الطَّامَّةُ: وهو الاسمُ السَّادس والعشرون
ومعناها: الغالبة، من قولهم: طَمَّ الشيءُ إذا عَلَا وغَلَبَ.
ولأنها تغلب كلَّ شيء، كان بها هذا الاسمُ حقيقةً دون كل شيء.
وهي كما قدَّمنا: القارعة، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤]، وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ القارعة: ١ - ٣]، يُكَرِّرُها تأكيدًا، وذلك يكون في المدح والذَّمِّ، وقد بيَّنَّاه في موضعه.
وقد بيَّنا أنه (١) مِن قَرَعَ، أي: ضَرَبَ.
ويمكن أن تكون سُمِّيَتْ بذلك لأنَّها لا نظير لها، من قولهم: فلانٌ قَرِيعُ دَهْرِه، والمختارُ من أهل عصره.
والقَرِيعُ: الفَحْلُ من الإبل.
وقَرِيعُ القُرَّاءَ رئيسُهم.
وإن قلت: إنها بالمعنيين جميعًا قارعةٌ، فإنها خِيَارُ الأيام للمؤمنين، وضاربةٌ بالأهوال للكافرين، وهذا بَدِيعٌ فاعلموه مَعْشَرَ المُرِيدِين -يرحمكم الله- من حُكْمِ الله (٢)، وهي:
стр. 807
الصَّاخَّةُ: وهو الاسمُ السَّابع والعشرون
وهي: التي تُورث الصَّمَمَ، وإنها لمُسْمِعَةٌ، فكيف هذا (١)؟ قلنا: هذا مِن بَدِيعِ الفصاحة، لقد قال بعض حُدَّاثِ (٢) الأسنان، حَدِيثِي الأزمان:
أَصَمَّ بك النَّاعِي وإن كان أَسْمَعَا (٣)
وقال:
أَصَمَّنِي سِرُّهم أيَّامَ فُرْقَتِهِمْ … فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِسِرٍّ يُورِثُ الصَّمَمَا (٤)
[وفاةُ الفقيه أبي محمد ابن العربي (٥)]:
كنت مُعْتَكِفًا بالثَّغْرِ المحروس (٦)، وأبي ﵀ بالفُسْطَاطِ، فأقمتُ في المُعْتَكَفِ -رِبَاط على البَحْرِ- أيّامًا، ثم صَلَّيْتُ الصُّبْحَ،
стр. 808
وعَطَفْتُ عِنان عَزْمِي إلى البلد، فجئت وبابُه لمَّا يُفْتَحْ بَعْدُ، فنَظَرْتُه حتى فُتِحَ، فخرج عليه أصحابٌ ممَّن كان يقرأ القرآن (١) عليَّ، فلمَّا وَصَلُونِي لَصِقَ بي أحدُهم، وأَسَرَّ في أُذُنِي بقوله: "تُوُفِّيَ أَبُوكُ" (٢)، فما سمعتُ قطُّ قبلها سِرًّا أَصَمَّ إلَّا ذلك السر.
[صَيْحَةُ القيامة]:
ولَعَمْرُ الله إنَّ صيحة القيامة مُصِمَّةٌ مُسْمِعَةٌ، تُصِمُّ عن الدنيا وتُسْمِعُ أمور الآخرة، وبهذا كله كان "يوم عظيم" (٣)، كما قال سبحانه في وصفه بالعِظَمِ (٤)، وكُلُّ شيء كَثُرَ في أجزائه فهو عظيم (٥)، وكذلك ما كَثُرَ في معانيه، وبهذا المعنى كان الباري عظيمًا لسَعَةِ قدرته وعلمه، وكَثْرَةِ مُلْكِه الذي لا يُحْصَى، ولمَّا كان أمرُ الآخرة لا يَنْحَصِرُ كان عظيمًا بالإضافة إلى الدنيا، ولمَّا كان مُحْدَثًا لَهُ أوَّلٌ صار حَقِيرًا بالإضافة إلى العظيم الذي لا يُحَدُّ.
* * *
стр. 809
يَوْمُ الوَعِيدِ: وهو الاسمُ الثامن والعشرون
إنَّ الباري تعالى أَمَرَ ونهى، ووَعَدَ وأَوْعَدَ، فهو أيضًا: يَوْمُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، الوَعْدُ للنَّعِيمِ، والوَعِيدُ للعذاب.
وخَصَّ الوَعِيدَ تَغْلِيبًا للخوف على الرجاء، وهُمَا مقامان عظيمان، سيأتي بيانُهما -إن شاء الله- في "الصفات والأسماء".
وحقيقة الوعيد هو: الخَبَرُ عن العُقوبة عند المخالفة.
والوَعْدُ: الخَبَرُ عن المَثُوبة عند المُوافقة.
والدنيا يَوْمُ وَعْدٍ ووَعِيدٍ؛ وذلك بالذِّكْرِ، وفي القيامة بالمُعاينة.
