← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقد حدَّثني (١) علي بن الحَسن (٢) قال: سمعت عبد الله- يعني: ابن المبارك- يقول: إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر. قال علي (٣): فذكرته لأبي حمزة محمد بن ميمون السُّكَّري (٤)؛ من أهل مرو، ولا بأس به، فقال: هل تدري ما الأثر؟ أن أحدثك بالشيء فتعمل به، فيقال لك يوم القيامة: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمزة، فيجاء بي (٥) فيُقال: إن هذا يزعم أنك أمرته بكذا وكذا، فإن قلتُ: نعم، خُلِّيَ عنك، ويقال لي: من أين لك هذا؟ فأقول: قال لي الأعمش، فيُسأل الأعمش، فإذا قال: نعم، خُلِّي عني، ويقال للأعمش: من أين قلت هذا؟ فيقول: قال لي إبراهيم، فيُسْأَلُ إبراهيم، فإن قال: نعم، خُلِّي عن الأعمش (٦) وأُخِذَ إبراهيم، فيقال له: من أين قلت هذا (٧)؟ فيقول: قال لي علقمة، فيُسأل علقمة، فإذا قال: نعم، خُلِّيَ عن إبراهيم، ويقال له: من أين قلت هذا (٨)؟ فيقول: قال لي عبد الله بن مسعود، فيسأل عبد الله بن مسعود، فإن قال: نعم، خُلِّيَ عن علقمة، ويقال لابن مسعود: من أين قلت؟ فيقول: قال لي رسول الله ﷺ ، فيُسأل رسول الله ﷺ فيقول: قالي لي جبريل، حتى ينتهي إلى الرب، فهذا الأثر.

стр. 912

فالأَمْرُ جِدٌّ غير هَزْلٍ، إذ كان يُشْفِي على جنة أو نار؛ ليس بينهما هناك منزلٌ، وليعلم أحدُكم (١) أنه مسؤولٌ عن دينه، وعمَّن (٢) أخذه، وحِلِّه وحَرَامِه (٣)، كالذي (٤) [حدَّثني أشهل بن حاتم عن ابن عون عن محمد قال: إنَّ هذا العلم دين؛ فلينظر امرؤٌ عمَّن يأخذ دينه] " (٥). [كُتُبُ الزهد]: وإذا لم يكن لكم بُدٌّ من قراءة "كتب الزهد" فلا تشتغلوا منها إلَّا بثلاثة؛ "كتاب ابن المبارك"، و"ابن حنبل (٦) "، و"هنَّاد بن السَّرِيِّ" (٧)، فهي أمثلها-، وهم أَجَلُّ الزُّهَّادِ، وأعلمُهم، وأكثرُهم حَوْطَةً على المسلمين، وأبصرُهم بما يَرْوُون (٨).

стр. 913

أقسامُ العلوم: والعِلْمُ وإن كان معنًى واحدًا، وحقيقةً واحدةً؛ ولكنه يَنْقَسِمُ أقسامًا كثيرةً من جهات مختلفة، من جهة صفاته، واختلاف متعلقاته، وما يتصل به، ويرتبط معه. أمَّا (١) انقسامُه من جهة صفاته فأمرٌ يختصُّ به أهل السنة، فإنهم يقولون: إنه على قِسْمَيْنِ: قديم ومخلوق، فعِلْمُ الله هو الذي لا أوَّل له (٢)، يتعلَّق بالمعلومات كلها على اختلاف أنواعها؛ من قديم ومُحْدَثٍ، وموجود ومعدوم، على الجملة والتفصيل، لا يَعْزُبُ عنه معنًى يَصِحُّ أن يتعلَّق به عِلْمٌ، ولايَتَقَدَّرُ في وَهْمٍ، فهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. والمقصود من العِلْمِ: العِلْمُ بالله تعالى، وبه يتعلَّق جميعُ المعلومات، فإنَّا نفتقرُ إلى أن نعلم ذاته وصفاتِه ومخلوقاته، ونعلم من ذلك جُمْلَةً من تفصيل، وقليلًا من كثير، إذ الإحاطةُ له خاصة، ونَعْلَمُ من وَجْهٍ، ونَجْهَلُ من وَجْهٍ، ويطرأُ علينا السَّهْوُ والذُّهُولُ والشَّكُّ، ويُعْدَمُ عِلْمُنا، وهو القُدُّوسُ عن ذلك كلِّه، وَجَبَتْ له صفات الكمال، وتفرَّد بنُعوت الجلال. وتنقسم العلوم من جهة طُرُقِها إلى ثلاثة أقسام؛ قِسْمِ يَثْبُتُ في النفس ابتداءً، وقِسْمِ يُعْلَمُ بالحواس، وقِسْمِ يُعْلَمُ بالقياس على هذين القِسْمَيْنِ؛ وهو الأكثر، وهو المأمور به، وهو المُسَمَّى بالعِلْمِ النَّظَرِيِّ (٣).

стр. 914

وينقسمُ من جهة متعلَّقاته إلى ثلاثة أقسام (١): الأوَّل: معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وأفعاله وأحكامه، وهو المطلوب. والثاني: معرفة أفعال المكلَّفين. والثالث: معرفة الجزاء في الآخرة. ولو قلت: إنه قِسْمٌ واحدٌ؛ معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله، لدخل ذلك كلُّه فيه، وانتظم به، وينبني ذلك على معرفة المرء بنفسه، فمن لا يَعْرِفُ نَفْسَه لا يعرف ربَّه، إذ لا سبيل إلى معرفة الله إلا بالاستدلال عليه، وهذا مَسْطُورٌ مُوَضَّحٌ في كتاب الله فليُنْظَرْ فيه، فليس له صفة كمال، ولا للمُلْحِدَةِ شُعْبَةُ ضلال إلَّا وهو (٢) في كتاب الله مُوَضَّحٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وأمَّا أَحْكَامُ أفعال المكلفين: ففي (٣) القرآن الإيضاحُ لها، والإحالةُ أيضًا على بيان النبي ﷺ فيها. رُوي في الصحيح عن ابن مسعود: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله، فجاءته امرأة فقالت: إنه بلغني أنك لَعَنْتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: وما لي لا أَلْعَنُ من لعن رسولُ الله ﷺ ، ومن هو في كتاب الله، فقالتْ له: قرأتُ

