← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

[يوم يُدْفَعُون في النار: وهو الاسم الثاني والخمسون] ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور: ١٣]، و ﴿يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]، و ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦] هذا كله مُتَرَادِفُ "يُدفعون في النار"، فإذا وقعوا في دَرَكَتِها الأولى خَرُّوا على وجوههم إلى مداركهم منها، فإذا حصل كلٌّ في دركته قُلِّبَ وجهُه في النار؛ لأنه كان يسجدُ لغير الله، وحرَّم الله على النار وَجْهَ المؤمن السَّاجد له، والحمد لله رب العالمين (١)، وهو الاسم الثاني والخمسون. * * *

стр. 842

[يومُ لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتدرون: وهما الاسم الثالث والخمسون والرابع والخمسون] وقال تعالى: ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]. اختُلِفَ في قوله: ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ على قولين: أحدهما: لا ينطقون بالحجة، وإنَّما تكلموا بما لا تحصيل له. الثاني: أنها (١) عبارة عن بعض ذلك اليوم، وفيه أحوالٌ يُخْبَرُ باليوم عن كل حال منها. وإن العرب لتفعل ذلك في اليوم الواحد من أيَّام الدنيا، فتُعَبِّرُ عن كل فِعْلٍ جَرَى في جزء من أيامهم باليوم، فكيف بيوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فإن اعتذروا: * * *

стр. 843

لم تنفعهم معذرتهم: وهو الاسم [الخامس (١)] والخمسون وإن أُذِنَ لهم فيها فبِأَنْ (٢) يُمَكَّنُوا منها، لا بأن يقال لهم: اعتذروا، كقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وكقوله آخِرا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وما بينهما من الأقوال. * * *

стр. 844

يوم لا يَكْتُمُونَ الله حديثًا: وهو الاسمُ [السَّادس (١)] والخمسون ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (٢): [وهو الاسم السَّابع والخمسون] قالوا (٣): يُعَذَّبُونَ، من قولك: فَتَنْتُ الذهبَ؛ إذا رَمَيْتَه في النار، وذلك قولُه: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. قيل: خَفِيَ من ذِلَّةٍ؛ فتارة يَشْخَصُ، وتارة يخفى. ويَذِلُّ: يُسارقون به النظر، لا يفتح عينه، إنما يلحظ بطَرْفِها، كما يفعل المُسارق للنظر. وقيل: إنما ينظرون إلى النار بقلوبهم؛ لأنهم يُحشرون عُمْيًا. والأوَّل أصحُّ؛ فإنهم وإن كانوا يُحشرون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ويُخْتَمُ على أفواههم، ويعاد بهم إلى صِحَّةِ النظر والسمع، وإطلاق اللسان بالنُّطْقِ، وذلك كله لا يَقْدِرُ أَحَدٌ أن يدفعه، فلذلك قال فيه:

стр. 845

﴿يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وهو الاسم [الثامن والخمسون (٢)] وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ (٣): [وهو الاسم التاسع والخمسون] وكذلك لا يرحم رحمته أحد، وهو أوَّل الراحمين، وهو خيرهم (٤)، وأَرْأَفُهُمْ (٥)، وهو الاسم المُوَفِّي سِتِّينَ (٦). قوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه. فإن قيل: وكيف لا يكون فيه شَكٌّ وفيه شَكَّ الخَلْقُ؟ بل لم يَشُكُّوا في شيء أكثر منه، ولا اختلفوا في شيء أعظم من اختلافهم فيه.

стр. 846

فإن منهم من قال: لا قيامة. ومنهم من قال: هي قيامة معنوية؛ كالقيامة في النَّوْمِ (١)، وهم المُلْحِدَةُ والفلاسفة. ومنهم من قال: تكون، ولا (٢) تُعادُ أجساد الخلق، وإنما تكون أمثالها. وقال أهل السنة (٣): يُعِيدُ الله الخَلْقَ كما أَخْبَرَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ويُرْجِعُ الخَلْقَ (٤) كما أُنْشِئُوا؛ بأجسادهم وأعيانهم. وقد قام الدليل على ذلك كلِّه، وبيَّنه الله في كتابه، وأَوْضَحَ وجوه الأدلة فيه، وضرب النبي له الأمثال، ولذلك لم يكن فيه رَيْبٌ لقيام الأدلة الظاهرة عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فليس في الباري شَكٌّ لقيام الأدلة عليه، ولشهادة أفعاله له، ولاقتضاء المُحْدَثِ أن يكون له مُحْدِثٌ، ولكن قد شك فيه قَوْمٌ ونفاه آخرون، ولم يُوجِبْ ذلك شَكًّا فيه، لقيام الأدلة عليه. فمعناه (٥): لا رَيْبَ فيه، ولا شكَّ فيه، مع النظر في الدليل والعلم به، فإذا خلق الله الرَّيْنَ على القلب كان الرَّيْبُ والشَّكُّ، وقد حَقَّقْنَا ذلك في "المُشْكِلَيْنِ" بأبلغ من هذا.

