← Акыда

Акыда · id 12120

هذه مفاهيمنا

صالح آل الشيخ

Полный текст (242 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦١-٦٣] وقال تعالى في (لقمان) : ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، وفي (الزمر) : ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] الآية. وغير هذه الآيات في القرآن. وهي ظاهرة في أن اعتقاد المشركين: أن لا رازق إلا الله، وأنه تعالى مالك السمع والأبصار، والمحي المميت، وهو مدبر الأمر. وأنه تعالى له الأرض ومن فيها، وله السماوات السبع والعرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، ليس لأحدٍ ملك، وأنه يجير ولا يجار عليه. وأنه خالق السماوات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، وأنه منزل القطر، ومحي الأرض بعد موتها. كل هذا اعتقاد مشركي العرب وغيرهم، حكاه القرآن عنهم، وألزم أولئك بأنهم ما داموا مقرين بذلك فَلِمَ لَمْ يوحدوه بعبادته؟ ! ولِمَ يتخذون شفعاء يطلبون شفاعتها من عقلاء أموات، أو جمادات؟ ! وصاحب المفاهيم ينكر هذا ويقول: إن هؤلاء المشركين لم يقروا بما حكاه الله عنهم، فيا لها من جراءة ما بعدها جراءة! ! النوع الثاني: كقوله تعالى في سورة (الأنعام) : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون إن

стр. 107

معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد " إنّ "، وأكدت باللام. فلفظ "مع" في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم. وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٥، ٩٦] ، وقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ، وقوله تعالى في آيات النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [قّ: ٢٦] ، والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله إلهاً، فهم مقرون بربوبية الله وأحديته،

стр. 108

ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة، ومن تأمل هذا وتدبر تلك الآيات الكريمات العزيزات، انفتحت له من العلم أبوابٌ ولج منها إلى الفهم الصحيح لما بعث الله به رسله. النوع الثالث: كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْلِلّهِ شُرَكَاء﴾ [الرعد: ٣٣] في الرعد وغيرها من الآيات المفيدة أنهم مقرون على أنفسهم بالشرك، في العبادة بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن هذا. ولفظ الشرك لا يكون في لسانٍ إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله، ولكنهم أشركوا به في الإلهية. النوع الرابع: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كَذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط. وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى

стр. 109

الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] . فيا من قال: إن أولئك الكفار يشركون بربوبية الله لا في عبادته؛ ويتأول آياتٍ تأويلاً من نوع اللعب! يا من قال ذلك! أفيدعو أولئك مخلصين في حالة الشدة من لم يعتقدوا ربوبيته وإلهيته؟ ! إن الحق الذي لا يجوز المحيد عنه وهو الذي دل عليه القرآن، من إقرار المشركين بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كان الشدة والكرب، أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين. النوع الخامس: كقوله تعالى في آخر سورة (يوسف) : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ، وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا، ومميتنا وحيينا، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكاً في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر، وقتادة، وعطاء، وجمع كما في " تفسير ابن جرير " (١٣/٥٠-٥١) ، وابن أبي حاتم. هذا هدى، فهل لهؤلاء من آذانٍ صاغية، وقلوب تخاف الآخرة، ونفوسٍ تكره النار وغضب الجبار؟ ! اللهم! اهدهم فإنهم لا يعلمون.

стр. 110

الدليل من السنة على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وكذا في السنة أدلة على إقرار المشركين بالربوبية، وأن ذلك الإقرار لا ينفع إلا إذا شهد المقر بالربوبية "أن لا إله إلا الله"، والإله هو المعبود كما قال تعالى: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ﴾ [هود: ٢٦] ، فمن ذلك: ما أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢/٤) عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار. فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى". فقول رسول الله ﷺ لمن قال: " الله أكبر": على الفطرة، أفاد فائدة وهي أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية، هو في الفطر مستقر١، ولذا لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا بقوله: " أشهد أن لا إله إلا الله"، شهادة متضمنة نفي كل معبود سوى الله، وهو توحيد الألوهية، ودلالة هذا ظاهرة. ومن ذلك ما جاء في " صحيح مسلم " (١٥/١١ مع شرح النووي) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: "ردفتُ رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ ، قلت نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه، حتى أنشدته مئة بيت".

стр. 111

ورواه مسلم من طريق أخرى بمثله، وزاد: قال: " إن كاد ليسلم"، وفي الطريق الأخرى طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: "فلقد كاد يسلم في شعره". قال النووي: " واستزاده من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث" اهـ. ومن شعر أمية قولُه: الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صَبَّحنا ربي ومَسَّانا ربُّ الحنيفة لم تنفد خزائنها مملؤة طبق الآفاق أشطانا ألا نبي لنا منا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس هجرانا بينا يُربَّبُنا آباؤنا هلكوا وبينما نقتفي الأولاد أبلانا وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا أن سوف تلحق أخرانا بأولانا وقد عجبت وما بالموت من عجب ما بال أحيائنا يبكون موتانا وشعره معروف سائر، وكثير منه في نحو هذه المعاني، المفردة رب الخليقة بالربوبية، المؤمنة بالبعث. فانظر إلى قول النبي ﷺ : " إن كاد ليسلم"، فلم يحكم له بالإسلام بمجرد توحيده رب الخليقة بالخلق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وهو من الجاهلين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ . والاكتفاء بهذين الحديثين من سنة حبيبنا ﷺ فيه كفاية لمن أراد الحق وسعى إليه. ومن شعر العرب الدال على إقرارهم بالربوبية، قول أوس بن حجر١: وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهن أكبر

стр. 112

ومنه قول درهم بن زيد الأوسي١: إني ورب العُزّى السعيدة والله الذي دون بيته سَرَفُ! وفي الباب أشعار كثيرة فيها الإقرار بالربوبية، ولكني أجتزأت منها بما ذكرت؛ لأجل ورود ذكر الله ﷻ وأصنامهم في بيت واحد؛ ليكون أدل على المراد، وأثبت عند الحجاج. وكانت تلبية نزار إذا ما أهلت: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك٢.

