← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سورة المُلْكِ: لا حديث فيها إلَّا قوله ﷺ : "سورة الملك ثلاثون آية، تجادل عن صاحبها" (١)، صحَّ (٢). سورة إذا زلزلت والكافرون: من الحَسَنِ: عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: "هل تزوجت يا فلان؟ قال: لا، والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج به، قال (٣): أليس معك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ قال: بلى، قال: ثُلُثُ القرآن، قال: أليس معك: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ قال: بلى، قال: رُبُعُ القرآن، قال (٤): أليس معك: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؟ قال: بلى، قال: ربع القرآن (٥)، قال: أليس معك: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾؟ قال: بلى، قال: رُبُعُ القرآن، قال: تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ" (٦).

стр. 947

سورة الإخلاص: قال النبي ﷺ : "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" (١)، في حديث مالك وغيره. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٢) ﵁: قد ظنَّ قَوْمٌ فيها تأويلات، وقد كَشَفَ الحديثُ الصحيح بعضَها، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "احشُدوا؛ فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، قال: فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم دخل، فقال بعضُنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأُرى هذا خبرًا جاءه من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: إني قلتُ: ساقرأ عليكم ثلث القرآن، أَلَا وإنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن" (٣). وحديث عائشة: "أن النبي بعث رَجُلًا على سَرِيَّةٍ؛ وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم (٤) بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: سلوه لأي شيء كان (٥) يصنع ذلك؟ فسألوه،

стр. 948

فقال (١): لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها (٢)، فقال: أخبروه أن الله يحبه" (٣). [سورة الفلق والناس]: وعن عُقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر أيَّ (٤) آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ " (٥). وعن عائشة: "كان النبي إذا آوى إلى فراشه كلَّ ليلة؛ جمع كَفَّيْه ثم نَفَثَ فيهما، ثم قرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات" (٦). قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وَجَعُه؛ كنتُ أقرأ عليه وأمسح بيده رَجَاءَ بركتها" (٧).

стр. 949

[التحذيرُ ممَّا لم يصحَّ في باب فضائل القرآن]: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (١) ﵁: لم يَبْقَ من الصحيح ما أَذْكُرُه، وقد اقتحم الناس في فضائل القرآن وسُوَرِهِ أحاديثَ كثيرة، منها ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه، ومنه ما لم يُنْزِلِ الله به من سلطان، وأَشْبَهُ ما جُمِعَ في ذلك "كتابُ ابنِ أبي شَيْبَةَ" (٢) و"كتابُ أبي عُبَيْدٍ" (٣)؛ وفيهما (٤) باطلٌ عظيم، وحَشْوٌ كثير، وانتقى الأئمة- نفعهم الله- من ذلك الحَشْوِ جُمْلَةً، واستخرجوا من ذلك المنتقى الصحيحَ، وهو الذي أوردناه عليكم؛ فتَمَسَّكُوا به. وقد ذَكَرَ الحاكمُ وغيرُه من شيوخ المحدثين: "أنَّ رَجُلًا من الزهاد انتدَبَ في وَضْع أحاديث في فضائل القرآن وسُوَرِه، فقيل له: لم فعلت هذا؟ فقال: رأيتُ الناس قد زَهِدُوا في القرآن فأحببت أن أُرَغِّبَهم فيه، فقيل له: فإن النبي ﷺ قال: "من كذب عليَّ مُتَعَمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٥)، فقال: أنا ما كذبت عليه، إنما كذبت له" (٦).

стр. 950

فتأمَّلوا- رحمكم الله- كَيْدَ الشيطان على هذا الزاهد بهذا الزُّهْدِ؛ حتى قَرَنَ بها (١) هذا الجهل، وخَزَلَ عنها هذا الهُدَى. حالُ القُرَّاءَ: وقد كان القُرَّاءُ أصحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ ومُشَاوَرِيهِ (٢) ومُسَاوِرِيهِ (٣)، وكان ابن عباس يُقْرِئُ رِجَالًا؛ منهم: عبد الرحمن بن عوف، وما توفي رسول الله ﷺ حتى استظهر ابنُ عبَّاس المُفَصَّلَ في حياة رسول الله ﷺ (٤)، وكان أهل الصُّفَّةِ يُكثرون من القرآن. وقال أنس: "مات رسول الله ﷺ ولم يجمع القرآن غَيْرُ أربعة: أُبَيّ - وفي رواية: أبو الدرداء-، ومعاذُ بن جَبَل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، أحد عمومتي، ونحن ورثناه- يعني: نفسه (٥) -" (٦)، حاشا الخلفاء؛ فإنهم كانوا يستظهرون القرآن كما ثبت فى الروايات، وعبد الله بن عمر، وابن (٧) مسعود (٨).

стр. 951

وذِكْرُ أَنَسٍ لهؤلاء يحتمل وَجْهَيْنِ (١): [الأوَّل]: إمَّا أنهم الذين عَرَفَ (٢). [الثاني]: وإمَّا أنهم (٣) الذين كانوا جمعوه على عهد رسول الله ﷺ ، فإن ابن عباس أخذه عن أُبَيٍّ بعد ذلك، وأَدْرَكَ حِفْظَه جماعةٌ يَكْثُرُ عَدَدُهم (٤). وقال عمر: "أقرؤنا أُبَيٌّ، وإنَّا لَنَدَعُ من لَحْنِ أُبَيٌّ، وأُبَيٌّ يقول: أخذتُه (٥) مِنْ فِي رسول الله، فلا أتركه لشيء، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٥] " (٦). وقال ابنُ مسعود (٧): "والذي لا إله غيره؛ ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آيةٌ من كتاب الله إلَّا وأنا أعلم فيما (٨) أنزلت، ولو أعلمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بكتاب الله مِنِّي تُبَلِّغُنِيهِ الإِبِلُ لرَكِبْتُ إليه" (٩).

