← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

إِنْ كُنْتُ أَدْرِي فعَلَيَّ بَدَنَهْ … مِنْ كَثْرَةِ التَّخْلِيطِ فِيَّ مَنْ أَنَهْ (١) وقد صنَّف القاضي أبو بَكْرٍ كتاب "الإنسان"، وكان في غِنًى عنه، وما لمن سَأَلَ عنه طِبٌّ إلَّا أَن يُغَلَّ في المَارِسْتَان، ويُعَانَى حتى يستريح أو يموت. قال الإمام الحافظ ﵁ (٢): وهذا كلُّه حِيَلٌ منهم، ودَوَرَانٌ حول الرُّوح، فإنهم رأوا الإنسان حيًّا إنسانًا بها، فإذا زَهَقَتْ عنه صار مَوَاتًا، فجعلها بعضُهم الإنسان، وطَفِقَ يَتَرَدَّدُ حولها، ويطلب تعليق الإِشْكَالِ بها، وليس يتعلَّق بها أبدًا، فإنَّ تلك محجوبةٌ تحت أستار الغَيْبِ، لا سَبِيلَ لأحد إلى معرفتها (٣). وكَشَفَ الله الحقيقة له كأنَّها العِيَانُ فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥]ـ وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] الآية.

стр. 877

فخاطب من يَفْهَمُ بما يُفْهَمُ، ولم يجعلوا فيه إِشْكَالًا، ولا افتعلوا فيه مقالًا، ولا رَدَّدُوه في الإِشْكَالِ احتيالًا واختبالًا، فلا يُوجِبُ لهم إلَّا سَلَاسِلَ (١) وأَغْلَالًا. وهذا الإنسانُ والآدَمِيُّ (٢) معلومٌ، تختلف عليه الأحكام، ويرتبط به الابتلاء والامتحان، فهو معلوم ضرورة. * * *

стр. 878

الاسم الرَّابعُ: المؤمن واسمَعُوا- مَعْشَرَ المُرِيدِينَ- وعُوا، ولا تنظروا إلى من يَزْوِي حاجبه، ويُقَطِّبُ عُرَّتَه، ويُسَوِّدُ غُرَّتَه؛ حتى تبلغوا آخِرَ كلامي، وتُحيطوا بمَرَامِي، فإنِّي على سيرة السَّلَفِ سَلَكْتُ، وبأقوالها نَطَقْتُ، والحَقَّ أَرَدْتُ، وعلى كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ عَوَّلْتُ، ومن العربية اقْتَنَصْتُ، وما خرج عن هذه المسالك يَجِبُ طَرْحُه. وهذا الاسم هو أوَّلُ الأسماء وأَوْلَاها. وقد قال الشيخ أبو الحسن- ومثله ذَكَرَ القاضي في بعض طُرُقِه-: "إن الإيمان هو العلم" (١). وقال في موضع آخر: "إنه التصديق" (٢). وهو الذي جَرَى في ألسنة المتكلمين من علمائنا، وقد ذكرنا فيه الدليل وتَتَبُّع الأقاويل في غير موضع، وبينَّاه مختصرًا وبسيطًا (٣). والذي نُلِيحُ (٤) لكم به الآن: أن بناء "أَفْعَلَ" يقال: بمعنى دَخَلَ في الفعل والزمان والمكان، يقال: أصاب الرجل وأخطأ، وأَتْهَمَ وأَنْجَدَ، وأَصَافَ وأَرْبَعَ، إذا دخل في ذلك وتلبَّس به، فمعنى آمَنَ: دَخَلَ في الأَمْنِ.

стр. 879

الاسم الخامس: المسلم ومعنى أَسْلَمَ: دخل في السَّلَامَةِ؛ بمِثْلِ ذلك بعَيْنِه في آمَنَ (١). وهذان اللفظان أخوان، يقتضيان معنًى واحدًا وإن اختلفا لَفْظًا، ولمَّا كان الدخول فيهما والتلبُّس بهما معقولًا غَيْرَ محسوس ومشروعًا؛ وضعه الله في الدِّينِ على معنيين: أحدهما: بالقول؛ والآخَر: بالفعل. وبهما جاء القرآن ووردت السنة. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]

стр. 880

وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَات عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وذلك كثير؛ وقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال النبي ﷺ لوَفْدِ عبد القَيْسِ: "آمُرُكُمْ بأربع؛ الإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ثم فسَّرها؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُؤَدُّوا خُمُسَ ما غَنِمْتُم، وأنهاكم عن أَرْبَعٍ فذَكَرَ: الدُبَّاءَ، والنَّقِيرَ، والمُزَفَّتَ" (١). وقال ﷺ : "الإيمانُ بِضْعَةٌ وسبعون شعبة" (٢). وقال ﷺ : "بُنِيَ الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت" (٣).

стр. 881

وحديث جبريل- صحيح-؛ جاء يُعَلِّمُ الناس دينهم، فقال للنبي (١) ﷺ : "ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورُسُلِه، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: فما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢). والحديث الصحيح عن معاذ بن جبل قال: "كنتُ مع النبي ﷺ في سَفَرٍ، فأصبحتُ يومًا قريبًا منه ونحن نَسِيرُ، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال: لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليَسِيرٌ على من يسَّره الله عليه؛ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النَّارَ، وصلاه الرجل مِنْ جَوْفِ الليل (٣)، قال: ثم تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]، حتى بلغ: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ثم قال: ألا أُخبرك برَأْسِ الأمر وعَمُودِه وذُرْوَةِ سَنَامِه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذُروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بمِلَاكِ ذلك كله؟ قلت: بلى، يا رسول الله، فأَخَذَ بلسانه وقال: كُفَّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به،

стр. 882

فقال: ثَكِلَتْكَ أمُّك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم إلَّا حَصَائِدُ ألسنتهم" (١). قال الإمام الحافظ أبو بكر ﵁ (٢): فهذه الأحاديثُ أُصُولٌ تنبئك بفصلين: أحدهما: أن الإسلام والإيمان شيءٌ واحدٌ؛ والثاني: أن الأَمْنَ والسلامة يكونان به. وللأمن والسلامة مرتبتان: إحداهما: في الدنيا. والأخرى: في الآخرة. فأمَّا مرتبة الدنيا فقسمان: أحدهما: الأَمْنُ والسلامة من إباحة المال والذات. والثانية: الأمن من الضَّرْبِ والهَوَانِ. فأمَّا الأَمْنُ من الإباحة فقد قال النبي ﷺ : "أُمِرْتُ- أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بما جئت به، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحَقِّها، وحسابُهم على الله" (٣).