стр. 113

المجاز العقلي وتعلق صاحب المفاهيم به في تبرير أعمال الشرك ووسائله أكثر صاحب المفاهيم من تبرير وتسويغ ما يقوله المتوسلون بالذوات والجاه والحرمة ونحوها، وكذا ما يقوله المتخذون رسول الله ﷺ والصالحين واسطة بينهم وبين الله في الدعاء والشفاعة، وكشف الضراء وجلب السراء، وغفران الذنوب بحجة المجاز العقلي. وكذا ما يفعله العاكفون على القبور من استغاثتهم بالأموات، وطلب الشفاعة من الصالحين المقبورين وغيرهم ممن قد لا يعرفون بصلاح، يجادل في الحكم عليهم بالشرك بحمل صنيعهم على المجاز العقلي. والاحتجاج بالمجاز العقلي، وإن احتاج إليه بعض المتأخرين من البيانيين لتخريج بعض أنواع الإسناد في قصائد الشعراء، أو في كلام العرب، فلا يجوز لتخريج الكلام الذي ظاهره شرك وكفر، بحجة صدوره من مُقِرًّ بوحدانية الخالق، وهذا مجمع عليه بين علماء الشريعة: الفقهاء والمحدثين. ولم يحتج بالمجاز العقلي في منع التكفير إلا قلة من متأخري المنتسبين للعلم، بعد ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، لجأوا إلى ذلك تخلصاً من الإنكار عليهم، وتبريراً لأوضاعهم الفاسدة، وتخريجاً لأقوالهم الشركية، وهو عمل باطل لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا بدليل؛ ولأن فتح هذا الباب يُحْيي شجرة الشرك. وإليك شيئاً من كلامه:

стр. 114

قال ص ١٦ تحت عنوان: المجاز العقلي واستعماله: " الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده، فهو الخالق للعباد وأفعالهم، لا تأثير لأحدٍ سواه، لا لحي، ولا لميت. فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض، بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك" اهـ. أقول: هذا الاعتقاد هو توحيد الربوبية، وما هو بالتوحيد المحض، بل التوحيدُ المحض هو ما جمع بين توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما لم تجتمع فيه هذه الثلاثة فليس بتوحيد محض. وقد قدمنا بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة أن المشركين الذين بُعِثَ إليهم النبي ﷺ كانوا مقرين بما سماه صاحب المفاهيم " توحيداً محضاً ". اسمع قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٣] ، فهم مقرون بأن الله هو الخالق وحده، والمحيي المميت وحده، وهو وحده مدبر الأمر، ومع ذلك أخبر أنهم ليسوا مؤمنين، وأنهم على ضلال. فاحتج عليهم بما يقرون به: وهو توحيد الربوبية، على ما ينكرونه توحيده سبحانه بأفعالهم وهو الألوهية، ولا بُدّ عند الحجاج أن يقدم للمعارض ما به يقر، فانظر إلى لطيف هذه الحجة واستعمال القرآن لها.

стр. 115

والمشركون الذين بعث إليهم نبي الله إبراهيم ﵊ مقرون بذلك المعنى، ومقرون بأن الله خالق ما يعملون، فهم مخلوقون وأفعالهم مخلوقة لله. ولذا احتج عليهم إبراهيم ﵇ بما يقرون به فقال لهم ما أخبر الله عنه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] فأنكر عليهم العبادة: وهي صرف القلب لهذه المنحوتات المصورة على صور الوسائط، وحجهم بما يقرون به، وهو خلق الله لهم ولما يعملونه، فأين هذا من التوحيد المحض، وهم المشركون شركاً محضاً؟ ! وقوله: " لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت إلخ" تفوح منه رائحة قول غلاة الصوفية القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثَمَّ إلا الله، وأفعال العباد هي أفعاله، وقول صاحب المفاهيم: " بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك"، نابع ومتفرع عن أصل أهل الكلام المذموم، وهو أن غاية التوحيد توحيد الربوبية، والمشرك من اعتقد وجود خالقين، أو نابع من القول بوحدة الوجود كما ذكرنا، ومن عرف حال المشركين الذين أخبر الله بأحوالهم ومعتقداتهم، تيقن بطلان هذا الكلام العقلي لا الشرعي، فإنه ليس له من دلائل الكتاب السنة نصيب، بل القرآن كله في تقرير خلافه. ولكن تتلمذ فئام لأهل الكلام وكتبهم، وانصرفوا عن تدبر كتاب ربهم، والإشراك أقسام: منها: ما يقع في الربوبية كاعتقاد الثنوية القائلين بوجود خالقين. ومنها: ما يقع في الألوهية، كما هو شرك أكثر بل كل من بعثت لهم الرسل الذين قصَّ الله علينا في القرآن أخبارهم.

стр. 116

فما من منازع في توحيد الربوبية عند العرب إلا شرذمة لا يصح أن تنسب لهم مقالة كما قاله جمع من العلماء، وما أولئك بالموحدين توحيداً محضاً. قال صاحب المفاهيم ص٢١: " والأمر الجامع في ذلك أن من أشرك مع الله ﷻ غيره في الاختراع والتأثير، فهو مشرك، سواء كان الملحوظ معه جماداً، أو آدمياً، نبياً، أو غيره، أو ملكاً، أو جناً، أو عملاً عمله. ومن اعتقد السببية في شيء من ذلك اطردت أو لم تطرد، فجعل الله تعالى سبباً لحصول مسبباتها، وأن الفاعل هو الله وحده لا شريك له فهو مؤمن، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسببٍ سبباً؛ لأن خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر ﷻ ، وعظم شأنه". أقول: وهذا الاعتقاد هو عين ما كان يعتقده مشركوا العرب حَذْو القذة بالقذة والنعل بالنعل، لا فرق، فكيف تجري هذه الشبه في أمة محمد ﷺ ، وقد أكرمها الله ببعثة نبيه وإجابته واتباعه؟ ! ثم إن أهل وحدة الوجود يقولون: إن من اعتقد أن هناك فاعلاً غير الله فقد أشرك وهو قول الجبرية أيضاً، وذلك ما يدل عليه كلامه. والمشركون لم يعتقدوا أن أوثانهم تخلق بنفسها، ولا أنها تنفع بنفسها ولا أنها تفعل هي، بل الفاعل عندهم والمدبر هو الله كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ [يونس: ٣١] ، وقال: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩] ، فإذا أخبرنا الله أن أولئك الأقوام إنما أشركوا شرك