стр. 952

تَحْسِينُ القراءة (١): ثَبَتَ من كل طريق أن النبي ﷺ قال لأبي موسى: "لقد أُوتِيتَ مِزْمَارًا من مزامير آل داود، قال له أبو موسى: لو علمتُ أنك تسمعني لحَبَّرْتُه لك تَحْبِيرًا" (٢). وقال معاوية بن قُرَّةَ عن (٣) عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنِي، قال (٤): "رَأَيْتُ رسول الله ﷺ يوم الفتح على ناقة له يقرأُ سورة الفتح، قال: فرَجَّعَ فيها، ثم قرأ معاوية يَحْكِي قراءة ابن مُغَفَّلِ، وقال: لولا أن يجتمع الناس عَلَيَّ لرَجَّعْتُ كما رَجَّعَ ابن مُغَفَّلِ؛ يَحْكِي قراءة (٥) النبيِّ ﷺ ، قال شعبة: فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعُه؟ فقال: ءآ ءآ ءآ (٦)، ثلاث مرَّات" (٧). وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري: "شَوِّقْنَا ربَّنا - أو: خَوِّفْنَا رَبَّنا-، قال: فيقرأ" (٨)، لِمَا كان عليه من تَحْبِيرِ القراءة وتحسينها.

стр. 953

وكَرِهَ مَالِكٌ التَّطْرِيبَ في الأَذَانِ (١)؛ لأنه لم يكن سُنُّةً، وأَحْسَنَ ما شاء أن يُحْسِنَ، ولم يَرَ لمن يأخذ على التَّلْحِينِ في رمضان أُجْرَةً ولا أَجْرًا؛ لأنه كَرِهَه، وذلك لأن نِيَّةَ (٢) الدنيا دخلته (٣)، وكأنه إنَّما يبيعُ صوته. والأُجْرَةُ على الصلاة جائزة عندنا، والقراءة بالتلحين سنة، وسماعُه يزيدُ إيمانًا بالقرآن وغِبْطَةً، ويُكْسِبُ القَلْبَ (٤) خَشْيَةً. سَمِعْتُ بمصر ابن الرَّفَّاءَ (٥) يَقْرَأُ: ﴿كهيعص﴾ في ذي الحجة سنة خَمْسٍ وثمانين وأربع مائة، فكأني ما سمعتها قَطُّ، ولقد مَرِضَ في وَبَاءٍ كان بها، ثم خرج فجلس "بمسجد العَالِمِ" وقرأ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وجَعَلَ يُرَدِّدُها، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، فكادت نفسي تطير شَعَاعًا (٦)، وأَدْرَكَتْهُ بطُول المرض عَيْلَةٌ؛ فرَأَيْتُ الثياب قد رُمِيَتْ عليه في المجلس حتى صارت كُومًا حال بيني وبينه.

стр. 954

وسَمِعْتُ لَيْلَةً تَاجَ القُرَّاءَ ابنَ لِفْتَةَ (١) يَقْرَأُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٢) في "جامع عَمْرٍو (٣) "؛ فما عَلِمْت أَلَيْلًا كان أم نَهَارًا؟ وسَمِعْتُ الكَازَرُونِيَّ (٤) بالمسجد الأقصى يقرأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]. وكان أبو بكر الطُّوسِي (٥) إمامُ "الصخرة المقدَّسة" يَقْرَأُ في صلاة الصبح بالسُّوَرِ الطِّوَالِ، وكنتُ أُصَلِّي أبدًا معه، وكان أحسن الخَلْقِ صَوْتًا، وكان يُسْمَعُ صَوْتُه إذا أَعْلَنَ من ديار لُوطٍ، على أَقَلَّ مِنْ فَرْسَخٍ.

стр. 955

وكان تاجُ القُرَّاءَ الكَفِيفُ بمدينة السَّلام أَعْظَمَ خَلْقِ الله حُنْجُرَةً، وأحلاهم تلحينًا، سمعته بدار بَهَاءِ المُلْكِ (١) إزاء المدرسة النِّظامية يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، فأَجِدُ أَعْضَائِي تَفَصَّلُ، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، فظننتُ أنَّ سَقْفَ الإِيوَانِ يُنْقَضُ علينا. وعلى الجُمْلَةِ: فإن في القوم طَبْعًا صَوْتًا، وفي هوائهم صفاءً، وفي قلوبهم رحمة (٢)، وفي أنفسهم رقة، يتميَّزون بها على (٣) أهل الجفاء والجهالة والقسوة. وقد كان أبو بكر الصديق ﵁ رقيق القلب، خاشع الجوارح، حَسَنَ الصوت، فإذا قرأ تَقَصَّفَ (٤) عليه نساءُ المشركين وصبيانُهم، حتى قالوا لحَلِيفِه ابنِ الدَّغِنَةَ: "إمَّا أن تَكُفَّه وإمَّا أن (٥) تُخفِرَ عهدك، فقال له: يا أبا بكر، اعبد ربك في بيتك ولا تتظاهر لهم، قال: بل أصرف عليك جِوَارَك وأرضى بجوار الله ورسوله" (٦)، فصرفه عليه، وأَذِنَ الله لرسوله حينئذ في

стр. 956

الهجرة، فخرج رسول الله ﷺ به معه، وترك ما كان له من أهل وقرابة، استئثارًا به، وتَوْفِيَةً لحقه، وعَمَلًا بمقتضى منزلته في الدين ومرتبته، وثِقَةً بمُنُّتِه، وأُنْسًا بصحبته، فمن ذا يطمع في مرتبته؟ وقد يُصِيبُ بَعْضَ الناس غَشْيٌ عند القراءة، وقد يبقى قلبُه على حاله. ورُوي (١) أن الرَّبيع بن خُثَيم سمع: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠]، فخَرَّ مَغْشِيًّا عليه؛ ولم يُفِقْ إلَّا في اليوم الثاني ذلك الوقت، فسُئِلَ ابنُ مسعود عن صلاته فقال: "لا إعادة عليه" (٢). ورُوي عن ابن عمر أنه مرَّ برجل ساقط فقال: "ما هذا؟ قال: إنه إذا قُرِئَ عليه القرآن يصيبُه مثل هذا، قال: إنَّا لنخشى الله وما نسقط" (٣). ورأيت رَجُلًا بمجلس عالم العلماء الرازي (٤) بالرَّيْحَانِيِّينَ (٥) قد سمعه (٦) يتكلَّم ويُشَوِّقُ للحج ويتلو، وكان إلى جانبي (٧) رَجُلٌ على دُكَّانٍ؛