وقد يكون مِنَ الوعيد ما ينفرد في الدُّنيا، وإن الله خلق الدنيا دَارَ عَمَلٍ، وخَلَقَ الآخرة دَارَ جَزَاءٍ؛ لضرورة أن العمل يتقدَّم الجزاء، فهو ثَانِي العمل، فوجب تَقْدِيمُ (١) مَحَلِّ المُتَقَدِّمِ منهما (٢) على مَحَلِّ المتأخر، وما تعجَّل من الأَجْزِيَةِ في الدنيا فإنَّما هو لإقامة مصالح الخَلْقِ، وليكون كَفَّارَة وحَطًّا (٣) وتَخْفِيفًا من جزاء الآخرة، وصيانةً للأعراض والأبدان والأموال.
стр. 810
وضلَّ في هذه المسألة المبتدعة، وغَفَلَ عنها كثيرٌ من العلماء.
فأمَّا المُبْتَدِعَةُ (١): فلمَّا رَأَوْا هذه الآيات الوَعِيدِيَّةَ كلَّها قالوا: "إنَّ من أَذْنَبَ ذنبًا واحدًا فهو مُخَلَّدٌ في النَّار تَخْلِيدَ الكُفَّارِ" (٢)؛ أخذًا بظاهر اللَّفْظِ، فلم يَفْهَمُوا العربية، ولا كتاب الله، وأبطلوا الشفاعة؛ شَفَاعَةَ رسول الله ﷺ ، ورَاعَوْا آيةً فَهَدَمُوا عَشْرَ آياتٍ، وأرادوا أن يحفظوا أَصْلًا بزَعْمِهم فهَدَمُوا أُصُولًا.
وأمَّا علماؤنا: فمنهم من قال: إن آيات الوَعْدِ حَقٌّ، نَافِذَةٌ على كلِّ حال، وآياتُ الوعيد وَقْفٌ على مشيئة الله؛ إن شاء أَنْفَذَها وحقَّق وَعِيدَه، وإن شاء أسقطه وعفا عنه (٣).
فقال لهم المبتدعة: خَبَرُ الله صِدْقٌ، ولا يَجُوز أن يوجد بخلاف مُخْبِرِه.
قالوا لهم: "أنتم قَوْمٌ عَجَمٌ، العرب إذا وَعَدَتْ أَنْجَزَتْ، وإذا تَوَعَّدَتْ عَفَتْ" (٤)، قال شاعرهم مُفْتَخِرًا بخَصْلَتِهم في ذلك ومَنْقَبَتِهم:
وإنِّي إذا أَوْعَدْتُه أو وَعَدْتُه … لَأُخْلِفُ إِيعَادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي (٥)
стр. 811
قال الأمامُ الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: إنه لكذلك عند العرب، ولَكِنْ يُخلف إيعاده ويَعْفُو، ويَقَعُ خبره على خلاف مُخْبِرِه، ويكون كَذِبًا، ويَلِيقُ ذلك به لنَقْصِه وتَغَيُّرِه.
وأمَّا مَلِكُ الملوك القُدُّوسُ الصَّادِقُ فلا يقع خبرُه أبدًا إلَّا على وَفْقِ مُخْبِرِه؛ كان ثوابًا أو عقابًا، فالذي قال في ذلك المحققون قَوْلٌ بَدِيعٌ، وهو: أن الآيات وَقَعَتْ مُطْلَقَةً في الوَعْدِ والوعيد عَامَّة، فخَصَّصَتْها الشريعةُ وبيَّنها الباري في كتابه في آياتٍ أُخَر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]، وكقوله: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ١ - ٣]، وبالشفاعة التي كرَّم الله بها مُحُمَّدًا ﷺ ومن شاء من الخَلْقِ بعده ومعه.
وقد قال يَزِيدٌ الفقيرُ: "شَغَفَنِي رَأْيٌ من رَأْي الخوارج، فخَرَجْتُ حاجًّا مع جماعة، فلَقِينَا جابرَ بن عبد الله، فقلنا له: إن الله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، فقال لي: أفتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام مُحَمَّدٍ المحمود؛ الذي يُخْرِجُ الله به من يُخْرِجُ؟ وذكر الحديث: وإن قومًا يُخرجون من النار كأنهم عِيدَانُ السَّمَاسِم، قال: فيُدخلون نَهْرًا من أنهار الجنة فيغتسلون به، فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا فقلنا: ويحكم، أَتَرَوْنَ الشيخ يَكْذِبُ على رسول الله ﷺ ؟ فرجعنا؛ فوالله ما خَرَجَ (١) منَّا إلَّا رَجُلٌ واحدٌ" (٢).
стр. 812
يَوْمُ الدِّينِ: وهو الاسمُ التَّاسعُ والعشرون
والدِّينُ في لسان العرب بمعنى الجزاء (١)؛ من معانٍ كثيرة ربَّما عادت إلى هذا المعنى بعينه، وبذلك كان يومَ الجزاء، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]، ولا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئًا، فهو:
* * *
стр. 813
يوم الجزاء: وهو الاسمُ المُوَفِّي ثلاثين
إِثْبَاتًا بأن تُوَفَّى كلُّ نفس ما كسبت، ويومُ الجزاء بأن لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نفس شيئًا، أي: لا تَقْضِي ولا تَفْدِي، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥].
