الأسنان، حَدِيثِي الأزمان: أَصَمَّ بك النَّاعِي وإن كان أَسْمَعَا (٣) وقال: أَصَمَّنِي سِرُّهم أيَّامَ فُرْقَتِهِمْ … فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا (٤) [وفاةُ الفقيه أبي محمد ابن العربي (٥)]: كنت مُعْتَكِفًا بالثَّغْرِ المحروس (٦)، وأبي ﵀ بالفُسْطَاطِ، فأقمتُ في المُعْتَكَفِ -رِبَاط على البَحْرِ- أيّامًا، ثم صَلَّيْتُ الصُّبْحَ،

стр. 808

وعَطَفْتُ عِنان عَزْمِي إلى البلد، فجئت وبابُه لمَّا يُفْتَحْ بَعْدُ، فنَظَرْتُه حتى فُتِحَ، فخرج عليه أصحابٌ ممَّن كان يقرأ القرآن (١) عليَّ، فلمَّا وَصَلُونِي لَصِقَ بي أحدُهم، وأَسَرَّ في أُذُنِي بقوله: "تُوُفِّيَ أَبُوكُ" (٢)، فما سمعتُ قطُّ قبلها سِرًّا أَصَمَّ إلَّا ذلك السر. [صَيْحَةُ القيامة]: ولَعَمْرُ الله إنَّ صيحة القيامة مُصِمَّةٌ مُسْمِعَةٌ، تُصِمُّ عن الدنيا وتُسْمِعُ أمور الآخرة، وبهذا كله كان "يوم عظيم" (٣)، كما قال سبحانه في وصفه بالعِظَمِ (٤)، وكُلُّ شيء كَثُرَ في أجزائه فهو عظيم (٥)، وكذلك ما كَثُرَ في معانيه، وبهذا المعنى كان الباري عظيمًا لسَعَةِ قدرته وعلمه، وكَثْرَةِ مُلْكِه الذي لا يُحْصَى، ولمَّا كان أمرُ الآخرة لا يَنْحَصِرُ كان عظيمًا بالإضافة إلى الدنيا، ولمَّا كان مُحْدَثًا لَهُ أوَّلٌ صار حَقِيرًا بالإضافة إلى العظيم الذي لا يُحَدُّ. * * *

стр. 809

يَوْمُ الوَعِيدِ: وهو الاسمُ الثامن والعشرون إنَّ الباري تعالى أَمَرَ ونهى، ووَعَدَ وأَوْعَدَ، فهو أيضًا: يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، الوَعْدُ للنَّعِيمِ، والوَعِيدُ للعذاب. وخَصَّ الوَعِيدَ تَغْلِيبًا للخوف على الرجاء، وهُمَا مقامان عظيمان، سيأتي بيانُهما -إن شاء الله- في "الصفات والأسماء". وحقيقة الوعيد هو: الخَبَرُ عن العُقوبة عند المخالفة. والوَعْدُ: الخَبَرُ عن المَثُوبة عند المُوافقة. والدنيا يَوْمُ وَعْدٍ ووَعِيدٍ؛ وذلك بالذِّكْرِ، وفي القيامة بالمُعاينة. وقد يكون مِنَ الوعيد ما ينفرد في الدُّنيا، وإن الله خلق الدنيا دَارَ عَمَلٍ، وخَلَقَ الآخرة دَارَ جَزَاءٍ؛ لضرورة أن العمل يتقدَّم الجزاء، فهو ثَانِي العمل، فوجب تَقْدِيمُ (١) مَحَلِّ المُتَقَدِّمِ منهما (٢) على مَحَلِّ المتأخر، وما تعجَّل من الأَجْزِيَةِ في الدنيا فإنَّما هو لإقامة مصالح الخَلْقِ، وليكون كَفَّارَة وحَطًّا (٣) وتَخْفِيفًا من جزاء الآخرة، وصيانةً للأعراض والأبدان والأموال.

стр. 810

وضلَّ في هذه المسألة المبتدعة، وغَفَلَ عنها كثيرٌ من العلماء. فأمَّا المُبْتَدِعَةُ (١): فلمَّا رَأَوْا هذه الآيات الوَعِيدِيَّةَ كلَّها قالوا: "إنَّ من أَذْنَبَ ذنبًا واحدًا فهو مُخَلَّدٌ في النَّار تَخْلِيدَ الكُفَّارِ" (٢)؛ أخذًا بظاهر اللَّفْظِ، فلم يَفْهَمُوا العربية، ولا كتاب الله، وأبطلوا الشفاعة؛ شَفَاعَةَ رسول الله ﷺ ، ورَاعَوْا آيةً فَهَدَمُوا عَشْرَ آياتٍ، وأرادوا أن يحفظوا أَصْلًا بزَعْمِهم فهَدَمُوا أُصُولًا. وأمَّا علماؤنا: فمنهم من قال: إن آيات الوَعْدِ حَقٌّ، نَافِذَةٌ على كلِّ حال، وآياتُ الوعيد وَقْفٌ على مشيئة الله؛ إن شاء أَنْفَذَها وحقَّق وَعِيدَه، وإن شاء أسقطه وعفا عنه (٣). فقال لهم المبتدعة: خَبَرُ الله صِدْقٌ، ولا يَجُوز أن يوجد بخلاف مُخْبِرِه. قالوا لهم: "أنتم قَوْمٌ عَجَمٌ، العرب إذا وَعَدَتْ أَنْجَزَتْ، وإذا تَوَعَّدَتْ عَفَتْ" (٤)، قال شاعرهم مُفْتَخِرًا بخَصْلَتِهم في ذلك ومَنْقَبَتِهم: وإنِّي إذا أَوْعَدْتُه أو وَعَدْتُه … لَأُخْلِفُ إِيعَادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي (٥)
следующие страницы →