стр. 847

وقد بَقِيَتْ أسماءُ نَحْوُ المائة كنَّا استوفيناها في "أنوار الفَجْرِ"، وهذه الجُمْلَةُ تُعْطِيها هذه النُّبْذَةُ، فخُذُوا بها مَسْلَكَها تبلغوها إن شاء الله (١). وآخرُ الحال المَصِيرُ إلى الجنة أو النار، وهو المقام الرابع.

стр. 848

[المقام الرابع: الجنة أو النار]

стр. 849

وهُمَا داران؛ أعدَّهما الله لعذابه وعقابه، وخلقهما لنعيمه وثوابه؛ حين خلق السماوات والأرض، ولكل واحدة منهما مِلْؤُها (١). فأمَّا الجنة فلن تمتلئ بأهلها حتى يُنْشِئَ الله لها خَلْقًا آخَرَ، ولم يَثْبُتْ في عددها شيءٌ يُعَوَّلُ عليه؛ إلا قوله ﷺ : "جنتان آنِيَتُهما وما فيهما من ذهب، وجنتان آنِيَتُهما وما فيهما من فِضَّةٍ، وما بين الخَلْقِ وبين أن ينظروا إلى ربهم إلَّا رداءُ الكبرياء على وجهه في جنة عَدْنٍ" (٢). فمن قال: "إنها سبع جَنَّاتٍ"؛ فقد تكلَّم بغير عِلْم، وأخبر عن الله بما لم يُخْبِرْ به هو ولا رسولُه. وأمَّا النار فليس في عددها حديثٌ يُعَوَّلُ عليه. وأمَّا الأبواب فثَبَتَ في الحديث الصحيح أن للجنة ثمانية أبواب. قال النبي ﷺ : "من أنفق زوجين في سبيل الله نُودِيَ من أبواب الجنة الثمانية: أي فُلْ، هذا خَيْرٌ لك فادخل، فمن (٣) كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الريَّان" (٤)، وليس لها في القرآن ذِكْرٌ.

стр. 850

وأمَّا أبواب النار فذكرها الله في كتابه فقال: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٤]، ولم يرد في الحديث لها (١) ذِكْرٌ. وقد انتدب المُتَكَلَّفُونَ - الذين لم يكن النبي منهم - إلى تَعْدَادِ أبواب الجنة وأبواب النار، وأحق من اقتُدِيَ به النبي ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يتكلَّف ما ليس له به عِلْمٌ، ولا يُحَدِّثَ عن النبي ﷺ بما ليس له أَصْلٌ في النَّقْلِ. وأمَّا أوصافها فقد تعدَّى الخَلْقُ عليها، ووضعوا الأحاديث فيها، ولم يراقبوا الله في ذلك، حتى سُطِّرَتْ أباطيلُها في الكُتُبِ، ورُوِيَتْ في المجالس، وقُرِئَتْ في المنابر. * * *

стр. 851

[أحاديث الجنة] وها أنا أُهْدِي إليكم (١) ما صحَّ فيها حتى تكونوا على بَصِيرَةٍ في تصحيحه من ذلك فيها. أمَّا الجَنَّةُ فالذي صحَّ فيها ستة أحاديث: الأوَّل: حديث أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، دُخْرًا؛ بَلْهَ ما أَطْلَعَكُم الله عليه، ومِصْدَاقُ ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] (٢). الثاني: عنه وعن أبي سعيد: "إن في الجنة شجرة يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّرُ السريع مائة عام لا (٣) يقطعها، اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] " (٤).

стр. 852

الثالث: روى سَهْلُ بن سعد عن النبي ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون كما تراءون الكوكب الدُّري الغائر (١) في الأفق، من المشرق إلى المغرب (٢)، لتَفَاضُلِ ما بينهم، - قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغُها غيرُهم، قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين" (٣). الرابع: رَوَى أَنَسٌ: "إنَّ في الجنة سُوقًا يأتونها كلَّ يوم جمعة، فتهبُّ رِيحُ الشِّمَالِ فتَحْثُوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حُسْنًا وجَمَالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حُسْنًا وجَمَالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حُسْنًا وجمالًا (٤)، فيقولون: وأنتم والله، لقد ازددتم بعدنا حُسْنًا" (٥). الخامس: عن أبي هريرة: "من يدخل الجنة يَنْعُمُ ولا يبؤُسُ (٦) تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، وينادي مُنَادٍ عنه" (٧).