стр. 883

وفي رواية: "من وَحَّدَ الله وكَفَرَ بما يُعبد من دون الله؛ حرَّم (١) الله ماله ودمه، وحسابُه على الله" (٢). وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ وصَلَّوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا؛ فقد حَرُمَتْ علينا دماؤهم وأموالهم، إلَّا بحقها، وحسابُهم على الله" (٣). وفي رواية- في حديث أنس هذا-: "فمن (٤) صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلَتَنا، وذَبَحَ ذبيحتنا؛ فهو المسلم، لَهُ ما للمسلمين، وعليه ما عليهم" (٥). وسُئِلَ النبي ﷺ : "أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله" (٦)، وذكر الحديث.

стр. 884

وقال رجل للنبي ﷺ : "أي الإسلام خير؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفتَ ومن لم تعرف" (١). وقال ﷺ : "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (٢). وقال ﷺ : "الإيمان بِضْعٌ وستون- أو سبعون شعبة-، والحياء شعبةٌ من الإيمان" (٣). وقال سفيان بن عبد الله الثقفي: "قل لي يا رسول الله في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: قُلْ: آمنت بالله، ثم استقم" (٤). نكتة إسلامية: وبهذا نرجو أن نكون من أهل دار السَّلام، ومن كان في رَيْبٍ لم يَأْمَنْ ولا رأى الدَّارَ، ومن كان في رِقِّ مخلوق- حيوانًا كان أو جمادًا- لم يَجِدِ السَّلَامَةَ، وإنما يجد السلامة من لم يكن إلَّا في رِقِّ الله الذي هو المولى حقيقةً، فإذا سَلِمَ اليوم لسانُه من الغِيبَةِ، وجَنَانُه من الخُبْثَةِ، وسرائرُه من الرِّيبَةِ، وجوارحُه من الزَّلَّةِ، وعقائدُه من الغفلة، ومعاملتُه من الشُّبْهَةِ، وأعمالُه من الرِّيَاءِ والمصانعة، وأحوالُه من الملاحظة؛ كان من أهل تلك الدار.

стр. 885

وإنما شَرُفَتْ دار السَّلام لأنها مَحَلُّ الكرامة، واختصاصها (١) بالزُّلْفَةِ، والأقطارُ كلُّها ديارٌ، ولَكِنْ فِيمَةُ الدَّارِ إنَّما هي بقَدْرِ الجار، كما قال القائل (٢): إنِّي لأَحْسُدُ جارَكم بجِوَارِكُمْ … طُوبَى لمن أَضْحَى لَكُمْ جارَا يا ليت جارَك باعَنِي من دَارِهِ … شِبْرًا فاُعطيَه بِشِبْرٍ دَارَا وليس القُرْبُ هاهنا بالمسافة، وإنما هي المرتبة والمنزلة، وقُرْبُ الثواب والتكرمة، لأن حقيقة الإله مُقَدَّسَةٌ عن التداني بالأقطار والجهات، والتجاور بالذوات، وإنَّما دُنُوُّهُم بأنه وَلِيُّهم، وهذا شَرَفٌ لا يُدَانَى، ومنزلة لا تُدْرَكُ بالهُوَيْنَى، ولا تُنال بالمُنَى، وإنَّما هي هِبَةُ المَوْلَى. وأمَّا مرتبة الآخرة فالفوز بالنعيم، والنجاة من العذاب الأليم. فأمَّا الفوز بالنعيم فباجتناب الشرك، قال النبي ﷺ : "من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أَمَتِه، وكلمُته أَلْقَاهَا إلى مريم، ورُوحٌ منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" (٣).

стр. 886

وقد تقدَّمت الأحاديث بسلامة أهل التوحيد من الخلود. وأمَّا العِصْمَةُ من العذاب فباجتناب الذنوب؛ فإِنْ وَاقَعَ الذنوب فأمرُه إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأخبار في ذلك قد تقدَّم أكثَرُها، وبيَّنَّا أصولها في المقام الثالث. تحقيق: قد تبيَّن لكم من الآيات والآثار الصحيحة أنَّ الإيمانَ والإسلامَ جُمْلَةُ أَعْمَالٍ في القلوب والأبدان، وتَوَضَّحَ (١) جريانُهما (٢) على معانيهما (٣) في العربية؛ من الأمان والسلامة حقيقةً، وإنَّما عُبِّرَ بهما عن العِلْمِ لما يكون من ابتنائهما عليه، فلمَّا كان مُقَدِّمَةً لهما سُمِّيَا به، وهذا أَحَدُ رُكْنَي المجاز على ما بينَّاه في "كُتُبِ الأصول"، ويأتي إيضاحُه مخصوصًا هَاهُنَا الآن إن شاء الله. ولم يَبْقَ بعد بيان الله له في كتابه وعلى لسان رسوله؛ تمثيلًا لشجرة، وتجزئةً بسبعين جُزْءًا؛ مَوْضِعٌ للإشكال فيه، ولكثرة ما ذَكَرَه كذلك دلَّ على أنه حقيقة، والمجازُ تَسْمِيَتُه تَصْدِيقًا، وإنَّما فرَّ علماؤنا من تسمية الأعمال إبمانًا لإِلْحَاحِ المبتدعة عليهم بأن العاصي مُخَلَّدٌ في النار، ولو كان العصيان في أعمال الإيمان كُفْرًا لأَوْجَبَتْ التخليد، فأرادوا قَطْعَهم من

стр. 887

الأصل بما ليس بأَصْلٍ، والمسألة صحيحةٌ لنا، مع أن الأعمال كلَّها إيمانٌ، كما بيَّنَّاه في "كتب الأصول" (١). قال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦ - ٢٨] (٢). ثَبَتَ عن النبي ﷺ : "أنهما النخلة والحنظل" (٣)، فمثَّل الله في هذه الآية سَبْعًا بسَبْعٍ؛ شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلها كل حين (٤). فالشجرة: مَثَلٌ للإيمان. أصلُها: التوحيد. ثبوتُه: استقرارُه في القلب، حتى لا تُزَعْزِعَه رِيَاحُ الشَّكِّ (٥)، ولا ترْحَضَه عوارضُ الخواطر. وفرعُها: العمل. وسماؤها: عُلُوُّ العمل وظهوره. وأُكلها- بضم الهمزة-: حلاوة الطاعة.