أمَا إنه يَجْزِي ويَقْضِي ويُعْطِي بغير اختياره من حسناته، لما عليه من الحقوق، كما تقدَّم في حديث المفلس يوم القيامة.
والجنة جزاء الحسنات، والنار جزاء السيئات، قال الله تعالى في المعنيين: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، و ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال في جهة الوعيد: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وإذا رأى المحسنُ جزاءَ إحسانه، ورأى الكافرُ جزاءَ كُفْرِه؛ نَدِمَ المحسنُ ألَّا يكون استكثر (١)، ونَدِمَ المسيءُ ألَّا يكون استعتب، فهو:
* * *
стр. 814
يوم الندامة (١): وهو الاسم الحادي والثلاثون
فإذا صار الكافر إلى عذابٍ لا نَفَاذَ له تحسَّر، فلذلك سُمِّيَ:
* * *
стр. 815
يَوْمُ الحَسْرَةِ: وهو الاسمُ الثاني والثلاثون
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٨]، يعني: الآن عن ذلك اليوم، وهم (١) لا يشعرون به.
والحَسْرَةُ في العربية: عبارةٌ عن انكشاف المكروه بعد خفائه، خصِّيصَةٌ من معناه العام، وهو الانكشاف، فيؤثر ذلك تَوَجُّعَ النفس وتَأَلُّمَها لفَقْدِ الخير المحبوب، ولا خَيْرَ يُعادل خَيْرَ الآخرة، كما كان (٢) النبي ﷺ يقول: "اللهم لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرة، فاغفر للأنصار والمُهاجِرة" (٣).
* * *
стр. 816
يوم التَّبْدِيلِ: وهو الاسمُ الثالث والثلاثون
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [ابراهيم: ٥٠].
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: إنَّ الله خلق الأرض على هذه الصفة؛ مختلفة مُحْدَوْدِبَة، ويخلقها يوم القيامة مستوية، ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧]، متماثلة بيضاء دَرْمَكَةٌ (١)، كخُبْزَةِ النَّقِيِّ، كما في صحيح الحديث: "خبزة يتكفَّؤها الجبَّار كما يَتَكَفَّؤ أحدكم خُبْزَتَه في السَّفَرِ" (٢)، وهذا هو التبديل الأوَّل.
الثاني: تبديل السماوات، وليس في كيفيته حديث، وإنما هو مجهول.
الثالث: تبديل (٣) الأجساد؛ وهي الإعادة (٤).
стр. 817
وعند أهل السنة: أن تلك الأجساد الدنياوية تُعاد بأعيانها، بأعراضها (١)، بلا خلاف بينهم.
قال بعضهم: بأوقاتها (٢).
فيُعاد الوقت أيضًا كما يُعاد الجِسْمُ واللَّوْنُ، وذلك جائزٌ في حُكْم الله وقُدرته، وهَيِّنٌ عليه جميعُه، ولكن لم يرد بإعادة الوَقْتِ خَبَرٌ، وقد قال الله تعالى في القرآن ما يَدُلُّ على أن الوقت لا يُعاد، بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦].
يعني به: غَيْرَها في الوقت، وإلَّا فالجلودُ الأَوَائِلُ بأعيانها التي عَصَتْ هي التي يُعاد -أبدًا- تأليفُها إذا تفرَّقت، وأعيانُها إذا عُدِمَتْ، وقد بينَّا ذلك في "كتب الأصول".
الرَّابع: تبديل الأعمال، قال الله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، يُعَوِّضه من الكُفْرِ إيمانًا، ومن الخِذْلَان توفيقًا (٣)، ومن الطاعة (٤) بَدَلًا من العِصْيَانِ.
وقيل: يُعْطَى بَدَلَ كُلِّ سيئة حَسَنَةً.
واستبعد هذا قَوْمٌ، ورَوَى في ذلك آخرون أحاديث لم تَصِحَّ، والذي صحَّ من ذلك أن العبد يأتي بالحسنات والسيئات، فإذا تاب من السيئات
стр. 818
فكُلُّ نَدَمٍ على سيئة يُكتب له حسنة، فيكون له ثواب حسنة، وتعود السيئات حسنات من جهة الندم عليها، فيكون هذا هو التبديل المُراد بها.
الخامس: تبديل المنازل؛ فإنه ثبت في الصحيح: "أنه ما من نفس مسلمة إلَّا أدخل الله مكانها من اليهود والنصارى في النار، وكان لها منزلة من الجنة" (١)، ولذلك قيل فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]، والصحيح في الوراثة أنها جزاءُ العمل، على ما يأتي في صفة الجنة -إن شاء الله تعالى- في أَحَدِ الأقوال.
* * *
стр. 819
الاسمُ الرَّابعُ والثَّلاثون: يَوْمُ التَّلَاقِي
وهو: عبارةٌ عن اتصال المَعْنيَيْنِ بسَبَبٍ من أسباب العِلْمِ، أو الجِسْمَيْنِ (١).
