فصل:
ولذا يجد المطالع في كتب أهل العلم الفقهية باباً في كل كتاب منها يسمى: باب الردة، أعاذنا الله منها ومن ما قرب إليها، يذكرون فيه ألفاظًا يكفر بها المسلم ويصير مرتداً مباح المال والدم، مع أن هذا المرتد يكون -غالباً- يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويكون صائماً حاجاً، ولكنه ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام كالشرك فصار مرتداً عن الإسلام.
وها أنا أسوق في هذا الموضع عبارات أهل العلم وكلامهم من المذاهب الأربعة المتبوعة لينجلي المقام، وتظهر حقيقة الحال، في هذا الأمر.
قال في " مختصر خليل على شرح الدردير " (٦/١٤٤) ، من كتب المالكية المعتمدة: " الردة: (كفر مسلم) متقررٍ إسلامه بالنطق بالشهادتين مختاراً، يكون (بصريح) من القول كقوله أشرك بالله، (أو قول يقتضه) أي: يقتضي الكفر، كقوله جسم كالأجسام، (أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزوماً بيناً: (كإلقاء مصحف) أو بعضه ولو كلمة، وكذا حرقه استخفافاً، لا صوناً، ومثل إلقائه تركُه بمكان (قذر) . . . ومثل المصحف: الحديث وأسماء الله وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إن كان على وجه الاستخفاف بالشريعة. . إلخ ".
قال الصاوي في " حاشيته " على أول كلامه: " قوله: (متقرر إسلامه) إلخ: ظاهره أن الإسلام يتقرر بمجرد النطق بالشهادتين مختاراً، وإن لم يوقف على الدعائم، وليس كذلك، بل لابد في تقرير الإسلام من الوقوف على الدعائم والتزامه الأحكام بعد نطقه بالشهادتين" انتهى.
стр. 177
فعلم من هذا أن الردة تلحق المسلم القائل ألفاظ الشهادتين العامل بالأركان، وهو مذهب أهل العلم جميعهم، لا خلاف بينهم في ذلك.
والحنفية أكثر الفقهاء توسعاً في باب المرتد رعاية لجانب تعظيم آيات الله ودينه؛ حتى أنهم ليكفرون بألفاظ فيها نوع ترك التعظيم والاحترام الواجب لله ورسوله ودينه وعلماء المسلمين وعلومهم. فهاك نبذًا مما قاله ابن نجيم الحنفي في كتابه: " البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٥/١١٩-١٢٥) :
" ويكفر إن اعتقد أن الله يرضى بالكفر، وبقوله: لو أنصفني الله تعالى يوم القيامة انتصفت منك، أو إن قضى الله يوم القيامة، أو إذا أنصف الله، وبقوله: بارك الله في كذبك. . . وبقوله: الله يعلم أني فعلت كذا وهو يعلم أنه ما فعل. . وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله: أنا أعلم المسروقات، وبقوله: لا أعلم أن آدم ﵇ نبي أو لا. . . ويكفر من أراد بغض النبي ﷺ بقلبه. . . ويكفر بقوله: إن كان ما قال الأنبياء حقاً أو صدقاً.
وبرده حديثاً مروياً إن كان متواتراً، أو قال على وجه الاستخفاف؛ سمعناه كثيراً. . .، وباستخفافه بسنةٍ من السنن.
وبإنكاره إمامة أبي بكر ﵁ على الأصح، كإنكاره خلافة عمر ﵁ على الأصح، لا بقوله: لولا نبينا لم يخلق آدم ﵇، وهو خطأ.
وبقوله: لا أترك النقد لأجل النسيئة، جواباً لقوله: دع الدنيا للآخرة. . . ويكفر بإنكاره أصل الوتر والأضحية، وباستحلال وطء الحائض.
ويكفر باستحلاله حراماً علمت حرمته من الدين من غير ضرورة لا بفعله من غير استحلال. . .، وبقراءة القرآن على ضرب الدف أو القضيب، وباعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة، والمزاح بالقرآن كقوله: والتفت الساق
стр. 178
بالساق، أو ملأ قدحاً وجاء به وقال: وكأساً دهاقاً، أو قال عند الكيل أو الوزن وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وقيل إن كان جاهلاً لا يكفر.
وبترك الصلاة متعمداً غير ناوٍ للقضاء، وغير خائف من العقاب، ويكفر بإتيانه عيد المشركين مع ترك الصلاة تعظيماً لهم. ويكفر بقوله: إن هذه الطاعات جعلها الله عذاباً عليناً، بلا تأويل، أو قال: لو لم يفرض الله هذه الطاعات لكان خيراً لنا، وبالاستهزاء بالأذكار، وبتسميته عند أكل الحرام، أو فعل الحرام كالزنا، ويكفر بالاستهزاء بالأذان لا بالمؤذن.
ويخاف الكفر على من قال للأمر بالمعروف: غوغا، على وجه الرد والإنكار، ويكفر بقوله له: فضولي. . . ويكفر بتصدقه على فقير بشيء حرام يرجو الثواب.
ويخاف عليه الكفر إذا شتم عالماً أ , فقيهاً من غير سبب.
وبخروجه إلى نيروز المجوس والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم، ويشرائه يوم النيروز شيئاً لم يكن يشتريه قبل ذلك تعظيماً للنيروز، لا للأكل والشرب، وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بيضة تعظيماً لذلك اليوم. .
وبتحسين أمر الكفار اتفاقاً، حتى قالوا: لو قال: ترك الكلام عند أكل الطعام من المجوس حسن، أو ترك المضاجعة حالة الحيض منهم حسن فهو كافر.
