← Акыда

Акыда · id 12120

هذه مفاهيمنا

صالح آل الشيخ

Полный текст (242 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثالث: أن قوله: " لم يرد نص" غير صحيح، فعمومات النصوص تنهى عن طلب الشفاعة من الأموات؛ لأنهم أفضوا إلى ما قدموا، فتأمل قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] والدعاء هو العبادة، والشفاعة طلب الدعاء، فعلم أن قولهم ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا﴾ تفسير لـ ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ في أول الآية. وهنا نقلٌ أسوقه عن الرازي١ ليستبين به الحال، وأن لا يقال إن هذا فهم (الوهابيين) فقط! قال في " تفسيره " (١٧/٥٩-٦٠) : " اختلفوا في أنهم كيف قالوا في الأصنام إنهم شفعاؤنا عن الله! . . " فذكر صوراً منها قوله: " ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى. ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقادهم أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون لهم شفعاء عند الله" اهـ. وهو كلام يقضي على قول صاحب المفاهيم من أُسَّه، حتى يواري كلامه في رمسه، من رجل هو عندهم مقدم في قوله وحسه. والآيات في الشفاعة الشركية كثيرة، نوَّعَها الله جل وعلا في كتابه؛ ليتدبر باغي الخير، متحري الصراط المستقيم. وهو إخبار عن قوم مشركين كي نبعد عن حالهم وصفتهم، وسياقة الآيات كلها وأقوال أهل التفسير والعلم فيها يخرج بي عن قصد الاختصار

стр. 142

والإيجاز، وقد قدمت طرفاً منها، ويرجع المستزيد لأقوال المفسرين وأهل العلم عند آيات الشفاعة. الرابع: قال تعالى في سورة سبأ: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ، والآية قبلها قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣] . فأبطل تعالى صور الشرك التي يعتقدها المشركون في كل زمان، وهذه الآية قال فيها بعض أهل العلم المتقدمين: هذه الآية تقطع عروق شجرة الشرك لمن عقلها. قال الرازي في " تفسيره " (٢٥/٢٥٤-٢٥٥) : " واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة. . " فذكر ثلاثة ثم قال: " رابعها: قول من قال: إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا، فقال تعالى في إبطال قولهم: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ، فلا فائدة لعبادتكم غير الله، فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره، فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة" اهـ كلام الرازي بحروفه. فتأمل قوله: إن من طلب الشفاعة فوت على نفسه الشفاعة التي تكون يوم القيامة؛ لأنها لا تنال إلا بالتوحيد، ومن التوحيد ترك طلب الشفاعة من المقبورين، سواء كانوا أنبياء أو صالحين وإنما تطلب شفاعة الأنبياء من الله سبحانه لا منهم، وتطلب من الله بتحقيق التوحيد والاستقامة عليه، وترك طلب الشفاعة ممن لا يملكها.

стр. 143

وهذا هو الحق الذي اتفقت عليه أقوال أهل العلم قبل إحداث الباطنية التعلق بالأموات، والتفلسف لإثباته بطرق عقلية لا شرعية. وإنما ضل من ضل بسبب أنه ظن أن ما في القرآن من آيات في الشفاعة هي عن قوم مضوا وانتهوا، وهذا من مداخل الشيطان والأهواء على النفوس، وما أحسن قول شمس الدين ابن القيم١ على هذه الآية: " فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً ونجاةً وتجريداً للتوحيد، وقطعاً لأصول الشرك وموارده لمن عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثاً. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك. ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه، أو دونه، فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه" اهـ.

стр. 144

قال صاحب المفاهيم ص٧٨: " ثانياً: أن هذه الآية لا تدل على ذلك، بل شأنها شأن غيرها من الآيات التي جاءت لبيان اختصاص الله بما هو ملك له دون غيره، بمعنى أنه هو المتصرف فيه، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك، يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. ." إلخ كلامه. ثم قال: " كذلك الشفاعة كلها له، وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين، بل وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً، وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه. . إلخ" اهـ. أقول: أولاً: اختصاص الله بالشفاعة اختصاص ملك، ومعنى ذلك أنه ليس لأحدٍ من الخلق شفاعة إلا من أخبر الله أن له شفاعة مقيدة بقيود، فالله -جل وعلا- هو مالكها يأذن لمن شاء أن يشفع، في من رضي أن يشفع فيه. فالشفاعة ليست ملكاً مطلقا ً لهم كما زعمه الكاتب؛ لأن المالك له التصرف فيما يملكه، وإنما حقيقة الشفاعة أنها لله وحده، لكنه سبحانه يأذن لمن شاء أن يأذن له، وفي هذا تمام صرف القلوب إلى خالقها وحده مالك الشفاعة، وعلى هذا دلت الآية في الزمر قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤] .

стр. 145

فأخبر تعالى أن من اتخذهم المشركون شفعاء لا يملكون شيئاً، وشيئاً نكرة في سياق النفي، فتعم الشفاعة وغيرها، فهم لا يملكون الشفاعة، كما نبه عليه جماعة من المفسرين. فهذه الآية صريحة في أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا الملك هو الذي يظنه المشركون وهو المطلق من شرطي الإذن للشافع، والرضى عن المشفوع له، فالشفيع مع هذين الشرطين يملك الشفاعة ملك انتفاع موقت، لا ملكاً دائماً؛ ولذا يحتاج في كل شفاعة أن يأذن الله ويرضى، فليست الشفاعة للشفيع مطلقاً؛ ولذا قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣] ، فقوله: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من دون إذنه ورضاه. ثانياً: قول الكاتب إن الشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين. . . الخ، مغالطة ظاهرة، فالشفاعة أعطيت للأنبياء والصالحين يوم القيامة مع شرط الإذن والرضى، لا إعطاءً مطلقاً؛ ولذا لا نصيب فيها لمشرك، وصحاح الأحاديث المتواترة معنوياً -كما قال- هي في الشفاعة يوم القيامة لا في الحياة البرزخية. ففي الحياة البرزخية لا يجوز أن يسأل أحدٌ ميتاً الشفاعة؛ لأنهم لا يملكونها في الحياة البرزخية حتى ولا ملك انتفاع؛ لأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. والنبي ﷺ الذي أخبر بأنه سيشفع يوم القيامة، لم يخبر بأنه في قبره يشفع، ولا يوجد دليل صحيح ولا ضعيف في ذلك. فقوله: " كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً" تلبيسٌ على الأغمار، فالأحاديث في شفاعة القيامة لا الحياة البرزخية، ولذا عدل الكاتب عن إثبات الحجة إلى الإحالة الإجمالية وما فيها من تلبيس، لينخدع بها من عري عن العلم.

стр. 146

ولم لا يحاكم الكاتب نفسه إلى الصحابة الكرام؟ ! فهل طلب الشفاعة بعد موت النبي ﷺ صحابي من العشرة، أو طلبها أحدٌ من البدريين، أو أحدٌ ممن شهد بيعة الرضوان، أو ممن حج معه حجة الوداع، أو من شاء من الصحابة؟ فلم يطلب أحد منهم من رسول الله ﷺ في حياته البرزخية الشفاعة، بل عدلوا إلى طلبها -وهي الدعاء- ممن هو دونه عام القحط، وهذا إجماع منهم. ثالثاً: أن آية الزمر: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] رد على من يصرف قلبه لغير الله احتجاجاً بالشفاعة، كما كان مشركو العرب يصنعون مع آلهتهم، فإنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها شفعاءُ لهم، فأخبر تعالى أن الشفاعة له، ليس لأحدٍ منها شيء. قال الرازي في " تفسيره " (٢٦/٢٨٥) : " اعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً. فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله. فأجاب الله تعالى بأن قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] . وتقرير الجواب: أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لهم. والأول باطل؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً، فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها؟ !