стр. 117

واسطة، لا شرك خلق وإيجاد، أشركوا شرك تسبب لا شرك استقلال، فلماذا لا نتبع ما قال الله وندع قول أحفاد اليونان من أهل الكلام؟ ! إنها فتنة عظيمة شديدة عسى الله أن يخرج أقواماً منها، قال تعالى إخباراً عن أهل النار: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦-١٠٠] ، فتأمل قوله تعالى حق التأمل وتدبره، واجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] تعلم من ذلك أمرين: الأول: أن تسوية المشركين معبوديهم برب العالمين لم تكن في الخلق والإيجاد، بل سووهم برب العالمين في التوجه والعبادة. فحق الله أن لا يتوجه بطلب الغفران ورفع الدرجات والعطاء والرحمة إلا منه. وهم توجهوا بطلب الغفران والعفو وطلب الخير من أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، وكان شعارهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، وكذا قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَاعِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] . فتبين باليقين القاطع أن تسويتهم معبوداتهم برب العالمين، إنما هي في المحبة والتعظيم والتوجه والقصد، وطلب الشفاعة والواسطة. فالقرآن حق كله، وأحسن وأعلى وأغلى ما فسر به القرآن القرآن. الثاني: أن اتخاذ الشفعاء ودعاء المقبورين طلباً لشفاعتهم شرك وهو عين شرك الجاهلين، وشركهم كان في الألوهية في التسوية بين الله وبين خلقه في التوجه والقصد طلباً للشفاعة والدعاء والتسبب، وقول صاحب

стр. 118

المفاهيم: " إن هذا سبب" كذب على الشرع، فإن الله لم يجعل هذا سبباً لقبول الدعاء ولا أمر به ولم يشرعه لعباده. ومن توجه إلى كتاب الله وتفقه فيه وتبصر بآياته وما أخبر الله فيه عن عقائد المشركين وعقائد الموحدين، وأحوال الرسل مع أقومهم وما يتصل بذلك من بيان التوحيد والشرك فإنه من المهتدين حقاً. وسيقوم بقلبه من محبة الله وتوحيده، وتعظيمه وطاعته ما به يصل برحمة الله إلى اليقين في الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة. اللهم! يسر لنا أسباب ذلك منة منك وتكرماً. قال صاحب المفاهيم ص٢٥: "وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم " اهـ. أقول: يعني بهذا أن من قال للنبي ﷺ بعد موته: أستغيث بك يا رسول الله! إذا كان القائل موحداً فيجب حمله على المجاز العقلي، إذ لا يعقل استغاثة موحد بالأموات على سبيل الاستقلالية عند الكاتب. بل المعنى الذي طلبه المستغيث هو التسبب، وهذا المعنى كثير وروده في كتاب " مفاهيم يجب أن تصحح "، والحق ينبني على أن هذه المقدمات والأمور التي يعلل بها للمستغيثين باطلة مقدماتها، وباطلة نتائجها، وكشف ذلك يتم بأمرين: الأول: أن يقال: ومن قال إن المستغيث والداعي إذا قصد التسبب لا يكفر، بل القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّوَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ، أي: وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم وما يعملون، وهو المحيي المميت، وأنه الذي يجير ولا يجار عليه إلا

стр. 119

وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، واتخاذ الأرواح التي صورت على أجسام أصحابها الأصنام سبباً لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون. أفلا ترى إلى أنهم إذا أيقنوا بالهلاك في البحر أخلصوا الدعاء لله، فلم يتخذوا وسيلة إليه من المخلوقين كما يفعلونه في الرخاء؟ فعلم من ضد أحوالهم وبنصّ القرآن أن أولئك المشركين ما كانوا يعتقدون الاستقلالية، بل كانوا يعتقدون التسبب بما لم يجعله الله سبباً ولم يأذن به، فلم لم يحتج لهم بالمجاز العقلي؟ ! ولم كفروا بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، وهم إنما جعلوهم سبباً لتقريبهم إلى الله زلفى؟ ! الثاني: أن تخريج أقوال عباد القبور -المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم، المحبين أصحابها أعظم من محبتهم لله- على المجاز العقلي منكر كبير، وخطأ عظيم مخالف لحقيقة حالهم؛ ذلك أن كثيراً يعكفون على قبور الميتين ويعتقدون أن لصاحب القبر تصرفاً في الكون، وأنه يفعل ما شاء مطلق التصرف١ بإعطاء الله له، وهذا كفر أعظم من كفر اعتقاد التسبب، وهذا لم يخطر على أذهان الجاهلين من العرب، ولذا تجد هؤلاء المشركين المعاصرين ينادون معبودهم، ويستتغيثون به ولو كانوا بعيدين عنه بعداً كبيراً، لاعتقادهم بأن له قوة أكبر من قوتهم البشرية، أعطاه الله إياها، وفوض له إصلاح شؤون طائفة من الخلق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيراً.

стр. 120

ومن سمع أقوال المستغيثين بأصحاب القبور علم أنهم يعتقدون أن لهم شيئاً من التصرف والاستقلالية، وهو كفر فوق كفر التسبب والواسطة. قال أبو الفضل الشهاب الألوسي في تفسيره " روح المعاني " (٦/١١٥) : "ولا أرى أحداً ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب، ويسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير أو دفع الأذى وإلا لما دعاه، ولما فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ". فالألوسي يبصر عبدة القبور المستغيثين بأصحابها، ويعرف ما يدور بخلدهم من كثرة ما يراهم، وعلى مثل حال من ذكر كثير من الذين يصرفون وجوههم إلى غير الله. وقد وقع في هذا صاحب المفاهيم حيث قال ص٩١ في وصف نبي الله ورسوله محمدٍ ﷺ : " فإنه حي الدارين، دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها، خبيرٌ بأحوالها. . . " اهـ، فإنه يُلْمِح ويشير إلى ذلك المعنى الذي عليه عبدة القبور، من اعتقاد تصرف المقبورين من الأنبياء والصالحين بشؤون الناس. قال صاحب المفاهيم ص٩٥: "فالقائل: يا نبي الله اشفني واقض ديني، لو فرض أن أحداً قال هذا فإنما يريد: اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء إياه من الدعاء والتشفع. وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك، وندين الله على هذا، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به" اهـ.