وبذبحه شيئاً في وجه إنسان وقت الخلقة، أو للقادم من الحج أو الغزو، والمذبوح ميتة، وقيل: لا يكفر، وقوله لسلطان زماننا، عادل، وقيل: لا، وعلى هذا الاختلاف قول الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله وبقوله: لا تقل للسلطان
стр. 179
هذا، حين عطس السلطان فقال له رجل: يرحمك الله. . . وباعتقاد أن الخراج ملك السلطان.
ويكفر بتلقين كلمة الكفر ليتكلم بها ولو على وجه اللعب.
وكذا من حسن كلام أهل الأهواء وقال: معنوي، أو كلام له معنى صحيح، إن كان ذلك كفراً من القائل كفراً من القائل كفر المُحَسَّن، وكذا من حسن رسوم الكفرة، واختلف في تكفير من قال: إن إبراهيم بن أدهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة.
قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر. وفي "الجامع الأصغر ": إذا أطلق الرجل كلمة الكفر عمداً لكنه لم يعتقد الكفر قال بعض أصحابنا: لا يكفر؛ لأن الكفر يتعلق بالضمير ولم يعقد الضمير على الكفر، وقال بعضهم: يكفر، وهو الصحيح عندي لأنه استخف بدينه. . .
والحاصل أنه من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده. . . إلخ" انتهى كلام ابن نجيم، وهو منبٍ عن كثير من ألفاظٍ يكفر بها عند الحنفية وكثير من غيرهم.
وقال الخطيب الشربيني في شرحه لمتن أبي شجاع المسمى " غاية الاختصار " من الكتب الفقهية الشافعية (٢/١٧٥) بعد تعداد صور يكفر بها المسلم: " وهذا باب لا ساحل له" اهـ وفي الكبائر لابن حجر الهيتمي من ذلك شيء كثير وكذا في " قواطع الإسلام " له.
وقال مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه " غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى " (٣/٣٥٣) : " من ادعى النبوة أو صدَّقه، أو أشرك بالله تعالى، أو سبه، أو رسولاً أو ملَكاً له، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة. . . أو كتاباً أو رسولاً أو ملَكاً له، أو وجوب عبادة من الخمس ومنها الطهارة، أو حكماً ظاهراً مجمعاً عليه إجماعاً قطعياً، بلا تأويل
стр. 180
كتحريم زنا أو لحم -لا شحم- خنزير، أو حشيشة، أو حل خبز، ونحوه أو شك فيه ومثله لا يجهله، أو يجهله وعرف وأصرّ، أو سجد لصنم أو كوكب، ويتجه السجود للحكام بقصد العبادة كفر، وللتحية كبيرة، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً، قاله الشيخ.
أو أتى بقولٍ أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، أو امتهن القرآن -صانه الله تعالى -أو ادعى اختلافه أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كفر. . . إلخ ".
فلعله بهذه النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة يظهر الحق، ويبطل قول من قال: إن المسلم القائل بالشهادتين القائم بالأركان لا يكفر، كما يدندن حوله كثير من غلاة القبوريين منذ أزمان.
стр. 181
فصل
فإذا تقرر إجماع أهل العلم أن الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول، ويصلي ويزكي ويصوم ويحج، قد يخرج من الدين جملة، فيكون مرتداً لقولٍ يقوله، أو فعلٍ يفعله، أو اعتقادٍ يقوم بقلبه، فإننا بعد ذلك نقيم البرهان من كلام أهل العلم على تكفير عباد القبور، العاكفين عليها الداعين أصحابها، أو المستشفعين بأهل القبور كائناً من كانوا، وإن في كلام الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ لأكبر العلم الذي ليس بحاجة معه إلى نقل كلام آخر، ولكن من الناس من لا يفقه دلائل الكتاب والسنة حتى تنقل له أقوال العلماء، وإن هذا الفصل منشأ لهذه الغاية، بما لا يظل بعده للمنازع حجة، ولا سبيل إلى الاعتراض، إذ من تأتي النقول عنهم صرحوا بكفر وشرك من سأل غير الله، أو اتخذه واسطة.
فمنها: ما قاله ابن حجر الهيتمي في "شرح الأربعين" قال: "من دعا غير الله فهو كافر" اهـ.
ومنها: ما قاله الشيخ العلامة صنع الله بن صنع الله الحلبي ثم المكي المتوفي سنة ١١٢٠هـ في كتابٍ رد به على من ادعى أن للأولياء تصرفاً في الحياة وبعد الممات، قال:
" هذا وإنه قد ظهر الآن بين المسلمين، جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات. . .، قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة ".
стр. 182
ثم ساق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] ، وذكر آياتٍ في هذا المعنى ثم قال: فقوله في الآيات كلها: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده. . . إلى أن قال:
وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿نَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] .
ثم قال: " وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله، وأبدع، لمصادمة قوله جل ذكره: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢] ، ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّنظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] "، وذكر آياتٍ لهذا المعنى ثم قال: "فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المستعان لكشف الشدائد والكرب، وأنه المتفرد بإجابة المظطرين، وأنه المتسغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير فهو المنفرد بذلك.
فإذا تعين -جل ذكره- خرج غيره من ملك ونبي وولي، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربةٍ أو قضاء حاجته تأثيراً فهو على شفا حفرة من السعير.
стр. 183
قال: فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] ، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَيُنقِذُونِ﴾ [يّس: ٢٣] .
فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره) انتهى كلام العلامة صنع الله الحلبي ثم المكي الحنفي١.