стр. 147

والثاني باطل؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحدٌ شيئاً، ولا يقدر أحدٌ على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله، الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره " انتهى. قال صاحب المفاهيم ص ٧٨-٧٩: " وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا كان المسؤول كريماً، والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله ". أقول: هذا على أن الشفاعة وإن كانت ملكاً لله، فقد ملكها الأنبياء والصالحين، وهذه المقدمة قد احتج بها مشركو العرب، فيظنون أن الله ملك الملائكة والأنبياء الشفاعة تمليكاً مطلقاً من القيود، وهذا غلط في الفهم أسوأ غلط؛ لأن الله ﷻ وتقدست أسماؤه لم يملك أحداً من خلقه الشفاعة تمليكاً مطلقاً من القيود، بل لا أحد يشفع عنده إلا بأمرين: ١- إذن الله للشافع أن يشفع. ٢- رضاه عن المشفوع له. والإذن هنا ليس هو الإرادة الكونية، بمعنى أنه لو لم يأذن لم يقع ولم يكن، بل من ظن هذا الظن فقد ظن نظير ما قاله المشركون: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، فإنهم قالوا لو لم يشأ الله شركنا لم يحدث في ملكه وملكوته، ولم يأذن بوقوعه، وهذه الشبهة أصل ضلال كثيرين. فالمقصود هنا: أن النبي ﷺ والصالحين إنما يشفعون لمن أذن الله له يوم القيامة، ورضي توحيده وقوله، وأما في الدنيا في حياتهم وتمكنهم من الدعاء، فقد يشفعون بمعنى أنهم يطلبون من الله ويدعون، فمن دعا من

стр. 148

الأنبياء دون إذن من الرحمن وشفع فيمن لم يأذن الرحمن بالشفاعة فيه، فهذا يرد عليه ولا تقبل شفاعته، وهذا ظاهر، كما قال تعالى لنبيه ﷺ لما استغفر لعمه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] . وقال لنبيه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، والآية في شأن المنافقين الذين كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلون مع الناس ويجاهدون، لكنهم لم يخلصوا ولم يوحدوا ربهم بأعمالهم، فكان هذا شأنهم، فلم ينفعهم استغفار نبي الله ﷺ . قال ص٧٩: " وهل الشفاعة إلا الدعاء، والدعاء مأذون فيه، مقدور عليه لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة، وبعد الوفاة في القبر، ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهداً، ومقبولة لديه في كل من مات على التوحيد" اهـ. أقول: وهذه الجملة من كلامه حوت تلبيساً وغلطًا، فالنصوص قد جاءت بجواز طلب الشفاعة أي: الدعاء من رسول الله ﷺ في حياته، وجاءت بطلبها منه ﷺ يوم القيامة، ولم تجئ بطلبها منه في حياته البرزخية. ومما يؤكد منع طلبها منه وهو في البرزخ: أن الأحاديث جاءت في حياته ويوم القيامة، فلو كان طلبها في البرزخ مشروعاً لانتفى تخصيص الحياة والقيامة بالذكر.

стр. 149

فلما كان كذلك علم منه أن النوع الثاني من الحياة، وهو الحياة البرزخية تخالف ما قبلها وما بعدها، وبدليل أن الصحابة لم يفعلوا ذلك بعد وفاته ﷺ فتقرر أنها لا تطلب من الأموات. وهذا برهان إجمالي، وأما تفصيل الرد على قوله فيقال: قوله: " الدعاء مأذون فيه مقدور عليه"، ليس صحيحاً على إطلاقه في الحياة والموت. فأما والداعي حي قادر فهذا صحيح، وأما بعد موته فليس الأمر كذلك، وقد نهى رسول الله ﷺ أن يجعل قبره مسجداً، فقال فيما روته عائشة وابن عباس وأبو هريرة: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"؛ يحذر ما صنعوا. قالت: فلولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. متفق عليه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. والشاهد أن هذه اللعنة لمن اتخذ القبر مسجداً إنما هي لأن المسجد يقصد للدعاء، وأعلى أنواع الدعاء الصلاة، والصلاة دعاء في اللغة، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . وقال الأعشى في شعره المشهور: تقولُ بنْتي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتحِلاً يا ربّ جّنَّب أبيْ الأوْصَابَ والوجعا عليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي نوماً، فإنَّ لجنْبِ المرءِ مضطجَعا قوله: " صليتِ" يعني: دعوتِ، وشواهد هذا المعنى كثيرة، والصلاة كلها دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ومن لم يعرف هذين النوعين للدعاء لم يوفق لفهم الآيات في الدعا. فإذا كانت المساجد إنما تقصد لدعاء الله فيها؛ فلعنة الله على من اتخذ قبور أنبيائه مساجد، معناها: النهي البليغ الشديد عن الدعاء

стр. 150

عندها، ولمن دعا عندها. وإذا كان من دعا عندها كذلك ولم يدع إلا الله، فكيف به إذا سأل الميت الدعاء؟ ! والحي إذا أتيته وسألته الدعاء كان لك جائزاً. وأما الميت إذا سألته أن يدعو الك فذلك شركٌ؛ ولأجله نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، يدعى عندها ويصلى عندها، ونحو ذلك من وسائل الشرك، وهذا مع إخلاص السائل في دعائه، وإنما تحرى القبر لشرف المقبور، ولظنه أن المكان مبارك، وهذا من جنس من لعنه رسول الله ﷺ ، ومن شرار الناس، فإن المساجد بنيت لدعاء الله فيها بالصلاة والذكر. إذا تقرر هذا فانظر إلى فهم الخليفة الراشد عمر فيما عَلَّقه البخاري في " صحيحه "، وقد رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر، القبر، القبر، يحذر أنساً، ويعلمه أن بقرب مكان صلاته قبراً. ولو كان الميت يملك الدعاء، ولو كان رسول الله ﷺ يملك بعد موته أن يدعو لمن سأله، ويقدر على الدعاء، كما يقدر عليه حياً، فلأي معنى نهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ قبره مسجداً؟ ! فالمسلمون كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم، وكان يدعو لهم في حياته فلو كان دعاؤه لهم مقدوراً مستديماً بعد موته ﷺ لما نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وهي الذريعة الكبرى، والوسيلة العظمى للإشراك الأكبر برب الأرباب، بطلب الدعاء من الأموات، والاستغاثة بهم، ونحو ذلك. الثاني: أن يقال: إذا كان طلب دعاء الأموات من الأنبياء جائزاً وهم يقدرون على الدعاء، فلأي معنى لم يطلب صحابة رسول الله ﷺ منه أن يدعو لهم بعد موته وعدلوا إلى العباس ويزيد الجرشي وهم أعلم الأمة وأحرص الأمة على الخير؟ !