стр. 888

والحِينُ: الحِينُ بعينه. والأوراق: الأخلاق الجميلة في الأغصان؛ وهي شُعَبُ الإيمان وفروعُه. وثمارُها: حلاوةُ الطاعة (١). ثم الثمار تختلف في الطُّعْمِ، والنَّفْعِ والضُّرِّ، والرائحة، واللون، والصورة، كذلك الطاعات. وقيل: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾: أن ثمرات الدنيا لا تنقطع، إن عُدِمَ نَوْعٌ كان آخر، فالنعيم متصلٌ بها على البدل، وثمرات الجنة (٢) لا مقطوعة ولا ممنوعة على الانفراد. وهذه الشجرة لها أصل ثابت في أرض زَكِيَّةٍ، وهي (٣) القلب، هي له مَثَلٌ، كما أن أَرْضَ شَجَرَةِ الخَبِيثِ خَبِيثَةٌ، ثم كل شجرة لها ماء، والماء لهذه الشجرة الطيبة دَوَامُ التوفيق، ومن ثمراتها التوكل والتفويض والتسليم، والمحبة والرضا، والأحوال الصافية، والأخلاق الرَّضِيَّةُ العالية. تَبْيِينٌ: ولا يخلو العبد أن يكون جاهلًا بربه غافلًا عن فَرْضِه، ويتمادى (٤) ذلك به فيكون هالكًا، أو في سبيل الهلاك سائرًا، حتى إذا عرف ربَّه

стр. 889

وانتهى إليه أمرُه ونهيُه، وعَلِمَ من خَبَرِه له بذلك وابتلائه به، أنه إِن أطاعه نَجَا، وإِن عصاه هَلَكَ، وقد بيَّن له النَّجْدَيْنِ؛ النَّجْدَ المُفْضِي إلى الفوز والسلامة والأمان، والنَّجْدَ المُوَرِّطَ في الهَلَكَةِ، فيقتضي له النظر في نفسه الاستعدادَ لما يجد في آخِرَته، وأوَّلها حلولُه في رَمْسِه، ألا تَرَوْنَ أنه إذا سَلَكَ في الدنيا طريقًا يُفضي به إلى مطلوب استعدَّ للطريق، واستعدَّ لما يُنفق ويُصلح بالموضع الذي يقصده، واستعدَّ الوُسْعَ فيما يُنفقه (١) فيه ويَعْضُدُه، فإن لم يفعل شيئًا من ذلك كان زاهقًا عن درجة النظر ومرتبة العقل والعلم التي زعم أنه فيها، وزال عن سَبِيلِ التصديق والحَوْطَةِ على نفسه خَوْفَ الهَلَكَةِ التي يعلمها، ولا يخلو تَرْكُه لذلك من أربعة أقسام: القسم الأوَّل: أن يشك في أنه سائر، ويعتقد أنه مقيم، وهذا ما لا يخطر ببال أحد له سُوسٌ (٢)، ولا ممَّن هو داخل في حَدِّ التمييز. الثاني: أن يشك أنه وارد على شيء، وهؤلاء هم الذين يعتقدون أن الموت عَدَمٌ مَحْضٌ، وللكلام معهم موضع. الثالث: أن يشك في حال ذلك المقام وما فيه من أحوال وأحكام، وهذا كافر مُخَلَّدٌ في النار؛ لما تقدم من الآيات والأحاديث والإجماع. الرابع: أن يعلم ذلك على صِفَتِه، ويتحقَّقه بتفصيله وجُمْلَتِه، من جهة خَبَرِ الصادق به (٣)، ولكنه أَقْدَمَ عليه مع عِلْمِه به.

стр. 890

ويُقال للذي يعتقد أن الموت عَدَمٌ مَحْضٌ: ألم تر إلى الدنيا وما فيها من تفاوت الأحوال والمنازل، والغنى والفقر، والحرية والرق، والنعمة والبؤس، على غير نظام صالح في الظاهر لنا؟ فلو كانت الدنيا بهذه الصفة هي المقصَد وعليها الموقف، وليس وراءها مَوْرِدٌ لكان عبثًا ولَعِبًا، وقد تنزَّه الله عن ذلك وتقدَّس، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٦] وقال ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ولو شاء الله لجعل الدار واحدةً، والحال واحدةً، ولكنه فضَّلها (١) بقُدرته، وقسَّمها بحِكْمته. وأمَّا إن شَكَّ في كيفية ذلك المقام؛ فالدليل الذي يُثبت وجوده يُثبت كيفيته، وقد أخبر الله عن الآخرة وأحوالها بأسماء الدنيا وصفاتها، فهي مِثْلُها لوجوب الصِّدْقِ في خَبَرِه، إلَّا أن ما في الآخرة يَفُوتُها بالزيادة عليها في العِظَمِ والقَدْرِ، والبقاء والدوام، وعَدَمِ الآفات، ومَزِيدِ الحُسْنِ في الصفات. وأمَّا إن علم ذلك كلَّه وَعْدًا ووعيدًا، وفوزًا وهلاكًا، وأقدم على المخالفة، ولكنه قال: أرجو التوبة؛ فهو مغرور (٢)، لأنه لا يعلم هل يدركها. وأمَّا إن قال: أُقْدِمُ عليها، وأُؤثر شهوة الدنيا على نعيم الآخرة، وأرضى بالعاجل بدلًا من الآجل، فإني أقول له (٣): إنه غير مُوقِنٍ بالآخرة (٤)