٣. وقال العلامة أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ صاحب التصانيف في كتابه " تجريد التوحيد المفيد " ص ٨:
" وشرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، والذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ويشفعوا لنا عنده، ولنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك، وأقاربه وخاصته.
والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده، وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل -صلوات الله عليهم -متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك تعالى من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله ".
стр. 184
وقال ص ١٢-١٣: " والناس في هذا الباب أعني: زيارة القبور على ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء المشركون في الألوهية والمحبة١ وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وقد قال النبي ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد " وهؤلاء هم المشركون في الربوبية".
وقال المقريزي أيضاً ص ١٨-١٩:
" ومن خصائص الألوهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبهه به، ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه فمن حلف بغيره فقد شبهه به، ومنها الذبح له فمن ذبح لغيره فقد شبهه به، ومنها حلق الرأس إلى غير ذلك.
هذا في جانب التشبيه، أما في جانب التشبه فمن تعاظم وتكبر ودعى الناس إلى إطرائه ورجائه ومخافته، فقد تشبه بالله، ونازعه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه" انتهى.
وقال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي في " شرح درر البحار ": "إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلاً: يا سيدي فلان! إن رُدّ غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب والفضة أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعاً، لوجوه: -إلى أن قال-: "منها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقادُ هذا كفر" انتهى، نقله عنه جماعة منهم سراج
стр. 185
الدين بن نجيم في " النهر الفائق شرح كنز الدقائق "، وعنه نقل الشوكاني في " الدر النضيد " ص ٤٠، وغيرهم.
وقال العلامة محيي السنة في الأصقاع اليمانية حسين النعمي المتوفى سنة ١١٨٧هـ في كتاب " معارج الألباب في مناهج الحق والصواب " ص ٢٠٩ بعد كلام طويل في الدعاء: " فدعاءُ غير الله تعالى: إخراج للدعاء عن محله وموضوعه، كقيامه بتلك الصلاة على تلك الكيفية للمقبور والحجر، سواء بسواء، والفصل بين الصلاة والدعاء: فصلٌ بين متآخيين، وتفريق بين قدين، وإلا فليجعلوا للمقبور صلاة وصياماً، ونحوهما، يفارق الذم والتشريك، ويكون صالحاً خالياً عن الفساد والمنكر، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم " اهـ.
وكتابه كله في موضوع القبور، وعبادها، وفيه من البراهين المنيرة، والحجج القويمة ما يرجع كل ضال كتبت له الهداية إلى سواء الصراط.
وقال قرين النعمي ومؤاخيه في نصر السنة في اليمن العلامة محمد ابن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢ في داليته المشهورة في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
ويَعْمُر أركانَ الشريعةِ هادماً
مشاهدَ ضلَّ الناسُ فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سُوَاعٍ ومثله
يغوثُ وودٌ بئسَ ذلك من وَدّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها
كما يهتِفُ المضطرُّ بالصَمَدِ الفرد
وكم عقروا في سَوْحها من عقيرةٍ
أهلْتْ لغير الله جهلاً على عمد
وقال في كتابه " تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد " ص ١٥:
" والنذور بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه: هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما يفعلونه
стр. 186
لما يسمونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لما يسمونه ولياً وقبراً ومشهداً، والأسماء لا أثر لها، ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية" اهـ.
وقال عالم اليمن في القرن الثالث عشر محمد بن علي الشوكاني في " الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد " ص ١٩ بعد سياقه الأدلة على كفر عباد القبور المستشفعين والمستغيثين بأصحابها: " فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات، قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه.
قلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز.
ثم قال ص ٢١: " فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.
قلتُ: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم، فن من استغاث بالأموات، أو طلب منهم ما لا يقدرُ عليه إلا الله سبحانه، عظّمهم أو نذر لهم بجزء من ماله، أو نحر لهم، فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بها، بل خالفها اعتقاداً وعملاً، فهو في قول لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل إلهاً غير الله" اهـ.
ومثل هذه النقول كثيرة في الشرق والغرب من علماء كل بلد، الذين تخلصوا من التقليد والتبعية للمشايخ الكذبة المستفيدين من المساكين الجهلة.
стр. 187
والنقول كثرة فتتبعها تجد ما قلنا، وما زال أهل العلم١، في كل قرن ينكرون هذه الأمور ويكفرون فاعلها، ففي القرن الخامس: أنكرها وكفر بها ابن عقيل الحنبلي صاحب الفنون.
وفي السادس: ابن الجوزي، وفي السابع: أبو شامة والنووي وغيرهم وابن تيمية، وفي الثامن: ابن القيم وابن عبد الهادي وابن كثير وابن مفلح وكلهم حفاظ مشهورون، وفي التاسع: المقريزي وغيره كابن قطلوبغا، وفي العاشر: البركوي، وفي الحادي عشر: صنع الله الحلبي والبهوتي، وفي الثاني عشر: جماعات تفرقت بلدانهم والتقت كلماتهم بهدي ربهم، ففي وسط الجزيرة محمد بن عبد الوهاب، وفي اليمن النعمي والصنعاني، وغيرهم جماعات ثم بعد ذلك كثر القول بالحق في أصقاع الأرض في الهند والعراق ومصر والشام والجزيرة وغيرها من البلدان في الشرق والغرب.
ولو قال عالم أو عالمان في مسألة حكماً بدليها لوجب الرجوع إلى قولهما، فكيف بأمة من العلماء ينهون ويحذرون عن هذا الشرك وأدلتهم أوضح أدلة، وأصحها في النقليات، وأصرحها في العقليات؟ !
فليخف كل إنسان على نفسه وإسلامه، فإن الأمر أمر كفر وإسلام، وإلحاد وإيمان، فالخوف الخوف، والنجاة النجاة يا عباد الله!