стр. 915

ما بين اللَّوْحَيْنِ فما وجدت فيه ما تقول، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أمَا قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه" (١). وتَزْكِيَةُ (٢) النفس وتطهيرُها والخروجُ عن آفاتها بالقَلْبِ والجَوَارِحِ عِلْمٌ مُحْكَمٌ في القرآن والسنة، وهو نِصْفُ العِلْمِ من جهة، إذ (٣) العِلْمُ وَجْهَانِ؛ معرفة الخالق، ومعرفة الخَلْقِ. فتنخَّل لك أن علوم الشريعة (٤) ثلاثة؛ "التَّوْحِيدُ"، و"الأحكامُ"، و"التَّذْكِيرُ"، ويدخل عليها "الناسخ والمنسوخ"، وهو منها، وقد مَهَّدْنَا في ذلك فُنُونًا عظيمةً في "أنوار الفجر". وهذه "الرسالة" هي مُجَرَّدَةٌ في قِسْمِ الذِّكْرَى، فإنَّ من معرفة النفس معرفةَ الأسماء والصفات، في الأحوال والمقامات، وسترون ذلك إن شاء الله. فإنكم إذا عَقَلْتُم ما كنتم به مخاطبين، وعَلِمْتُم ما غَدَوْتُم به جاهلين، وذكرتم ما كنتم عنه غافلين، وصدَّقتم بما غدا سواكم به مُكَذِّبِينَ، وطلبتم

стр. 916

الإيمان من المؤمن (١)، والإسلام من السَّلام، وخلعتم كل معبود سواه، ولم تُؤَمِّلُوا غيره؛ فقد وَفَيْتُم بالعُهْدَةِ، وأحكمتم العُقْدَةَ. وقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ -واللفظ لمسلم-: "بُنِيَ الإسلام على خمس، على أن يُوَحَّدَ الله" (٢)، وذَكَرَ باقيها، فجعل التَّوْحِيدَ أَصْلَ الدِّينِ وجُمْلَتَه، وهو: * * *

стр. 917

الاسمُ السَّابِعُ: المُوَحِّدُ (١) قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]. وقال النبي ﷺ واللفظ للبخاري- لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن: "إنك تقدم على قوم أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يُوَحِّدُوا الله، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات" (٢)، وذكر الحديث. وهو قوله في القرآن والحديث: "أن لا تشركوا بي شيئًا"، أي: لا تجعلوا له مِثْلًا في ذات ولا صفات ولا أفعال، فذلك إثباتُ حقيقة التوحيد، لَهُ ذاتًا وصفةً وفِعْلًا، وفِيكَ (٣) عَقْدًا وقَوْلًا وعَمَلًا. بيان سهولة التوحيد: وقد عَظَّمَه قَوْمٌ على الخلق حتَّى أَيْأَسُوهم منه، وما أعظمه قَدْرًا! وما أقربه تَيَسُّرًا (٤)! ولقد رضي الله فيه باليسير، وأدناه لعباده بالتيسير، وأمرهم به بسابق الحُكْمِ والتقدير فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].

стр. 918

فالتوحيد هو: أن لا ترى لله شريكًا؛ بأن لا تعتقد سواه خالقًا ولا معبودًا، وأنه فعَّال لمَّا يريد، ولا يُسأل عمَّا يفعل، والخَلْقُ (١) يُسألون، وأدلة هذا كله قرآنيةٌ قريبة على الخلق. وقد قالوا: إنه بحر لا ساحل له، وصَدَقُوا، وهو نَهْرٌ عَذْبٌ تخوضه بالقَدَم، وتُدركه بالعلم في أسرع وقت وعلى أنهج أَمَمٍ، وإنَّما عظَّمه كثرة الشاكِّين، وتخليط المُلحدين، ونزغات الشياطين. وإذا كنْتَ منشرح الصدر على نُورٍ من الله لم يَعْظُمْ عليك شَيْءٌ ممَّا تَلْقَى، وإن أخطأتك الهدايةُ فأنتَ بكل طريق طَرِيحٌ مُلْقًى، وقد قابل الله كلَّ ما تخافُ (٢) اعتراضه (٣) من ذلك بحُجَجِه الظاهرة في كتابه المُبِين، وبيَّنها خاتم المرسلين، وها أنا أُوردها عليكم في هذه الرسالة مَجْلُوَّةَ الحُلَى؛ على ترتيب العلماء الراسخين: وإذا عرفتم أنه لا خالق سواه، ولا معبود إلَّاه (٤)، فله الخَلْقُ لنا وفينا، ومنَّا الطاعة له خَلْقًا وحَقًّا، فمن يُرْجَى بعده لمُلِمَّةٍ؟ أو لكَشْفِ عظيمة (٥)؟ أو لهَدْي كَرِيمَةٍ (٦)؟ وعن هذا وقعت الإشارة من النبي في قوله لرجل (٧): "أسلمتُ وتخلَّيتُ" (٨)، خرَّجه النسائي.

стр. 919

المعنى: قصدتُ السلامة، ولم أَدْعُ سواك، ولا رجوت غيرك، ولا يكون التَّخلِّي (١) في العُلُوم إلَّا بالتَخَلِّي عن الأفعال والهُمُوم. والمُوَحِّدُ (٢): هو الذي يَعْلَمُ هذا بقلبه، ويعتقده ويقوله بلسانه، وتظهر ثمراتُه على جوارحه في أفعاله. والمُلْحِدُ: لا يعلم ذلك ولا يقوله. والمنافق: يقولُه ولا يعتقدُه. والقاصر: يعتقده ويقوله، ولا يظهر أثرُه على جوارحه. وهذا (٣) الناقص الحالة، الناقص المرتبة، الناقص العاقبة. فأمَّا نقصان حالته؛ فلا يدخل في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وأمثاله. وأما نقصان مرتبته؛ فإنه لا يكون شاهدًا دُنيا (٤) ولا آخرة، ولا يكون إمامًا ولا أمينًا. وأمَّا نقصان حاله في العاقبة؛ فحسب حاله في الخلاف والتقصير، وقد تَخْتَلِجُ الشكوك في القلب، وتعترض العوارض حتى يأتي الله باليقين. [إسلامُ أبي سفيان وزوجه هند ﵄ -]: قال أبو سفيان حين سأله هِرَقْلُ عن النبي وصفاته ومقاله، وراجَعه هِرَقْلُ عن ذلك بما راجعه في الحديت المشهور، قال أبو سفيان: "فما زلت مُوقِنًا أن أَمْرَ رسول الله- ﷺ سيظهر" (٥).