стр. 891

بحال؛ وذلك أن الخاطر الذي يُوقعه في المعصية مع علمه بأنها مَهْلَكَةٌ بمنزلة الرجل يُقْدِمُ على وَطْءِ الأجنبية وإن قُتِلَ، كأنه يرضى بالوصول إلى أَمَلِه وإن أدَّى إلى تَلَفِ نفسه، وهذا لأنه عذابُ لحظة، فيمكن أن يُقَابَلَ بلذة لحظة، كأنه مقابلة مِثْلٍ بمِثْلٍ؛ في القَدْرِ والزمان، لا في الصفة والمقدار. وأمَّا المؤمنون بالحقيقة فمثالُ المعصية إذا عَرَضَتْ لهم كرَجُلٍ قُدِّمَ له طعامٌ شَهِيٍّ تَحَقَّقَ أنه مسمومٌ، وأنه وَحِيٌّ (١) لا يُمْهِلُه؛ فإنه لا يُقْدِمُ عليه، فإن أَخَذَه الجُوعُ وغَلَبَه لم يُقْدِمْ أيضًا عليه؛ لأنه يقول: مَوْتٌ بمَوْتٍ من غير يَدِي أولى بي، ولو تحقَّق أنه سُمٌّ يُدِيمُ أَلَمَه، ويُهْرِي لَحْمَه، ويَشُدُّ وَجَعَه؛ ربَّما يَحْمِلُه سوءُ الاختيار على أن يُؤْثِرَ حياةَ شَهْرٍ مُتَمَلْمِلًا مُتَوَجِّعًا مُتْبَلًا (٢) على الموت الآن، وذلك لمَغِيبِ الألم عنه الآن، وأن الجوع متحقق، والألم متوقع، وإذا عرف أنها شهوة مُسْتَغْنًى عنها، وعلم أنها مُوقِعَةٌ في العذاب الدائم؛ لم يُقْدِمْ عليها بحال إلَّا مع الاِسْتِرَابَةِ بأن ذلك الطعام مهْلِكٌ، والشكِّ في أن ذلك الفعل مُعْطِبٌ، أو مع الذهول عن هذه الخواطر كُلِّها بغلبة الشهوة، وإلى هذه الأحوال كلها يَرْجِعُ قول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذات شرف يَرْفَعٌ الناسُ إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" (٣)،

стр. 892

والتوبة بعد ذلك معروضة (١)، فجمع له بين الحُكْمِ بالإيمان، وعيَّن له التوبة من ذلك الفعل. وقال النبي ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله" (٢)، وفي رواية أبي ذر: "أتاني جبريل فبشَّرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق- ثلاثًا -؟ ثم قال في الرابعة: على رَغْمِ أنف أبي ذر، فخرج أبو ذر وهو يقول: على رغم أنف أبي ذر، كما قال رسول الله ﷺ " (٣). ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا زنى العبدُ خرج من الإيمان وكان فوق رأسه كالظُّلَّةِ، فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه" (٤)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ورَوَى عُبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته، ألقاها إلى مريم ورُوحٌ منه؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" (٥).

стр. 893

وقد عَبَّرَ عن بعض هذه الجُمْلَةِ ابنُ مسعود فقال: "لن يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذُرْوَتِه، ولا يحل بذُرْوَتِه حى يكون الفقرُ أحبَّ إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامدُه وذامُّه من الناس سواء" (١). وفسَّرها أصحابه فقالوا: معناه: "حتى يكون الفقرُ في الحلال أحبَّ إليه من الغنى في الحرام، والتواضعُ في طاعة الله أحبَّ إليه من الشَّرَفِ في معصيته (٢)، وحتى يكون حامدُه وذامُّه في الحق سواء" (٣). قال الإمام الحافظ أبو بكر (٤) ﵁: وذلك في الذي يَأْتِي هذه المعاني جاهلًا، راكبًا شهوتَه غير مُرْتَابٍ، على ما بينَّاه من المراتب. ولمَّا كان طَلَبُ الإيمان بالوجه الذي يُطْلَبُ به من الشهادة والأعمال كان ذلك مَبْنِيًّا على تصديق المُخْبِرِ، فبذلك سُمِّيَ تصديقًا. ولمَّا كان تارةً يَصْدُرُ عن تقليد، وتارةً بصدر عن دليل، قال في الصادر عن الدليل: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أَمِنَه الناسُ على دمائهم وأموالهم" (٥).

стр. 894

وقال: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١). وقال في الصادر عن التقليد ما جاء في حَدِيثٍ عن سَعْدٍ: أن النبي ﷺ أعطى رَهْطًا وترك رَجُلًا، فقال له سعد: "يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال النبي: أو مسلمًا، وكرَّره مرارًا" (٢). معناه: لعله أسلم في الظاهر، أي: استسلم، أي: طلب ذلك في الظاهر، ولم يعتقده في الباطن. ومنه قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فحكم على بواطنهم بما أَعْلَمَهُ به الظاهرُ الباطنُ. فإن كان عن دليل وعن اعتقادٍ جَزْمٍ دَلَّ على بَاطِنِه ظاهرُ أَفْعَالِه. [نكتة بديعة]: وهاهُنَا نكتة بديعة؛ وذلك أنه دخل هذا التقسيم من استواء الظاهر والباطن في الإسلام، وجاء الإيمان مطلقًا غير مختلف، وذلك؛ لأن المؤمن صِفَةٌ من صفات الله، فصِينَتْ عن الاحتمال والإشكال، والمسلم لمَّا لم يكن من صفاته تَطَرَّقَ إليه (٣) الاحتمال لفظًا ومعنًى.