стр. 151

الثالث: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة رسول الله ﷺ في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء، وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَالْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١] ، فَلِمَ ترك أولئك طلب دعاء هؤلاء الشهداء، بل كانوا يدعون لهم، لا يسألونهم الدعاء، وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض؟ ! نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلمها، فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا، وهذا تقرير نافع لمن تأمله وتدبره، والحمد لله رب العالمين. الرابع: أن مسلماً أخرج في " الصحيح " (٧/١٨٩) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم ". وأخرج أيضاً أن عمر قال لأويس لما لقيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يأتي عليكم أويس بن عامر " الحديث وفيه: " لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل " فاستغفر لي، فاستغفر له. وفقه هذا الحديث الصحيح: أن الرسول ﷺ أرشد عمر إلى أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله ﷺ ؟ ! فأرشده الرسول ﷺ إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أن الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة

стр. 152

الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته برزخية ﵊ فتأمل. قوله: " لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة، وبعد الوفاة في القبر، ويوم القيامة، فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهداً ". أقول: قد مر فيما سبق في الوجهين الثاني والثالث الماضيين ما به يرد على هذه المقالة السيئة، التي تخالف شريعة محمد ﷺ . وبقي هنا أمر وهو أن يقال: قوله: " وبعد الوفاة في القبر" مما لا يستطيع أن يأتي عليه بدليل، بل إن المشركين في الجاهلية اتخذوا بعض أصنامهم عند أماكن أناس صالحين، وعند قبورهم، ولم يكونوا يطلبون منها سوى الشفاعة. والمشركون لم يكونوا يحجون لأصنامهم ولا يتصدقون لها، بل كانوا يدعون أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، أو المتخذة على قبورهم، وكان لهم معها حالان: ١- حال الرخا: وهم أنهم يسألونها حيناً أن تدعو لهم، وحيناً يدعونها أنفسها، وهم يعتقدون أن أرواح من اتخذ الصنم على صورته تحل عند الصنم، فتسمع الدعاء وتدعو لهم فتجيبهم إلى ما يطلبون. ويسألونها جلب الخيرات، وإغداق الأموال، واستمرار المسرات، فهذه كانت حالهم في الرخاء كلها دائرة على طلب الدعاء من الأصنام، أو دعوتها، وحالهم قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] أي: ما ندعوهم. ويستعينون على تحقيق استجابة الأوثان لهم بصرف النذور لهم، وإيصال القرابين إلى أعتابهم فتذبح بأسماء الأوثان، فيجيب الجن بعض ما طلبوا، فيظنون أن المجيب هو المدعو، فقويت عبادتهم عندهم.

стр. 153

٢-حال الشدة: وأهل الجاهلية كانوا في هذا الحال يخلصون العبادة له، أي: الدعاء، كما أخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وغيرها من الآيات. وهذا يدل على أن الله أعظم في نفوسهم من تلك الأصنام لعلمهم أنه لا يجيب في الشدة إلا بالإخلاص، وتوجيه الدعاء وهو العبادة له سبحانه. وجماع هذا أن من سأل المقبور أن يدعو له لكشف شدته فإنه قد صرف محض حق الله للمقبور، وبيانه أن من وقعت به شدة، وكان به شدة حاجة إلى ما سأله، فسيكون في قلبه من التعلق بمن سأله وحبه ورجائه أمر عظيم، وسيكون قلبه مضطراً لتعظيم هذا المسؤول، وهذا كله مما يجب أن لا يكون إلا لله، فإذا كان الحب ورجاء إجابة السؤال، وتفريج الهموم، وزوال الكروب يطلب من غير الله من المقبورين: أنبياء أو صالحين فما بقي للقلب تعلق بالله، أين المحبة التي لا تكون إلا لله؟ ! فإذا علق هذا بالموتى كان كما قال تعالى عن أشباههم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] . فالحمد لله الذي وفق محبي رسول الله ﷺ حقيقةً لاتباع سنته وهديه، في دعائه، وفي فعله وتركه، وخذل من شاء من خلقه بعدله، فتركوا سبيله في فعله وتركه، ولم يرتضوها، وتشعبت بهم السبل والطرق، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] الآيات.

стр. 154

فالشيطان حريص على إغواء بني أدم ويأتي كلاً بما يناسبه، فيأتي من ينتسب إلى العلم فيضله بما ينتسب إليه، ووقائع أحابيله في العيان ظاهرة، وشبهه في قلوب مواليه قاهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال ص٨٠: " وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا قبل الآخرة فإن معنى ذلك أنه سينالها حقيقة في محلها يوم القيامة، وبعد أن يأذن الله تعالى للشفعاء بالشفاعة لا أنه ينالها هنا قبل وقتها" اهـ. أقول: أولاً: ليس هذا قصد من يطلب الشفاعة من رسول الله ﷺ في الدنيا، بل قصده أن يشفع له الآن، وصاحب المفاهيم يرواغ نفسه، ويناقضها، فإذا كان قصده كذلك فلم أطال في إثبات خبر عثمان بن حنيف الباطل الضعيف، فيمن أبطأ عليه عثمان بالاستجابة؟ ! أليس -في زعمه- أن شفاعة رسول الله ﷺ له كانت هنا في الدنيا؟ ! ولم ساق خبر العتبي، وقد أجيبت عندكم شفاعته في الدنيا؟ ! ولم سردت كل ما سردت من أقوال، تريد بها إثبات طلب الشفاعة منه ﷺ في الدنيا، وتحبب ذلك للناس ببيان أثر طلبها في الدنيا؟ ! لِمَ كل هذا من صاحب المفاهيم؟ ! لِمَ يتناقض، وفي صفحات متقاربة؟ ! أينسى، أم يتناسى، أم هو صاحب هوى؟ ! ثانياً: يقال: إذا كان مقصودكم -إن صدقتم- طلب الشفاعة الآخروية التي تكون يوم القيامة، فلم لا تتبعون السبل المشروعة التي سنها من أعطي الشفاعة ﷺ ؟ ! ومن أمثال ذلك سؤال الله له الوسيلة كما في حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم! رب هذه الدعوة

стр. 155

التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة " أخرجه البخاري في " صحيحه " وغيره. وفي " صحيح مسلم " (٢/٤) من حديثٍ لعبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من سأل لي الوسيلة حيلت له الشفاعة". وكما في قوله ﷺ لأبي هريرة: " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه " أخرجه البخاري (١/١٩٣) ١. والإخلاص ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة، كما في حديث أبي هريرة الآخر: " إني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة -إن شاء الله- من مات لا يشرك بالله شيئاً " متفق عليه. فبهذا وأمثاله تطلب الشفاعة من الله، فيطلبها أهل التوحيد بترك الإشراك وتحقيق التوحيد، وبسؤال الله لنبيه الوسيلة، ولا يطلبها أهل التوحيد الكارهون للشرك بأصنافه -الصحابة وأتباعهم إلى يوم الدين- من النبي ﷺ في قبره، بل يعلمون بدلائل القرآن والسنة أن من سأله الشفاعة بعد وفاته فهو خليق بحرمانه من الشفاعة. فاتبعوا يا عباد الله المشروع في سؤال شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة، وابتعدوا عن ما لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته المقربون. وإذا لم نسأل النبي ﷺ الشفاعة فغيره من الصالحين أولى وأولى، ودلائل هذا ظاهرة، فعسى أن تجد قلوباً مهدية، لم يعل عليها هواها، فالتبصر التبصر، والاتباع الاتباع. ثالثاً: يقال: شفاعة النبي ﷺ في الآخرة لا تطلب منه في الدنيا لا سيما وهو ميت. وإنما تطلب منه في وقت الحاجة إليها، وفي حال حياته ﷺ في