стр. 121

أقول: أولاً: ومن قال إن الدعاء والشفاعة يملكها ويقدر عليها من حياته برزخية نبياً كان أو غيره؟ فهذه قالة فاسدة يقيناً. وقد فصلت في موضعٍ آخر حكم الواسطة، وكذا حقيقة الشفاعة، وكيف تطلب، فيراجع في محله. الثاني: أن هذا القول فيه من الزعم على الإطلاع على قلوب عباد القبور شيء كثير، وكأنما صاحب المفاهيم كفيل بكل من دعا أصحاب القبور أن يدافع عنهم! وكان قصارى ما يجب عليه إنصافاً وعدم مكابرة أن ينسب ذلك إلى اعتقاده هو نفسه، وإلا فقلوب الناس لا سبيل إلى معرفة حقيقة ما فيها. الثالث: أن من نتائج هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد، إذ كل من صدر منه قولٌ شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي. فهؤلاء المنافقون في عهد رسول الله ﷺ حين قالوا في غزوة تبوك: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء" فنزل فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] الآيات، أخرجه ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن، وأخرجه ابن جرير وغيره. فلمْ يعذرهم عن استهزائهم، ولا قبل منهم، ولوكانوا في هذا الزمان لخرّج أصحاب المجاز العقلي قولهم، ولم يكفروهم، وكذا من قال من الزنادقة: الشيطان ربي، أو الحلاج إلهي، أو الولي الفلاني مطلع على

стр. 122

سري، أفيقول فقيه: إن كان موحداً حمل قوله على: الشيطان عصى ربي، والحلاج أضله إلهي، أو رب الولي الفلاني مطلع سري؟ ! هذا ما لم تحم حوله أقوال فقيه، ولا خرَّجها مخرج، ولا اعتذر عنهم بذلك معتذر، ولو أجيز ذلك لسمعت الأقوال الكفرية الشركية صباح مساء من الفسقة والمنافقين، ولطعنوا جهاراً في الدين، ثم إذا أتت الأمور عند الحاكم أحال كل منهم على المجاز العقلي، وخَرَجَ من عهدة الشرك. أفيقول بهذا حاكم؟ ! أم يتسيغه مفتٍ؟ ! أم يقول به طالب علم؟ ! أم يفوه به منتسب لأهل العلم؟ ! إن قبل هذا قابل فأبشر بعزةٍ لدين الزنادقة، وتولٍ لدين الموحدين، دين رب العالمين، ثم أبشر بكل شر. أفيجوز بعد هذا أن يحتج محتج بالمجاز العقلي الحادث؟ ! فهذا مذهب المالكية في الردة لا يقبل المجاز العقلي، فمن ذلك ما قاله الدردير في " شرحه الصغير " (٦/١٤٤) وما بعدها: " الردة: (كفر مسلم) متقرر إسلامه بالنطق بالشهادتين مختاراً، يكون: (بصريح) من القول: كقوله أشرك بالله. (أو قول يقتضيه) أي: يقتضي الكفر، كقوله: جسم كالأجسام. (أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزوماً بيناً ". ثم قال في حكم من سبّ نبياً (٦/١٥٤) : " (ولا يعذر) الساب (بجهل) ؛ لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، (أو سَكْرٍ) حراماً (أو تهور) : أي كثرة الكلام بدون ضبط. ولا يقبل منه سبق اللسان (أو غيظ) فلا يعذر إذا سب حال الغيظ بل يقتل إلخ (أو بقوله: أردت كذا) فلا يقبل منه ويقتل" اهـ. فانظر إلى عدم الاعتداد بقوله: أردت كذا، وهو عين المجاز العقلي، الذي يزعمه الزاعمون.

стр. 123

وفي " شرح الشيخ عليش على مختصر خليل " (٤/٤٧٧) قال: " (و) سب لـ (تهور) أي: توسع ومبالغة (في) كثرة (كلامه) وقلة مراقبة وعدم ضبطه وعجرفته، فلا يعذر بالجهل ولا بدعوى زلل اللسان " اهـ. وعند الحنفية من التكفير بمجرد القول ما يطول، وقد اختلفوا في قول القائل من الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله، حكى ابن نجيم في " البحر الرائق " (٥/١٢٤) الخلاف في كفره، والموحد ظاهر مرادُه، وأنه لا يعني بمدحه السلطان، إضافة هذه الأشياء له حقيقة، بل إنما يعني به الإسناد المجازي، وهو المجاز العقلي، فلم يمنع ذلك من حكم بعضهم بكفره. ومقصودنا التمثيل لا التتبع، وبما ذكرنا يبطل تبرير الأقوال الشركية والكفرية بالمجاز العقلي.

стр. 124

فصل: قال صاحب المفاهيم ص ١٦: " ولا شك أن المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة" انتهى. أقول: قال القزويني في " الإيضاح في علوم البلاغة " ص ٢٨-٢٩ بعد سياق حد المجاز العقلي وأمثلته: " واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر تحتاج إلى أن تهيء الشيء، وتصلحه له". ثم قال: "وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام" اهـ. وهذا الكلام من شيخ البلاغة القزويني يبطل أن تبرر أقوال عبدة القبور بالمجاز العقلي، إذ استعماله وتعاطيه ليس سهلاً، خاصة في الأمور الشرعية، وأعلاها الكفر والإيمان. وأما في قول أديب أو شعر شاعر فيتعاطى مع شيء من العسر، والسكاكي وهو من هو أنكر وجوده في الكلام، وهو وإن كان يسميه تسمية أخرى، فإخراج التسمية يبعد شيئاً من تطبيقاتها. وما من شك في أن أولئك المستغيثين بعباد الله الصالحين ممن وارتهم القبور لم يحم حول خاطرهم معنى المجاز العقلي، بل ولا عرفوه ولا سمعوا به والقول بالمجاز العقلي عند من أجازه مقترن بقصد المتكلم به، أما من لم يحم حوله له بال فما يخرج قولهم عليه. وقد اختلف العلماء في وقوع المجاز أصلاً في اللغة، وفي القرآن، فنفى جماعة من محققي العلماء وقوعه في اللغة: منهم أبو إسحاق الإسفرائيني،

стр. 125

وأبو علي الفارسي، قال: إنه لا مجاز في اللغة أصلاً، أفاده ابن السبكي في " جمع الجوامع " من كتب الأصول. ونصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة شمس الدين ابن القيم في " الصواعق " وغيرهما. قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز " ص٧: " ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن، فقال قومٌ: لا يجوز أن يقال في القرآن مجاز منهم: ابنُ خُوَيْز منداد من المالكية، وابن القاص من الشافعية، والظاهرية. وبالغ في إيضاح منع المجاز في القرآن الشيخ أبو العباس ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، بل أوضحا منعه في اللغة أصلاً. والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقاً على كلا القولين" اهـ. ولا يحسن في مثل هذا المختصر الإطالة بتفصيل الإجمال، ولكن ينبغي أن يعلم أن النافي للمجاز -وهم طائفة من أئمة الأصول والعربية والعقائد- يعنون منع اطراده في كل ما شاء من يجيزه. فالتوقف عند ما استعملته العرب في مجاري كلامها هو التحقيق، فما استعملته العرب جاز استعماله مما يفيد بسياقه غير ما يفيده بأفراده، أعني: أن تركيب الكلام يفيد ما لا يفيده أفراد الكلام. فإن استعملت العرب هذا المعنى التركيبي صح استعماله، وهو حقيقة في المعنى المركب، لا في المعنى الإفرادي، ومن أراد أن لا يفرق بين ما استعملوه مركباً وما استعملوه في وضعه الأول، فسيعكر عليه ذلك نصوص كثيرة.