وهو على أَنْوَاعٍ خَمْسَةٍ (٢):
الأوَّل: لقاءُ الأموات لمن سبقهم إلى الممات؛ فيسألونهم عن أهل الدنيا، وقد تقدَّم.
الثاني: عَمَلُه، وقد تقدَّم.
الثالث: لقاءُ أهل السماوات لأهل الأرض في المَحْشَرِ، وفيه حديثٌ
طَوِيلٌ وقَصِيرٌ، قد بَيَّنَّاهُمَا في "أنوار الفَجْرِ".
الرابع: لقاءُ الخَلْقِ للباري، وذلك يكون في عرصات القيامة، وفي الجنة.
فأمَّا في عَرَصَاتِ القيامة فثَبَتَ في الصحيح والحسن حَدِيثٌ كامل عن أبي هريرة، يَدْخَلُ في مَوَاضِعَ من كتابنا هذا، قال رسول الله ﷺ : "يَجْمَعُ الله الناس يوم القيامة في صَعِيدٍ واحد، فيطَّلع عليهم رب العالمين فيقول: أَلَا يتبع كل إنسان ما كان يعبد (٣)؟ فيُمَثَّلُ لصاحب الصليب صَلِيبُه،
стр. 820
ولصاحب التصاوير تصاويرُه، ولصاحب النار نارُه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطَّلع عليهم ربُّ العالمين فيقول: ألَا تَتَّبِعُون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربُّنا، وهذا مكانُنا حتى نرى ربَّنا، وهو يأمرهم ويُثَبِّتُهم، ثم يتوارى، ثم يطَّلع فيقول: ألَا تتبعون الناس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، الله ربنا، وهذا مكاننا حتى يأتينا (١) ربنا، وهو يأمرهم ويُثَبِّتُهم، قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ فقال: وهل تُضَارُّونَ في رؤية القمر ليلة البَدْرِ؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم لا تُضَارُّونَ في رؤيته تلك الساعة، ثم يتوارى، ثم يطلع فيُعَرِّفُهم نَفْسَه، ثم يقول: أنا ربكم فاتبعوني، فيقوم المسلمون، ويُوضع الصراط؛ فيُمر عليه مثل جياد الخيل والركاب، وقَوْمٌ (٢) من الملائكة ﵈ يقولون: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، ويبقى أهلُ النار فيُطرح منهم فيها فَوْجٌ، ثم يقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ حتى إذا أُوعِبُوا فيها وَضَعَ الرحمن فيها قَدَمَه، وأَزْوَى بَعْضَها إلى بَعْضٍ، ثم قال: قَطِ؟ قالت: قَطِ قَطِ، فإذا (٣) أُدْخِل (٤) أَهْلُ الجنة الجنةَ، وأهلُ النَّار النَّارَ، قال (٥): أُتِيَ بالموت مُلَبَّبًا (٦)، فيُوقَفُ على السُّورِ الذي بين أهل الجنة وأهل النار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين، ثم يقال: يا أهل النار، فيطَّلعون مستبشرين يرجون الشفاعة، فيقال لأهل الجنة وأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون -هؤلاء وهؤلاء-: قد عرفناه، هو
стр. 821
الموت الذي وُكِّلَ بنا، فيُضْجَعُ فيُذْبَحُ ذَبْحًا على السُّورِ، ثم يُقال: يا أهل الجنة، خُلودٌ لا موت، ويا أهل النار: خُلُودٌ لا موت" (١).
وفي الصحيح: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم؛ عليكم حَرَامٌ كحُرْمَةِ يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وسَتَلْقَوْنَ ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم" (٢).
وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال في صفة الجنة، قال: "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عَدَنٍ" (٣).
[مناظرة مع ابن عقيل في مجلس ابن جَهِير]:
قال الإمام الحافظ ﵁: كنَّا يومًا في مجلس أبي منصور محمد بن جهِير (٤) -وزير الخليفة- بمدينة السَّلام، صبيحة يوم الجمعة، على الرُّتْبَةِ التي بينَّاها في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في المِلَّةِ"، فقرأ القارئ على
стр. 822
العادة، فكان فيما قرأ: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحراب: ٤٤]، وكان أَمَامِي يَلِينِي إمامُ الحنابلة بها؛ أبو الوفاء علي بن عَقِيل (١)، وأنا وراءه في الحلقة الثانية من المجلس، فقلتُ لصاحبٍ كان إلى جَنْبِي (٢): هذا دليلٌ على رؤية المؤمنين لله يوم القيامة؛ لأنَّ اللقاء لا يكون إلَّا مع الرؤْيَةِ عَرَبِيَّة، فسمعني (٣) فَرَدَّ وجهه إليَّ وقال: هذا يُنْتَقَضُ بقوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]، أفيراه أهل النفاق؟
وقد بيَّنا الجواب عنه (٤) في "شرح المُشْكِلَيْنِ"، وقد مَنَعَ هاهُنَا من الرؤية (٥) ما اقترن به من ذَمِّ (٦) النفاق، كما أَوْجَبَها هنالك ما اقترن به من فَضْلِ التحية.