стр. 957

فسقط مَغْشِيًّا عليه، وشُجَّ جَبِينُه، وكان إلى جانبي (١) رَجُلٌ من أصحابي فتعجبتُ (٢) منه، فقال لى: غلبت على بلادكم القسوة. وصلَّى رجلٌ العشاء خلف إمام فقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فخرَّ الرَجُلُ (٣) وراءه (٤) مَغْشِيًّا عليه، فلمَّا سَلَّمَ الإمامُ (٥) أَلْفَوْهُ مَيِّتًا، فاحتُمِل إلى منزله، فلمَّا كان في (٦) اليوم الثاني حُمِلَ إلى المقبرة، ومشى معه جِيرَتُه، فقالوا: "من يصلي عليه؟ فقال بعض الصوفية: يصلي عليه الذي قتله"، يعني: الإمام الذي قرأ الآية. وقال عبد الله بن عُبَيد (٧): "كان عُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ يَقُصُّ لابن الزبير، وابن عمر قاعدٌ ناحية (٨)، وهو يقول: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ إلى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فبكى ابنُ عمر حتَّى لَثَّقَ خَدَّيْهِ (٩)، وبَلَّ لحيتَه، قال

стр. 958

عبد الله بن عُبَيد (١): فهَمِمْتُ أن أقوم إلى عُبَيْدٍ فأقول له: أَقْصِرْ، فإنَّك قد آذَيْتَ الشيخ" (٢). مَدُّ القراءة: قال أَنَسٌ: "كانت قراءة النبي مَدًّا، ثم قَرَأَ أَنَسٌ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يَمُدُّ بسم الله، ويَمُدُّ بالرحمن، ويَمُدُّ بالرحيم" (٣). وقد كان النبي ﷺ يُسْرعُ بالقراءة (٤)، وكان ممَّا يحرك به لسانَه وشَفَتَيْه (٥)، حتى قال الله له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، فكان إذا أتاه جبريل أَطْرَقَ، فإذا ذهب قَرَأَهُ كما وعده الله (٦). [تَرِتْيبُ القراءة وترتيلُها]: وحديث عبد الله بن عمرو مَشْهُورٌ في ترتيب القراءة وترتيلها، وهو أن يقرأه في شَهْرٍ، وأقلُّه في ثلاث (٧)، ولم يجعل لعبد الله سبيلًا إلى أقلَّ منها، وقال ﷺ : "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" (٨).

стр. 959

وقد رأيتُ من أصحابنا من كان يختمه مَرَّةً في الليل، ومَرَّةً في النهار؛ سَفَرًا وحَضَرًا، لرُطوبة لسانه، واطِّراد عَمَلِه بذلك وعادته، وهذا هو (١) الذي يَرْعَى طريق الذكر دون الاعتبار به. فأمَّا الاعتبار به (٢) فقد (٣) يكون بالآية الواحدة في الليلة الواحدة، فقد قال الترمذي: أخبرنا أبو بكر محمد بن نافع البصري: أنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن إسماعيل بن مسلم العبْدي عن أبي المتوكل عن عائشة ﵂ قالت: "قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة" (٤). وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لم يأذن لعبد الله بن عمرو في أقل من خمس ليال (٥). وقد روى أحمد أنه نقله من أربعين ليلة إلى سبع ليال (٦). وروى ذلك أبو داود، وقال: "ولم ينزل عن سَبْعٍ (٧) " (٨).

стр. 960

وروى أبو داود أيضًا (١) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﵇ أنه قال: "لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث" (٢). وروى أحمد عن عثمان أنه كان يُوتِرُ بالقرآن في ركعة (٣). ورُوي عن سعيد بن جُبَيْرٍ أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة (٤). والترتيلُ أَحبُّ إلى أهل العلم. سماعُه من الغَيْرِ والبكاءُ عليه: قال النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: "اقرأ عليَّ القرآن، قال: أقرأ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنزل، قال: إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه وإذا (٥) عيناه تذرفان" (٦). وقد قال الله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. فالنبي ﷺ بكى رَهْبَةً لذلك اليوم العظيم، وهؤلاء بَكَوا شَوْقًا إلى الله حين سَمِعُوا كلامَه.

стр. 961

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الأسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. فإن كان المرادُ به من تقدُّم ممَّن أسلم من الأمم؛ فإنَّما بَكَوا تَذْكِرَةً لِمَا كان نَزَلَ عليهم، وتقدَّم من التعريف به لهم، أو لمَا فاتهم من أيَّامهم قبل هذه التذكرة، أو على من فاته ذلك من قوْمِهم ومعارفهم، أو على عواقبهم التي لا يعرفونها (١). والبُكَاءُ رِقَّةٌ في القلب، مُمَدَّحَةٌ في الخلق، معدودة في الفضائل، وأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]؟ وهم على أقسام: منهم: الكفار. ومنهم: الغافلون. ومنهم: الذين وَرَدَ ذِكْرُهم في الأثر: "ينثرونه نَثْرَ الدَّقَلِ" (٢)، "يتعجَّلونه ولا يتأجَّلونه" (٣)، يمرون عليه بغير فَهْمٍ ولا تثبت، صُمٌّ عن سماعه، عُمْيٌ عن رؤية عِبَرِه.

стр. 962

ومنهم: من يُقِيمُ حروفه في مخارجها. ومنهم: من يُقْبِلُ على جميع القراءات، وليته جَمَعَ الصحيح منها، أو عرف كيف يجمعها، وهذا كله مذموم، وإقبال على ما لا يُحتاج إليه، أو إعراضٌ عمَّا يلزم، وقد بيَّناه في غير موضع (١). وكان أبو بكر الصديق. ﵁ أَسِيفًا؛ إذا قرأ بكى شَوْقًا وخَوْفًا. وقد رأيت من يَعِيبُ البكاء ويقول: إنه صفة الضعفاء، والنبي ﷺ قد مدحها، قال: "عينان لن تمسهما النار أبدًا، عَيْنٌ بَكَتْ من خشية الله، وعَيْنٌ سهرت في سبيل الله" (٢). وبُكَاءُ الشوق- عندي- خشية، فإنه حَذَرٌ من فوات المتاع بالمحبوب. وقد كنت فاوضتُ في ذلك شَيْخِيَ الزَّاهِدَ أبا بكر (٣) القُرَشِي (٤)، وكانت فيَّ (٥) قَسْوَةٌ جِبِلِّيَّةٌ (٦)، وشَكَوْتُ إليه ما بقلبي من ذلك، فقال لي: "تَبَاكَ إذا لم يُطِعْكَ البكاء، وتَحَازَنْ إذا لم يُجِبْكَ الحُزْنُ، حتى تتَّخذه عادة، وإن مَدَّ الله في عمري لأجمعنَّ كتابًا في البكاء"، وفارقتُه ولم أَدْرِ ما فَعَلَ بعدي.