стр. 188
فصل
وللشيخ تقي الدين ابن تيمية وعلماء الحنابلة الأقوال المستفيضة في كفر متخذ الشفعاء والأنداد من الأموات، فهاك بعضها تتميماً للمقام:
قال شيخ الإسلام: " من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، يدعوهم، ويسألهم -كفر- إجماعاً" نقله عنه جماعة مقررين له، ومنهم ابن مفلح في " الفروع " (٦/١٦٥) ، والمرداوي في " الإنصاف " (١٠/٣٢٧) ، والشيخ مرعي في " غايةالمنتهى " (٣/٣٥٥) ، وفي " الإقناع وشرحه " (٤/١٠٠) ، ونقله من غير الحنابلة ابن حجر الهيتمي المكي في " قواطع الإسلام ".
قال الشيخ سليمان في " تيسير العزيز الحميد " ص ١٩٤: "وهو إجماع صحيح ومعلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي: عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات.
وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة له، فيكون صرفه لغير الله شركاً" اهـ.
وقال ابن تيمية في " الرسالة السنية ":
" فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل" اهـ.
وقال تلميذه ابن القيم في " مدراج السالكين " (١/٣٤٠) :
" والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله،
стр. 189
وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد.
وقال: وترى المشرك يكذب حالُه وعملُه قولَه، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم -إذا انتهكت -أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويُسَرّ ويحن قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة، وضيق وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.
رأينا والله منهم هذا عياناً، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: انتقصتم مشايخنا" اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه " الصارم المنكي " آخر ورقة منه: " قوله -أي السبكي-: إن المبالغة في تعظيمه واجبة١ أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً حتى الحج إلى قبره، والسجود له والطواف له، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن شاء، ويدخل الجنة من شاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين" اهـ.
стр. 190
فتدبر مقالة هذا الحافظ العلم، والحافظ قبله، تعلم منه أن الخزي والسوء على المشركين، الذين سهلوا قيادهم لمردة الشياطين وجند إبليس، وهو على إضلالهم حريص، فقال لرب العالمين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢، ٨٣] .
فافطن لهذه المواضع التي التقت فيها كلمة أهل العلم الذين أثنى عليهم وشهد لهم بالإمامة والفقه واتباع السنة علماء عصرهم، ومن بعدهم إلى يومنا.
وبهذه النقول الجليات، والكلمات الواضحات، والأحرف النيرات، من العلماء الأعلام، تنزاح شبه طالما علقت بقلوب الذين زين لهم المتسيدون الفساد والشرك جهلاً أو عن علم.
والواجب الوقوف على هذه المكفرات، المحكوم على مرتكبها، بالشرك الأكبر المخرج من الدين، والنظر فيها وفقه معانيها، وسؤال الله الابتعاد عنها، وتجنب أهلها، والبراءة منهم قولاً وعملاً.
ويتحتم شرعاً على طالب السلامة، مبتغي الجنة ورضا رب العالمين أن يتعلم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ويتعلم فضله، وأنواعه، وأن يتعلم حكم ضده ليحذر منه، من الشرك الأكبر ووسائله ودواعيه.
وليستقيم طالب النجاة على التوحيد قولاً وعملاً واعتقاداً، وليباعد نفسه من كل ما يخدشه، أو يكْلِمه، وليوطن نفسه على تحقيقه كاملاً تاماً من شوائب النقصان، فبهذا تنال الكرامة عند الله، ويلحق المؤمن بأفضل الخلق محمدٍ ﷺ ، وبأصحابه، والصديقين والشهداء، ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
стр. 191
فصل
قال الشوكاني في " الدر النضيد " ص (٢٧-٢٨) :
"واعلم أن ما حررناه وقررناه من أن كثيراً مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركاً، قد يخفى على كثيرٍ من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر وكونه قد شاب عليه الكبير وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه، ويندب الناس إليه.
وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر، ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت؛ ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشًا.
وربما يهولون على الزائر لذلك الميت، ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه. . . ثم قال:
فبمجوع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه؛ لأنه يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى
стр. 192
كونه من أقبح المقبحات وأكبر المحرقات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودب فيه الأخلاف، وتعادوته العصور، وتناوبته الدهور.
وهكذا كل شيء يقلد الناس في أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة، وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكراً والمنكرمعروفاً، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه، حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل الكره، ومزقوا عرضه بكل لسان) انتهى كلام العلامة الشوكاني، وهو فصل فيما ذكرهن فعسى الله أن يهدي به أقواماً إلى طريقه القويم، وصراطه السابل الكريم.
стр. 193
فصل
وكثيراً ما يردد المفتونون بالقبور، الغالون في الصالحين في منع الحكم على فعلهم بالشرك أن هذه الأمة لا يقع فيها إشراك بالله، ورجوع إلى أديان من سبق من الأمم، فيحتجون بهذا مع احتجاجهم بمنع تكفير من تلفظ بلا إله إلا الله، ولم يعمل بما دلت عليه من إخلاص العبادة لله، وإفراده وحده بأنواع أفعال العباد كالمحبة والرجاء والخوف -خوف السر- والدعاء والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر ونحوها.
ورسول الله ﷺ قد قطع هذه الشبهة من القلوب، وبصر أمته بهذه المسألة فتركها وقد حذر وأنذر وأخبر، فحذر من سلوك مسلك اليهود والنصارى، وأخبر بأن أمته تحذو الأمم قبلها في ما عملته تلك الأمم من شرك وعصيان، فروى الشيخان البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن أبي سعيد الخدري ﵁ -عن النبي ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم "، قلنا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " هذا لفظ البخاري (١٣/٣٠٠) ، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة.