стр. 895

قال الإمام الحافظ (١): فإذا عَلِمْتُم معنى الإيمان والإسلام ومواردهما وفوائدهما فقد تبيَّن لكم أنهما يرجعان في الأصل إلى العِلْمِ، ولذلك قال الشيخ في الإيمان: "هو العلم بالله" (٢). وهو الذي فُرِضَ على النبي ﷺ قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقيل له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١١]. وهذا (٣) المفروض على الأمة، وهو العِلْمُ بالله وصفاته وأفعاله على الجُمْلَةِ والتفصيل، ويَكْفِي من ذلك ما بينَّاه في "العَقْدِ المُتَوَسِّطِ" (٤)، وهو الدِّينُ الذي أخبر الله عنه بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. * * *

стр. 896

[الدَّيِّنُ (١)]: وهو الاسمُ السَّادس قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢]. و ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٢٩]. ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ﴾ [التوبة: ٢٩]. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣]. وقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. وقال: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]. وقال: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. وقال: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]

стр. 897

وقال ذو الإِصْبَع العُدْوَانِي (١): لاهِ ابنَ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ … عنِّي ولا أنت ديَّاني فتَخْزُوني (٢) وقال آخَرُ (٣): تقولُ وقد دَرَأْتُ لها وَضِينِي: … أهذا دينُه أبدًا ودِينِي أطُولَ الدَّهْرِ حَلٌّ وارتحالٌ … أمَّا تُبْقِي عَلَيَّ ولا تَقِينِي وقال آخَر (٤): كدِينِك من أُمِّ الحُوَيْرِثِ قبلها … وجارَتِها أُمِّ الرَّبَابِ بمَأْسَلِ أي: هذا جزاؤك من هذه، كجزائك من التي قبلها؛ على بَذْلِكَ الحُبَّ لهنَّ، واستفراغ قلبك في هَوَاهُنَّ. وتصريفه: دَانَ يَدِينُ دِينًا (٥). وقد جاء الاسم والفعل في بيت واحد، وهو: يا دِينَ قَلِبْكَ من سَلْمَى وقد دِينَا (٦)

стр. 898

فهو (١): مَصْدَرٌ سُمِّيَ به الاعتقادُ والعملُ المقتضيان للجزاء من الله سبحانه. والشريعةُ كلُّها دِينٌ. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، لأنَّ جميعها يُجَازِي الله عليه. وديَّان هو فعَّالٌ من الدِّينِ؛ بناءٌ للكثير: الجزاء، يقالُ لمن يلتزم شعائر الشريعة كلها امتثالًا وزَجْرًا. قال النبي ﷺ : "الدين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ هذا الدين أَحَدٌ إلَّا غَلَبَه" (٢). قال الإمام أبو بكر (٣) ﵁: وهذا المعنى خَفِيَ على قَوْمِ، وحقيقة معناه: أنه من أراد أن يَسْتَوْفِيَ فضائل الشريعة كلَّها لم يَقْدِرْ على ذلك بَشَرٌ؛ لأنه خارجٌ عن طُوقِهم، وإنما يؤخذ من فضائله ما تَيَسَّرَ، فمن تَعَرَّضَ لاستيفائه بل لاستيفاء نَوْعٍ منها غَلَبَهُ الدِّينُ، فأما استيفاءُ الفرائض امتثالًا واجتنابًا فإنه مُمْكِنٌ لكلِّ أَحَدٍ. وقد مَرَّ النبي ﷺ على (٤) الحَوْلَاءَ بنت تُوَيْتِ؛ وقد علَّقت حَبْلًا في

стр. 899

المسجد وهي تتعلَّق به إذا ضَعُفَتْ عن القيام في الصلاة، فقال: "اكلَفُوا من العمل ما تُطيقُون، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا" (١). وغاية ما يتعاطاه الآدمي أن يكون مستغرق الأوقات في الطاعات، وذلك ما لا يقدر عليه بَشَرٌ، إنَّما المستطاع أن يَعْمُرَ بالكَفِّ عن المحظور والمكروه، وأمَّا أن يفعل كل طاعة فبَعِيدٌ (٢) عن الخلْقِ عَسِيرٌ عليهم (٣). لقد رُوي عن بعضهم: "أنه كان يصلي كل يوم ألف ركعة" (٤). وروي عن (٥) بعضهم: "أنه كان يُسَبِّحُ الله كلَّ يَوْمٍ مائة ألف تسبيحه، إلَّا أن تخطئ الأصابع" (٦). وروى أَحْمَدُ عن أبي هريرة: "أنه كان له خيط فيه أَلْفَا (٧) عُقْدَةٍ، وكان لا ينام حتى يُسَبِّحَ به" (٨).

стр. 900

وكان كُرْزٌ (١) يختم كل يوم ثلاث مرات (٢)، وله عُودٌ في المحراب يعتمد عليه إذا نَعَسَ (٣). وكان عطاء بن السائب يختم القرآن في كل ليلتين (٤). وهذا أَمْرٌ رَوَيْنَاهُ وما رَأَيْنَاهُ، ولو حَاوَلْنَاهُ ما اسْتَطَعْنَاهُ، ولعلَّ الله يؤيد أولياءَه على طاعته، ولكنَّ الذي يُغَبِّرُ (٥) في وَجْهِ هذه الأقوال أن أَحَدًا من الصحابة لم يكن على هذه الحال، وإنَّما هذه رَهْبَانِيَّةٌ حَدَثَتْ، وسنزيد ذلك بيانًا في مَوْضِعِه إن شاء الله. تَنْبِيهٌ على وَهْمٍ: وقد ذَكَرَ بَعْضُهم أن الديَّان من أسماء الله، وليس كذلك، وهو سبحانه يُجازي العباد بأعمالهم، ولا يُشْتَقُّ له من أفعاله أسماء، وإنَّما هو يُسَمَّى ويُوصَفُ بما ورد من نُعُوتِه العظيمة وصفاته الكريمة، أما إنه يُخْبَرُ عنه (٦) به في أثناء الدليل وعلى رَسْمِ التَّعْرِيفِ، فإذا كان في الدعاء والابتهال وَقَفَ على مَوْرِدِ الشرع في الصفات والأسماء (٧).