стр. 963

وكان عبد الله بن عمرو (١) يبكي وهو ساجد في الحِجْرِ، فمرَّ به رجل (٢)، فقال له (٣): "أَتَعْجَبُ (٤) مني أن أبكي من خشية الله؟ وهذا القمر يبكي من خشية الله (٥)، ونظر إلى القمر وقد شَفَّ إلى (٦) أن يغيب" (٧). وكانت أمُّ يعلى بن (٨) عطاء تصنع لعبد الله بن عمرو (٩) الكُحْلَ، وكان يُكثر من البكاء ويُغلق عليه بابَه حتى رَسَعَتْ (١٠) عيناه (١١). وقد جَمَعَه ابنُ أبي الدُّنْيَا فأَحْسَنَ فيه (١٢)؛ لولا صِغَرُ حَجْمِه (١٣). [شكوى ابن العربي من أحوال زمانه]: وقد عَظُمَ الخَطْبُ في هذا الزمان حتى لا يَدْرِي العَبْدُ على أي شيء يَبْكِي، أعلى فوات دنياه؟ أم على ذهاب دينه؟ أم على (١٤) إخوانه في

стр. 964

القربات؟ أم على (١) أعوانه على الصالحات؟ أم على دروس العلم وطُمُوسِه؟ أم على اتفاق الخَلْقِ على إنكار المعروف وتعريف المنكر؟ أم على نفسه التي لا تطاوعه على طاعة؟ أم (٢) على (٣) عِرْسِه التي تطالبه بما ليس له به طاقة؟ أم على ولده الذي لا يَرَى فيه (٤) للعين قُرَّةً؟ أم على جاره الذي لا يُغْضِي له على عورة؟ أم على أميره الذي لا يَرْعَى فيه إلًّا ولا ذِمَّةً؟ أم على فَقْدِ صَبْرِه الذي يغلبه على الانفراد عن الخَلْقِ، والاستبداد (٥) بالربِّ؛ حين لم يَجِدْ سواه، ولا رأى حُسْنًا في (٦) غيره؟ أم على عَدَمِ مَحَلِّ الهجرة حتى يخرج عن هذه الأمة إلى موضع يَأْمَنُ فيه ما يتوقع من نِقْمَةٍ؟ أما- والله- إنه لينبغي أن يَتْرُكَ هذا كلَّه؟ ويَرْجِعَ على (٧) نفسه الخائنة له باللَّوْمِ، وليجادلها، فلعَلَّها (٨) إن كانت لم تَرعْ أَمْسِ تُطِعِ اليَوْمَ.

стр. 965

[تَتِمَّةُ الحديث عن البكاء]: قال لي عَطَاءٌ (١) - شيخُ الفقهاء والفقراء بالمسجد الأقصى (٢) -: أين أعين البُكَاءَ؟ وأين أسباب الاشتياق إلى المولى لا إلى اللِّوَى؟ وجرى القَوْلُ يَوْمَنا وليلَه (٣)، وجرَّ الحديثُ على المشافهة ذَيْلَه، حتى قال لي: ما سَمِعْتُ في البكاء أَحْسَنَ من قَوْلِ الشَّاعر (٤): أَتَتْنِي تُؤَنِّبُنِي (٥) في البُكَا … فأَهْلًا بها وبتَأْنِيبِهَا تَقُولُ وفي قَوْلِهَا حِشْمَةٌ: … أَتَبْكِي بعَيْنٍ تَرَانِي بِهَا؟ فقلت: إذا اسْتَحْسَنَتْ غَيْرَكُمْ … أَمَرْتُ جُفُونِي بتَعْذِيبِهَا وأَصْلُ البكاء إنَّما هو على فَقْدِ المحبوب، أو نزول المكروه، وأيُّ محبوب أعظمُ من الله تعالى وطاعته؟ أو (٦) أيُّ مكروه أصعبُ من سَخَطِ الله وعذابه؟

стр. 966

ألَا ترى أن السحرة لمَّا تَحَقَّقَتْ هذه الحقيقة واستمرت عليها من غير مَثْنَوِيَّةٍ عزيمة قالت لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. وقد قال الله تعالى مخبرًا عن الأنبياء ومن انضاف إليهم من الأولياء: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وإنَّما كان بكاؤهم على أنَّ ما انتَهَوا إليه من السجود- وهو الغاية في الذلة- لا يقوم بحق النعمة، فرأوا أنفسَهم بعَيْنِ التقصير فيما عليهم من الحق. ومن فَضْلِ الله على الخلق أن جَعَلَ البكاء راحةً لهم في الدنيا، وأَجْرًا لهم في الأخرى، وقد بكى السفهاءُ على الأطلال وآثارها، والهفوات وأطوارها، والشَّهوات وأَوْطَارِها، فابْكِ أنت على ما مضى من أيَّامك الأُوَلِ في غَيْرِ عَمَلٍ، وفي ذلك ما (١) قُلْتُ: يا نَفْسِي وَيْحَكِ (٢) كَمْ ذا أَنْتِ في وَسَنِ … لا تَبْكِيَنَّ على الآثار في (٣) الدِّمَنِ وابكي على عَمَلٍ قد كُنْتِ تاركةً … أوقاتَه هَمَلًا في سَالِفِ الزَّمَنِ يا فُرْصَةً لم تزل عنها مدافعة … كالطِّفْلِ يُخْدَعُ باللُّعْبَى عن اللَّبَنِ أيَّامَ تعملُ في دنياك مجتهدًا … مِن كلِّ يَعْمَلَةٍ (٤) كَوْمَاءَ كالفَدَنِ

стр. 967

تَحَفَّظِي ببقايا العُمْرِ جَاهِدَةً … من أن تَمُرَّ (١) على حالٍ من الغَبَنِ وكيف أرجو بلوغًا ما أُؤَمِّلُه … ولَسْتُ أَسْعَى إلى التحقيق في سَنَنِ واللهُ لا يقبل الأعمالَ خالصةً. .. حتَّى تكون على هَدْي من السُّنَنِ وقد قال النبي ﷺ -في الصحيح-: "لو تعلمون ما أَعْلَمُ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" (٢). وقد جاء هذا القول في حديث طويل ضعيف فلا تلتفتوا إليه. ومن الحديث الحَسَنِ: قال النبي ﷺ : "لا يَلِجُ النَّارَ من بَكَى من خَشْيَةِ الله حتى يعود اللَّبَنُ في الضَّرْعِ" (٣). والأوَّلُ أَصَحُّ. الانتقاءُ للآيات بحَسَبِ الأغراض: وقد تختلف القلوب في القراءة (٤)؛ فمنها قَلْبٌ يَخْلُقُ الله (٥) له الرجاء، وآخَرُ يخلق له التخويف، وآخَرُ يخلق له التوحيد، فينتقون آيةً آيةً لأمر يَتَوَجَّهُ.