قال ابن بطال في " شرح البخاري ": "أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع، والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائماً عند خاصة من الناس" اهـ.
стр. 194
قال الشيخ سليمان بن عبد الله١: "وهذا من معجزاته، فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى وفارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب والعادات من زخرفة المساجد، وتعظيم القبور واتخاذها مساجد، حتى عبدوها ومن فيها من دون الله، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت. . . واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، والإعراض عن كتاب الله، والإقبال على كتب الضلال من السحر والفلسفة والكلام، والتكذيب بصفات الله التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ ".
قال: " إن الأمم قبلنا وجد فيها الشرك، فكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع"، وروى أحمد في " المسند " (٥/٢٧٨، ٢٨٤) ، وأبو داود في " السنن " (٤٢٥٢) ، وابن ماجه (٣٩٥٢) ، والحاكم (٤/٤٤٩) ، وغيرهم عن ثوبان ﵁ في حديثٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ".
هذا لفظ أحمد وأبي داود، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ففي الحديث الرد على من قال بخلافه من عباد القبور، الذين ينكرون وقوع الشرك وعبادة الأوثان في هذه الأمة.
وفي معناه ما أخرجه البخاري (١٣/٧٦) ، ومسلم (٨/١٨٢) عن أبي هريرة مرفوعاً: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب ألياتُ نساء دوس على ذي الخَلَصة ".
стр. 195
وأخرج مسلم (٨/١٨٢) عن عائشة مرفوعاً: " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ".
وصدق رسول الله ﷺ تسليماً كثيراً، وإن عبادة اللات والعزى لكائنة.
قال ابن بطال في شرحه للبخاري: " هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريباً كما بدأ " اهـ.
ففي هذه الأحاديث دليل على أن الأمة يكون فيها الشرك قبل قيام الساعة، وفي حديث ثوبان دليل واضح على وقوع الشرك في قبائل، وفي لفظ: " فئام" أي: جماعات كثيرة، وهناك قبائل من أمته على الحق ثابتون، فدل على أن هذا عند غربة الدين واشتداد ذلك، وهذا من علامات القيامة الصغرى التي تكون قبل قيام الساعة بأزمان مديدة، شأنها شأن سائر العلامات الصغرى التي تكون كما أخبر نبي الله ﷺ من بعد موته إلى قرب قيام الساعة.
وهذه العلامات كثيرة في أحاديث مشهورة، ولحوق قبائل من أمته بالمشركين، وعبادة قبائل الأوثان من جنسها مما يكون شيئاً إلى قيام الساعة.
وحديث عبادة اللات والعزى وذي الخلصة تكون العبادة -وهو الظاهر- لها بأعيانها، وقد يكون أراد أجناسها مما يعبد من دون الله، والأول أليق لتعين حمل النص على ظاهره.
стр. 196
فصل
ويحتج بعض المبتدعة المخرفين بحديثٍ رواه مسلم في " الصحيح " (٨/١٣٨) : عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم "١.
والجواب: أن يقال: إن الشيطان أيس بنفسه -ولم يُأَيَّس- لما رأى عز الإسلام في حياة النبي ﷺ ، وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله به، فلما رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعاً.
وهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فهم يئسوا أن يراجع المسلمون ما عليه المشركون من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو من دونه.
فلما رأى المشركون تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، وكذا الشيطان يئس لما رأى عز المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب.
والشيطان -لعنه الله- لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين له فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ ، حيث أطاعه أقوام وقبائل، فارتدت عن الإسلام إما بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة.
стр. 197
فنشط وكانت له جولة وصولة ثم كبته الله، والمقصود أن الشيطان ييئس إذا رأى التمسك بالتوحيد والإقرار به والتزامه، واتباع الرسول ﷺ وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا.
ولذا تمكن من هذا في فتراتٍ مختلفة، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم مما يعرفه أولو البصيرة. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠-٦١] .
قال أبو جعفر محمد بن جرير إمام المفسرين ﵀ في " تفسيره " (٢٢/٢٣ حلبي) : "يقول: وأَلَم أعهد إليكم أن اعبدوني دون كل ما سواي من الآلهة والأنداد، وإياي فأطيعوا، فإن إخلاص عبادتي، وإفراد طاعتي، ومعصية الشيطان هو الدين الصحيح والطريق المستقيم " انتهى.
ثانياً: إن نبينا محمداً ﷺ قد أنزل عليه هذا القرآن الذي فيه فصل ما بين الشركوالتوحيد، ونُوَّع هذا في القرآن وقرر حتى صار مما يعلم بالضرورة أن النبي محمداً ﷺ بعثه الله يدعو إلى التوحيد -توحيد العبادة -وينهى عن الشرك وهو اتخاذ الأنداد وعبادة غير الله ومحبة غيره كمحبة الله.
فهذا معلوم بالضرورة، وأن النبي ﷺ قاتل أناساً مقرين بتوحيد الربوبية وهو أن خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ومحيهم ومميتهم، قاتلهم ليقروا ويلتزموا بتوحيد الإلهية الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
فبهذا الأصل وهو الركن الأوثق والطود الأعظم نعلم يقيناً أن الله -جل وعلا-لم يترك هذا الأمر ملتبساً أو مما يجتهد فيه أهل الذكر، بل هو أصل مقطوع به، مجزوم به لا اشتباه فيه ولا التباس، كما قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في حديث العرباض بن سارية الصحيح:
стр. 198
" تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك "، فهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسرها أهل العلم ﵏.