الخامس: من تَنْوِيعِ اللقاء -على ما تقدَّم (٧) - لقاءُ الظالم للمظلوم في مَوْقِفِ الخُصُومِ.
стр. 823
يوم الآزفة: وهو الاسم الخامس والثلاثون
تقول العرب: أَزِفَ كذا، أي: قربَ.
قال الشَّاعِرُ:
أَزِفَ الترَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا … لمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وكَأَنْ قَدِ (١)
وهي: قَرِيبَةٌ جِدًّا، وكلُّ آتٍ ولا بد (٢) قَرِيب وإن بَعُدَ مداه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وما يَسْتَبْعِدُ الرَّجُلُ من الساعة؟ ومَوْتُه ساعتُه، وما بَقِيَ (٣) عنه غيره.
* * *
стр. 824
يَوْمُ المَئَابِ: وهو الاسمُ السَّادس والثلاثون
ومعناه: الرجوعُ إلى الله.
ولم يَذْهَبْ عن الله شيء فيرجعُ إليه.
وإنَّما حقيقته: أن العبد (١) يَخْلُقُ اللهُ الذي خَلَقَهُ فيه ما شاء من أفعاله، فلمَّا خَلَقَ فيه عِلْمًا، وخلق فيه إيثارًا واختيارًا؛ ظن الناس أنه شيءٌ، وأنَّ (٢) له فِعْلًا، فإذا أماته وسَلَبَه ما كان أعطاه أذعنَ وآبَ، في وَقْتٍ لا ينفعه الإياب، ولم يَزُلْ عن عَيْنِ الله في كل حال، فهو "الأوَّابُ"، وسيأتي بيانُه في موضعه إن شاء الله (٣).
* * *
стр. 825
يوم القضاء (١): وهو الاسمُ السَّابع والثلاثون
ومثلُه:
стр. 826
الحُكْمُ والفَصْلُ: وهُمَا الاسمُ الثامن والثلاثون والتاسع والثلاثون
وقد بيَّنَّا معاني هذه الأسماء في كتاب (١) "الأَمَدِ الأقصى" (٢) وغيره، وأوضحنا أن الباري قد قَضَى (٣) وكتَبَ قضاءه، وأَنْفَذَ (٤) حُكْمَه، وأَسْجَلَ به، ووَضَعَ كتابه بذلك كُلهِّ فوق عَرْشِه، فالمخلوقات تجري على نصِّه، وأقضية الدنيا ما ظهر فيها من أفعاله وأحكامه، وأقضية الآخرة ما أَخْبَرَ عنه، وكلُّ فِعْل قضاءٌ، وكل أَمْرٍ قضاء، وكل نَهْي قضاء، وكل إِعْدَام قضاء، ومن الإيمان الرِّضَا بالقضاء، فللَّه تعالى أن يَقْضِيَ ما شاء، وعلى العبد أن يَرْضَى، "وأوَّلُ ما يُقْضَى فيه يوم القيامة الدِّمَاءُ" (٥)، كذلك وَرَدَ في الخَبَرِ الحَسَنِ.
وفي الحديث الصحيح: "إنَّ من مَنَعَ حَقَّ إِبِلِه أو بقره أو غَنَمِه بُسِطَ لها بقاع فَرْقَرٍ؛ تطؤه ذاهبة وراجعة، كلما مرَّت عليه أُخراها رَدَّتْ عليه أُولاها، حتى يُقضى بين الناس" (٦).
стр. 827
والفَصْلُ هو: الفَرْقُ والقَطْعُ؛ فيُفْصَلُ يومئذ بين الكافر والمؤمن، والمسيء والمحسن.
وهو يوم الحُكْمِ؛ لأن الحُكْمَ هو إنفاذ (١) العِلْمِ، وقد اتَّضَحَ ذلك كله في موضعه.
* * *
стр. 828
يَوْمُ الوَزْنِ: وهو الاسم المُوَفِّي أربعين
قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ (١) [الأعراف: ٨ - ٩].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩].
وفيه إشكالان:
الأوَّل: ما يُوزَن؟
الثاني: كيف يُوزن؟
فأمَّا ما يُوزَنُ فهي الأعمال كلها، والاعتقاداتُ أيضًا معها.
وقد ضَلَّ بَعْضُ الناس عن هذه الحقيقة فقال: إن الإيمان والاعتقادات لا توزن، ولو وُزِنَ الإيمان لما قابلته المخلوقات، حسبما يَرْوُون في الأثر.
وقد بيَّنَّاه في "أنوار الفجر"، وحقَّقنا أنَّ الحديث الصحيح يقتضي وَزْنَ الإيمان؛ كما ورد (٢) في مسلم والبخاري - واللفظ له-: "فيُقال:
стр. 829
انطلق فأَخْرِجْ مِنَ النار مَن في قلبه مثقال (١) ذرَّة أو خردلة من إيمان، ثم أعود، فيقال (٢): أخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبَّة خردل من إيمان" (٣).