стр. 920

فلمَّا كان ليلة الفتح ولقيه العبَّاس بالأذاخر، وجاء به، ووَقَفَ بين يدي رسول الله- ﷺ (١)، وعُمَرُ قد تبعه ليقتله، فقال له النبي ﷺ : "أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال له أبو سفيان (٢): أما هذا فقد علمتُ أنه لو كان مع الله إله غيره لأغنى عني (٣)، قال له: أما آن لك أن تشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال له أبو سفيان: أمَّا هذه ففي النفس منها شيء، فقال له العباس: ويحك؛ تَشَهَّدْ قبل أن تُضرب عنقك، فتشهَّد (٤) شهادة الحق" (٥). ولم تكن تخفى (٦) على أبي سفيان منزلتُه، ولا ضَلَّتْ عليه معجزتُه، ولكنها كانت أَنَفَةً فىَ دَنِيَّةً، وهِمَّةً جَاهِلِيَّةً، وحالًا (٧) اقتضتها العصبيَّةُ، وحَسُنَ بعد ذلك إسلامُه، وإسلامُ الفاضلة زَوْجِهِ؛ هِنْدِ بنت عُتْبَةَ، وجاءت إلى النبي ﷺ فقالت له: "يا رسول الله، والله ما كان على ظهر الأرض أَهْلُ خِبَاءً أحب إليَّ من أن يَذِلُّوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أَهْلُ خباء أحب إليَّ أن يَعِزُّوا من أهل خبائك، فقال لها رسول الله (٨) ﷺ : وأنا كذلك" (٩)، وناهيك بها (١٠) منقبةً وشرفًا.

стр. 921

وعندي هاهُنا نُكْتَةٌ؛ أن بني أمية إنَّما ارتفعوا بهذه الإشارة، واسْتَسْعَدُوا (١) بهِنْدٍ فيها، وما أجرى الله على لسان النبي (٢) منها، فاعتزَّ القَوْمُ ومَلَكُوا الأرض، وظَهَرُوا على من (٣) سواهم ممَّن ناوأهم، ما أقاموا الحق واعتمدوا التأويل، فلما غَيَّرُوا غيَّر الله بهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٢]. قال الإمام الحافظ أبو بكر (٤) ﵁: فقد تبيَّن أن حقيقة التوحيد أن لا تعتقد خالقًا إلَّا الله، ولا معبودًا سواه، وأنه فعَّال لمَّا يريد، وأنه قد كتب العبدَ شَقِيًّا أو سعيدًا، صحيحًا (٥) أو مُعْوَجًّا، مُقَدَّرًا عليه رِزْقُه أو مُوَسَّعًا، طائعًا أو عاصيًا، مُعَمَّرًا أو غير مُعَمَّرٍ (٦)، أو مُعْتَبَطًا (٧)، وأبلغ (٨) رسولُه أمرَه ونهيه (٩)، وعرَّفه ما ابتلاه به من ذلك؛ في طاعة يمتثلها، أو معصية يجتبنها، ووعد بالثواب (١٠) لمن أطاع، وأوعد بالعقاب لمن عصى.

стр. 922

قالت الصحابة للنبي ﷺ : "يا رسول الله، هذا الذي نحن فيه أَمْرٌ قد فُرِغَ منه أم أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ؟ فقال لهم: فَرَغَ ربُّكم، قالوا له (١): ففيم العمل؟ فقال: اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لمَّا خُلِقَ له، أمَّا من كان من أهل السعادة فيُيَسَّرُ (٢) إلى عَمَلِ أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشَّقاوة فيُيَسَّرُ (٣) إلى عَمَلِ (٤) الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] " (٥). فانقادوا وفَهِمُوا أن الأمر لله والحُكْمَ له، وأن هذه الأَعْمَالَ الجَارِيَةَ على جَوَارحِ الخَلْقِ عَلَامَاتٌ على ما للعبد عند الله. فإن خطر ببالك أن العملَ غيرُ مُغْنٍ عنك، وأنه قد خُطَّ في جَبِينِك ما خُطَّ، وحُطَّ رَحْلُك من الدارين حَيْثُ حُطَّ، فأجمعت (٦) على التخلي عن العمل، والاستسلام لسابق القَدَرِ، فتلك علامة الهلكة. وإن خطر (٧) وغَلَبَ على الخاطر الاستسلامُ للعمل والقدر، وجرى على الجوارح الامتثالُ؛ فذلك دليلُ الله للعباد على الفوز في المعاد.

стр. 923

والباري تعالى هو الذي دبَّر الأمور، وقدَّر المقادير، وابتلى بها عبادَه وأخبرهم عنها، وأَحْكَمَ فاتحتها وخاتمتها، وليس في فِعْلِه عَبَثٌ، ولا في حُكْمِه (١) سَفَةٌ، ولا في خبره كَذِبٌ، ولا في أفعاله تناقض، ولا في أقواله تعارض، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]. يعني: كل ذلك خَلَقَ فيهم أفعالَه، وأنفذ فيهم إرادته (٢)، ثم أخبر عنهم بأنهم الراشدون بصفة الفاعل، وكُلُّهم بما فيه (٣) مفعول، وذلك كله بنعمته وحِكْمَتِه ورحمته. وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. وفَاتَحَ الله رسوله بنصره، وأَوْعَدَ (٤) إليه أن يَرْمِي بأمره، فامتثل ذلك من حَدِّه، وأنجز الله له فَاخِرَ وعده، وهزم جُنْدَ (٥) الأحزاب بجُنْدِه، ثم قال له (٦) مُطْلِعًا على الحقيقة، وناهجًا له سواءَ الطريقة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].