стр. 853

وعن أبى سعيد: "إنَّ لكم عند الله أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تَمُوتُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، فذلك قوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣] " (١). السَّادس: روى أبو موسى عن النبي ﷺ : "إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدة مُجَوفَةٍ؛ طولها في السماء سِتُّونَ مِيلًا، وعرضها ستون مِيلًا، في كل زاوية منها أَهْلٌ للمؤمن لا يراهم الآخرون، يطوف عليهم المؤمن، لا يرى بعضُهم بَعْضًا" (٢). * * *

стр. 854

صِفَةُ أَهْلِ الجَنَّةِ - الحديث الأوَّل: قال أبو هريرة: عن النبي ﷺ : "يدخل الجنة أَقْوَامٌ أفئدتهم مثلُ أفئدة الطَّيْرِ" (١). قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: هو معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٩]، ولم يذكره مُفَسِّرٌ؛ فَاتَهُمْ بأجمعهم. وفي الصحيح - واللفظ للبخاري -: قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة (٣)، وصام رمضان؛ كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله، أفلا تُنْبِئُ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة؛ أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله، كلُّ درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرص، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أَوْسَطُ الجنة وأَعْلَى الجنة، وفوقه عَرْشُ الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة" (٤).

стр. 855

وذكر البخاري من طريق شرِيكٍ في حديث الإسراء: "أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يَطَّرِدَانِ، فقال: ما هذان يا جبريل؟ قال: النيل والفُرات؛ عُنْصُرُهُمَا، ثم مضى في السماء، فإذا هو بنَهْرٍ آخَرَ، عليه قَصْرٌ من لؤلؤ وزَبَرْجَدٍ، فضَرَبَ بيده فإذا هو مِسْكٌ أَذْفَرُ (١)، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكَوْثَرُ الذي خبَّأ لك ربُّك" (٢). وفي مسلم: "سَيْحَانُ وجَيْحَانُ والنِّيلُ والفُرَاتُ كلٌّ من أنهار الجنة" (٣)، وهذا (٤) الحديث الثاني. الحديث الثالث (٥): عنه عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم على صورته؛ طوله ستون ذِرَاعًا، فلما خَلَقَه قال: اذهب إلى أولائك النَّفَرِ من الملائكة - وهم جلوس- فسَلِّمْ عليهم، فاستمع ما يُجيبونك، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم

стр. 856

ورحمة الله، قال: فزادوه: ورحمة الله، قال: فكُلُّ من يدخل الجنة على صورة آدم وطُولِه؛ وطولُه سِتُّونَ ذِرَاعًا، فلم يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ (١) إلى الآن" (٢). الرَّابعُ: عن محمد بن سيرين قال: "إمَّا تفاخروا وإمَّا تذاكروا معي، الرجال والنساء أيهم أكثرُ في الجنة؟ فاختصموا عند أبي هريرة فسألوه، فقال أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم - وفي رواية: قال رسول الله ﷺ ، ودخل فيه بعض حديث جابر (٣)، قال رسول الله ﷺ : أَوَّلُ زُمْرَةٍ تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ أو على (٤) أشد كوكب دُرِّيًّ إضاءةً في السماء، وهُمْ بعد ذلك منازل؛ يأكلون ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يبزقون ولا يَمْتَخِطُون، - ولا يتفلون (٥) في رواية-، قلت: فما بالُ أو حالُ أو مآل طعامهم؟ قال جُشَاءٌ (٦) ورِيحٌ كريح المِسْكِ، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، وأزواجهم الحورُ العين، أخلاقهم على خَلْقِ رجل واحد، على صورة أبيهم آدم؛ ستون ذراعًا في السماء، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبُهم قَلْبٌ واحد، يُلْهَمُون