وأمَّا كيفية الوزن فإنَّ كُتُبَ الأعمال تُوضَعُ في كِفَّتَيْ الميزان، ويخلق الله الثِّقَلَ في الآخرة كما يخلقه في الدنيا في كِفَّةِ الميزان، على حسب [عَمَلِه] (٤) فيها، فما أَدْرَكَتْ من الاعتماد حُكِمَ به (٥).
وأمَّا الحديث الذي يَرْوُون: "أنَّ لا إله إلا الله لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ لما عادلتها (٦) المخلوقات" (٧)؛ فإنما ذلك إذا جاءت بما شُرِطَ فيها من الإخلاص، وما يتبعها من الوظائف، كما قال في البخاري عن وَهْبٍ: "لا إله إلا الله مفتاحٌ له أسنان، إن جئت بالمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلَّا لم يُفْتَحْ" (٨).
стр. 830
يَوْمٌ عَقِيمٌ: وهو الاسم الواحد والأربعون (١)
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾ (٢) [الحج: ٥٥].
وهو في اللغة: عبارة عمَّن لا يكون له وَلَدٌ.
ولمَّا كان الولدُ يكون بعد الأبوين، وكانت الأيام تتوالى قَبْلُ وبَعْدُ، جُعِلَ الإِتْبَاعُ بالبَعْدِيَّةِ فيها كهيئة الولادة، ولمَّا لم يَكُنْ بعد ذلك اليَوْمِ يَوْمٌ وُصِفَ (٣) بالعُقْمِ.
* * *
стр. 831
يومُ المصير: وهو الاسم الثاني والأربعون (١)
وهو يوم المئاب بعينه، وقد تقدَّم تحقيقُه.
وكان الناسُ بإبرازهم إلى الدنيا ورؤيتهم لأنفسهم فيها مَالِكِينَ مُتَصَرِّفِينَ باختيارهم، يظنُّون أنهم قد خرجوا عن حُكْمِ الله تعالى، حتى اعتقدت ذلك طائفة من الملحدة، وجاورتهم (٢) عليه القدرية.
فإذا كان الموت كان ابتداءُ الرجوع إلى الله والصيرورة بحكْمِه المجرَّد من غير كَسْبِ العبد (٣)، وكانت انتهاؤُه الحصولَ على الجنة أو النار، وبينهما أحوالٌ؛ الخَلْقُ فيها صائرون إلى أمر الله، وآخرُ ذلك دار القرار، وهي الجنة أو النار، وبهذه الحقائق والشدائد كان يَوْمًا عَسِيرًا (٤).
* * *
стр. 832
[يوم عَسِيرٌ]: وهو الاسم الثالث والأربعون
والعُسْرُ في لسان العرب بَعْضُ الامتناع، وهو ضِدُّ اليُسْرِ؛ الذي هو سهولة تحصيل المطلوب.
فمن حاول قَوْلًا أو فِعْلًا فلم يَجِدْ إليه سبيلًا (١) فهو المَنْعُ، فإن وجد إليه سبيلًا مُمْكِنًا عَجِلًا فهو البلوغ، والكَوْنُ بأقل وجه يكون، فإن تحصَّل بعد نظر أو عمل طويل أو غَيْرِ المعتاد فهو عُسْرٌ، فإن تحصَّل بنظر قليل وعمل مُعْتَادٍ فهو اليُسْرُ، ولذلك أخبر الله تعالى عن الكافرين أنه يوم عَسِيرٌ عليهم؛ لأنهم لا يَرَوْنَ فيه أَمَلًا، ولا يقطعون فيه (٢) رجاءً، حتى إذا خرج المؤمنون من النار طلبُوا مثل ذلك ونادَوا، فيقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، فحينئذ يكون المنع الصريح.
وأمَّا المؤمنون فتَنْحَلُّ عُقَدُهم بيَسِيرٍ (٣) إلى يُسْرٍ؛ يَنْحَلُّ طُول الوقوف، إلى تعجيل الحساب، وتثقيل الموازين، وجواز الصراط، والظلال بالأعمال.
ولا تَنْحَلُّ للكافرين (٤) من (٥) هذه العُقَدِ وَاحِدَةٌ إلَّا إلى أَشَدَّ منها، حتى إلى جهنم دار القرار.
стр. 833
يَوْمٌ مَشْهُودٌ: وهو الاسم الرابع والأربعون
يَحْضُر فيه كل مخلوق افترق خَلْقُهم؛ من ملائكة السماء، والأنبياء، والآدَمِيِّين، وحيوان الأرض، فكُلُّ من طُوِّرَ في الخِلْقَةِ يجتمع في تلك العَرْصَةِ؛ وتظهر المراتب، وتَبَيَّنُ المزايا، وتظهرُ الخفايا.
ويحتمل أن يكون معناه أيضًا: مشهودٌ فيه، أي: يَشْهَدُ فيه الشاهد (١)، كما تقدَّم بيانُه.