стр. 968

وفي الحديث الحَسَنِ: أن النبي ﷺ سَمعَ بِلَالًا يقرأ هكذا فأَقَرَّهُ ورَضِيَه (١). ونَصُّه (٢): عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة: "أن النبي ﷺ خرج ليلة، فإذا هو بأبي بكر ﵁ يُصَلِّي؛ يَحْفِضُ من صوته، قال (٣): ومرَّ بعمر بن الخطاب وهو يُصَلِّي رافعًا (٤) صوتَه، فقال: يا رسول الله؛ أُوقِظُ الوسنان، وأطردُ الشيطان، فقال النبي ﷺ : يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا" (٥). ورواه عن أبي هريرة بنحوه، وزاد (٦): "وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، قال (٧): كَلَامٌ طَيِّبٌ يَجْمَعُه (٨) الله؛ بعضه إلى بعض، قال (٩) النبي ﵇: كلكم قد (١٠) أصاب" (١١)، خرَّجه أبو داود.

стр. 969

وقد روى أحمد (١) عن سلمان: "أنه اجتمع الناس إليه بالمدائن؛ فقرأ عليهم سورة يوسف، فجعلوا يتفرَّقون عنه، فقال: أَبِزُخْرُفٍ (٢) من القول؟ تريدون آية من سورة كذا، وآية من سورة كذا" (٣). وقد أَذِنَ النبي ﷺ في اختيار السُّوَرِ (٤). وروى أبو داود: "قال رجل للنبي ﷺ : أَقْرِئنِي (٥) يا رسول الله، قال: اقرأ ثلاثًا من ذوات ﴿الر﴾، قال: كَبِرَتْ سِنِّي، واشتدَّ قَلْبِي، وغَلُظَ لساني، قال: اقرأ ثلاثًا من ذوات ﴿حم﴾، فقال مِثْلَ مقالته، فقال: اقرأ ثلاثًا من المُسَبِّحَاتِ، فقال مثل مقالته، فقال الرجل: يا رسول الله، أَقْرِئنِي سورة جامعة، فأقرأه النبي ﷺ : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، حتَّى فرغ منها، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدًا، فقال النبي ﷺ : أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ" (٦).

стр. 970

حقيقة القراءة: والذي يقرأ القرآن مُتَعَلِّمًا كالذي يقرأه مُؤْتَجِرًا (١)، في أنَّ كل واحد منهما يلزمُه أن يكون له مُتَدَبِّرًا، وفيه مُتَفَقِّهًا، وبه عاملًا، فما كان أَحَدٌ من الصحابة يقرأُ آيةً ولا يتجاوزها إلى سواها حتى يَفْهَمَ معناها، وبذلك كانت كما جاءت الآثار (٢). قال النبي ﷺ : "أيكم يُحِبُّ أن يغدو كل يوم إلى بُطْحان أو العَقِيق فيأتي بناقتين كَوْمَاوَيْنِ في غير إِثمِ ولا قطيعة رَحِمٍ؟ قالوا: يا رسول الله، كلنا نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أَحَدُكم إلى المسجد فيَعْلَمُ أو يقرأ آيةً أو آيتين من كتاب الله؛ خَيْرٌ له من ناقة أو (٣) ناقتين، وثلاثٌ خَيْرٌ له من ثلاث، وأَرْبَعٌ خَيْرٌ له من أربع، ومن أَعْدادِهِنَّ من الإبل" (٤). وعن أبي هريرة قال (٥): قال رسول الله ﷺ : "أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يَجِدَ فيه ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ (٦) عِظَام سِمَانٍ؟ قلنا: نعم، قال: فثلاثُ آيات يقرأ بهن أحدُكم في صلاته خَيْرٌ له من ثلاث خَلِفات عِظَامٍ سِمَانٍ" (٧).

стр. 971

وقَوْلُه في هذا الحديث (١): "يَقْرَأُ ويَعْلَمُ" سواءٌ؛ لأنَّ من قرأ ولم يَعْلَمَ واقتصر على التلاوة دون عَقْلِ المَتْلُوِّ وفِقْهِه فقد خاب سعيَه، وأُفِنَ رأيَه، وغَبِنَ نفسَه، وسَفِهَ عقلَه (٢). وقد ثبت عن النبي ﷺ ذَمُّ ذلك في حديثين عظيمين صحيحين: أحدهما: قوله ﷺ : "إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، يَحْفَظُونَ فيه حدود القرآن، ويُضَيِّعُون حروفه، وسيأتي على الناس زمانٌ كثيرٌ قراؤُه، قليلٌ فقهاؤُه، تُحْفَظُ فيه (٣) حروفُ القرآن، وتُضَيَّعُ حدودُه" (٤). الثاني: قوله- ﷺ : "يَخْرُجُ من ضِئْضِئِ هذا (٥) - وفي رواية: من قبل المشرق- قَوْمٌ يقرؤون القرآن لا يُجَاوِزُ حناجرهم، يَمْرُقُونَ من الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْم من الرَّمِيَّةِ" (٦)، وذَكَرَ الحديث، فذَمَّهُم على التلاوة دون العمل، وهُمْ يَدَّعُونه ولا يعقلونه، ويقولون: "كتابُ الله إِمَامُنا"، وقد نبذوه وراء ظهورهم. وقد صحَّ أنَّ ابن عمر أقام على البقرة ثماني سنين يتعلمها (٧).