стр. 156

الآخرة حينما يشتد الحال بأهل الموقف كما صح في الحديث، وحينما يريد أهل الجنة دخول الجنة، وحينما يدخل أهل الكبائر من أمته في النار أو يؤمر بدخولهم فيها، كما دلت على ذلك النصوص الصحيحة، أما طلبها الآن فهو طلب قبل أوانه، ومن تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه. قال ص ٩٢ في رده على أهل السنة والجماعة الذين يفرقون بين ما مكن الله العبد منه في الحياة الدنيا، وبين ما لم يمكنه في الحياة البرزخية. قال: " ولنقتصر هنا على هذا السؤال: أيعتقدون أن الشهداء أحياء عند ربهم كما نطق القرآن بذلك أو لا؟ فإن لم يعتقدوا فلا كلام لنا معهم؛ لأنهم كذبوا القرآن حيث يقول: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِنْ لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] ، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . وإن اعتقدوا ذلك فنقول لهم: إن الأنبياء وكثيراً من صالحي المسلمين الذين ليسوا بشهداء كأكابر الصحابة أفضل من الشهداء بلا شك" اهـ. أقول: يظهر أن الكاتب لا يعرف معتقد أهل السنة والجماعة، ولو عرفه لما فتح فاه، ولا نبس بما نبس به، فكتب علماء السنة وخاصة علماء هذه البلاد، وتلامذة الشيخ محمد بن عبد الوهاب منتشرة مشهورة، وفيها بيان اعتقادنا والحمد لله. فمن ذلك ما كتبه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد عبد الوهاب في الاعتقاد لأهل مكة لما دخلها أتباع الدولة السعودية الأولى سنة ١٢١٨هـ فمما قال: "والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين

стр. 157

على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب" اهـ١. وسئل الشيخ عبد الله أبابطين المتوفي سنة ١٢٨٢هـ: هل النبي ﷺ حي في قبره؟ فأجاب: " الله أخبر بحياة الشهداء، ولا شك أن الأنبياء أعلى رتبةُ من الشهداء، وأحق بهذا، وأنهم أحياء في قبورهم، ونحن نرى الشهداء وميماً، وربما أكلتهم السباع، ومع ذلك هم ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَبِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْبِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] فحياتهم حياة برزخية، والله أعلم بحقيقتها، والنبي ﷺ قد مات بنص القرآن والسنة، ومن شك في موته فهو كافر" اهـ ٢. فهذا بحمد لله معتقدنا، ولو علمه الكاتب لما حرك قلمه بهذه الشبهة، والقوم يظنون أنهم أفراح بالدلائل الصحيحة الصريحة من أهل السنة والجماعة، وما صح دليل إلا وقد نصره أهل السنة نصراً بليغًا، مع النظر في غيره من الأدلة، والحمد لله رب العالمين. ثم دخل الكاتب في الأرواح وخصائصها، وخاض بغير علم فمما قال ص ٩٣: " ولا شك أن الأرواح لها من الانطلاق والحرية ما يمكنها من أن تجيب من يناديها، وتغيث من يستغيث بها، كالأحياء سواء بسواء، بل أشد وأعظم" اهـ.

стр. 158

أقول: فهلا أتى الكاتب على علمه بالأرواح من دليل نقلي، والله سبحانه يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] أم أنه كشف له الغيب فعلم ذلك! وهنا أمور يجب تقريرها: الأول: أن النبي ﷺ أعلم الخلق بما يمكن علمه من شأن الأرواح، وهو لم يعلم صحابته وأمته هذا العلم من أنها "تغيث من يستغيث بها كالأحياء سواء بسواء بل أشد وأعظم"، أفكتم هذا العلم الذي علمه المفسرون المشركون؟ ! . الثاني: أن الأرواح لا تعلم أحوالها وكيف هي، وقدراتها، والذي نعلمه قطعاً أنها لا تجيب من يدعوها، ولا تغيث من يستغيثها. فما ظن الكاتب بدين الجاهلية دين المشركين، أيعبدون أصناماً أحجاراً؟ ! أم أنهم لم يعبدوها إلا وقد رأوا أثرها من إجابة دعاء، وإغاثة؟ ! إن أعظم فتن الشياطين هي الشرك، وبابه القبور حيث يظهر عمل شياطين الجن من تمثل بصورة المقبور، وتكليم الحاضرين، وربما أجاب سؤالاً، وغير ذلك. الثالث: ومما يتفرع عما أسلفتُ ما ذكره الشيخ العلم تقي الدين ابن تيمية في " الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح " (١/٣٢٢) : " والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه، فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم، ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده، وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم، ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس، أو بصورة من يستغيث به من النصارى من أكابر دينهم إما بعض البتاركة، وإما بعض المطارنة، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ

стр. 159

في صورة ذلك الشيخ، كما يتمثل لجماعة ممن أعرفه في صورتي، وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك. ويتمثل كثيراً في صورة بعض الموتى، تارة يقول: أنا الشيخ عبد القادر، وتارة يقول: أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري، وتارة يقول: أنا الشيخ عدي، وتارة يقول: أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول: أنا أبو مدْين المغربي، وإذا كان يقول: أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد، فغيرهم بطريق أولى. والنبي ﷺ قال: " من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي "، وفي رواية: " في صورة الأنبياء "، فرؤيا الأنبياء في المنام حق، وأما رؤية الميت في اليقظة فهذا جني تمثل في صورته. وبعض الناس يسمي هذا روحانية الشيخ، وبعض الناس يقول: هي رفيقه، وكثير من هؤلاء من يقوم من مكانه ويدع في مكانة صورة مثل صورته، وكثير من هؤلاء ومن هؤلاء من يقول يرى في مكانين، ويرى وافقاً بعرفات وهو في بلده لم يذهب، فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين. والصادقون قد رأوا ذلك عياناً لا شكون فيه، ولهذا يقع النزاع كثيراً بين هؤلاء وهؤلاء، كما قد جرى ذلك غير مرة، وهذا صادق فيما رأى وشاهد، وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح، لكن ذلك المرئي كان جنياً تمثل في صورة إنسان" اهـ. وذكر ﵀ في " قاعدة في التوسل والوسيلة " من تفصيل ذلك ما يزيد المؤمنين هدى، ومما قال (١/١٧٤) " مجموع الفتاوى ": "وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى، ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه.

стр. 160

فإنه ما من أحدٍ يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبياً كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلالة، كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم، أو يظنون أنه في صورتهم، ويقول: أنا فلان، ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم، فإنهم يظنون أن الميت المتسغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم، وإنما هو من الجن والشياطين. ومنهم من يقول: هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين، وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله، وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك، ومن وقعت له ما يطول وصفه" اهـ. فقَطْع الكاتب بأن أرواح الموتى تغيث من يستغيث بها، كالأحياء بل أشد وأعظم، من الشرك الذي خدعت الجن والشياطين به طوائف من الناس، فتقربوا إلى المقبورين، وإنما تقربوا في الحقيقة إلى شياطين الجن، فتشكلت لهم الجن وأرضوهم حيث أشركوا بهم، وهذا ما يريده إبليس اللعين، وقد أطاعه فيه عباد القبور، والمنافحون عنهم. قال الكاتب ص٩٦ شارحاً لمعنى حديث: " إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " قال: " هذا الحديث الشريف ليس المقصود به النهي عن السؤال والاستغاثة بما سوى الله، كما يفيده ظاهر لفظه، وإنما المقصود به النهي عن الغفلة عن ما كان من الخير على يد الأسباب فهو من الله، والأمر بالانتباه إلى أن ما كان من نعمة على يد المخلوقات فهو من الله وبالله. فالمعنى: وإذا أردت الاستغاثة بأحد من المخلوقين -ولابد لك منها- فاجعل كل اعتمادك على الله وحده، ولا تحجبنك الأسباب عن رؤية المسبب ﷻ ولا تكن ممن يعلمون ظاهراً من هذه الارتباطات