стр. 126

فما يسميه المجيزون مجازاً هو عند النافين أسلوب من أساليب اللغة العربية، واللغة العربية كلها حقيقة، والحقيقة تكون لفظية أي: يدل اللفظ على معناه بمفرده، وتكون تركيبية أي: تدل الألفاظ على معناها بتركيبها. والفرق بين هذا وبين القول بالمجاز: أن المجاز أعم، وقول المحققين أخص، فالمدعون للمجاز يجوزون عباراتٍ وأساليب لم تعهدها العرب في كلامها، بتقدير محذوفاتٍ في الكلام وتقدير نسبٍ لا ضابط لها. والعقل ليس أصل اللغة جزماً، بل أصل صحة الاستعمال السماع، فما جاء عنهم مستعملاً في موارده قبل، وسمي: حقيقة، وما لم يستعملوه فلا يستعمل في دلالات الألفاظ ومفرداتها، ولا في قواعدها وأبنيتها. والمسألة معروفة مشهورة، ولا تحتمل أكثر من هذا في مثل هذه الردود المختصرة.

стр. 127

الباب الثالث: الشفاعة ... الشفاعة معنى الشفاعة في اللغة: تقولُ: شَفَعَ لي يَشْفَعُ شفاعةً، وتَشَفَّعَ: طَلَبَ. قاله ابن سيده في " المحكم " ١، ونقله في " اللسان "، قال أبو منصور: " روى أبو عمر عن المبرد وثعلب أنهما قالا في قوله تعالى ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، قالا: الشفاعة: الدعاء ها هنا. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره" ٢. وشفع إليه: في معنى طلب إليه. والشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، فمعنى الشفاعة: الدعاء. وعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة، في لفظ الشفاعة، فمما ورد في السنة ما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: " اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر له " رواه أحمد. وعن أنس وعائشة عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مئة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه " رواه مسلم. وعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلمٍ يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه " رواه مسلم.

стр. 128

فهذا معنى الشفاعة في وضع اللغة واستعمال الشرع. آيات الشفاعة جاءت في الشفاعة آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، فبعضها ينفي الشفاعة مطلقاً عن أحدٍ غير الله، وأخرى فيها إثبات الشفاعة عنده تعالى وتقييد الانتفاع بهذه الشفاعة بإذن الرحمن -جل وعلا- بالشفاعة، وفي آيات غيرها تقييد الانتفاع برضى الله -جل شأنه- عن عن المشفوع له. فمما جاء في اختصاص الشفاعة بالله وحده ولا يملكها أحد غيره قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤] ، فهذا نفي بالنص الصريح أن يملك أحدٌ الشفاعة؛ لقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] . ومن ذلك نفيه تعالى أن يكون من دون الله شفيع، قال: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: من الآية٥١] وهذه الآية في المؤمنين قال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْإِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ، وهذا نفي منه تعالى أن يكون للمؤمنين شفيع من دون الله، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْمِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَشَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . فنفى تعالى أن يكون في ذلك اليوم شفاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ

стр. 129

يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، وفي آيات أُخر: ذكر الله تعالى أن الشفاعة موجودة في ذلك اليوم، وتنفع بقيد وشرط: أن يأذن الله تعالى للشفيع أن يشفع. فمنه قوله تعالى في أعظم آية في القرآن: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، وقال في أول يونس: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] ، وقال تعالى في النجم: ﴿وَكَم مِّنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ، وغير ذلك من آيات الذكر الحكيم. وفي آياتٍ أُخر ذكر تقييد الانتفاع برضى الله، واتخاذ الشافع والمشفوع له عهداً عند الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٨، ٢٩] ، وقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] . وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] ، وآيات أخر لا تخفى على من تتبع ما في الباب من آيات، فإذا تبين أن الله ﵎ قد نفى في كتابه شفاعة، وأثبت شفاعة، وجب على طالب الحق أن ينظر في هذه الشفاعة المنفية، والشفاعة المثبتة، ومعنى هذه وهذه، حتى لا يضل في هذا الأمر الذي ضل فيه فئام من أمة محمد، وإنما كان سبب ضلالهم أن كل فرقة أخذت بآية، وبنت

стр. 130

عليها أحكاماً ولم تتتبَّع آيات الشفاعة في القرآن، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض، والقرآن حق كله، والحق لا يناقض حقاً أبداً. فالآيات الأولى دلت على أن هناك شفاعةً منفية ليست لأحدٍ من الخلق، وهذه الشفاعة هي ذاك النوع الذي يظنه المشركون في الجاهليات، وأولئك المشركون ظنوا أن الشفاعة عند الله، كالشفاعة عند غيره، وهذا أصل ضلال النصارى أيضاً. فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله، مثل: أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم ويرجوهم، فيجيب سؤالهم؛ لأجل رجائه أو خوفه منهم، أو أن لهم حقاً عنده يوجب عليه الإجابة فيمن يشفعون فيه عنده، وإن كان يكره شفاعتهم، ويشفعون بغير إذنه. فهذه الشفاعة هي التي نفاها الله -جل وعلا- في الآيات الأولى، وهي أن يكون للشافع حق عند الله كما للشفعاء حق عند الملوك ونحوهم. وهذا النوع هو الشركي الذي أشرك به من أشرك بالله، واتخذ وسائط يسألهم الشفاعة، كما كان يفعله النصارى، وأشباههم في ذلك من هذه الأمة، ويعتقدون أن لهم أن يسألوا المقبورين من الأنبياء والصالحين شفاعتهم، وهم يعتقدون أن لهم حقاً عند الله به يجيب شفاعتهم ولا يرد شفاعتهم. وهذا غلط: فإن دعاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت إجابتهم لحكمة يعلمها الله ،