стр. 857

التسبيح والتحميد كما يُلْهَمُون النَّفَسَ، لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين؛ يُرَى مُخُّ ساقها من وراء اللحم من الحُسْنِ، وما في الجنة عَزَبٌ" (١). زاد غيره (٢): "يُسَبِّحُون الله بُكْرَةً وعَشِيًا" (٣)، صحيح. [نساءُ الدنيا ورِجَالُها أيهما أكثر في الجنة؟] قال الأمام أبو بكر (٤): وفي هذا الحديث من المَعْنَى أنه نَفَى قواذف البدن في الدنيا، إلَّا الجُشاء والعرق، وليس في هذا الحديث لكثرة النساء حُجَّةٌ، ولا لقلتهن، لأن القوم لم يختلفوا في جِنْسِ النساء، إنما اختلفوا في نَوْعِ من الجنس؛ وهو نساء الدنيا ورجالها، أيهما أكثر في الجنة؟ فإن كانوا اختلفوا في المعنى الأوَّل وهو جِنْسُ النساء مُطْلَقًا، فحديث أبي هريرة حجة، وإن كانوا اختلفوا في نَوْعٍ من الجنس، وهم أهل الدنيا، فالنساء في الجنة أقل. روى أسامة عن النبي ﵇ في البخاري - أنه قال: "قمتُ على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجَدِّ (٥)

стр. 858

محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أُمر بهم إلى النار، وقُمْتُ على باب النار فإذا عامَّة من دخلها النساء" (١). وفي حديث الكسوف الصحيح أنه قال: "اطَّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، فقيل: يكفرن (٢)، قال (٣): يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير، لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهر كله ثم أسأت إليهن يومًا واحدًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (٤). وفي صحيح (٥) مسلم: عن. عمران بن حُصَيْنٍ: قال رسول الله ﷺ : "إن أقل ساكني الجنة النساء" (٦). وصحَّ عن النبي وحَسُنَ من طريق حكيم بن معاوية عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة بحر الماء، وبحر اللبن، وبحر الخمر، ثم تَشَقَّقُ الأنهار بعده" (٧).

стр. 859

وفي الصحيح (١): "إن أدنى أهل الجنة منزلةً من يُؤْتَى مِثْلَ الدنيا وعشرة أمثالها معها، وهم الجهنميون، أو من (٢) الجهنميين" (٣). وعن عبد الله - واللفظ للبخاري-: "آخرُ أهل النار خروجًا منها، وآخرُ أهل الجنة دخولًا؛ رَجُلٌ يخرج من النار حَبْوًا، فيؤتى مثل الدنيا وعشرة أمثالها" (٤)، وذَكَرَ الحديث. فهذه أحاديث الجنة الصِّحَاحُ سِتَّةٌ، وقد زاد الخلق فيها ما لا يرضاه الله، منه (٥) ضعيف، وهو أقله، ومنه باطل، وهو كثيرٌ. ولمَّا كان لا يُحْصِي الباطل إلَّا الذي خلقه أعرضنا عنه، فاقتَصِرُوا على الصحيح واعتمدوا عليه، فإن الحديث الأوَّل وتفسيره يأتي على كل حديث صحيح وباطل. وتحقيق هذا الكلام النفيس: أنَّ كل حديث باطل وضعه الجُهَّال أو المُلْحِدة للترغيب في الجنة قد خطر بالبال؛ فنسبه إلى النبي المُلْحِدَةُ والجهَّال، وقد أخبر الله تعالى أن فيها ما لم يخطر على قَلْبِ بَشَرٍ، فافهموا هذا، فإن فَهْمَه خَيْرٌ من الدنيا بحذافيرها، نفعنا (٦) الله برحمته.

стр. 860

[أحاديثُ النار] وأمَّا النار؛ فالذي صحَّ فيها أيضًا أربعةُ أحاديث. الأوَّل: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم لها يومئذ سبعون ألف زِمَامٍ، مع كلِّ زِمَامٍ سبعون ألف مَلَكٍ يَجُرُّونَها" (١). الثاني: عنه: قال رسول الله ﷺ : "ناركم هذه التي تُوقِدُون جُزْءٌ من سبعين جُزْءًا من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله، والله إن كَانَتْ لكافية، قال: فإنها فُضِّلَتْ عليها بتسعة وستين جُزْءًا، كلُّها مِثْلُ حَرِّهَا" (٢). الثالث: عنه قال: "كنا مع النبي ﵇ إذ سمع وَجْبَةً، قال النبي: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حَجَرٌ رُمِيَ في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يَهْوِي في النَّار حتى الآن انتهى إلى قَعْرِهَا" (٣).