стр. 161

والعلاقات بين الأشياء المترتب بعضها على بعض، وهم عن الذي ربط بينها غافلون " اهـ. أقول: هذا التفسير لقول رسول الله ﷺ بناه الكاتب على مفهوماته للتوحيد وهو توحيد الربوبية، وفسره تفسيراً لم ينقله عن عالم يركن إلى تفسيره وشرحه، ولا إلى إمام يحتذى حذو فهمه ويتابع عليه. فإذا كان من عند نفسه فلا شك أنه لن يقبل ولن يصار إليه، والعجب منه كيف جُرُأته على تحريف مرادات رسول الله ﷺ لنصرة هواه. ومما يدل على بطلان ما فسره به: أولاً: أن هذه الوصية من رسول الله ﷺ لابن عباس منقبة لابن عباس، ولو فسرت بما فسرها به الكاتب لكانت غير منقبة، إذ تفسيره يدل على أن المخاطب معه أدنى درجات الإيمان والتوحيد، فهو يحذر من الوقوع في براثن رؤية الأسباب، وحاشا ابن عباس ﵁ -عن ذلك. الثاني: أن هذا الشرح خارج عما قاله الشراح من أهل العلم، وما كان كذلك فهو من الهوى إن لم يقم صاحبه عليه دليلاً صحيحاً نقلاً ونظراً، وهو مما ليس في قول الكاتب هنا، وأنى له ذلك. قال الحافظ الفقيه ابن رجب في " شرح الأربعين " (٢/٢٢٨) : قوله ﷺ : " إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، فإن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، كذا روي عن النبي ﷺ من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ : " الدعاء مخ العبادة ".

стр. 162

فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله ، ولا يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، فأما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: ﴿وَاسْأَلُواْ اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] ، وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل "، وفيه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: "من لا يسأل الله يغضب عليه "، وفي حديث آخر: " ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع ". وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم: أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه". ثم قال ابن رجب: " واعلم أن سؤال الله دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع هذا الضرر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار. ولا يصح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك " انتهى كلام ابن رجب. وقال ابن حجر الهيتمي المكي في " الفتح المبين شرح الأربعين " (ص١٧٢) : " فمع النظر لذلك لا فائدة لسؤال الخلق مع التعويل عليهم فإن قلوبهم كلها بيد الله ، ويصرفها على حسب إرادته، فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه ، فإنه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، له الخلق وله الأمر. . . ثم قال:

стр. 163

" فبقدر ما يميل القلب إلى مخلوق يبعد عن مولاه لضعف يقينه ووقوعه في هوة الغفلة عن حقائق الأمور التي تيقظ لها أصحاب التوكل واليقين، فأعرضوا عما سواه وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرمه وجوده " اهـ. وفي " الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين النووية "، قال إبراهيم بن مرعي المالكي ص ١٧٨: "وإذا استعنت أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والدين، ولذا حذف المعمول المؤذن بالعموم: " فاستعن بالله"؛ لأنه القادر على كل شيء، وغيره عاجز عن كل شيء، والاستعانة إنما تكون بقادر على الإعانة، وأما من هو كلٌّ على مولاه لا يقدر على إنفاذ ما يهواه لنفسه فضلاً عن غيره، فكيف يؤهل للاستعانة أو التمسك بسببه؟ ! ومن كان عاجزاً عن النفع والدفع عن نفسه، فهو عن غيره أو أعجز، ليت الفحل يهضم نفسه. فاستعانة مخلوق بمخلوق كاستعانة مسجون بمسجون، فلا تستعن إلا بمولاك فهو دليلك في أخراك وأولاك، كيف تستعين بعبد مع علمك بعجزه؟ ! فمن لا يستطيع دفع نازلة عن نفسه كيف يدفعها عن غيره، من أبناء جنسه؟ ! فلا تنتصر إلا به فهو الولي الناصر، ولا تعتصم إلا بحبله فإنه العزيز القادر " انتهى. فهذه شذرة من كلام أهل العلم، يبين بها خروج الكاتب بمفاهيمه عن فهمهم ومن كان كذلك فليس منهم. الثالث: إذا كان هذا كلام العلماء فيمن هو حي يقدر على إجابة السؤال وإعانة الطالب، فما ظنك بالميت الذي هو أضعف في إجابته من الحي، بل لا يجيب حياً سأله في أمرٍ يتعلق به، فالميت مشغولٌ بنفسه: إما في نعيم وروضة وإما في جحيم وحفرة.

стр. 164

قال كاتب المفاهيم العجيبة: " هذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه إذ يستدل به على أنه لا سؤال ولا استعانة مطلقاً من كل وجه وبأي طريق إلا بالله، ويجعل السؤال والاستعانة بغير الله من الشرك المخرج عن الملة". أقول: إن من خَطَّأَ العلماء لا يؤبه لكلامه، فالحي الأولى له والأكمل تحقيقاً لتوحيده، أن لا يسأل أحداً شيئاً ولا يستعين بأحد مطلقاً إلا بالله، فهذه مرتبة الأنبياء والصديقين، ولذا قال أنس بن مالك ﵁: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فو الله ما قال لي: أفٍ قط، ولم يقل لشيء فعلته، لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ " وبهذا أوصى طائفة من أصحابه أبا بكر وأبا ذر وثوبان، فهذا من تحقيق كمال التوحيد. وأما سؤال الميت الأشياء والاستعانة به، فهو منافٍ للتوحيد من أصله، إذ الميت لا يمكنه إعانة نفسه، فكيف يعين غيره؟! والميت لأن يعين نفسه أحرص وأشد رغبة، فهو عن الناس في شغل، وحدُّه وقصاراه نفسه لا غير. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يعني: سمع إجابة، والكاتب يماحل نفسه، ويلوي أقوال الرسول ﷺ لتوافق مذهبه، ولو كانت مخالفة لقول أهل العلم أجمعين. ثم إن في تفسيره الحديث بما فسره به تنقصاً لابن عباس ﵄ -وقع فيه من جراء اختلاق التفاسير والشروح، ومن خالف وقع. ثم أراد أن يقوي نظرته المخالفة لأقوال أهل العلم بما ليس بدليل، فمما قال ص٩٧:

стр. 165

" وقال ﷺ : "إن لله خلقاً خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله"، فانظر إلى قوله ﷺ : "يفزع إليهم في حوائجهم" ولم يجعلهم مشركين بل ولا عاصين ". أقول: لم يذكر مخرج الحديث، فقد رواه الطبراني في " المعجم الكبير " ١ عن ابن عمر ﵁ قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٨/١٩٢) : فيه شخص ضعفه الجمهور، وأحمد بن طارق الراوي عنه لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، هذا ما نقله المناوي في " فيض القدير " (٢/٤٧٧-٤٧٨) عن الهيثمي وما في المجمع المطبوع مختل، وبه بياض فلتراجع نسخة مضبوطة. ورواه ابن عساكر في " تاريخه " عن ابن عمر. ورواه ابن عدي في " الكامل في ضعفاء الرجال " (٤/١٥٠٧) من طريق عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر به. وهذا إسناد ضعيف جداً وإن قيل بوضعه كان متجهاً؛ لأن عبد الرحمن حدث عن أبيه بالموضوعات كما قاله الحاكم وغيره، والراوي عنه عبد الله بن إبراهيم من الضعفاء. وأورد الكاتب أحاديث في الحث على قضاء حوائج الناس، مستدلاً بها على فساد فهم أهل العلم الذين قالوا بأن ترك سؤال المخلوق القادر على الإجابة من إكمال التوحيد، وأن من سأل من لا يقدر على الإجابة ممن زال عن دار العمل والتكليف دار الدنيا، فقد أشرك. وما فهم العلماء بفاسد، ولكن فهم المعجب بفهمه هو الفاسد، ونُذَكر الكاتب بقوله في أهل العلم: " وكيف يفتح الله علينا لنستفيد من علومهم إذا كنا نعتقد فيها الانحراف والزيغ عن طريق الإسلام" ص ٣٩، وحق