فإذا علم هذا يقيناً فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهى الله عنها موجوداً في بلادٍ كثيرة ويحكم عليها بالشرك، ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك، هذا من التلاعب والهوى الصارخ، فمعنى الحديث متضح والحمد لله.
ثالثاً: جاء في الحديث إياس الشيطان من أن يعبده المصلون، والصلاة من أركان الإسلام العظام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، والصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ، وأعظم المنكر الشرك بالله وصرف محض حق الله إلى غيره من الأنبياء والصالحين، فيكون هذا القيد لازماً للشهادة وإخلاص الدين، فيكون المعنى:
إن الشيطان يئس أن يعبده المخلصون دينهم لله، فتأمل نكتة تقييده بالمصلين، ويعني بها حقيقة الصلاة وثمرتها، وهذه نكتة مفيدة منَّ الله بها، والحمد لله الموفق للصالحات.
стр. 199
الباب الخامس: التبرك
...
التبرك
تقول: تبرك يتبرك تبركاً. مأخوذ من البركة.
قال أبو منصور في " تهذيب اللغة " (١٠/٢٣١) : "وأصل البركة: الزيادة والنماء ".
فالبركة: زيادة ونماء في شيءٍ يريده المتبرك في تبركه بما تبرك به. وهذه الزيادة والنماء قد تكون في أمكنةٍ، وقد تكون في ذوات، وقد تكون في صفاتٍ، هذا على مقتضى ورودها اللغوي، وأما الشرعي فيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله.
ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠] ، وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] ، وقوله: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ، وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] .
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣] ، وقوله تعالى في قصة نوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨] .
ومن الثالث قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ، وقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] ، وإذا تدبرت كتاب الله العزيز وجدت أنه يدل
стр. 200
على أن البركة من الله، وتُطلب منه وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه، وفي ما شاء من بريته.
قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] ، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ، وقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] ، والآيات الواردة بلفظ (تبارك) كثرة.
ولفظ ﴿تَبَارَكَ﴾ لم يرد في كتاب الله إلا مسنداً إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة، وأكثرها نفعاً، وأعمها متعلقاً وأثراً. فالبركة لله، والله -أخبر أنه أعطى بركة لأصنافٍ من خلقه:
فمن ذلك:
١ -الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] ، وقال في إبراهيم وأهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] ، وقال في نوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] ، وقال عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١] .
٢-ومن ذلك وضعه البركة في أماكن العبادة كالمسجد الأقصى، والمسجد الحرام، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾
стр. 201
[الإسراء: ١] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] .
٣- ومن إخباره عن ما أنزله من الذكر أنه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُمُ نكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] ، وهذا الذكر هو القرآن العظيم كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] .
فالقرآن الحكيم ذكر مبارك، وتدبر آياته عمل مبارك، ومن هذا التدبر علوم القرآن، والسنة مبينة لمجمل القرآن، وهي مباركة، واتباع القرآن والسنة مبارك، وعلومهما الناشئة عن تدبر آيات الكتاب وفقه السنة علوم مباركة.
هذه أنواع ثلاثة فيها بركة خاصة، دل عليها الذكر الحكيم، وهناك بركة عامة، لها أنواع أيضاً:
فمن ذلك:
١- أن المطر مبارك لما يحصل به من زيادة في معايش الناس وزروعهم، ونماء في ذلك، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] .
٢- ومن ذلك مباركته تعالى في الأرض كما قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠] ، وقوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
٣- ومن ذلك مباركته تعالى ما يأتي من السماء وما يخرج من الأرض، كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ
стр. 202
مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] ، فهذه وأشباهها، مباركة عامة يحصل بها النفع والخير، والنماء والزيادة.
ولعله يظهر أن البركة الخاصة اللازمة لذاتٍ -دون المكان والصفة -تكون متعدية يحصل التبرك بأعيانها لما فيها من البركة اللازمة الدائمة بالذات.
وأما البركة الخاصة بمكان العبادة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي، فإن البركة لا تكون متعدية بأجزاء المسجد، فلا يتمسح بأعمدة المساجد ولا جدرانها بإجماع المسلمين، والمساجد مباركة، فعلم أن بركتها معناها زيادة ونماء في ما يحصله العابد من الخير، فالمسجد الحرام صلاة فيه بمئة ألف صلاةٍ فيما سواه، والمسجد النبوي بألف صلاة.
وهذا نحو بركة الرسل -صلوات الله عليهم- فإنها في أحد قسميها بركة اتباع عمل، فالمتبع لسنتهم المهتدي بهديهم يحصل له نماء وزيادة في ثواب عمله بسبب اتباعهم، فهذه معنى البركة الخاصة بقسميها، بخلاف المباركة العامة فإنها قد تحصل في وقتٍ دون وقت، أو في نوع دون نوع، فمما هو بَيَّن أنه ما كل ما جاء من السماء وخرج من الأرض يكون مباركاً دائماً، بل إعطاؤه البركة من الله متعلق بأمورٍ أخرى، إن وجدت أعطي البركة، وإن انتفت زالت البركة، فهي بركة عامة من حيث ظرفها، خاصة من حيث وقتها، غير لازمة للشيء، إذا تقرر هذا، فالبركة في مواردها من الكتاب والسنة قسمان:
الأول: بركة ذات، وأثرها أن يكون ما اتصل بتلك الذات مباركاً، وهذا النوع للأنبياء والمرسلين لا يشركهم فيه غيرهُم، حتى أكابر أصحاب النبي ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي لا يشركونهم في هذه البركة.