стр. 924

[حَقِيقَةُ الكَسْبِ] (١): وهو قد رمى بدليل قوله: ﴿رَمَيْتَ﴾، وأضاف الفعل إليه ونفاه عنه، وكلاهما صِدْقٌ، فإنه أضافه إليه عربيَّةً (٢)، ونفاه عنه حقيقةً، ويحتمل أنه أضافه إليه لأنه خَلَقَ الحركة فيه، ونفاه عنه لأن التبليغ إلى الكفار (٣) المرمي به كان من خَلْقِ الله في عَبْدِه، يُدَبِّرُ الأمر، يُفَصِّلُ الآيات، ويُبَلِّغُها إلينا محكمات ومتشابهات. فإن قيل: فهذا هو القول بالجبر؟ قلنا: ليس في الجبر خَبَرٌ (٤)، وإنكارُ القَدَرِ كُفْرٌ، ونحن بُرَآءُ من الوجهين: أمَّا القَدَرُ فصحيحٌ على ما بيَّناه وأوضحناه. وأمَّا أن الله خَالِقُ كل شيء، وأن (٥) العبد لا يخلق شيئًا، فبَيِّنٌ ظاهرٌ مقطوعٌ به. وأمَّا لفظ الجَبْرِ فمُعَارِضٌ للشرع (٦)؛ فإنَّ الله خلق المشيئة في العبد وأثبتها له لفظًا، ونفاها عنه خَلْقًا، فالقول بالجَبْرِ تكذيبٌ لله، والقول بخَلْقِ المرء لِفِعْل تَشْرِيكٌ مع الله، والاعتقادُ لما قال الله وأَخْبَرَ به ورَتَّبَ عليه قَوْلَه

стр. 925

وشَرِيعَتَه حَتْمٌ من الله، وهو سبحانه قد سَلَكَ بكُلِّ فَرِيقٍ على كلِّ (١) طريق، واختار لنا بفضله ورحمته جادَّة التحقيق، والحمد لله رب العالمين. فإن قيل: فلِمَ يُعَاقِبُ على ما فعل؟ قلنا: هو حاكمٌ لا يُسأل، وقد غبَّرنا وجوهكم (٢) وطمسناها في "كُتُبِ الاعتقاد" بأدلتها (٣). فائدة: سمعتُ الفقراء ببغداد يقولون: "إنَّ ما نقله أهلُ التفسير؛ من أن عيسى كان يَخْلُقُ من الطير كهيئة الطير وينفخ فيه فيكون طائرًا بإذن الله، فإذا طار شيئًا سَقَطَ مَيِّتًا ولم تَدُمْ له حياة، لأنَّ عيسى كان يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، ولو رَزَقَ كما خَلَقَ لم يَبْقَ أَحَدٌ إلَّا قال: هو الله؛ فِتْنَةً، إلَّا مَن آتاه الله هُداه". وقد قال سبحانه: ﴿إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٩]، وأنت ترى الرزق يَجْرِي على أيديهم؛ ويُعْطُونَ ويَحْرِمُون، ولكنه مَوَاطِنُ لمقدورات (٤) الله، فتعلَّق بها أهلُ الجهل بالله. وقد ثَبَتَ وصَحَّ عن النبي ﷺ من طريق زيد بن أرقم- واللفظ له- قال: "غزونا مع رسول الله- ﷺ فذكر الحديث، وقال: فكنتُ مع عمي؛ فسمعتُ عبد الله بن أُبَي بن سلول يقول: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 926

حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، و ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فذكرتُ ذلك لعَمِّي، فذَكَرَ ذلك عَمِّي لرسول الله ﷺ ، فدعاني فحدَّثتُه، فأرسل إلى عبد الله بن أُبَي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، وكذَّبني النبي ﷺ وصدَّقهم، فأصابني غَمٌّ لم يُصِبْنِي مثلُه قَطُّ، فجَلَسْتُ في بيتي، فقال عمي: ما أردت إلَّا أن كذبك (١) رسول الله ﷺ ومَقَتَك، فأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ﴾ [المنافقون: ١]، فأرسل إليَّ النبيُّ ﷺ فقرأها عليَّ (٢)، وقال: إن الله قد صدَّقك" (٣). وهو الذي يقول فيه رسول الله ﷺ : "هو الذي أوفى الله بأُذُنِه" (٤). فأخبر الله سبحانه أن خزائن السماوات والأرض لله، وأن قول العبد: أنفق أو لا (٥) تنفق في غير الطاعة؛ لَغْوٌ، وأن المعتبر في الطاعة قول النبي ﷺ : "أنفق يا بلال، ولا تَخْشَ من ذي العرش إِقْلَالًا" (٦)، وكذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦]،

стр. 927

وهو (١) قد ضَمِنَ الكفاية من التخويف والتوحيد، فينبغى أن لا (٢) يخاف غَيْرَ الله، وسَنُبَيِّنُ (٣) ذلك في موضعه إن شاء الله. مُتَمِّمَةٌ: [في زيادة الإيمان ونقصانه] لم يختلف أَحَدٌ من المتقدمين من الصحابة والتابعين والسَّلَفِ الصالحين (٤) في أن الإيمان والعلم يزيد وينقص، حتَّى نَشَأَتِ المبتدعة من القدرية وإخوانهم، فتكلموا بألفاظ الأوائل؛ من عَرَضٍ وجَوْهرٍ، وحامل ومحمول، وخاضوا في أن العَرَضَ يتجدَّد، وأن الجَوْهَرَ الفَرْدَ لا يتعدَّد، ورَكَّبُوا عليه أدلة التوحيد، وهذا وإن كان يُفْضِي إلى تحقيق، ولكنه خُرُوجٌ عن سيرة السلف، ويصلح للغَلَبَةِ في الجدال، وإلَّا فقد أغنى الله في كتابه بما وضع من أدلته، "وليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن (٥) " (٦)، ولَوْ لَمْ يُمَكِّنُوا أنفسهم من هذه (٧) الألفاظ معهم، ولا انقادوا في تَرْدَادِها في النظر إليهم؛ لكانوا قد سَدُّوا من البدعة بابًا، وطَمَسُوا وَجْهًا، فإن المداخلة لهم فيها أَطَالَ النَّفَسَ، وما حَلَّتْ عُقْدَةَ الحَبَسِ (٨).