* * *
стр. 834
يوم التغابن: وهو الاسم الخامس والأربعون
وحقيقته في لسان العرب: ظُهُورُ الفضل في المعاملة لأحد المتعاملين، أو سقوط أحد العِوَضَيْنِ.
والدنيا والآخرة داران لعَمَلَيْنِ وحالين، وكل واحد منهما لله، ولا يُعطى إحداهما إلَّا لمن ترك نصيبه من الأخرى، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ (١) [الإسراء: ١٩]، والكل يُفِيضُ (٢) الله عليه عطاءَه، ولا يَظْهَرُ الفضل في المعاملة والنقص إلَّا في الآخرة عند قَبْضِ الجزاء، وهذا أحد الغَبْنَيْنِ، وهو حقيقةٌ.
وأمَّا الغبن الثاني: فهو دونه في القول، وهو مجاز (٣)، وذلك أن الحديث ورد بأنه يُقال للكافر: "هذا مقعدك في الجنة، أبدلك الله به هذا المقعد من النار، ويقال للمؤمن: هذا مقعدك من النار، أبدلك الله به هذا المقعد من الجنة" (٤)، ويَنْزِلُ به (٥) كلُّ واحد على منزلة صاحبه ودَرَجَتِه، فكأنَّه معاملةٌ وَقَعَ الغَبْنُ (٦) فيها لما (٧) يَرَوْنَ.
стр. 835
يوم عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ: وهو الاسمُ السَّادس والسَّابع والأربعون
أمَّا القمطرير: فهو الشديد.
وقيل: الطويل.
وأمَّا العَبُوس: فهو الذي يُعْبَسُ فيه.
سُمِّيَ باسم ما يكون فيه، كما يُقال: ليل قائم (١)، ونهار صائم.
وكُلوح الوجه وعُبوسه: هو قَبْضُ ما بين العَيْنَيْنِ وتَغَيُّرُ السِّحْنَةِ (٢) عن عادتها الطَّلْقِيَّةِ.
يُقال: يَوْمٌ طلق: إذا كانت شمسُه نَيِّرَةً فاترة، وعَبُوس: إذا كانت شَمْسُه مُدْجِنَةً قد غطَّاها السحاب.
وأوَّل العَبُوسِ والكُلوح عند الخروج من القبور ورؤية الأعمال في الصُّوَرِ القبيحة، كما تقدَّم بيانُه.
وآخرها: كُلوح النار؛ وهو الكُلوح الأعظم بشَيِّ (٣) الوجوه، وسقوط الجلود.
стр. 836
ومع العبوس تشخص الأبصار، وهي ثبوتها راكدةً على منظر وَاحِدٍ لهَوْله (١)؛ لا تنتقل منه إلى غيره، كما قال سبحانه: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
* * *
стр. 837
[يومٌ تشخص فيه الأبصار]: وهو الاسمُ الثامن والأربعون
يومُ الخروج: وهو الاسمُ التاسع والأربعون
قد تقدَّم ذكره.
وأوَّلُه: الخُروج من القبور.
وآخِرُه: خُروج المُذْنِبِين من النار.
ثم لا خروج ولا دخول؛ وإنما هي إقامة في دار القرار؛ جهنم، وفي الجنة؛ دار المُقامة.
* * *
стр. 838
يوم تُبْلَى السَّرَائِرُ: وهو الاسمُ المُوَفِّي خمسين
المعنى: تخرج المخبآت بالاختبار بوَزْنِ الأعمال، فلا تَرْحَجُ حَبَّةٌ لأنها خَلَتْ عن إخلاص ونِيَّةٍ، وأوَّلُ ذلك الحديث الصحيح في صفة يوم القيامة؛ أنه يقال: "من كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، فيقال (١): هل تعرفونه؟ فيقولون: سبحانه، إذا تعرَّف (٢) لنا عرفناه، فعند ذلك يَتَجَلَّى ويُكشف عن ساق، فلا يبقى مؤمن كان يعبد (٣) الله إلا خَرَّ ساجدًا، ومن كان منافقًا تبقى ظهورهم طَبَقًا واحدًا" (٤).
وفي الصحيح من طريق أبي هريرة: أنه قال: "قالوا: يا رسول الله، هل نَرَى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارُّون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر وليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارُّون في رؤية ربكم إلَّا كما تضارُّون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العبد فيقول: أي فُل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك؟ وأسخر لك الخيل والإبل؟ وأتركك ترأس وترتع؟ فيقول: بلى، أي رب، فيقول (٥): أفظننت أنك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا،
стр. 839
فيقول: فإني أنساك كما نَسِيتَنِي، ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فُلْ، ألم أكرمك؟ ألم أُسَوِّدْك وأُزَوِّجْك؟ وأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإبل؟ وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْتَعُ؟ فيقول: بلى، أي رب، فيقول: أفظننت أنك مُلَاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني (١)، لم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: ياربّ، إني (٢) آمنت بك وبكتابك وبرُسُلِك، وصلَّيت وصُمت وتصدَّقت، ويُثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذًا، ثم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهدًا (٣) عليك، ويتفكر؛ من ذا الذي يشهد علي (٤)؟ فيُخْتَمُ على فِيهِ، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعَظمُه بعَمَلِه، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه" (٥)، وذلك كثيرٌ.