стр. 861

تنويع عذابها قال سَمُرَةُ: إنه (١) سَمعَ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن منهم من تأخذه النار إلى كَعْبَيْه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه (٢)، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه" (٣). وفي رواية: "تَرْقُوَّتِه"، ومكان حُجْرَته: "حَقْوَيْه" (٤)، وسيأتي بقية الباب بعدُ إن شاء الله. * * *

стр. 862

صِفَةُ أهلها ثمانية أحاديث: الأوَّل: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "احتجَّت الجنة والنار، فقالت النار: ما لي (١) أُوثِرْتُ بالجبَّارين والمتكبِّرين؟ وقالت: الجنة لا يدخلها إلا الضعفاء والمساكين، ضعفاءُ الناس وسَقَطُهم وعُجَّزُهم (٢) وغِرَّتُهم (٣)، فقال للجنة: - أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادى، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأمَّا النار فلن تمتلئ حتى يضع الجبَّار فيها قدمه، فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، بعزتك وكرمك، ويُزْوَى بعضُها إلى بعض" (٤). قال البخاري: "أنت رحمتي وأنت عذابي، ولكل واحدة منكما ملؤها (٥)، فأمَّا الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ليُنشئ (٦) للنار من شاء، فيُلْقَوْنَ فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها وتقول: هل من مزيد

стр. 863

- ثلاثًا-؟ حتى يضع الجبَّار قَدَمَه فيها، فتمتلئ ويُرَدُّ بعضها إلى بعض فتقول: قَطِ قَطِ قَطِ، وتبقى الجنة ما شاء الله أن تبقى، ثم يُنشئ الده لها خَلْقًا ممَّا يشاء، ولا يزال في الجنة فَضْلٌ حتى يُنشئ الله لها خلقًا فيُسْكِنُهم فَضْلَ (١) الجنة" (٢). الثاني: قال حارثة بن وهب (٣): قال رسول الله ﷺ : "ضِرْسُ الكافر أو نابُ الكافر مثلُ أُحُدٍ، وغِلَظُ جِلْدِه مَسِيرَةُ ثلاثة أيام للراكب المُسْرعِ" (٤). وفي رواية: "ما بين مَنْكِبَي الكافر مسيرةُ ثلاثة أيام" (٥). الثالث: قال حارثةُ بن وهب: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلى، قال: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ثم قال: ألا أخبركم بأهل النار؟ قالوا: بلى، قال: كل عُتُلٍّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُسْتَكْبِرٍ" (٦).

стр. 864

وفي رواية: "متكبر" (١). الرابع: أبو هريرة (٢): سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت عَمْرَو بن لُحَي يَجُرُّ قُصْبَهُ في النار، وهو أوَّل من سَيَّبَ السَّوَائِبَ" (٣). الخامس: أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أهل النار لم أرهما؛ قَوْمٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر، يضربون بها الناس، يَغْدُونَ في سَخَطِ الله ويَرُوحُونَ في لَعْنَتِه، ونساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مُمِيلات، رؤوسهن كأسنمة البُخْتِ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن (٤) ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا" (٥). السَّادس: قال أنس (٦) - في حديث الشفاعة-: "ويُحَرِّمُ الله صُوَرَهُم على النار، وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، أو (٧) إلى أنصاف ساقيه، فيُخْرِجون من عرفوا" (٨).

стр. 865

السَّابع: "أدنى أهل النار عذابًا رَجُلٌ يُجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ من نار، ويُحْذَى (١) نعلين من نار تغلي منهما (٢) أم دماغُه" (٣). ولعله أبو طالب عمُّه، فقد رُوي فيه مثلُ هذا. قال الأمام أبو بكر (٤): وهذه أحاديث النار الصحاح، وماذا يطلب العاقل لنفسه بعد عذاب النار، أن (٥) لو كانت قَدْرَ نار الدنيا، لقد ضلَّ عنها (٦) من يخترع زيادة وَعْدٍ أو (٧) وَعِيدٍ، وإنَّ بعض ما ذُكِرَ منها لشديدٌ. الثامن (٨): قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ﷺ : "إذا صار أهل الجنة في الجنة، وصار أهل النار في النار- وذَكَرَ حديثًا هو ذَبْحُ الموت-، ثم يقوم بينهم مؤذنٌ فيقول: يا أهل الجنة، خُلُودٌ لا موت، ويا أهل النار، خُلُودٌ لا موت، كُلٌّ خالدٌ فيما هو فيه" (٩).