стр. 203
ولا يعتدى أثر بركة الأنبياء إلا لمن كان على ما دعى به سائرين، وبعمله مقتدين، وبأمره ملتزمين وعن نهيه منتهين، ولذا فصحابة رسول الله ﷺ لم تتعهد إليهم بركته في معركة أحد حين خالفوا أمره وعصوه.
وهذا النوع من تعدي البركة قد انقطع بعد موت النبي ﷺ إلا ما كان من أجزاء ذاته باقياً بيقين بعد موته أحد، وقد ذهب ذلك المتيقن مع انقراض قرن الصحابة ﵃.
الثاني: بركة عمل واتباع: وهي عامة لكل من وافق عمله سنة النبي ﷺ فكل مسلم فيه بركة عمل مقدرة بقدر اتباعه وموافقته لأمر الله ونهيه، بالإتمار بالأمر، والانتهاء عن النهي.
ولذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في " صحيحه " (٩/٥٦٩) في النخلة: " وإن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ".
فكل مسلم بركة بقدره، وليست هي بركة ذات، معلوم هذا باليقين وما ادعاه مدع، وإنما هي بركة عمل.
وفي الصالحين من عباد الله المتبعين بركة عمل واتباع بقدر ما فيهم من مقتضيات تلك البركة، فالعالم بالسنة له بركة علم، والحافظ لكتاب الله الواقف عند حدوده فيه بركة من أثر ذلك، وهكذا.
وإن أعلى الصالحين بركة أشدهم اتباعاً لدين الإسلام، ومحافظة على واجباته، ومباعدة عن محرماته، ومن المحرمات أفعال القلوب، فكم من مبتعد عن محرمات الجوارح، خائض في محرمات القلوب، ولا يبالي.
وبهذا تجتمع النصوص، فما كان من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فهو مما اجتمع فيه نوعي البركة، وما كان من غيرهم فهم مما بورك فيهم بركة عمل وعلم واتباع، ولذا تجد أثر هذه البركة لا يتعدى إلا بالأعمال، لا بالذات ولا بأجزائها.
стр. 204
ولذا قال أُسيد بن حُضير في سبب مشروعية التيمم: " لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر" أخرجه البخاري في " التفسير " من صحيحه.
واللفظ المروي عند الشيخين البخاري ومسلم: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" ومعنى اللفظين واحد، ومعلوم أنه ما كان أسيد ولا غيره يبتغي من أبي بكر أو آله بركة ذاتٍ كما كانوا يفعلونه مع النبي ﷺ ، من التبرك بشعره ونحوه، وإنما هي بركة عمل هو الإيمان والتصديق والنصرة والاتباع.
ومن ذلك ما قالته عائشة ﵂ لما تزوج النبي ﷺ جويرية بنت الحارث قالت: " فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها" أخرجه أحمد في " المسند " (٦/٢٧٧) ، وأبو داود في " السنن " بإسناد جيد.
فهذه بركة عمل لتزوج النبي ﷺ بها، فكان أن سبب ذلك عتق كثير من قومها.
التبرك بالنبي محمدٍ ﷺ :
إن النبي محمداً ﷺ مبارك الذات، مبارك الصفات، مبارك الأفعال، وهذه البركة فيه ﷺ متحققة في ذاته وصفاته وأفعاله.
فقد ثبت عن بعض صحابة رسول الله ﷺ أنهم كانوا يتبركون بأشياء منفصلة عن بدنه كالشعر، والوضوء، والعرق وغير ذلك، مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، في الصحيحين وغيرهما.
فله ﷺ من أنواع البركة أعلى ما يهبه الله بشراً من رسله، وأجزاؤه ﷺ تتعدى بركتها، ويجوز التبرك بها، كما فعلت جماعة من الصحابة.
وأما آثاره المكانية كمكانٍ سار فيه، أو بقعةٍ صلى فيها، أو أرض نزل بها فلم يعرف دليل شرعي يومئ أو يشير إلى أن بركة بدن الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 205
قد تعدت إلى هذا المكان، فيكون مباركاً يشرع التبرك به، ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته في حياته ولا بعد مماته.
فما سار فيه رسول الله أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يشرع لنا تعظيمها، ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا.
قال المعرور بن سويد الأسدي؛ خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهب هؤلاء؟
قيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم، فيتخذونها كنائس وبيعاً، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض، ولا يتعمّدها. أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "، وابن أبي شيبة في " المصنف " (٢/٣٧٦) ، ومحدث الأندلس محمد بن وضاح القرطبي في " البدع والنهي عنها " ص ٤١، بإسناد صحيح.
فهذا قول الخليفة الراشد، الذي قال رسول الله ﷺ : " إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه " أخرجه أحمد (٢/٩٥) عن ابن عمر بإسنادٍ صحيح، ورواه من طريق أخرى عن ابن عمر (٢/٥٣) ، ورواه أحمد (٥/١٤٥) ، وأبو داود (رقم٢٩٦٢) عن أبي ذر، ورواه أحمد (٢/٤٠١) عن أبي هريرة ورواه جمعٌ١ عن هؤلاء وغيرهم من الصحابة.
ولا شك أن قول عمر السالف في النهي عن تتبع الآثار من الحق الذي جعله الله على لسان عمر ﵁. قال ابن وضاح ﵀ ص٤٣:
стр. 206
" وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ، ما عدا قباء وأحداً" ١.
قال ابن وضاح: " فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمرٍ هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقربٍ إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة" اهـ.
فانظر إلى كلامه المتين: وكانت وفاة ابن وضاح سنة ٢٨٦ هـ.