стр. 901

وقد روى أحمد بن حنبل عن عمر قال: "وَيْلٌ لدَيَّانِ الأرض من ديَّان السماء يوم يلقونه، إلَّا من حَكَمَ بالعَدْلِ وقَضَى بالحَقِّ، ولم يَقْضِ لقرابة ولا لِهَوًى، ولا لرغبة ولا لرهبة (١)، وجَعَلَ كتاب الله مرآةً بين عينيه" (٢). وقال أبو الدرداء: "البِرُّ لا يبلى، والإثم لا يُنسى، والديَّان لا ينام، فكُنْ كما شئت، كما تَدِينُ تُدَان" (٣). تكملة: وقد عَبَّرَ [ ﷺ ] عن الدين بمُعْظَمِه فقال (٤): "الدين النصيحة، لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامَّتهم" (٥)، وهو حديث حَسَنٌ. فَضَائِلُ العِلْمِ وما يَرْتَبِطُ به من العَقْلِ والإِسْلَامِ والإيمان والدِّينِ: وقد انتدب قَوْمٌ للعلم فأطنبوا في أوصافه وفرائضه وفضائله. فأمَّا أوصافه فقد تقدَّمت الإشارة إليها (٦) بما تقتضيه هذه الرسالة من الاختصار. وأمَّا الفضائل فقد أكثر الخلق في ذلك وأَطْنَبُوا، وصَعَدُوا واسْتَفَلُوا (٧)، وعليهم في ذلك ما احْتَمَلُوا، وهم مُطالَبون بالقيام بما حُمِّلُوا،

стр. 902

وليس في هذا الباب أَثَرٌ يُلْتَفَتُ إليه، ولا يُعَوَّلُ عليه، فلا تَشْغَلُوا بأحاديثه (١) بالًا، ولا تَسْطُرُوا بذِكْرِه (٢) مَقَالًا، فإن فَضْلَ هذه الصفات أَعْظَمُ مِنْ أَن تظهر، والذي صحَّ عن النبي ﷺ فيه عَشَرَةُ (٣) أحاديث (٤): الأوَّل: قوله ﷺ : "منْ يُرِدِ الله به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" (٥). [الثاني]: وقوله (٦) ﷺ : "مَثَلُ ما بَعَثَنِي الله به من الهُدَى والعِلْمِ كمثل الغَيْثِ الكثير أصاب أرضًا؛ فكانت منها طائفة طيبة قَبِلَتِ الماء فأنبتت الكَلَأَ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها (٧) طائفةٌ (٨) إِخَاذَاتٍ (٩) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشَرِبُوا وسقوا وزَرَعُوا، وأصاب منها طائفةٌ أخرى، إنما هي قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ ماءً، ولا تنبت كَلَأً، فذلك مَثَلُ من فَقُهَ في دين الله ونَفَعَه الله بما بَعَثَنِي به، فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ من لم يَرْفَعْ بذلك رأسًا ولم يَقْبَلْ هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ به" (١٠).

стр. 903

قال الإمام الحافظ (١) ﵁: فضَرَبَ النبي ﷺ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ لثلاثة أَحْوَالٍ، فسَّر منها الأوَّل والثاني، وتَرَكَ الثالث، وهي: الإخاذات (٢) التي تُمْسِكُ الماء ولا تُنْبِتُ الكلأ (٣)، وهو الذي يَحْفَظُ العلم ولا يَفْقَهُه ولا يَعْلَمُه، ولكنه قد بَيَّنَه في حديث آخر صَحَّ من غير الصحيح. [الثالث]: قال النبي ﷺ : "نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها كما سَمِعَها، فرُبَّ حامل فِقْهٍ غير فقيه، وربَّ حامل فِقْهٍ إلى من هو أَفْقَهُ منه" (٤). [الرابع]: وقال ﷺ : "لا حسد إلَّا في اثنتين،؛ رَجُلٌ آتاه الله مالًا فسَلَّطَه على هَلَكَتِه في الحق، ورجلٌ آتاه الله حِكْمَةً فيقضي بها ويُعَلِّمُها" (٥). [الخامس]: وقال ﷺ (٦): "إذا مات المَرْءُ انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صَدَقَةٍ جارية، أو عِلْمٍ يُنتفع به (٧)، أو وَلَدٍ صالح يدعو له" (٨).

стр. 904

قال الإمام الحافظ ﵁: وهُمْ سِتَّةٌ، هؤلاء الثلاثة (١). وقال النبي ﷺ : "ما من مسلم يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا فيأكلُ منه إنسانٌ أو بهيمةٌ إلَّا كان له حسنات إلى يوم القيامة" (٢). وقال ﷺ (٣): "من سنَّ سنة حسنة في الإسلام كان له أجرُها وأَجْرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ سُنَّةً سيئة في الإسلام كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أَوْزَرِاهم شَيْئًا" (٤). وقال النبي ﷺ : "كلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عمله إلَّا الذي مات مُرَابِطًا في سبيل الله؛ فإنه يُنْمَى له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمنُ فِتْنَةَ القَبْرِ، والمجاهدُ من جاهد نفسه" (٥)، صَحِيحٌ. [السَّادس]: وقال- أيضًا- ﷺ : "الناسُ معادن؛ خِيَارُهم في الجاهلية خِيَارُهم في الإسلام إذا فَقِهُوا" (٦).

стр. 905

[السَّابع]: وقال ﷺ : "ما اجتمع قَوْمٌ في مسجد من مساجد الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلَّا نزلت عليهم السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَأَ به عملُه لم يُسْرِعْ به نسبُه" (١). [الثامن]: وقال ﷺ (٢): "من سَلَكَ طريقًا يلتمس فيه عِلْمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنَّة" (٣). [كتابُ العقل لداود بن المحبَّر]: وأمَّا العَقْلُ فليس فيه حَدِيثٌ صَحِيحٌ ولا حَسَنٌ، وقد قرأنا ببغداد "كتابَ العَقْلِ" (٤) لداود بن المُحَبَّر (٥)، جُزْءًا على القاضي أبي المُطَهَّر