стр. 972

وقد قال العلماء: "فيها أَلْفُ أَمْرٍ، وأَلْفُ نَهْي، وأَلْفُ حُكْمٍ، وأَلْفُ خَبَرٍ" (١)، وقال ابن مسعود: "من أراد العلم فليُثَوِّرِ (٢) القرآن، فإنَّ فيه عِلْمَ الأوَّلين والآخِرِين" (٣). صِفَةُ التَّعْلِيمِ: وقد بيَّنَّا في كتاب "قانون التأويل" (٤) كيف يُقْرَأُ القرآن ويُعْلَمُ ويُعَلَّمُ، وقد كان عِلْمُ الألفاظ ومدلولاتها (٥) عند (٦) الصدر الأوَّل؛ لأنهم كانوا عَرَبًا عَرْبَاءَ (٧)؛ يعرفون معاني الألفاظ ومقاطع الكلام، ثم اختلط الخلق حتى فَسَدَتِ الأَلْسُنُ، وضَلَّتِ القلوب عن الحقائق حتى فسدت المعاني، فتعيَّن علينا- والحالةُ هذه- أن نبدأ بعِلْم الألفاظ، على وَجْهِ دِلَالَتِهَا على مدلولها، وأن نعلم مقاطع التعبير عنها؛ وهي الفصاحةُ التي يتميز (٨) بها لسانُ العرب الذي ورد القرآن به، وهو الذي نحاول معرفته. فينبغي أن يُنَشَّأَ الطفل على تعليم العربية ومقاطع الكلام، ويُحَفَّظَ أشعار العرب وأمثالها، ويُلْقَى إليه من الحساب ما يُقِيمُ به دينه، ويكون دُسْتُورًا لعِلْم الفرائض، واستخراج المعلوم من المجهول، ففيه منفعةٌ في الدين، وتمرينٌ للأفهام، ويُدَرَّسُ من القرآن المفصَّل عند استقلاله ببعض

стр. 973

هذه المقاصد، حتى إذا رَوِيَ من هذا الغرض مشى إلى العالم فأقرأه القرآن بتفسيره، ودرَّسه إيَّاه بمعناه، ويأخذه به من أوَّله، فلا يخطئ في وجهين: أحدهما: أن يُعَلِّمَهُ القرآنَ منكوسًا (١)، ولا يقرأه (٢) كذلك إلَّا منكوس القلب. والثاني: أن يُحَفِّظَ الصبيَّ كتاب الله وهو لا يَعْقِلُ منه حَرْفًا، فيتكلَّف استظهارَ ما لا طاقة له به، وإنَّما يَمُرُّ عليه كالعربي يحفظ التوراة بالعِبْرَانيَّة. وإن عَقَلَ الصَّبِيُّ منه الألفاظ المستعملة عنده "كجاء" و"قام" و"قَعَدَ" و"جُلَسَ" لم يَقْدِرْ على رَبْطِها بما يتَّصلُ به، ولا فهْم ما تقتضيه فيما انتظمت معه. فإن قَدَّرَ الله ونظرتُم في شيء من التفسير فأُحَذِّرُكم أنَّ كُتُبَ التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة والمقاصد الفاسدة، فلا تقرؤوا (٣) منها إلَّا المُسْنَدَاتِ؛ "كتفسير عبد الرزَّاق"، و"ابن المنذر"، و"الطبري" لمن أراد أن يَتَبَحَّرَ، وأمَّا هذه المجموعات من غير أسانيد؛ فإنها مُشْتَمِلَةٌ على

стр. 974

مَغْوَاة، لا يكون لأَحَدٍ معها نجاة، منها ما وَقَعَ فيها مؤلفوها غفلة، ومنها ما اعتمدوه جهالة، وأَسْلَمُ ما في هذه المختصرات "كُتُبُ (١) أبي الحسن الحَوْفِي (٢) "؛ التي (٣) ترجمها (٤) لبعض ملوك الأندلس (٥) ابنُ عمَّار

стр. 975

المهدوي (١) باسمه، أيَّان (٢) ورد عليها؛ عام المجاعة الكبرى (٣)، منذ تسعين (٤) عامًا، فقد قرأتُها "بالثَّغْرِ المحروس" و"الفسْطَاط"، ولم أَرَ فيها مُنْكَرًا. وإِيَّاكم و"كُتُبَ القَصَصِ"، فإنكم بقِلَّةِ تَمَرُّنِكُم بالعلوم تتجَرَّعُونَ منها الغُصَصَ، أمَّا في الدنيا فبالجهالات، وأمَّا في الآخرة فإنه يُخاف عليكم أن يُقال فيكم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (٥) عن اقتدائهم بالذين لا يعلمون. قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي (٦) ﵁: فإذا كُنْتَ جَارِيًا على هذا السَّنَنِ فأنت "العَابِدُ".

стр. 976

العَابِدُ (١): وهو الاسمُ التَّاسِعُ وقد اختلفت عباراتُ (٢) الناس في العبادة على أربعة أقوال (٣): أحدُها" الطاعة. الثاني: التَّذَلُّلُ. الثالث: عَبَدَ: دَانَ. الرابع: عَبَدَ: قَهَرَ. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. قال قَوْمٌ: "إن عبد بفتح الفاء (٤) وكَسْرِ العَيْنِ معناه: أَنِفَ وغَضِبَ" (٥). والذي عندي: أنَّ بِنَاءَ "ع ب د" في العربية مَوْضُوعٌ للذِّلَّةِ، وهي: تصريفُ الجوارح في أَمْرِ الغَيْرِ أو منفعته، وقد يأتي (٦) للتَّعَزُّزِ، وكَثِيرٌ من الألفاظ العربية تُستعمل في الشيء وضِدِّهِ (٧).