стр. 866

قال الإمام أبو بكر (١) ﵁: فهذا أَوَّلُ الحديث وآخِرُه، فكلٌّ مُفَصَّلٌ متشابهٌ مُحْكَمٌ، وخَبَرٌ مُطَوَّلٌ، وهو الإشارة إلى تفسير قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ [آل عمران: ١٩١]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]. وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، حسبما أوضحناه في "أنوار الفَجْرِ". * * *

стр. 867

آخِرُ السِّفْرِ الأوَّل من كتاب "سراج المريدين في سبيل الدين" للإمام الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي ﵁، ضبط نصَّه وخرَّج أحاديثه ووثَّق نقوله وصنع فهارسه وترجم لأعلامه وقدَّم له الدكتور عبد الله بن عبد السَّلام بن عبد الله بن محمد بن التِّهامي المصمودي التَّوْرَاتي القَصْرِي، عفا الله عنه وعن آبائه، وذلك في شهر رمضان المعظَّم من عام ١٤٣٦ هـ، بتِطَّاوْن - حرسها الله تعالى - قاعدة شمال المغرب الأقصى، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيِّدنا محمَّد، وعلى أزواجه وذريته، وأصحابه المُعَدَّلِينَ، ومن تبعهم من الصَّالحين، والحمدُ لله رب العالمين.

стр. 868

استِطْرَادٌ: وهو البابُ الثَّاني من الكِتَابِ

стр. 869

وهذه المقامات للعِبَادِ فيها أسماءٌ وصفاتٌ، يتجلَّى (١) كلُّ واحد منهم فيها، ويتسمَّى باعتقاده وفِعْلِه، ويتحلَّى (٢) في نعوتها، كثيرٌ عددُها، بعيدٌ أمدُها، بها يَتَعَرَّفُ، وعليها يَحْكُمُ، وإلى مقتضاها يصيرُ (٣) آخِرًا، حسب ما تفسَّر في "المقامات". * * *

стр. 870

الاسمُ الأوَّل: العَالِمُ قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁: هذا أوَّلُ أسمائه وأَوْلَاهَا به، فإن الله خَلَقَه حَيًّا مُدْرِكًا، وأخرجه من بَطْنِ أُمِّه كما قال: "لا يعلم شيئًا"، ثم علَّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضلُ الله عليه عظيمًا. وقد أرادت المُلْحِدَةُ أن تجعل العِلْمَ معنًى مجهولًا أو خَفِيًّا، فسَأَلَتْ عنه سؤال الباحث عن حقيقته ليُغْمِضُوه، حتى إذا شكَّكُوا الخَلْقَ في العِلْمِ لم يَبْقَ لهم بعده ما يتعلُّقون به ولا ينظرون فيه، وسَاوَرَتْهُم (١) على ذلك القَدَرِيَّةُ لموافقتهم لهم في قَصْدِ إضلال الخَلْقِ والتَّلْبِيسِ على العباد، وساعدتهم طائفةُ علمائنا المتكلمين (٢)؛ على المجادلة في ذلك والتَّبْيِينِ له، فأدخلُوا الاسم في سُوقِ الخلاف، ومن أين يزول الإشكال إذا (٣) زَهَقُوا به عن درجات البيان (٤)؟ ولئن احتاج العِلْمُ إلى بَيَانٍ ودَلِيلٍ، وتطرَّقت إليه أَسْوِلَةٌ تَقْتَضِي أَجْوِبَةً؛ ليَذْهَبَنَّ الحقٌّ، وليُعْدَمَنَّ البيانُ، فلا تلتفتوا إلى

стр. 871

مقالتهم لِيتًا، ويَكْفِيكُم (١) في بيان العِلْمِ علمُكم بأنفسكم، ويكفيكم في شَرَفِه أمران: أحدُهما: أنه صفة الربِّ التي ينشأ عنها كلُّ فِعْلٍ. والثاني: أنه مُقَدِّمَةٌ لكل معنى دنيوي وأخروي، ومن خَلَا عنه هَلَكَ في أمور دُنياه ففاتنه وتَشَعَّبَتْ عليه، ومن فاتته في معاني آخِرَته كَفَرَ ولم يَعْلَمْ، وعصى ولم يَشْعُرْ. قال الفقراء: "ما عُصِيَ الله بأَعْظَمَ من الجَهْلِ، والجَهْلُ بالجَهْلِ أشدُّ من الجَهْلِ" (٢). وفى مثله أَتْقَنَ بعضُ حكماء النَّظْم فقال (٣): إذا لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ولَمْ تَكُ بالذِي … يُسَائِلُ مَنْ يَدْرِي فكَيْفَ إِذًا تَدْرِي ومن عَجَبِ الأَيَّامِ أنَّك لا تَدْرِي … وأنَّك لا تَدْرِي بأنَّك لا تَدْرِي جَهِلْتَ ولم تَعْلَمْ بأنَّك جَاهِلٌ … فكُنْ هَكَذَا أَرْضًا يَطَاكَ الذي يَدْرِي (٤) وقد خصَّ الله قَوْمًا بالعلم دون قَوْمِ، وأَمَرَ من لم يعلم أن يسأل من عَلِمَ، والعِلْمُ المطلوب هو المذكور في كتاب الله. وأصلُه: العِلْمُ بالله وصفاته، وسُنَّتِه وأَحْكَامِه وشَرَائِعِه، وهو مُبَيَّنٌ لكم في هذا الكتاب، مُقَدِّمَة لما بين يديه ومن خَلْفِه إن شاء الله.