стр. 928

ونحن وإن كنا نقول: إن العَرَضَ لا يقوم بنفسه وأنه يتجدَّد، وأن الجوهر الفرد لا يتعدَّد، وحُكْمُنا بأن الإيمان والعلم والاعتقاد أَعْرَاضٌ، فإنَّا نقول: إنها تزيد وتنقص، وتقوى وتضعف، وتستقيم وتنحرف، وقد ورد بذلك القرآن، وهو الغاية في البيان، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المدثر: ٣١] (١)، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١]، وقال: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢) [آل عمران: ١٧٣]. وقال (٣) ﷺ : "ذَاقَ طَعْمَ الإيمان من رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمُحَمَّدٍ نبيًّا" (٤). وقال ﷺ : "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه (٥) وأهله وولده والناس أجمعين، فقال له عمر: إنك لأحب إليَّ إلَّا من نفسي، قال له رسول الله ﷺ : لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك،

стр. 929

قال له عمر: فإنك أحب إليَّ من نفسي (١)، قال: فالآن يا عمر" (٢)، خرَّجه البخاري. وقال: "لن يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه" (٣). وقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (٤). وقال ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٥). قال الإمام الحافظ (٦): ومن يَعْجَبْ فَعَجَبٌ (٧) ممَّن يتأوَّل هذه الآيات والأخبارَ والحقيقةُ تعضدها، وذلك أنهم جَهِلُوا أو (٨) غَفَلُوا عن حقيقة

стр. 930

الزيادة والنقص، والوجود والعدم، وذلك أن الشيء لا يزيد بذاته ولا ينقص بها، وإنَّما يزيد بشيء (١)؛ كان جوهرًا أو عَرَضًا، فإن وُجِدَ مِثْلُه أو مِثْلَيْه (٢) زاد، فإن عُدِمَ ذلك الوجود بعده نَقَصَ، فإن عُدِمَ أصلُه الأوَّل كان نَفْيًا مَحْضًا، فالعَدَمُ نَفْيُ الوجود (٣) الأول، والنقص نَفْيُ الوجود (٤) الثاني الذي به كانت الزيادة، ولن يزال العبدُ أبدًا في زيادة المعرفة بنَفْسِه وبرَبِّه وبدِينِه ما تراخى أجلُه، وإذا طرأت (٥) عليه غفلةٌ أو ذُهُولٌ أو شكٌ في معلوم فانعدم ذلك الزائد على الأصل كان نقصًا، حتى لو عُدِمَ الأوَّل الذي حَصَلَ له به الحكم، أو الثاني الذي جُعِلَ مثله في الفَرْضِيَّةِ والعصمة، كان في وُجُودِ الأوَّل عَدَمًا حقيقةً وحُكْمًا، وحُكِمَ عليه بالكفر، وإن عُدِمَ الثاني كان كافرًا حُكْمًا، وهذا ممَّا (٦) كان لا ينبغي أن (٧) يخفى على أَحَدٍ من المحققين. وكأنِّي بشَيْخٍ مُزَمِّلٍ (٨)، وفَتًى مُحَصْرَمٍ مُؤَنَّبٍ (٩)؛ يرى هذا الكلام

стр. 931

فيقولُ كما قال الذين من قبلهم في مِثْلِي، تَشَابَهَتْ قلوبهم مع قلوب الذين كانوا مِن قَبْلِي: "فُلَانٌ ضَعِيفٌ في أصول الدين"، وقد بيَّن الله الآيات لقوم يوقنون. والقاطع للدَّاء الحاسم لما يطرأ عليك من قِبَلِهم من الشُّبَهِ والأَنْبَاءَ حَدِيثُ حَنْظَلَةَ وأبي هريرة- واللفظ لحنظلة-: قال أبو عثمان النَّهْدِي عن حنظلة الأُسَيْدِي (١)، وكان من كُتَّابِ رسول الله ﷺ : أنه مرَّ بأبي بكر وهو يبكي فقال: "مالك يا حنظلة؟ فقال: نافق حنظلة يا أبا بكر؛ نكون عند رسول الله- ﷺ فيُذَكِّرُنا (٢) بالنار والجنة (٣) كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فإذا رجعنا إلى الأزواج والضَّيْعَةِ نَسِينَا كثيرًا، قال: فوالله إنا كذلك، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ، فانطلقنا، فلما رآه رسول لله ﷺ قال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنار والجنة (٤) كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فإذا رجعنا عافسنا (٥) الأزواج والضَّيْعَةَ ونَسِينَا كثيرًا، فقال رسول الله ﷺ : لو أنكم (٦) تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم، وفي طُرُقكم، وعلى فُرُشِكم، ولكن يا حنظلة؛ ساعةٌ وساعةٌ" (٧).

стр. 932

تكملة: [في قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله] اختلف الناس في قَوْلِ الرجل: أنا مُؤْمِنٌ إن شاء الله، على ثلاثة أَقْوَالٍ: أحدُها: أنه يَجِبُ عليه إذا أخبر عن نفسه بالإيمان أن يَقْرِنَه بالمشيئة. [ثانيها]: وقال آخرون: لا ينبغي أن يفعله. [ثالثها]: وقال آخرون: إن فَعَلَه جاز، أو تَرَكَه فمِثْلُه. والقول فيه طويل، وَجِيزُه: أن العبد لمَّا كان لا يَمْلِكُ عَقْدَه ولا قَوْلَه ولا فِعْلَه كان حقًّا عليه أن يُضيفه إلى مشيئة من هو بيده، فإذا صرَّح به فقد قال الحقيقة، وهذا (١) قَوْلُ من أوجبَه، لأنه لَوْ لَمْ يفعل ذلك لكان قد أَثْبَتَ لنفسه ما رُبَّما لم يَثْبُتْ له. وأمَّا من قال: إنه يُمْنَعُ منه؛ فلأنه يدل على شَكٍّ في دوام الحال، وهو إنَّما ينبغي أن يَجْزِمَ عَقْدَه، والباري يُنْجِزُ (٢) وَعْدَه، ويُظْهِرُ ما عنده. وأمَّا من قال: إنه جائز له؛ فهو عندي على تَأْوِيلٍ، كأنه يقول: أنا مُؤْمِنٌ الآن جَزْمًا، إن شاء الله أن يُجَدِّدَ لي فيه كل وقت عَزْمًا. والذي يَصِحُّ من هذه الأقوال: إِطْلَاقُ القول بأنه مؤمن، ولا يدخله استثناء، بتأويل ولا بغير تأويل (٣)، قال النبي ﷺ : "لا يقولن أحدكم: اللهم