стр. 906

سعد بن عبد الله بن أبي الرجاء الأصفهاني، وكُلُّه أو أكثرُه آثارٌ عن النبي ﷺ ليس لها أَصْلٌ، أَمْثَلُها- ولا مَثِيلَ فيها- حَدِيثٌ: "قيل له: أَقْبِلْ فأَقْبَلَ، وأَدْبِرْ فأَدْبَرَ" (١)، وهذا الجزء هو الذي أَخَلَّ بدَاوُدَ فحَطَّ مَرْتَبَتَه؛ فلم يُرْوَ عنه (٢)، وأَخُوهُ بَدَلٌ (٣) تَرَكَه، فخرَّج عنه البُخاري وغيرُه، فكانَا (٤) كمَا قيل في المثل مَقْلُوبًا: دَاوُدُ مَحْمُودٌ وأنت مُذَمَّمٌ … عَجَبًا لذاك وأنتُما من عُودِ فلرُبَّ عُودٍ قَدْ يُشَقُّ لمَسْجِدٍ … نِصْفًا وسائرُه لحُشِّ يَهُودِ (٥)

стр. 907

[المفاضلةُ بين الأيمان والإسلام]: وأمُّا الإيمان والإسلام فأمرُهما عظيم، وشأنُهما كبير، وقد وردت أحاديثُ يسيرةٌ في تفصيل التفضيل (١) فيهما (٢)، فأمَّا ذواتُهما (٣) فأفضل من أن تُفَضَّلَ. قال عبد الله بن مسعود: "والذي لا إله غيره (٤)، ما يَضُرُّ عَبْدًا يُصْبِحُ على الإسلام ويُمْسِي ما أصابه في (٥) الدنيا" (٦). وقد روى (٧) بعضهم عن النبي ﷺ : أنه قيل له: "أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله وجهادٌ في سبيله"، وسئل: "أي الإسلام خير؟ قال: أن تُطْعِمَ الطعام"، كما تقدَّم فيهما (٨). وسئل النبي ﷺ : "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خَلَقَكَ" (٩)، الحديث.

стр. 908

وأمَّا الدِّينُ: فالمِلَّةُ؛ مشهورةُ الفَضائل (١). تَنْبِيهٌ على وَهْمٍ: [طلب العلم فريضة] رَوى قَوْمٌ عن النبي ﷺ : "طلبُ العلم فريضة" (٢). وقال فيه بعضهم: "فريضة بعد الفريضة" (٣). والأوَّل: صحيح المعنى، باطل السند. والثاني: باطل الوجهين. وكلُّ حِكْمَةٍ صحَّ معناها دِينًا لم يَحِلَّ أن تُنسب إلى النبي. والثاني: فاسدُ المعنى لا يَصِحُّ أن يضاف إليه (٤). قال يحيى بن معين: "من لم يَكُن له فَهْمٌ بالحديث؛ يَعْرِفُ صَحِيحَه من سَقِيمِه قبل أن ينظر في طريقه، فلا ينبغي له أن يشتغل بطلبه".

стр. 909

ولم يَقْنَع البائسون بحديث موسى في رحلته إلى الخَضِرِ يَطْلُبُ العِلْمَ حتى اختلقُوا ما لا معنى له، إلى أحاديث لا حصر لها ولا أصل. [الوصاةُ بالأحاديث الصحيحة]: فاقبضوا على ما في كَفِّ الإسلام منها، واضبطوا عليه بها، فياليتكم حصَّلتموه عُمْرَكُم، وما أُرَاكُمْ فاعلين ولا لها، ولو فعلتم مُطِيقِينَ إلَّا بتوفيق رَبِّ العالمين (١) وفضله ورحمته، واعتمِدوا من أحاديث (٢) الكَفِّ على ما صحَّ وثَبَتَ، ففيها ضَعِيفٌ كثير، ولا تكونوا كمن أحرز (٣) ناقةً أو شاةً من هَجْمَةٍ (٤) أو قَطِيعِ فترك الكَوْمَاءَ (٥) والرُّبَّى (٦)، وعَمَدَ إلى المريضة والهزيلة، بل قد تركتم هذا كله وعمدتم إلى الميتة، وتركتم السمين والهزيل، وجعلتم تأكلون الميتة وتُطْعِمُونها سواكم، فياليت شعري ما حُجَّتُكم عند ربكم؟ وقد أخبرني (٧) بدمشق الشيخ الحافظ (٨) أبو محمد هِبَةُ الله بن أحمد

стр. 910

الأَكْفَانِي (١): نا أبو محمد (٢) عبد العزيز الكَتَّاني الحافظ قال: نا (٣) أبو الحُسَين (٤) عبد الوهاب (٥) الميداني (٦): نا (٧) أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد (٨) السُّلَمِي قال: نا (٩) أبو بكر [القاسم (١٠)] العصَّار (١١): أنا إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجَانِي (١٢): (بأنَّ الله قال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦].

стр. 911

وقد حدَّثني (١) علي بن الحَسن (٢) قال: سمعت عبد الله- يعني: ابن المبارك- يقول: إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر. قال علي (٣): فذكرته لأبي حمزة محمد بن ميمون السُّكَّري (٤)؛ من أهل مرو، ولا بأس به، فقال: هل تدري ما الأثر؟ أن أحدثك بالشيء فتعمل به، فيقال لك يوم القيامة: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمزة، فيجاء بي (٥) فيُقال: إن هذا يزعم أنك أمرته بكذا وكذا، فإن قلتُ: نعم، خُلِّيَ عنك، ويقال لي: من أين لك هذا؟ فأقول: قال لي الأعمش، فيُسأل الأعمش، فإذا قال: نعم، خُلِّي عني، ويقال للأعمش: من أين قلت هذا؟ فيقول: قال لي إبراهيم، فيُسْأَلُ إبراهيم، فإن قال: نعم، خُلِّي عن الأعمش (٦) وأُخِذَ إبراهيم، فيقال له: من أين قلت هذا (٧)؟ فيقول: قال لي علقمة، فيُسأل علقمة، فإذا قال: نعم، خُلِّيَ عن إبراهيم، ويقال له: من أين قلت هذا (٨)؟ فيقول: قال لي عبد الله بن مسعود، فيسأل عبد الله بن مسعود، فإن قال: نعم، خُلِّيَ عن علقمة، ويقال لابن مسعود: من أين قلت؟ فيقول: قال لي رسول الله ﷺ ، فيُسأل رسول الله ﷺ فيقول: قالي لي جبريل، حتى ينتهي إلى الرب، فهذا الأثر.