стр. 131

إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، أو لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لم يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع. ومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم. وقد يستنكر بعض الناس هذا لكونه لم يرتو من علوم الكتاب والسنة، ولم يتفقه فيها، ولذا سأسوق بعض الدلائل لعلّها تكُفُّ بعض الناس، وتبصر أقواماً: فرسول الله ﷺ قد قال الله له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠] ، فرسول الله محمد ﷺ -وهو خير الخلق وأعظمهم قدراً عند الله- لو استغفر لأولئك المنافقين لم يغفر لهم، وذلك لوجود مانع يمنع الإجابة، وهو أن المُسْتَغْفَر له غير مرضي عنه، فشرط الرضى غير متحقق في المشفوع له؛ فلم يُجب الداعي فيما سأل، وفي الآية بيان لهذا بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، وقد تمتنع إجابة الله للرسول ﷺ لحكمة يعلمها الله -جل وعلا-، كما في الحديث الذي أخرجه مسلم في " صحيحه " (٨/١٧١-١٧٢) أن رسول الله ﷺ قال: "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها".

стр. 132

وأورد الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " قول بعض شراح المصابيح: " اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة " فتعقبه بقوله (١١/٩٧) : "وأما جزمه بأن جميع أدعيتهم مستجابة فيه غفلة عن الحديث الصحيح: سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعنى واحدة. . الحديث" انتهى كلام الحافظ١. وأخرج البخاري (١١/٩٦) ومسلم (١/١٣٠-١٣٢) عن أبي هريرة وأنس بن مالك ومسلم نحوه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة"، هذا لفظ نسخة الأعرج عن أبي هريرة. قال الحافظ في " الفتح ": "وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الأنبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا ﷺ ، وظاهره أن لكل نبي دعوة مستجابة فقط، والجواب: أن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الإجابة " اهـ. وعلى هذا جرى أهل العلم وشراح الحديث، وقال الكَرْماني في " شرح البخاري " (٢٢/١٢٢) عند شرح الحديث: " معناه لكل نبي دعوة مجابة البتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب" انتهى. وكذلك غيره من الأنبياء لهم دعوة مستجابة، وما كل ما دعوا به أجيب، فهذا نوح قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

стр. 133

[هود: ٤٥، ٤٦] فسأل نوح ربه الشفاعة في ابنه فلم يعطها؛ لأنه فقد شرط الرضى على الابن، ولذا قال: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ . وهذا إبراهيم خليل الله لم تنفع شفاعته في أبيه، وأمثال هذا معلوم لمن تدبر القرآن والسنة، مقرر فيهما أوضح تقرير وأبلغه، فإذا انتفى هذا عن الأنبياء، فالصالحون أولى وأولى. وبعض الخلوف الجهال يظنون أن للأنبياء حقاً عند ربهم لا يرد، ولا يعلمون بهذه الآيات والأحاديث، وذلك من تسويل الشيطان وتلاعبه بهم. قال ابن جرير في تفسير آية البقرة: ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] : " فتأويل الآية إذًا: واتقوا يوماً لا تقضي نفس عن نفس حقاً لزمها الله -جل ثناؤه- ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حق. وقيل: إن الله خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم بها فيها؛ لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناؤ الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا، فأخبرهم الله أن نفساً لا تجزي عن نفس شيئاً في القيامة، ولا يقبل منها شفاعةُ أحدٍ فيها، حتى يستوفي لكل ذي حق منها حقه" ١ انتهى. والطائفة الثانية من الآيات أفادت إثبات الشفاعة، وهي الشفاعة الشرعية المخالفة لما عليه المشركون. وأخبر الله -تعالى- أنها لا تنفع إلا بشرطين: الأول: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع. الثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له.

стр. 134

وهذان الشرطان لازمان لكل شفاعة ترجى منفعتها، فأما الإذن: فهو إذن الله -تعالى- للشافع، ونكتة هذا القيد وسره صرف الوجوه إلى الله وإسلامها له وتعلقها به، وترك تعلقها بغيره لأجل الشفاعة؛ لذلك يساق هذا بعد ذكر التوحيد وذكر ما يدل على وجوب عبادة الله وحده، وهذا الشرط لم يفهمه فئام من الناس، ظنوا أن الاستثناء يفيد إثبات الشفاعة مطلقاً، وطلبها من غير الله فعادوا لما ظنه المشركون وقصدوه. وحقيقتها أن الله إذا أراد رحمة عبده ونجاته أذن لمن شاء في الشفاعة رحمة للمشفوع فيه، وكرامة للشافع. وإذا سأله الشفاعة ولم يأذن الله له لم تنفعه كما في شفاعة نوح لابنه، وإبراهيم لأبيه، ونبينا محمدٍ لعمه في استغفاره، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] صلى الله عليهم وسلم تسليماً. فالرسل المذكورون صلوات الله وسلامه عليهم لم يأذن الله لهم الإذن الشرعي في أن يشفعوا: فلذا ردت شفاعاتهم، ولم يرض سبحانه فيمن شفعوا فيهم لأنهم كفار مشركون؛ فلذا لم تنفع شفاعة هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. والله لا يرضى إلا التوحيد كما قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ؛ ولذا فسر السلف الرضا في الآيات التي وردت بها بالإخلاص والتوحيد، وترك الشرك كله. فأخرج ابن جرير في " تفسيره " (١٦/٩٧) ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في " تفسيره "، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص ١٠٩ كلهم من طريق معاوية ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى في مريم: ﴿لَا

стр. 135

يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله. وهذه الطريق هي التي قال فيها الإمام أحمد هاتيك الكلمات، قال: " إن بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً". قال الحافظ ابن حجر: " وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس " انتهى. وهذه الطريق أعلى الطرق جودة وصحة عن ابن عباس في التفسير. وفي المعنى ما أخرجه ابن مردويه في " التفسير " في هذه الآية عن ابن عباس قال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة". وأخرج ابن جرير (١٧/١٣) ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في " البعث " وفي " الأسماء والصفات " ص ١٠٩ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ، يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله. وهذه الطريق سلف الكلام عليها. وفي قوله تعالى في الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ . قال قتادة:: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ قال: لا تشفع الملائكة يوم القيامة: ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال: لأهل التوحيد، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير (٢٥/٦٢) ، وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] ، قال: كلمة الإخلاص.