стр. 933

اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليَعْزِمِ المسألة، فإنه لا مُكْرِهَ له" (١). وقد انقرض عَصْرُ الرسول- ﷺ والصحابة ولم يُسْمَعْ فيه (٢) قَطُّ: "أنا مؤمن إن شاء الله"، ولا وَرَدَ ذلك من طريق يَصِحُّ. والذي أوقعهم في ذلك حديث أبي هريرة: "خرج النبي ﷺ إلى المقبرة فقال: السَّلامُ عليكم دارَ قَوْمٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون" (٣)، فلمَّا قال النبي: "وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون (٤) "، فأدخل المشيئة في الموت الذي لا مَحِيدَ عنه، دَخَلَتْ في كل ما بعده ممَّا يمكن أن يكون أو لا يكون، وإذا كان فيُمْكِنُ أن يَثْبُثَ أو لا يَثْبُتَ، وقد بيَّنَّا معنى هذا الحديث في كتاب "القَبَسِ" (٥) وغيره من جميع وُجُوهِه، وأَوْضَحْنَا إِبْطَالَ قَوْلِ من قال: إنَّ معناه: وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون؛ على الإيمان قَطْعًا في خاصَّته، وظاهرًا فيمن معه من أصحابه، وذكرنا تأويل ذلك الحديث في موضعه. وقد قيل: إن معناه: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون في هذه البقعة؛ لأن النبي ﷺ كان يرجو الشهادة في سبيل الله ويتمنَّاها، ولم يكن يعلم كيفية

стр. 934

موته، وتَحَقَّقَ أن الوجه الذي شاء الله أن يموت عليه سيظهر عند حضور (١) أجله، فصَرَفَ رسول الله (٢) ﷺ الاستثناءَ بالمشيئة إلى تلك الحالة الخفية. وقد قال النبي ﷺ : "المدينةُ يأتيها الدَّجَّالُ فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدَّجَّالُ ولا الطاعون إن شاء الله" (٣)، فربَّما تعلَّقوا به، والنبيُّ إنَّما استثنى فيه لأنه كذلك أُوحِيَ إليه (٤)، فنَقَلَ كما عُلِّمَ. ولم يُنْقَلْ في حديث عن النبي ﷺ أنه شَرَطَ على أَحَدٍ في الإيمان الاستثناءَ، ولا تَطَوَّعَ به أحَدٌ فأَقَرَّهُ عليه، بل نُقِلَ عنه ضدُّه؛ مِنْ أنه كان يُخْبِرُهم بالإيمان والإسلام وأركانه ووظائفه؛ فيُجِيبُون إليه، ويُسْلِمُونَ فيه، ويُقِرُّونَ به من غير استثناء، وقد قال- كما تقدَّم في الصحيح لرجل-: "قُلْ آمنتُ بالله، ثم استقم" (٥)، ولم يَجْرِ للمشيئة ذِكْرٌ؛ فدَلَّ على أنه من التَّنَطُّعِ الفاسد. * * *

стр. 935

القَارِئُ: وهو الاسمُ الثامن ولمَّا كانت (١) معجزة النبي ﷺ القرآن؛ الذي هو منبع العلوم ومعدن المعارف، فاجتمعت فيه الدِّلَالَةُ على الصدق، والدِّلَالَةُ على الإنباء (٢)، والإيضاحُ لجميع العلوم والأنباء، كان الإقبالُ علمه فَرْضَ الأمَّة، ودَأْبَ الصحابة، وقد أبقى الله لنا معجزة نَبِيِّنَا، وجَعَلَ فيه علومنا وهدايتنا، وأضلَّ به أعداءنا، فالعاقل العالم (٣) المؤمن المسلم الدَّيِّنُ المُوَحِّدُ هو القارئُ، وعلى قَدْرِ قراءته يكون عِلْمُه وإيمانُه وإسلامُه وتوحيدُه ودينُه؛ وفَضْلُه كُلُّه. فضائله: وقد قال النبي ﷺ : "خَيْرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه" (٤). وقال ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار" (٥). وقال: "مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ؛ ريحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، ومَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مَثَلُ التَّمْرَةِ التي لا رِيحَ

стр. 936

لها وطعمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المنافق- وفي رواية: الفاجر (١) - الذي لا يقرأ القرآن مَثَلُ الحَنْظَلَةِ ليس لها رِيحٌ وطعمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المنافق الذي (٢) يقرأ القرآنْ مَثَلُ الريحانة؛ ريحُها طَيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ" (٣). وفي رواية: "مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأُتْرُجَّةِ، والمؤمن الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كالتمرة" (٤). وقال عبد الرحمن بن عوف: قال رسول الله- ﷺ : "ثلاثة تحت العرش يوم القيامة؛ القرآن يُحَاجُّ العباد، له ظهر وبطن، والأمانة، والرَّحِمُ؛ تنادي أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَه الله، ومن قَطعَنِي قَطَعَه الله" (٥). قال رسول الله ﷺ : "يُقال لصاحب القرآن: اقْرَأْ وارْقَ ورَتِّلْ كما كنت تُرَتِّلُ في الدنيا، فإنَّ منزلتك عند آخر آية تقرأها، ويزاد بكل حَرْفٍ حسنة" (٦).