стр. 872

الاسمُ الثاني: - العَاقِلُ اعلَمُوا- مَعْشَرَ المُرِيدِينَ- أنهم كما فَعَلُوا في العِلْمِ كذلك فَعَلُوا في العَقْلِ، وعَقَدُوا فيه وفي العِلْمِ عبارات يَكْثُرُ عددُها، وتتبَّعوها بالاعتراض، ونقَّحُوها بزعمهم ولقَّحُوها، فخَلَطُوها ولَطَّخُوها، وتَخطَّوْها وتَرَكُوها وراءهم، وهم يطلبونها أمامهم؛ جَهْلًا أو هَزْلًا (١). والعَقْل هو العِلْمُ بعينه لُغَةً (٢). وقد غَلِطَ فيه سِيبَوَيْهِ من النَّحْوِيَّةِ؛ والقاضي أَبُو بَكْرٍ من المُتَكَلِّمِينَ (٣).

стр. 873

فأمَّا سيبويه فلا لَعًا لعَثْرَتِه. وأمَّا القاضي فقد وَهِمَ شي أن ساعدهم وجَعَلَ العَقْلَ وَضْعًا اصطلاحِيًّا في غير الموضع العربي (١)، وليس يُحتاج إلى ذلك في تَعَلُّمِ الخبر، ولا في تَعَلُّمِ النظر، وقد جادلنا الدَّهْرَ كلَّه ورأينا المُجادلين وما احتجنا إلى شيء من ذلك. وأمَّا سيبويه فإنه اقتفى مع الخليل آثارَ الفلاسفة في اصطلاحهم (٢). وهذا الاصطلاحُ وإن كان القاضي قد احتاج إليه بزَعْمِه في الجدال، فسيبويه لا يَحْتَاجُ إليه في اللغة؛ فإن العربية لا تنبني على اصطلاح الفلاسفة، ولا يَجِدُ سيبويه ولا الخليلُ في العربية أبدًا فَرْقًا بين عَرَفْتُ زيدًا قائمًا، وعَلِمْتُ زيدًا قائمًا؛ في المعنى ولا في الإِعْرَابِ أبدًا. أمَا إن المعنى الذي قَصَدُوه (٣) صحيحٌ، وتَعْيِينُ العبارة له من اللغة باطلٌ قَطْعًا، وانتهاكٌ لحُرْمَةِ العربية، وخروجٌ عن سِيرَةِ السَّلَفِ. والعِلْمُ في لسان المُحَقِّقِينَ هو الخَشْيَةُ، وسترون صِفَتَه.

стр. 874

قال ابن مسعود: "ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو الخشية" (١). وسترون صفته؛ مُفرقَّة (٢) على الأسماء إن شاء الله. * * *

стр. 875

الاسمُ الثالث: الإنسانُ وهو الآدَمِيُّ، معلومٌ عَقْلًا، معلومٌ لُغَةً، معلومٌ شَرِيعَةً، فأدخلُوها في سَوْقِ الخلاف، ونَادَوا عليه في سُوقِ من يقول، ورتَّبُوا فيه أقوالًا؛ كلها اقتداءٌ بتلبيس (١) المُلحدة، حتى يَدْخُلَ الشكُّ على الناس في أنفسهم. فقد ذَكَرَ الأستاذ (٢) أبو المظفَّر (٣) شَاهْفورُ (٤) أن أعرابيًّا دخل مسجد البصرة، وسَمِعَ قومًا من المتكلمين يتجادلون في الإنسان، ويَنْتَحِلُ كلُّ واحد منهم قولًا غير الآخَر، ويَشْرَعُ بحُجَّةٍ على نِحْلَتِه، فقام عنهم وخرج على باب المسجد وهو يُنْشِدُ (٥):