стр. 166

هذا فما فتح لكاتب المفاهيم أبواب الاستفادة من أقوالهم؛ لأنه يعتقد فيها الانحراف، حيث قال: " وهذا الحديث يخطئ كثير من الناس في فهمه"، والذين أخطؤوا هم العلماء، فعلى نفسه حكم، ولمفاهيمه وزن. وختم كلامه على الحديث ص ٩٩ بعجب عجيب وأمر مريج فقال: " وبهذا يبين أن المقصود من الحديث ليس ما توهموه، فإنه فاسد واضح الفساد كما تبين، وإنما المقصود الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعاً فيها". وهذا التأويل يعرف الجهال فساده. قال ص ٩٨: " ومن أخذ بالسبب الذي أمر الله بسلوكه لنيل جوده فما سأل السبب بل سأل واضعه، فقول القائل: يا رسول الله! أريد أن ترد عيني أو يزول عنا البلاء أو أن يذهب مرضي، فمعنى ذلك طلب هذه الأشياء من الله بواسطة شفاعة رسول الله ﷺ وهو كقوله: ادع لي بكذا واشفع لي في كذا، لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من ذلك" اهـ. أقول: إن قول القائل: يا رسول الله! أريد أن ترد عيني أو أن يذهب مرضي من شرك التصرف، وهو شرك أكبر ناقل عن الملة. وأما قول القائل: ادع لي بكذا واشفع لي في كذا، سائلاً النبي ﷺ بعد موته فهو من شرك التقريب والشفاعة. وكلا الأمرين شرك ولكن الأول أعظم وأشد؛ لأن معناه إشراك رسول الله ﷺ في التصرف، فقائله -كما هو الحال المشاهد من قائلي مثل هذا مع غير النبي ﷺ من الصالحين- يعتقدون أن الميت يتصرف في جزءٍ من

стр. 167

الكون، فبيده إشفاء المرضى بتفويض الله له ذلك، وبيده إزالة البلاء والقحط والنكبات، لتفويض الله له التصرف في جزءٍ من الكون. وهذا معلوم، والكاتب مغالط فيدعي معرفة عقائد كل من قال تلك الكلمات، وذاك من الدعاوي العريضة التي هي محض تخرص، أو مغالطة. فمن ذلك ما في " رماح حزب الرحيم " لعمر الفوني (١/٢١٩) ١ قال في النبي ﷺ : "إنه يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته" اهـ. وفي شعر لأحدهم٢ قال: فلذا إليك الخلقُ تفزَع كلهم في هذه الدنيا وفي اليوم الأهم وإذا دهتهم كربة فرجتها حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم جُدْ لي فإن خزائن الرحمن في يدك اليمين وأنت أكرمُ من قسم وعند عباد القبور المستغيثين بأصحابها من اعتقاد تصرفهم في العالم شيء كثير، وهو من أعظم الشرك، الشرك في الربوبية. ومن أدلته على خطأ فهم العلماء لحديث ابن عباس قوله ص٩٨: " ويكفي في بيان الخطأ أن الحديث نفسه إنما هو جواب منه ﵊ -لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله ﷺ أن يسأله فإنه قال: "يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن"، فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا؟ قال ابن عباس: بلى" اهـ.

стр. 168

أقول: الحديث أخرجه الترمذي في " جامعه " (رقم ٢٥١٦) بإسناده عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال: "يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسال الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. . . " الحديث. وأخرجه أحمد (١/٢٩٣) هكذا، وجماعة. هذه الرواية المشهورة القوية السند. وهي التي أشار إليها الكاتب حيث قال: " هذا طرف من الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعاً"، وليس فيها السؤال والجواب اللذان أوردهما. وإنما ورد ذلك من طريق ضعيفة منقطعة، أخرجها أحمد في " المسند " (١/٣٠٧) وغيره، وفي كلام أحمد شاكر على الحديث وبيان انقطاعه كفاية، فيرجع إليه (٤/٢٨٦-٢٨٨) . ثم قال الكاتب: " ولو جرينا على هذا الوهم ما صح على مقتضاه أن يسأل جاهل عالماً ولا واقع في مهلكة غوثاً. . . إلخ". أقول: هذا مما يعرف بالأسباب الظاهرة للعيان مما جاءت الشريعة بإقراره بين الناس، وأن لا حرج فيه، وأما سؤال الموتى فهذا من الأسباب الخفية التي جاءت الشريعة بردها ونهي الناس عنها، وقتال المشركين من العرب وغيرهم عليها. وشعر الكاتب فداحة الخطأ وتكثير الكلام فيما لا طائل تحته فقال: "فإن قالوا: إن١ الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين، وقد سبق رد هذا الوهم مبسوطًا ".

стр. 169

أقول: جواب الشرط لم يذكره، والعبارة ركيكة، وأما رده عقيدة السلف والعلماء، فهو مردود عليه؛ لأنه -كما سبق- ينفي شرك التصرف ظاهراً، ويقع في شرك القربى والزلفى. وأبطال دعواه فُصّل فيما كتبته عليها. ثم تكلم الكاتب على حديث رواه الطبراني في " معجمه الكبير " ١ أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : " إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ". ساقه هكذا الكاتب. ثم قال في معناه ص١٠١: " فلا بد من تأويله بما يناسب عمومات الأحاديث لينتظم شمل النصوص، فنقول: إن المراد بقوله: ذلك هو إثبات حقيقة التوحيد في أصل الاعتقاد، وهو أن المغيث حقيقة هو الله تعالى والعبد ما هو إلا واسطة في ذلك" اهـ. أقول: ما أجرأ الكاتب على عسف الأحاديث، فإن أبا بكر ﵁ هو الصديق أول المؤمنين وصاحب رسول الله ﷺ في الغار، وفضائله وسبقه مشهور، أفيظن به أنه يحوم على خاطره استقلال الرسول ﷺ بالإغاثة؟ ! هل يجوّز مسلم أن يأتي على ذهن أبي بكر أن إغاثة الرسول ﵊ مستقلة؟ ! هذا ما قرره كاتب المفاهيم، وفي حمل الحديث على ما حمله عليه من هذا المعنى الباطل نسبة الصديق إلى غاية الضلال، وهو الشك في خالق الأسباب المتفرد بها، يالها من معانٍ سيئة

стр. 170

قبيحة جرها عدم الفقه والفهم، فما أفسد وأشنع مفاهيمك يا كاتب المفاهيم! وفي الجعبة سهام مريشة، والاكتفاء بهذا الوجه في رد إفكه كاف، قال شيخ الإسلام في " رده على البكري " حين أورد جنس كلام كاتب المفاهيم قال ص ٢٠٤: " والنبي ﷺ نفى وأثبت، وإن كان ما نفاه لم يخطر بقلوبهم، فأي حاجة إلى نفيه، وإن قيل: إنهم ظنوه فذلك بهتان عظيم، بخلاف ظنهم أنه يقدر على دفع المكروه١؛ فإن هذا الظن قد كان يقع منهم كثيراً، وقد يكون الأمر كما يظنه الظان، فليس فيه قدح لا في الصحابة ﵃ ولا في الرسول ﷺ بخلاف من يقول: لا تعتقدوا في أني مثل الله أقدر وأستقل بالتأثير كما يفعله الله، فإن هذا المعنى لا يظنه به من هو دون الصحابة، فكيف يظنونه هم" انتهى.