стр. 937

وقال ﷺ : "إنَّ الذي ليس في جوفه مِنَ القرآن شيءٌ كالبيت الخَرِبِ" (١). وقال ﷺ : "تعاهدوا القرآن؛ فإنه (٢) أَشَدُّ تَفَصِّيًا من صدور الرجال من النَّعَمِ من عُقُلِها". (٣) وصحَّ عنه ﷺ أنه كان يجمع في الدَّفْنِ بين القتلى يوم أُحُدٍ، فإذا أُشير له إلى أحدهم أنه كان (٤) أكثرَ قرآنًا قدَّمه في اللَّحْدِ (٥). وقال ﷺ -وصَحَّ-: "يَؤُمُّ القَوْمَ أقرؤهم لكتاب الله" (٦). وقال ﷺ : "الماهر بالقرآن مع السَّفَرَةِ الكرام البَرَرَةِ، والذي يقرؤه وهو عليه شَاقٌّ له أجران" (٧).

стр. 938

وصحَّ عن محمد بن كَعْبٍ عن ابن مسعود عنه أنه قال: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعَشْرِ أمثالها، لا أقول أَلَمّ حَرْفٌ؛ الأَلِفُ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْفٌ، ومِيمٌ حَرْفٌ" (١). وقال ﷺ : "ما أَذِنَ الله لشَيْءٍ كأَذَنِه (٢) لنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بالقرآن" (٣). يُرِيدُ: يَجْهَرُ به؛ في تفسير سفيان (٤). وقال غيره (٥): يرى أنه قد صار به من الأغنياء. وهو الصحيح. قال الله لرسوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧ - ٨٨]. وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٩ - ١٣٠].

стр. 939

يُرِيدُ: وما رَزَقَكَ الله من القرآن خَيْرٌ وأَبْقَى (١). فاتحة الكتاب: قال النبي ﷺ لأُبَيٍّ: "لأعلمنَّك سورةً من القرآن ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مِثْلَها، قال: نعم يا رسول الله، قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأ. أُمَّ القرآن، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده؛ ما أنزل (٢) الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وأنها سَبْعٌ من المثاني- أو: "السبع المثاني" (٣) - والقرآن العظيم الذي أُعطيته" (٤). ومِن فَضْلِهَا: أنها رُقْيَةٌ عُظْمَى؛ قال أبو سعبد الخدري: "كُنُّا في مَسِيرٍ لنا فنزلنا بحَيٍّ من أحياء العرب (٥)، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سَلِيمٌ، وإنَّ نَفَرَنا غَيْبٌ، فهل منكم من راقٍ؟ فقام معها رَجُلٌ ما كُنَّا نَأْبُنُه (٦) برُقْيَةٍ، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاةً، وسقانا لَبَنَه (٧)، فلمَّا رجع قلنا له:

стр. 940

أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أم كنت تَرْقِي؟ قال: لا (١)، ما رَقَيْتُ إلَّا بأُمِّ القرآن، قلنا: لا تُحْدِثُوا شَيْئًا حتى نأتي رسول الله ﷺ ، فلمَّا قَدِمْنَا (٢) المدينة ذكرناه للنبي ﷺ فقال: وما كان يُدريه أنها رُقْيَةٌ؟ اقسمُوا (٣) واضربُوا لي بسَهْمٍ" (٤). سورة البقرة: قال النبي ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن (٥) البيت الذي تُقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان" (٦). ومن الحديث الحسن (٧): "أن النبي ﷺ بَعَثَ بَعْثًا وهُمْ ذَوُو عَدَدٍ فاستقرأهم (٨)، فاستقرأ كلَّ واحد (٩) ما معه من القرآن، فأتى على رَجُلٍ من أَحْدَثِهم سِنًّا، قال: ما معك يا فلان؟ قال: معي كذا وكذا، وسورة البقرة، قال: أو معك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: اذهب

стр. 941

فإنك (١) أميرهم، فقال رجل من أشرافهم: والله يا رسول الله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية (٢) ألا أقوم بها، فقال رسول الله ﷺ : تعلَّموا القرآن فاقرءوه وأَقْرِئوه، فإن مَثَلَ القرآن لمن تعلَّمه فأقرأه (٣) وقام به كمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا، يفوح بريحه كلُّ مكان، ومَثَلُ من تعلَّمه فيَرْقُدُ وهو في جَوْفِه كمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ على مِسْكٍ (٤) " (٥). ومن الحَسَنِ: قال رسول الله- ﷺ : "لكلِّ شيء سَنَامٌ، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آيةٌ هي سَيِّدَةُ آيِ القرآن؛ وهي: آية الكرسي" (٦). "ومن قرأ ﴿حم﴾ المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وآية الكرسي حين يُصْبِحُ حُفِظَ بهما حتى يُمْسِي، ومن قرأهما حين يُمْسِي حُفِظَ بهما حتى يصبح" (٧).

стр. 942

وقد قال الشيطان لأبي هريرة: "إذا قرأتَ آية الكرسي لا يقربك شيطان، فقال النبي ﷺ : صَدَقك وهو كذوب" (١)، صحَّحه قَوْمٌ وضعَّفه آخرون، وأدخله البخاري مَقْطُوعًا (٢). وعن أبي سعيد الخدري: "أن أُسَيْدَ بن حُضَيْر بَيْنَا هو يقرأ من الليل سُورَةَ البقرة وفَرَسُه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسَكَتَ فسَكَنَتْ، فقرأ (٣) فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ (٤) فجالت، فلمَّا أصبح حدَّث النبي (٥)، قال: فرَفَعْتُ بصري إلى السماء، فإذا مِثْلُ الظُّلَّةِ فيها أمثالُ المصابيح عَرَّجَتْ في الجَوِّ حتى لا أراها، قال: تلك الملائكة أَذِنَتْ بصوتك، ولو قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ الناس إليها لا تتوارى منهم" (٦).

стр. 943

خاتمتها: ثَبَتَ في الصحيح عن ابن عباس قال: "بينما جبريل عند النبي ﷺ سَمِعَ نَقِيضًا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماء فُتِحَ لم يُفْتَحْ قَطُّ إلا اليوم، فنزل منه مَلَكٌ إلى الأرض لم ينزل قطُّ إلا اليوم، فسَلَّمَ فقال: أَبْشِرْ بنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لم يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَك؛ فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما (١) إلَّا أُعطيتَه" (٢). وعن عبد الله: "لمَّا أُسْرِيَ بالنبي ﷺ انتهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فأُعْطِيَ ثَلَاثًا؛ أُعْطِي الصلوات الخمس، وخواتم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يُشْرِكْ بالله من أُمَّتِه المُقْحِمَات (٣) " (٤). وقال رسول الله ﷺ : "الآيتان من آخر سورة البقرة؛ من قرأ بهما في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ" (٥).