стр. 876

إِنْ كُنْتُ أَدْرِي فعَلَيَّ بَدَنَهْ … مِنْ كَثْرَةِ التَّخْلِيطِ فِيَّ مَنْ أَنَهْ (١) وقد صنَّف القاضي أبو بَكْرٍ كتاب "الإنسان"، وكان في غِنًى عنه، وما لمن سَأَلَ عنه طِبٌّ إلَّا أَن يُغَلَّ في المَارِسْتَان، ويُعَانَى حتى يستريح أو يموت. قال الإمام الحافظ ﵁ (٢): وهذا كلُّه حِيَلٌ منهم، ودَوَرَانٌ حول الرُّوح، فإنهم رأوا الإنسان حيًّا إنسانًا بها، فإذا زَهَقَتْ عنه صار مَوَاتًا، فجعلها بعضُهم الإنسان، وطَفِقَ يَتَرَدَّدُ حولها، ويطلب تعليق الإِشْكَالِ بها، وليس يتعلَّق بها أبدًا، فإنَّ تلك محجوبةٌ تحت أستار الغَيْبِ، لا سَبِيلَ لأحد إلى معرفتها (٣). وكَشَفَ الله الحقيقة له كأنَّها العِيَانُ فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥]ـ وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] الآية.

стр. 877

فخاطب من يَفْهَمُ بما يُفْهَمُ، ولم يجعلوا فيه إِشْكَالًا، ولا افتعلوا فيه مقالًا، ولا رَدَّدُوه في الإِشْكَالِ احتيالًا واختبالًا، فلا يُوجِبُ لهم إلَّا سَلَاسِلَ (١) وأَغْلَالًا. وهذا الإنسانُ والآدَمِيُّ (٢) معلومٌ، تختلف عليه الأحكام، ويرتبط به الابتلاء والامتحان، فهو معلوم ضرورة. * * *

стр. 878

الاسم الرَّابعُ: المؤمن واسمَعُوا- مَعْشَرَ المُرِيدِينَ- وعُوا، ولا تنظروا إلى من يَزْوِي حاجبه، ويُقَطِّبُ عُرَّتَه، ويُسَوِّدُ غُرَّتَه؛ حتى تبلغوا آخِرَ كلامي، وتُحيطوا بمَرَامِي، فإنِّي على سيرة السَّلَفِ سَلَكْتُ، وبأقوالها نَطَقْتُ، والحَقَّ أَرَدْتُ، وعلى كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ عَوَّلْتُ، ومن العربية اقْتَنَصْتُ، وما خرج عن هذه المسالك يَجِبُ طَرْحُه. وهذا الاسم هو أوَّلُ الأسماء وأَوْلَاها. وقد قال الشيخ أبو الحسن- ومثله ذَكَرَ القاضي في بعض طُرُقِه-: "إن الإيمان هو العلم" (١). وقال في موضع آخر: "إنه التصديق" (٢). وهو الذي جَرَى في ألسنة المتكلمين من علمائنا، وقد ذكرنا فيه الدليل وتَتَبُّع الأقاويل في غير موضع، وبينَّاه مختصرًا وبسيطًا (٣). والذي نُلِيحُ (٤) لكم به الآن: أن بناء "أَفْعَلَ" يقال: بمعنى دَخَلَ في الفعل والزمان والمكان، يقال: أصاب الرجل وأخطأ، وأَتْهَمَ وأَنْجَدَ، وأَصَافَ وأَرْبَعَ، إذا دخل في ذلك وتلبَّس به، فمعنى آمَنَ: دَخَلَ في الأَمْنِ.

стр. 879

الاسم الخامس: المسلم ومعنى أَسْلَمَ: دخل في السَّلَامَةِ؛ بمِثْلِ ذلك بعَيْنِه في آمَنَ (١). وهذان اللفظان أخوان، يقتضيان معنًى واحدًا وإن اختلفا لَفْظًا، ولمَّا كان الدخول فيهما والتلبُّس بهما معقولًا غَيْرَ محسوس ومشروعًا؛ وضعه الله في الدِّينِ على معنيين: أحدهما: بالقول؛ والآخَر: بالفعل. وبهما جاء القرآن ووردت السنة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]

стр. 880

وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَات عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وذلك كثير؛ وقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال النبي ﷺ لوَفْدِ عبد القَيْسِ: "آمُرُكُمْ بأربع؛ الإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ثم فسَّرها؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُؤَدُّوا خُمُسَ ما غَنِمْتُم، وأنهاكم عن أَرْبَعٍ فذَكَرَ: الدُبَّاءَ، والنَّقِيرَ، والمُزَفَّتَ" (١). وقال ﷺ : "الإيمانُ بِضْعَةٌ وسبعون شعبة" (٢). وقال ﷺ : "بُنِيَ الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت" (٣).
следующие страницы →