стр. 136

شفاعة النبي ﷺ : إذا تقرر هذا فينبغي النظر في نصوص الشرع الخاصة بشفاعة رسول الله ﷺ . ففي الحياة الدنيا طلب الصحابة من رسول الله ﷺ أن يدعو لهم وهو معنى أن يشفع لهم، وهذا لا ينازع فيه أحد، وإنما الشأن في طلب الشفاعة منه بعد موته، وأهل السنة مجمعون في القرون الثلاثة المفضلة على أمرين: الأول: عدم مشروعية طلب الشفاعة منه في قبره، وإنما ظهر خلاف من خالف من شذّاذ الناس بعد نشاط الدعوات الباطنية كالإسماعلية والفاطمية، ومن تأثر بها كالموسوية الجعفرية وشبهها، فروجوا هذا في الناس، فأشكل على بعضهم. فقد كان المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة لا يعرفون طلب الشفاعة منه بسؤاله إياها، بل مضى الخلفاء الراشدون ولم يسأل أحد منهم نبي الله الشفاعة بعد موته، ولو كانت مشروعة لكانوا أحرص عليها، ولم يتركوا طلبها منه بعد موته. فلو لم يكن تغير نوع الحياة له أثر عندهم لما تركوا ذلك، وكذلك مضى التابعون وتابعوهم بإحسان وتابعوهم، حتى نشطت الدعوات الباطنية التي تسترت بالتشيع لأهل بيت النبي ﷺ ، بل إنهم ألفوا الكتب باسمهم، وهذا ظاهر لمن درس حركة إخوان الصفا والعبيديين (الفاطميين) وكلها باطنية إسماعيلية، شعارهم التشيع لأهل البيت بزعمهم، وهم أول من أحدث الكذب في النسب إلى آل البيت ﵃. فالمقصود من هذا أن الاستشفاع بالنبي ﷺ بسؤاله الشفاعة بعد موته محدث أحدثه الباطنيون.

стр. 137

الثاني: وهو الأهم، أن أهل السنة مجمعون أن للنبي ﷺ أنواعاً من الشفاعة يشفع بها، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبره، بل كلها يوم القيامة. فينبغي تأمل هذا، ومن خالف إجماع أهل السنة فليس منهم.

стр. 138

فصل: وبرهان هذا الإجمال الذي قدم أن رسول الله ﷺ أخبر أنه: "أول شافع، وأول مشفع" أخرجه مسلم (٧/٥٩) . وهذه الشفاعة هي الشفاعة العظمى لأهل الموقف، بالنص والإجماع. فهذه قوله: نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: " أنا أول شافع، وأول مشفع " يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته. ومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع، وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: "أنا أول شافع" عند ذاك الزاعم، إذ لو كان النبي ﷺ يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: "أنا أول"، إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه ﷺ بهذه الفضيلة يوم القيامة! فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع، وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله ﷺ : "أنا أول شافع"؟ ! فهو على هذا الفرض مستديم الشفاعة، ودائم قبولها منه عند أولئك الزاعمين، وإذا كان كذلك فأي فائدة من إنشاء هذا الخبر أنه أول شافع وأول مشفع؟ ! فتدبر هذا فإنه مفيد لمن أراد الله به خيراً. فأهل السنة المتمسكون بما كان عليه الصحابة يطلبون في حال موت النبي ﷺ الشفاعة من الله، ويسألون الله أن يشفع فيهم نبيه ﷺ ، وطلبهم هذا يكون بأمرين: الأول: الاستقامة على تحقيق كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وفهم معناها، والعمل بمقتضاها، ومخالفة معتقدات مشركي العرب وأشباههم

стр. 139

ممن قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، وممن قالوا: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] ، يشيرون إلى أوثانهم التي مثلوها بصور الأنبياء والصالحين. الثاني: التضرع والاستكانة بين يدي الله في أوقات الإجابة والأسحار أن يمنّ عليهم بالاستقامة على التوحيد، ويثبتهم عليه، وأن يشفع فيهم نبي الله محمداً ﷺ حين يأخذ الناس الكرب، فيكون أول شافع وأول مشفع. اللهم! أنلنا شفاعته، واجعلنا ممن شفعته فيهم، ولا تحرمنا هذه الشفاعة، ونسألك الثبات على التوحيد، والعزيمة على الرشد. وبهذين الأمرين يكون أهل الحق والسنة قد أخذوا بقوله ﷺ : " كل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئاً " متفق عليه. وهو تفسير لقوله ﷺ لأبي هريرة: " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه " متفق عليه. فأهل الحق أخذوا وأعملوا القولين، ولم يحرفوا أحد القولين عن مراد الله، فاهتدوا، فزادهم هدى وآتاهم تقواهم.

стр. 140

فصل قال صاحب المفاهيم ص ٧٨: " زعم بعضهم أنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا، بل ذهب البعض الآخر من المتعنتين إلى أن ذلك شرك وضلال، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] وهذا الاستدلال باطل، ولا يدل على فهمهم الفاسد، وذلك من وجهين: أولاً: أنه لم يرد نص لا في الكتاب ولا في السنة ينهى عن طلب الشفاعة من النبي ﷺ في الدنيا" اهـ. أقول: هو لا يعني بقوله في الدنيا حال حياته ﷺ ؛ لأنه يعلم أن هذا لم يقله أحد، وإنما يعني بقوله: " في الدنيا" طلبها من رسول الله ﷺ بعد موته، كما صرح به بعد، بقوله ص٨١: "لا بأس بطلبها منه أيضاً بعد موته" اهـ. وهذا الوجه مردود من وجوه كثيرة، أجتزئ منها أوجهاً: الأول: أن النبي ﷺ بعد موته لا يقال إنه في الدنيا لا عقلاً ولا شرعاً. الثاني: أن هذا برهان لا يقوم عند العارفين بالبراهين، إذ قوله: "لم يرد نص" متهافت، فمن أراد أن يثبت حكماً ويعتمده وينصره، فلا بد أن يأتي بنص يدل على ثبوته، فقوله بجواز طلب الشفاعة من المقبورين أنبياء وصالحين هو الذي يجب أن يبرهن عليه بنص، لا أن يقال لمن نفاه معتمداً على عمومات النصوص في حال المشركين، إنه لم يرد نص، وكذا لمن نفاه بناءً على النفي الأصلي حتى يرد دليل الإثبات؛ لأن العبادات توقيفية، لا بد لها من أدلة صريحة.