* * *
стр. 840
يوم لاتملك نفسٌ لنفس شيئًا: وهو الاسمُ الحادي والخمسون
قد بينَّا أن الله سبحانه جَعَلَ (١) في الدنيا للخلق (٢) في الظاهر حُكْمًا وإيثارًا، أمَّا (٣) حتى يُذْهِبَ ذلك يومُ القيامة؛ فلا مالك ولا ناصر، ولا يُغْنِي أحدٌ عن أحد شيئًا، أو (٤) تكفيه مُلِمَّة، أو يَسُدُّ مَفَاقِرَه من حاجة.
ولذلك قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [الدخان: ٤١]، ولا يَنْصُرُ بعضُهم بَعْضًا (٥)، وأُحْضِرَ الوالد مع الولد، والأخ مع الأخ، والابن مع الوالد (٦)، ومثلُه الأم (٧).
وقد كاد الخلقُ ينفصلون بأقل وجه؛ إلا الآباء والأبناء والقرابة، وفي ذلك اليوم ينفصل كلُّ واحد عن أخيه، فيكون أيضًا يومَ الفصل بهذا، وقد جعل الله لذلك عنوانًا بأن (٨) فَصَلَ بين الأنبياء (٩) وآبائهم وأبنائهم؛ حتَّى لا يكون لأحد طَمَعٌ في غير ذلك.
стр. 841
[يوم يُدْفَعُون في النار: وهو الاسم الثاني والخمسون]
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور: ١٣]، و ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]، و ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦] هذا كله مُتَرَادِفُ "يُدفعون في النار"، فإذا وقعوا في دَرَكَتِها الأولى خَرُّوا على وجوههم إلى مداركهم منها، فإذا حصل كلٌّ في دركته قُلِّبَ وجهُه في النار؛ لأنه كان يسجدُ لغير الله، وحرَّم الله على النار وَجْهَ المؤمن السَّاجد له، والحمد لله رب العالمين (١)، وهو الاسم الثاني والخمسون.
* * *
стр. 842
[يومُ لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتدرون: وهما الاسم الثالث والخمسون والرابع والخمسون]
وقال تعالى: ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢].
اختُلِفَ في قوله: ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ على قولين: أحدهما: لا ينطقون بالحجة، وإنَّما تكلموا بما لا تحصيل له.
الثاني: أنها (١) عبارة عن بعض ذلك اليوم، وفيه أحوالٌ يُخْبَرُ باليوم عن كل حال منها.
وإن العرب لتفعل ذلك في اليوم الواحد من أيَّام الدنيا، فتُعَبِّرُ عن كل فِعْلٍ جَرَى في جزء من أيامهم باليوم، فكيف بيوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟
فإن اعتذروا:
* * *
стр. 843
لم تنفعهم معذرتهم:
وهو الاسم [الخامس (١)] والخمسون
وإن أُذِنَ لهم فيها فبِأَنْ (٢) يُمَكَّنُوا منها، لا بأن يقال لهم: اعتذروا، كقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وكقوله آخِرا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وما بينهما من الأقوال.
* * *
стр. 844
يوم لا يَكْتُمُونَ الله حديثًا: وهو الاسمُ [السَّادس (١)] والخمسون
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٢): [وهو الاسم السَّابع والخمسون]
قالوا (٣): يُعَذَّبُونَ، من قولك: فَتَنْتُ الذهبَ؛ إذا رَمَيْتَه في النار، وذلك قولُه: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥].
قيل: خَفِيَ من ذِلَّةٍ؛ فتارة يَشْخَصُ، وتارة يخفى.
ويَذِلُّ: يُسارقون به النظر، لا يفتح عينه، إنما يلحظ بطَرْفِها، كما يفعل المُسارق للنظر.
وقيل: إنما ينظرون إلى النار بقلوبهم؛ لأنهم يُحشرون عُمْيًا.
والأوَّل أصحُّ؛ فإنهم وإن كانوا يُحشرون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ويُخْتَمُ على أفواههم، ويعاد بهم إلى صِحَّةِ النظر والسمع، وإطلاق اللسان بالنُّطْقِ، وذلك كله لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أن يدفعه، فلذلك قال فيه:
стр. 845
﴿يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وهو الاسم [الثامن والخمسون (٢)]
وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ (٣): [وهو الاسم التاسع والخمسون]
وكذلك لا يرحم رحمته أحد، وهو أوَّل الراحمين، وهو خيرهم (٤)، وأَرْأَفُهُمْ (٥)، وهو الاسم المُوَفِّي سِتِّينَ (٦).
قوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه.
فإن قيل: وكيف لا يكون فيه شَكٌّ وفيه شَكَّ الخَلْقُ؟ بل لم يَشُكُّوا في شيء أكثر منه، ولا اختلفوا في شيء أعظم من اختلافهم فيه.