стр. 977

والذين قالوا: إنَّ عبد بمعنى أَنِفَ؛ لم يكن مأخوذًا- والله أعلم- إلَّا من هذه الآية، فإنْ كان تأويلُها كما قال قَوْمٌ: إنَّ معناها (١): "إن قلتم: إنَّ للرحمن ولدًا فأنا أوَّلُ من يَعْبُدُ الرحمن (٢) " (٣). وقد رُوي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال حين نُسِبَ إليه أنه (٤) قتَلَ عثمان: أَنَّه عَبِدَ، يعني: غَضِبَ (٥). وهذه كلُّها أقوالٌ مصنوعة (٦)، مَبْنِيَّةٌ على تأويل الآية، وليس للعبادة مَعْنًى إلَّا التذلُّل، فاعلمُوه واطرحُوا غَيْرَه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقد خَفِيَتْ هذه الآية على المبتدعة وعلى أهل السُّنَّةِ. فقال قَوْمٌ من المبتدعة: "خَلَقَهم وأراد منهم العبادة، ففَعَلُوا ما أرادوا ". تعالى الله أن يكون في مُلْكِه ما لا يُريد. وقال بعضُ أهل السُّنَّةِ: "إن كان خَلَقَهُم ليعبدوه فقد وُجِدَ من لا يَعْبُدُه، ولا يَصِحُّ أن يكون في خبره خُلْفٌ، وأيضًا فإنُّه غَنِيٌّ عن عبادتهم، وظاهرُ الآية يُعْطِي أنه خَلَقَهُم لما هو غَنِيٌّ عنه (٧) ".

стр. 978

وقال قَوْمٌ من القَدَرِيَّةِ: "إنَّ العبادة وُقُوعُ أفعال العباد على وَفْقِ أَمْرِ المَوْلَى". فأخرجوا الأفعال عن العبادة ما لم تكن (١) موافقة للأمر (٢)، ليُثَبِّتُوا بذلك أنه لا يريد المعصية. وقال أهلُ السنة: "إن العبادة هي وقوعُ أفعال العباد على حُكْم المَوْلَى، لا جَرَمَ كل طاعة ومعصية وخَيْرٍ وشَرٍّ ظَهَرَ من العباد، فإنه بحُكْم المَوْلَى وقضائه، والأمورُ تَجْرِي على حسب مراد الله تعالى، لا (٣) على مقتضى أَمْرِه ونَهْيِه" (٤). ولمَّا جَهِلَ هذا الأَصْلَ المبتدعةُ وغَفَلَ عنه (٥) المفَسِّرُون خلَّطُوا في هذه الآية: فقال قَوْمٌ: "معناها الخصوص وإن كانت (٦) جاءت بلفظ العموم" (٧). وهذا ضعيفٌ لوجهين: أحدهما: أن العموم إنما يُخَصُّ لحاجة، ولا حاجة هاهُنا.

стр. 979

الثاني: أن (١) الأصل الذي يَدْعُو إلى الخُصوص فاسدٌ، ولا يُبْنَى عليه. ومنهم من قال: معناه: "وما خلقتُ الجن والإنس إلَّا لآمُرَهم بالعبادة" (٢). والمعنى صحيحٌ؛ ولكنه تركيب لا تعضدُه العربية، ولا تقتضيه الفصاحة، والقُرْآنُ طَلَقُ (٣) العربيَّة، وبَيِّنُ (٤) الفصاحة. والمعنى الصحيحُ في الآية (٥): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي: لتَجْرِيَ أفعالهم على مُقْتَضَى قضائي، فيكون فِعْلُ العبد على مقتضى حُكْم المَوْلَى، وإنَّما يخرج فِعْلُ العبد عن حُكْم المولى إذا كان مغلوبًا، والغالب لا يَخْرُجُ شيءٌ عن حُكْمِه، وهو الله وحده، وقد فَهِمَ بعضُ الصالحين هذا الحق، فقيل له: "ما أراد الله من الخلق؟ فقال: ما هُم عليه". والغَفَلَةُ ظنُّوا أن تفسير العبادة هاهُنَا الطاعة، ورَأَوا بَعْضَ الخلق لا يُطِيعُ (٦) فطَلَبُوا للآية معنًى غير معناها، ولو عَقَلُوا معنى ذلك وفَهِمُوا أيضًا

стр. 980

معنى السجود كما قال الله سبحاله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، فالكافر يَكْفُرُ بلسانه، وجوارحُه كلُّها مؤمنة، نعم؛ ولسانُه الكاذب شاهدٌ لله، عابدٌ له في تكذيبه به (١)؛ لأنه جَرَى بحُكْم قضائه، ونَفَذَ بمُقْتَضَى تقديره، فلم يخرج شيءٌ عن مُلْكِه، وقد قال الله تعالى: ﴿عِبَادِي﴾ فى مواضع من كتابه، منها قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فأضافهم إلى نفسه؛ بما وَهَبَهم من الحِفْظِ والعِصْمَةِ، فهم لا تضرهم الوساوسُ باستجارتهم بالله، وإذا قَرُبَ الشيطان من قَلْبِ العالِم أَحْرَقَه نُورُ العِلْمِ، وإذا دنا من قَلْبِ (٢) الغافل أحرقه تجديدُ الذِّكْرِ وإحضارُ التوحيد. قال النبي ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدَكم فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ فيقول له: الله (٣)، فيقول له: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدُكم فليَقُلْ: لا إله إلا الله" (٤). وقال في موضع آخَرَ: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، وإنَّما يكون عبدُه الذي يخاطبه بهذه المخاطبة الشريفة من لم يَكُنْ في أَسْرِ غيره، وأمَّا (٥) من استعبده هَوَاهُ واستمكن منه الطَّمَعُ واسْتَرَقَّتْهُ كل خَسِيسَةٍ ونَقِيصَةٍ فلا يكون منهم، ولا يُدْعَوْنَ، بل يُدْعَى عليهم.

стр. 981

قال النبي ﷺ : "تَعِسَ عبد الدينار، تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ عبد القَطِيفَةِ، تَعِسَ عبد الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وانتَكَسَ، وإذا شِيكَ فلا انتَقَشَ" (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. والمعبود: هو الذي تَجْعَلُ له قلبَك وعملَك، فمن جعله للحَجَرِ فهو عابدُ صَنَمٍ، ومن جعله للذهب والفضة فغَدَا فيه وراح، وعَمِلَ له وسعى، ورأى أنه هو المقصود الأَوْفَى؛ فهو على مَنْزِلَةٍ من عبادة غير الله، ولذلك دعا عليه رسول الله ﷺ في الحديث المتقدِّم. وقد (٢) قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٣]. والمعنى: تَدَلَّلْ لحُكْمِي، واستَسْلِمْ لأَمْرِي، وانْقَدْ لامتثال حَدِّي (٣)، واخضع لسُلْطَانِي، وذلك بإقامة الصلاة لذِكْرِي. يعني: إِذا ذَكَرْتُهَا (٤) لك، وخَلَقْتُ لك العِلْمَ بها. والصلاة هي العبادة كلها، فإنها تشتمل على فِعْلِ القلب واللسان والجوارح، وهي الجملة الآدمية المُتَوَجِّهُ إليها الابتلاءُ بالأمر والنهي، والوظائف الشرعية التي أوَّلها إخلاصُ القلب، وآخرُها السجودُ بتَمْرِيغِ الوَجْهِ لله تعالى.