стр. 141

الثالث: أن قوله: " لم يرد نص" غير صحيح، فعمومات النصوص تنهى عن طلب الشفاعة من الأموات؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، فتأمل قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] والدعاء هو العبادة، والشفاعة طلب الدعاء، فعلم أن قولهم ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا﴾ تفسير لـ ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ في أول الآية. وهنا نقلٌ أسوقه عن الرازي١ ليستبين به الحال، وأن لا يقال إن هذا فهم (الوهابيين) فقط! قال في " تفسيره " (١٧/٥٩-٦٠) : " اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنهم شفعاؤنا عن الله! . . " فذكر صوراً منها قوله: " ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى. ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله" اهـ. وهو كلام يقضي على قول صاحب المفاهيم من أُسَّه، حتى يواري كلامه في رمسه، من رجل هو عندهم مقدم في قوله وحسه. والآيات في الشفاعة الشركية كثيرة، نوَّعَها الله جل وعلا في كتابه؛ ليتدبر باغي الخير، متحري الصراط المستقيم. وهو إخبار عن قوم مشركين كي نبعد عن حالهم وصفتهم، وسياقة الآيات كلها وأقوال أهل التفسير والعلم فيها يخرج بي عن قصد الاختصار

стр. 142

والإيجاز، وقد قدمت طرفاً منها، ويرجع المستزيد لأقوال المفسرين وأهل العلم عند آيات الشفاعة. الرابع: قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ، والآية قبلها قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] . فأبطل تعالى صور الشرك التي يعتقدها المشركون في كل زمان، وهذه الآية قال فيها بعض أهل العلم المتقدمين: هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك لمن عقلها. قال الرازي في " تفسيره " (٢٥/٢٥٤-٢٥٥) : " واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة. . " فذكر ثلاثة ثم قال: " رابعها: قول من قال: إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ، فلا فائدة لعبادتكم غير الله، فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره، فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة" اهـ كلام الرازي بحروفه. فتأمل قوله: إن من طلب الشفاعة فوت على نفسه الشفاعة التي تكون يوم القيامة؛ لأنها لا تنال إلا بالتوحيد، ومن التوحيد ترك طلب الشفاعة من المقبورين، سواء كانوا أنبياء أو صالحين وإنما تطلب شفاعة الأنبياء من الله سبحانه لا منهم، وتطلب من الله بتحقيق التوحيد والاستقامة عليه، وترك طلب الشفاعة ممن لا يملكها.

стр. 143

وهذا هو الحق الذي اتفقت عليه أقوال أهل العلم قبل إحداث الباطنية التعلق بالأموات، والتفلسف لإثباته بطرق عقلية لا شرعية. وإنما ضل من ضل بسبب أنه ظن أن ما في القرآن من آيات في الشفاعة هي عن قوم مضوا وانتهوا، وهذا من مداخل الشيطان والأهواء على النفوس، وما أحسن قول شمس الدين ابن القيم١ على هذه الآية: " فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً ونجاةً وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك وموارده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك. ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه" اهـ.

стр. 144

قال صاحب المفاهيم ص٧٨: " ثانياً: أن هذه الآية لا تدل على ذلك، بل شأنها شأن غيرها من الآيات التي جاءت لبيان اختصاص الله بما هو ملك له دون غيره، بمعنى أنه هو المتصرف فيه، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك، يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. ." إلخ كلامه. ثم قال: " كذلك الشفاعة كلها له، وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين، بل وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً، وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه. . إلخ" اهـ. أقول: أولاً: اختصاص الله بالشفاعة اختصاص ملك، ومعنى ذلك أنه ليس لأحدٍ من الخلق شفاعة إلا من أخبر الله أن له شفاعة مقيدة بقيود، فالله -جل وعلا- هو مالكها يأذن لمن شاء أن يشفع، في من رضي أن يشفع فيه. فالشفاعة ليست ملكاً مطلقا ً لهم كما زعمه الكاتب؛ لأن المالك له التصرف فيما يملكه، وإنما حقيقة الشفاعة أنها لله وحده، لكنه سبحانه يأذن لمن شاء أن يأذن له، وفي هذا تمام صرف القلوب إلى خالقها وحده مالك الشفاعة، وعلى هذا دلت الآية في الزمر قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤] .

стр. 145

فأخبر تعالى أن من اتخذهم المشركون شفعاء لا يملكون شيئاً، وشيئاً نكرة في سياق النفي، فتعم الشفاعة وغيرها، فهم لا يملكون الشفاعة، كما نبه عليه جماعة من المفسرين. فهذه الآية صريحة في أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا الملك هو الذي يظنه المشركون وهو المطلق من شرطي الإذن للشافع، والرضى عن المشفوع له، فالشفيع مع هذين الشرطين يملك الشفاعة ملك انتفاع موقت، لا ملكاً دائماً؛ ولذا يحتاج في كل شفاعة أن يأذن الله ويرضى، فليست الشفاعة للشفيع مطلقاً؛ ولذا قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣] ، فقوله: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من دون إذنه ورضاه. ثانياً: قول الكاتب إن الشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين. . . الخ، مغالطة ظاهرة، فالشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين يوم القيامة مع شرط الإذن والرضى، لا إعطاءً مطلقاً؛ ولذا لا نصيب فيها لمشرك، وصحاح الأحاديث المتواترة معنوياً -كما قال- هي في الشفاعة يوم القيامة لا في الحياة البرزخية. ففي الحياة البرزخية لا يجوز أن يسأل أحدٌ ميتاً الشفاعة؛ لأنهم لا يملكونها في الحياة البرزخية حتى ولا ملك انتفاع؛ لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. والنبي ﷺ الذي أخبر بأنه سيشفع يوم القيامة، لم يخبر بأنه في قبره يشفع، ولا يوجد دليل صحيح ولا ضعيف في ذلك. فقوله: " كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً" تلبيسٌ على الأغمار، فالأحاديث في شفاعة القيامة لا الحياة البرزخية، ولذا عدل الكاتب عن إثبات الحجة إلى الإحالة الإجمالية وما فيها من تلبيس، لينخدع بها من عري عن العلم.
следующие страницы →