стр. 944

آل عمران: معها (١): قال النبي ﷺ : "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرأوا الزهراوين، البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان (٢)، أو غيايتان، أو فِرْقان (٣) من طَيْرٍ صَوَافَّ، بينهما شَرَقٌ، تُظلِّلَانِ (٤) صاحبهما، وتحاجَّان عن صاحبهما، اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَةُ" (٥). وفي رواية منه: "يؤتى يوم القيامة (٦) بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان" (٧)، بنحوه (٨). سورة الكهف: في الصحيح: "بينما رَجُلٌ يقرأ سورة الكهف إذ رأى دابَّته (٩) تركض، فنظر فإذا مِثْلُ الغمامة أو (١٠) السحابة، فجعلت تدنو وتدنو (١١)، وفرسُه تنفر،

стр. 945

فأتى رسولَ الله- ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : تلك السكينة نزلت مع القرآن، أو أنزلت على القرآن" (١). وعن أبي الدرداء: "من قرأ ثلاث آيات من أوَّل (٢) الكهف عُصِمَ من فتنة الدجَّال" (٣). سورة ألم السجدة: فيها: أن النبي ﷺ كان يقرأها يوم الجمعة في صلاة الصبح (٤). حم الدخان: حديثُها منكر لا يُلتفت إليه (٥).

стр. 946

سورة المُلْكِ: لا حديث فيها إلَّا قوله ﷺ : "سورة الملك ثلاثون آية، تجادل عن صاحبها" (١)، صحَّ (٢). سورة إذا زلزلت والكافرون: من الحَسَنِ: عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: "هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا، والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج به، قال (٣): أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ قال: بلى، قال: ثُلُثُ القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ قال: بلى، قال: رُبُعُ القرآن، قال (٤): أليس معك: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن (٥)، قال: أليس معك: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾؟ قال: بلى، قال: رُبُعُ القرآن، قال: تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ" (٦).

стр. 947

سورة الإخلاص: قال النبي ﷺ : "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" (١)، في حديث مالك وغيره. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: قد ظنَّ قَوْمٌ فيها تأويلات، وقد كَشَفَ الحديثُ الصحيح بعضَها، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "احشُدوا؛ فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، قال: فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم دخل، فقال بعضُنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأُرى هذا خبرًا جاءه من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: إني قلتُ: ساقرأ عليكم ثلث القرآن، أَلَا وإنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن" (٣). وحديث عائشة: "أن النبي بعث رَجُلًا على سَرِيَّةٍ؛ وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم (٤) بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء كان (٥) يصنع ذلك؟ فسألوه،

стр. 948

فقال (١): لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها (٢)، فقال: أخبروه أن الله يحبه" (٣). [سورة الفلق والناس]: وعن عُقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر أيَّ (٤) آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ " (٥). وعن عائشة: "كان النبي إذا آوى إلى فراشه كلَّ ليلة؛ جمع كَفَّيْه ثم نَفَثَ فيهما، ثم قرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (٦). قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وَجَعُه؛ كنتُ أقرأ عليه وأمسح بيده رَجَاءَ بركتها" (٧).

стр. 949

[التحذيرُ ممَّا لم يصحَّ في باب فضائل القرآن]: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١) ﵁: لم يَبْقَ من الصحيح ما أَذْكُرُه، وقد اقتحم الناس في فضائل القرآن وسُوَرِهِ أحاديثَ كثيرة، منها ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه، ومنه ما لم يُنْزِلِ الله به من سلطان، وأَشْبَهُ ما جُمِعَ في ذلك "كتابُ ابنِ أبي شَيْبَةَ" (٢) و"كتابُ أبي عُبَيْدٍ" (٣)؛ وفيهما (٤) باطلٌ عظيم، وحَشْوٌ كثير، وانتقى الأئمة- نفعهم الله- من ذلك الحَشْوِ جُمْلَةً، واستخرجوا من ذلك المنتقى الصحيحَ، وهو الذي أوردناه عليكم؛ فتَمَسَّكُوا به. وقد ذَكَرَ الحاكمُ وغيرُه من شيوخ المحدثين: "أنَّ رَجُلًا من الزهاد انتدَبَ في وَضْع أحاديث في فضائل القرآن وسُوَرِه، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: رأيتُ الناس قد زَهِدُوا في القرآن فأحببت أن أُرَغِّبَهم فيه، فقيل له: فإن النبي ﷺ قال: "من كذب عليَّ مُتَعَمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٥)، فقال: أنا ما كذبت عليه، إنما كذبت له" (٦).

стр. 950

فتأمَّلوا- رحمكم الله- كَيْدَ الشيطان على هذا الزاهد بهذا الزُّهْدِ؛ حتى قَرَنَ بها (١) هذا الجهل، وخَزَلَ عنها هذا الهُدَى. حالُ القُرَّاءَ: وقد كان القُرَّاءُ أصحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ ومُشَاوَرِيهِ (٢) ومُسَاوِرِيهِ (٣)، وكان ابن عباس يُقْرِئُ رِجَالًا؛ منهم: عبد الرحمن بن عوف، وما توفي رسول الله ﷺ حتى استظهر ابنُ عبَّاس المُفَصَّلَ في حياة رسول الله ﷺ (٤)، وكان أهل الصُّفَّةِ يُكثرون من القرآن. وقال أنس: "مات رسول الله ﷺ ولم يجمع القرآن غَيْرُ أربعة: أُبَيّ - وفي رواية: أبو الدرداء-، ومعاذُ بن جَبَل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، أحد عمومتي، ونحن ورثناه- يعني: نفسه (٥) -" (٦)، حاشا الخلفاء؛ فإنهم كانوا يستظهرون القرآن كما ثبت فى الروايات، وعبد الله بن عمر، وابن (٧) مسعود (٨).
следующие страницы →