стр. 912

فالأَمْرُ جِدٌّ غير هَزْلٍ، إذ كان يُشْفِي على جنة أو نار؛ ليس بينهما هناك منزلٌ، وليعلم أحدُكم (١) أنه مسؤولٌ عن دينه، وعمَّن (٢) أخذه، وحِلِّه وحَرَامِه (٣)، كالذي (٤) [حدَّثني أشهل بن حاتم عن ابن عون عن محمد قال: إنَّ هذا العلم دين؛ فلينظر امرؤٌ عمَّن يأخذ دينه] " (٥). [كُتُبُ الزهد]: وإذا لم يكن لكم بُدٌّ من قراءة "كتب الزهد" فلا تشتغلوا منها إلَّا بثلاثة؛ "كتاب ابن المبارك"، و"ابن حنبل (٦) "، و"هنَّاد بن السَّرِيِّ" (٧)، فهي أمثلها-، وهم أَجَلُّ الزُّهَّادِ، وأعلمُهم، وأكثرُهم حَوْطَةً على المسلمين، وأبصرُهم بما يَرْوُون (٨).

стр. 913

أقسامُ العلوم: والعِلْمُ وإن كان معنًى واحدًا، وحقيقةً واحدةً؛ ولكنه يَنْقَسِمُ أقسامًا كثيرةً من جهات مختلفة، من جهة صفاته، واختلاف متعلقاته، وما يتصل به، ويرتبط معه. أمَّا (١) انقسامُه من جهة صفاته فأمرٌ يختصُّ به أهل السنة، فإنهم يقولون: إنه على قِسْمَيْنِ: قديم ومخلوق، فعِلْمُ الله هو الذي لا أوَّل له (٢)، يتعلَّق بالمعلومات كلها على اختلاف أنواعها؛ من قديم ومُحْدَثٍ، وموجود ومعدوم، على الجملة والتفصيل، لا يَعْزُبُ عنه معنًى يَصِحُّ أن يتعلَّق به عِلْمٌ، ولايَتَقَدَّرُ في وَهْمٍ، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. والمقصود من العِلْمِ: العِلْمُ بالله تعالى، وبه يتعلَّق جميعُ المعلومات، فإنَّا نفتقرُ إلى أن نعلم ذاته وصفاتِه ومخلوقاته، ونعلم من ذلك جُمْلَةً من تفصيل، وقليلًا من كثير، إذ الإحاطةُ له خاصة، ونَعْلَمُ من وَجْهٍ، ونَجْهَلُ من وَجْهٍ، ويطرأُ علينا السَّهْوُ والذُّهُولُ والشَّكُّ، ويُعْدَمُ عِلْمُنا، وهو القُدُّوسُ عن ذلك كلِّه، وَجَبَتْ له صفات الكمال، وتفرَّد بنُعوت الجلال. وتنقسم العلوم من جهة طُرُقِها إلى ثلاثة أقسام؛ قِسْمِ يَثْبُتُ في النفس ابتداءً، وقِسْمِ يُعْلَمُ بالحواس، وقِسْمِ يُعْلَمُ بالقياس على هذين القِسْمَيْنِ؛ وهو الأكثر، وهو المأمور به، وهو المُسَمَّى بالعِلْمِ النَّظَرِيِّ (٣).

стр. 914

وينقسمُ من جهة متعلَّقاته إلى ثلاثة أقسام (١): الأوَّل: معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وأفعاله وأحكامه، وهو المطلوب. والثاني: معرفة أفعال المكلَّفين. والثالث: معرفة الجزاء في الآخرة. ولو قلت: إنه قِسْمٌ واحدٌ؛ معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله، لدخل ذلك كلُّه فيه، وانتظم به، وينبني ذلك على معرفة المرء بنفسه، فمن لا يَعْرِفُ نَفْسَه لا يعرف ربَّه، إذ لا سبيل إلى معرفة الله إلا بالاستدلال عليه، وهذا مَسْطُورٌ مُوَضَّحٌ في كتاب الله فليُنْظَرْ فيه، فليس له صفة كمال، ولا للمُلْحِدَةِ شُعْبَةُ ضلال إلَّا وهو (٢) في كتاب الله مُوَضَّحٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وأمَّا أَحْكَامُ أفعال المكلفين: ففي (٣) القرآن الإيضاحُ لها، والإحالةُ أيضًا على بيان النبي ﷺ فيها. رُوي في الصحيح عن ابن مسعود: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله، فجاءته امرأة فقالت: إنه بلغني أنك لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: وما لي لا أَلْعَنُ من لعن رسولُ الله ﷺ ، ومن هو في كتاب الله، فقالتْ له: قرأتُ

стр. 915

ما بين اللَّوْحَيْنِ فما وجدت فيه ما تقول، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أمَا قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه" (١). وتَزْكِيَةُ (٢) النفس وتطهيرُها والخروجُ عن آفاتها بالقَلْبِ والجَوَارِحِ عِلْمٌ مُحْكَمٌ في القرآن والسنة، وهو نِصْفُ العِلْمِ من جهة، إذ (٣) العِلْمُ وَجْهَانِ؛ معرفة الخالق، ومعرفة الخَلْقِ. فتنخَّل لك أن علوم الشريعة (٤) ثلاثة؛ "التَّوْحِيدُ"، و"الأحكامُ"، و"التَّذْكِيرُ"، ويدخل عليها "الناسخ والمنسوخ"، وهو منها، وقد مَهَّدْنَا في ذلك فُنُونًا عظيمةً في "أنوار الفجر". وهذه "الرسالة" هي مُجَرَّدَةٌ في قِسْمِ الذِّكْرَى، فإنَّ من معرفة النفس معرفةَ الأسماء والصفات، في الأحوال والمقامات، وسترون ذلك إن شاء الله. فإنكم إذا عَقَلْتُم ما كنتم به مخاطبين، وعَلِمْتُم ما غَدَوْتُم به جاهلين، وذكرتم ما كنتم عنه غافلين، وصدَّقتم بما غدا سواكم به مُكَذِّبِينَ، وطلبتم
следующие страницы →