стр. 171

الباب الرابع: التكفير ... التكفير إن من أكبر المسائل التي تصد طوائف عن قبول الحق في مسائل التوحيد وإخلاصه لرب العالمين مسألة التكفير، وتصوير هذه المسألة قولهم: إن المسلم الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ ويصلي ويقيم الأركان الظاهرة، لا يمكن أن يكفر أبداً، ويف يكفر وهو قائم بالأركان؟ ! ولا يتصورون أن هناك نواقض للإسلام تبطله وتناقض لا إله إلا الله، بل إن من الناس من يقول: من قال لا إله إلا الله فهو مسلم ولو لم يعمل، فترك العمل ممن قال كلمة التوحيد لا يخرجه عن الإسلام، وهذا المعروف من مذهب المرجئة والماتريدية، ومن تبعهم اليوم من الناس. وهذان القولان قديمان، ظهرا في العصور الأولى، وليسا جديدين، وأكثر من تشرح وتبين له مسائل إخلاص التوحيد، توحيد الله بأفعال العبيد -من ساقه الشيطان عدو ابن آدم إلى تعظيم الموتى، وطلب شفاعاتهم، ودعائهم، أو سؤالهم العطايا، والغفران، والمعافاة في الأبدان والبلدان- يكبر عليه الحكم على من صرف شيئاً مما ذكرنا للموتى بالشرك الأكبر المخرج من الدين. ويقولون: أيكفر من نطق بالشهادتين وصلى وصام وزكى وحج؟ ! لا يكفر أبداً ولو دعا غير الله، ويستدلون بهذه المقدمة الفاسدة على إنكار أن يكون صرف ما ذكر بعضه للموتى شركاً، فيبطل عندهم الحق بالاستدلال العكسي.

стр. 172

وفي هذا الباب بيان الحق في هذه المسألة التي أوغرت الصدور، لعدم نظر المبطلة في الأدلة الشرعية، وكلام أهل العلم في باب الاعتقاد، وكلامهم في باب المرتد.

стр. 173

فصل وأعظم شروط صحة الإسلام هو إخلاص القلب وتوحيده، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَ الِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] ، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] ، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] ، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: ٥] والآيات لا تحصى، بل القرآن كله يدعو ويأمر بالإخلاص، إما بالمطابقة أو بالتضمن أو الالتزام، ومن تدبر هذا وجده كذلك. وفي السنة من الأمر بالإخلاص، وعدم قبول دين تاركه شيء كثير، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : " لقد ظننت يا أبا هريرة! أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، أو نفسه " قال الحافظ في " فتح الباري " (١/١٩٤) : " قوله: " خالصاً" احترازٌ من المنافق، ومعنى أفعل في قوله "أسعد" الفعل، لا أنها أفعل التفضيل، أي: سعيد الناس كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ " اهـ كلام الحافظ.

стр. 174

وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتغي به وجهه " أخرجه النسائي في " الجهاد " (٦/٢٥) وإسناده حسن. وفي الباب أحاديث عدة، في إخلاص التوحيد والعمل، وبيان أن العمل ما لم يكن خالصاً لا يقبل وهو شرك، وأعظم الأعمال التوحيد، ومن لم يخلص العبادة لله فعمله مردود عليه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " أخرجه مسلم (٨/٢٢٣) . والعبادة تارة تكون بالجوارح -والإخلاص أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله- كالصلاة والصيام ونحو ذلك، وتارة تكون قلبية والجوارح مفصحة عن إرادة القلوب. فإن من الناس من قد يخفي رياءه وشركه، ولا يحب أن يطلع على ذلك الناس، كالمنافقين أظهر بجوارحه عبادة، وأشرك في قلبه ولم يخلص. ولكن ليس أحدٌ من الناس المنتسبين للإسلام يظهر الشرك ويبطن التوحيد، فهذا غير موجودٍ، ولا هو حقيقة، فإن من أظهر بلسانه وعمله الشرك وترك الإخلاص فلا بد يقيناً أن يكون قلبه غير مخلص، وهذا لا مخالف فيه. ويستثنى من ذلك المكره بالقتل كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ، أما والمرء مختار راغب في العبادة فلا يعقل أن يظهر لفظًا شركياً وقلبه مخالف لفظه. فالمظهر للإخلاص المبطن خلافه منافق كالمنافقين في زمن رسول الله ﷺ والمظهر الشرك مشرك من المشركين كالذين قاتلهم رسول الله ﷺ من مشركي العرب وغيرهم.

стр. 175

فالمنافقون في زمن النبي ﷺ يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون معه، ويصومون ويزكون ويؤدون الشعائر الظاهرة ومع كل هذا هم في الدرك الأسفل من النار، تحت الكفار وشر منهم؛ لأنهم لم يخلصوا أعمالهم لله، ولم يقولوا كلمة التوحيد بإخلاص، بل ناقض إظهار الإسلام أعمالٌ كفرية كتولي المشركين، والاستهزاء بالمؤمنين، ونحوها من المكفرات التي دلت على عدم إخلاصهم، فكفروا مع نطقهم بالشهادتين، وفعلهم أركان الإسلام. وهذا من أنفع البراهين الدالة على فساد قول من قال: إن من قال لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بالشعائر إنه لا يتطرق إليه كفر مع قيامه بالأركان، وهم نظروا إلى الظواهر، والأس الأعظم والركن الوثيق الإخلاصُ لم يلتفتوا له. وهذا الإخلاص هو مدلول كلمة التوحيد؛ ولذا سميت كلمة الإخلاص، فإن من قالها غير معتقدٍ ما دلت عليه من إخلاص العبادة لله فلا يسمى شاهداً بها؛ ولذا كان الركن الأعظم من أركان الدين شهادة أن لا إله إلا الله، لا قول لا إله إلا الله فقط. فمن الخلق من يقولها بلسانه، ولكنه لا يشهد بها بقلبه، بمعنى: أنه لا يخلص ما دلت عليه، فهذا فقد من دينه الركن الأوثق وهو الإخلاص.

стр. 176

فصل: ولذا يجد المطالع في كتب أهل العلم الفقهية باباً في كل كتاب منها يسمى: باب الردة، أعاذنا الله منها ومن ما قرب إليها، يذكرون فيه ألفاظًا يكفر بها المسلم ويصير مرتداً مباح المال والدم، مع أن هذا المرتد يكون -غالباً- يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويكون صائماً حاجاً، ولكنه ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام كالشرك فصار مرتداً عن الإسلام. وها أنا أسوق في هذا الموضع عبارات أهل العلم وكلامهم من المذاهب الأربعة المتبوعة لينجلي المقام، وتظهر حقيقة الحال، في هذا الأمر. قال في " مختصر خليل على شرح الدردير " (٦/١٤٤) ، من كتب المالكية المعتمدة: " الردة: (كفر مسلم) متقررٍ إسلامه بالنطق بالشهادتين مختاراً، يكون (بصريح) من القول كقوله أشرك بالله، (أو قول يقتضه) أي: يقتضي الكفر، كقوله جسم كالأجسام، (أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزوماً بيناً: (كإلقاء مصحف) أو بعضه ولو كلمة، وكذا حرقه استخفافاً، لا صوناً، ومثل إلقائه تركُه بمكان (قذر) . . . ومثل المصحف: الحديث وأسماء الله وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إن كان على وجه الاستخفاف بالشريعة. . إلخ ". قال الصاوي في " حاشيته " على أول كلامه: " قوله: (متقرر إسلامه) إلخ: ظاهره أن الإسلام يتقرر بمجرد النطق بالشهادتين مختاراً، وإن لم يوقف على الدعائم، وليس كذلك، بل لابد في تقرير الإسلام من الوقوف على الدعائم والتزامه الأحكام بعد نطقه بالشهادتين" انتهى.