стр. 982

ولما بَلَغَ النبيُّ ﷺ الغَايَةَ من (١) التذلل والتواضع لله والمسكنة (٢)، وصار اسمُ العَبْدِ فيه حقيقة؛ حين (٣) لم يَعْصِ الله قَطُّ؛ لا قبل النبوَّة ولا بعدها؛ رَفَعَهُ الله إلى سِدرَةِ المنتهى، وأَوْصَلَه إلى مَوْضع يَسْمَعُ فيه صَرِيفَ الأقلام، وأخبر عنه (٤) باسم العَبْدِ، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. التقدير: سبحان الذي رَفَعَ المُتَذَلِّلَ له إلى أَعَزِّ مَوْضِعٍ عنده. وقال (٥) له: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]، فكذلك (٦) فَعَلَ ﷺ ، فلقد قام حتى تَفَطَّرَتْ قدماه، وكان نهارُه كله في عبادة مولاه، حتى إذا طرأت عليه غَفَلَاتُ الآدميَّة بمُعَافَسَةِ الأهل والطعام تاب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة، ووَذَرَ (٧) الدنيا (٨)؛ ولم يَمُدَّ إليها عَيْنًا، ولم ينتقم لنفسه. ولا يَتِمُّ الصبر على العبادة إلَّا بترك الدنيا، قال أبو الدرداء- فيما رواه ابن حنبل-: "كنت تاجرًا؛ فلمَّا أَسْلَمْتُ حاولت انتجارة والعبادة فلم يَجْتَمِعَا، فأخذت العبادة وتَرَكْتُ التجارة" (٩).

стр. 983

وقال في عيسى وعنه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٢٩]، مُعْتَرِفًا (١) بما هو عليه، وبما يجب في صفته. قال علماؤنا: المعنى في الاحتجاج على النصارى: إِنْ صَدَقَ عيسى بَطَلَ قولُكم (٢)، وإِنْ كَذَبَ فلا يَكُونُ ابنًا لله، ولا خلاف بيننا وبينهم في أن عيسى عبد الله من تَسْمِيَتِه لنَفْسِه، وادَّعَوا أن الله سمَّاه ابنًا، فبذلك قامت هذه (٣) الحجة عليهم. [صفاتُ عباد الرحمن]: وقد قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، فوصفهم باثنتي (٤) عشرة صفة، وبذلك اختصُّوا أن يُضِيفَهم إلى نفسه. الصِّفَةُ الأولى: قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] الهَوْنُ (٥) الرِّفْقُ، يُريد به: التواضع والخشوع، وهو (٦) ضِدُّ الذين يمشون على الأرض مَرَحًا. الثانية: إذا جُهِلَ عليه (٧) لا يَجْهَلُ مثل جَهْلِه ولا فوقه

стр. 984

كما قال الذي لم يَكُنْ له دِينٌ، وكان له حَمِيَّةُ الجاهلية ونَخوة (١) الأعرابية: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا … فنَجْهلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا (٢) ولكنَّه يُقَابِلُ بالحَسَنِ من القَوْلِ، إن ذَمَّة مَدَحَه، وإن ساءَه فرَّحه، أو يسكت عنه (٣) ويُعْرِضُ عنه، كما قال بعضُ أصحابنا (٤): إنَّ صَبْرِي على الجفاء صَوَابُ … وسُكُوتي عن السَّفِيهِ جَوَابُ فَهْوَ لا شَكَّ كالذي قِيلَ فيه: … مَنْزِلٌ عَامِرٌ وعَقْلٌ (٥) خَرَابُ وإن ذَكَرَ أَحَدٌ لهم عَيْبًا سَكَتُوا عن عَيْبِه. وقيل: يقال له: "سلام عليكم"، يُذَكِّرُ بالسلامة، ويُعَرِّفُ أن الله رقيب عليه، قال النبي- ﷺ في الصائم: "فلا يَرْفُث ولا يجهل، فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليَقُلْ إنِّي صائم" (٦)، ولا يُقابِل قِتَالَه بقِتَالٍ، ولا سَبَّه بسَبٍّ.

стр. 985

الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] يَعْنِي: أنَّهم (١) بالنهار فى صَمْتٍ وكَفٍّ، وهُم بالليل في سُجُودٍ ورُكُوعٍ، وقِرَاءَةٍ وفِعْلٍ (٢). وقد قُلْتُ في ذلك أبياتًا ربَّما أفادت الصالحين ذِكْرَى، وهي: إِلَيْكَ إِلَهَ الخلق قاموا تَعَبُّدَا … وذَلُّوا خُضُوعًا يَرْفَعُونَ لَكَ اليَدَا بإِخْلَاصِ قَلْبٍ وانتصاب جوارح … يَخِرّونَ للأَذْقَانِ يَبْكُونَ سُجَّدَا نَهَارُهم صَوْمٌ ولَيْلُهُم بُكَا (٣) … ودينُهم رَعْيٌ ودُنياهم (٤) سُدَا (٥) فبالحِكَمِ اللَّاتِي تَوَلَّتْ نظامَهم … وبالكَلِم اللَّاتِي أَنَالَتْهُمُ الهُدَى أَزِلْ حَسَدَ الحُسَّادِ عَنِّي بكَبْتِهم … فأَنْتَ الذي صَيَّرْتَهُم لي حُسَّدَا وهذا كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] ولم يَذْكُرِ الركوع؛ لأن ذِكْرَ السُّجُودِ ذِكْرٌ له، والسُّجُودُ هو الانحناء، وأوَّله خَفْضُ الرأس، وآخِرُه وَضْعُ الوجه على الأرض، وإذا انحنى نِصْفُ بدنه وبَقِيَ النِّصْفُ الآخَرُ قائمًا (٦)؛ فهو آخِرُ الركوع عَرَبِيَّةً، وأوَّلُه (٧) ابتداءُ خَفْضِ الرأس، وهذا كلُّه يفعله خَوْفًا من الله، ورجاءً في الرحمة.
следующие страницы →