стр. 177

فعلم من هذا أن الردة تلحق المسلم القائل ألفاظ الشهادتين العامل بالأركان، وهو مذهب أهل العلم جميعهم، لا خلاف بينهم في ذلك. والحنفية أكثر الفقهاء توسعاً في باب المرتد رعاية لجانب تعظيم آيات الله ودينه؛ حتى أنهم ليكفرون بألفاظ فيها نوع ترك التعظيم والاحترام الواجب لله ورسوله ودينه وعلماء المسلمين وعلومهم. فهاك نبذًا مما قاله ابن نجيم الحنفي في كتابه: " البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٥/١١٩-١٢٥) : " ويكفر إن اعتقد أن الله يرضى بالكفر، وبقوله: لو أنصفني الله تعالى يوم القيامة انتصفت منك، أو إن قضى الله يوم القيامة، أو إذا أنصف الله، وبقوله: بارك الله في كذبك. . . وبقوله: الله يعلم أني فعلت كذا وهو يعلم أنه ما فعل. . وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله: أنا أعلم المسروقات، وبقوله: لا أعلم أن آدم ﵇ نبي أو لا. . . ويكفر من أراد بغض النبي ﷺ بقلبه. . . ويكفر بقوله: إن كان ما قال الأنبياء حقاً أو صدقاً. وبرده حديثاً مروياً إن كان متواتراً، أو قال على وجه الاستخفاف؛ سمعناه كثيراً. . .، وباستخفافه بسنةٍ من السنن. وبإنكاره إمامة أبي بكر ﵁ على الأصح، كإنكاره خلافة عمر ﵁ على الأصح، لا بقوله: لولا نبينا لم يخلق آدم ﵇، وهو خطأ. وبقوله: لا أترك النقد لأجل النسيئة، جواباً لقوله: دع الدنيا للآخرة. . . ويكفر بإنكاره أصل الوتر والأضحية، وباستحلال وطء الحائض. ويكفر باستحلاله حراماً علمت حرمته من الدين من غير ضرورة لا بفعله من غير استحلال. . .، وبقراءة القرآن على ضرب الدف أو القضيب، وباعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة، والمزاح بالقرآن كقوله: والتفت الساق

стр. 178

بالساق، أو ملأ قدحاً وجاء به وقال: وكأساً دهاقاً، أو قال عند الكيل أو الوزن وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وقيل إن كان جاهلاً لا يكفر. وبترك الصلاة متعمداً غير ناوٍ للقضاء، وغير خائف من العقاب، ويكفر بإتيانه عيد المشركين مع ترك الصلاة تعظيماً لهم. ويكفر بقوله: إن هذه الطاعات جعلها الله عذاباً عليناً، بلا تأويل، أو قال: لو لم يفرض الله هذه الطاعات لكان خيراً لنا، وبالاستهزاء بالأذكار، وبتسميته عند أكل الحرام، أو فعل الحرام كالزنا، ويكفر بالاستهزاء بالأذان لا بالمؤذن. ويخاف الكفر على من قال للأمر بالمعروف: غوغا، على وجه الرد والإنكار، ويكفر بقوله له: فضولي. . . ويكفر بتصدقه على فقير بشيء حرام يرجو الثواب. ويخاف عليه الكفر إذا شتم عالماً أ , فقيهاً من غير سبب. وبخروجه إلى نيروز المجوس والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم، ويشرائه يوم النيروز شيئاً لم يكن يشتريه قبل ذلك تعظيماً للنيروز، لا للأكل والشرب، وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بيضة تعظيماً لذلك اليوم. . وبتحسين أمر الكفار اتفاقاً، حتى قالوا: لو قال: ترك الكلام عند أكل الطعام من المجوس حسن، أو ترك المضاجعة حالة الحيض منهم حسن فهو كافر. وبذبحه شيئاً في وجه إنسان وقت الخلقة، أو للقادم من الحج أو الغزو، والمذبوح ميتة، وقيل: لا يكفر، وقوله لسلطان زماننا، عادل، وقيل: لا، وعلى هذا الاختلاف قول الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله وبقوله: لا تقل للسلطان

стр. 179

هذا، حين عطس السلطان فقال له رجل: يرحمك الله. . . وباعتقاد أن الخراج ملك السلطان. ويكفر بتلقين كلمة الكفر ليتكلم بها ولو على وجه اللعب. وكذا من حسن كلام أهل الأهواء وقال: معنوي، أو كلام له معنى صحيح، إن كان ذلك كفراً من القائل كفراً من القائل كفر المُحَسَّن، وكذا من حسن رسوم الكفرة، واختلف في تكفير من قال: إن إبراهيم بن أدهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة. قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر. وفي "الجامع الأصغر ": إذا أطلق الرجل كلمة الكفر عمداً لكنه لم يعتقد الكفر قال بعض أصحابنا: لا يكفر؛ لأن الكفر يتعلق بالضمير ولم يعقد الضمير على الكفر، وقال بعضهم: يكفر، وهو الصحيح عندي لأنه استخف بدينه. . . والحاصل أنه من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده. . . إلخ" انتهى كلام ابن نجيم، وهو منبٍ عن كثير من ألفاظٍ يكفر بها عند الحنفية وكثير من غيرهم. وقال الخطيب الشربيني في شرحه لمتن أبي شجاع المسمى " غاية الاختصار " من الكتب الفقهية الشافعية (٢/١٧٥) بعد تعداد صور يكفر بها المسلم: " وهذا باب لا ساحل له" اهـ وفي الكبائر لابن حجر الهيتمي من ذلك شيء كثير وكذا في " قواطع الإسلام " له. وقال مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه " غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى " (٣/٣٥٣) : " من ادعى النبوة أو صدَّقه، أو أشرك بالله تعالى، أو سبه، أو رسولاً أو ملَكاً له، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة. . . أو كتاباً أو رسولاً أو ملَكاً له، أو وجوب عبادة من الخمس ومنها الطهارة، أو حكماً ظاهراً مجمعاً عليه إجماعاً قطعياً، بلا تأويل

стр. 180

كتحريم زنا أو لحم -لا شحم- خنزير، أو حشيشة، أو حل خبز، ونحوه أو شك فيه ومثله لا يجهله، أو يجهله وعرف وأصرّ، أو سجد لصنم أو كوكب، ويتجه السجود للحكام بقصد العبادة كفر، وللتحية كبيرة، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً، قاله الشيخ. أو أتى بقولٍ أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، أو امتهن القرآن -صانه الله تعالى -أو ادعى اختلافه أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كفر. . . إلخ ". فلعله بهذه النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة يظهر الحق، ويبطل قول من قال: إن المسلم القائل بالشهادتين القائم بالأركان لا يكفر، كما يدندن حوله كثير من غلاة القبوريين منذ أزمان.
следующие страницы →