فالمقصود من هذا أن السلف سلف الأئمة كانوا ينكرون التبرك بالآثار المكانية، وينكرون تحريها والتعلق بها رجاء بركتها، ولم يخالف في ذلك إلا ابن عمر ﵄ فقد كان يتتبع الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ ، فيصلي حيث صلى، ونحو ذلك.
وما نقل نقل مصدق عن غير ابن عمر من الصحابة أنه كان يفعل مثل ما فعل ابن عمر في الآثار المكانيّة.
وابن عمر ما كان يطلب بركة المكان، ولكنه يطلب تمام الاقتداء بكل ما فعله رسول الله ﷺ في جميع أحواله، حتى إنه أراد الصلاة في كل مكانٍ صلى فيه رسول الله ﷺ ، وكان يتتبع ذلك ويعلمه، وما كان فعله -فيما يظهر- قصداً للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، وإنما قصد تمام الاقتداء، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى ﷺ ، ولم يوافقوه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر ﵁ ولا شك أن
стр. 207
الصواب، والحق مع عمر ﵁ وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، الفاصل عند النزاع، والله أعلم.
التبرك بذوات الصالحين:
قد تقدم أن بركة الذوات لا تكون إلا لمن نص الله على إعطائه البركة كالأنبياء والمرسلين وأما غيرهم من عباد الله الصالحين فبركتهم بركة عملٍ، أي: ناشئة عن علمهم وعملهم واتباعهم لا عن ذواتهم، ومن بركات الصالحين: دعاؤهم الناس إلى الخير ودعاؤهم لهم ونفعهم الخلق بالإحسان إليهم بنيةٍ صالحة ونحو هذا.
ومن آثار بركات أعمالهم ما يجلب الله من الخير بسببهم ويدفع من النقمة والعذاب العام ببركة إصلاحهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] .
وأما أن يعتقد أن ذواتهم مباركة، فيتمسح بهم، ويشرب سؤرهم وتقبل أيديهم للبركة دائماً ونحو ذلك، فهو ممنوع في غير الأنبياء لأوجه:
الأول: عدم مقاربة أحدٍ للنبي ﷺ فكيف بالمساواة في البركة والفضل؟ !
الثاني: أنه لم يرد دليلُ شرعي يدل على أن غير النبي ﷺ مثلُه في التبرك بأجزاء ذاته، فهو خاص به كغيره من خصائصه.
الثالث: ما قاله الشاطبي ﵀ حين تعرض لقياس غير النبي عليه بجامع الولاية، قال في كتاب " الاعتصام " (٢/٦-٧) : " إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة ﵃ -لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁ فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر رضي الله
стр. 208
عنه، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة، الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحدٍ منهم من طريق صحيح معروف أن متبركاً تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها١، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء" اهـ.
وكذا لم يفعلوا ذلك مع الحسن والحسين ﵄ ولا فاطمة ﵃ أجمعين-، فالبركة الذاتية لا تنتقل بالنطفة، خلافاً لمن زعم غير ذلك من غلاة الرافضة، ومن تبعهم من مقلدة وغيرهم.
الرابع: أن سد الذرائع قاعدة من قواعد الشريعة العظيمة قد دلّ عليها القرآن العظيم في مواضع، وفي السنة شيء كثير يقارب صحيحه المئة، ولعلّه لهذا لم يسلسل التبرك بذوات الصالحين، إنما اختص به الأنبياء.
الخامس: أن فعل هذا النوع من التبرك مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه فيورثه العجب والكبر والرياء وتزكية نفسه، وكل هذا من محرمات أفعال القلوب.
стр. 209
فصل
قال صاحب المفاهيم ص ١٥٦ بعد أن ساق آثاراً وأحاديث فيها تبرك بعض الصحابة بذات النبي ﷺ أو بعض أجزاء ذاته، قال:
" والحاصل من هذه الآثار والأحاديث هو أن التبرك به ﷺ وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه سنة مرفوعة، وطريقة محمودة مشروعة " اهـ.
أقول: في هذا الكلام إجمال سببه عدم التحقيق، وترك تدبر النصوص، فصاحب المفاهيم لم يفرق بين التبرك بذاته، أو ما انفصل منه، وبين الآثار الأرضية من بقاع صلى فيها، أو جلس فيها.
الأول: كما تقدم بيانه قد فعل بحضرة النبي محمدٍ ﷺ وأقره فهو سنة ومشروع.
الثاني: وهو التبرك بالآثار الأرضية، فليس بمشروع، ولذا لم يستطع صاحب المفاهيم أن يأتي بدليلٍ يصدق عليه دعواه العريضة في قوله: "سنة مرفوعة "، وهذا من عدم التفرقة بين المتفرقات، وترك سبيل المحققين من أهل العلم.
ومما يدل على أن التبرك بالآثار الأرضية غير مشروع ومحدثٌ أمورٌ:
الأول: أن هذا النوع من التبرك لم يكن في عهده ﷺ ، ولم ينقل فيه شيء نقلاً مصدقاً، لا بإسنادٍ صحيح ولا حسن ولا ضعيف، فلم ينقل أن أحداً تبرك في زمانه بأثر له أرضي، وإذا لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله، ووجود الهمم على نقل ما هو دونه بكثير: علم أنه لم يكن في زمانه ﷺ وما كان كذلك فإحداثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، والبدع يجب النهي عنها ومضادتها.
стр. 210
وهذا ما أرشد الخليفة الراشد إلى النهي عنه، وعن تتبع الآثار الأرضية، كما مَرّ في ما رواه المعرور بن سويد الأسدي.
الثاني: أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن يكون كل أرضٍ وطئها، أو جلس عليها، أو طريق مر بها، تطلب بركتها، ويتبرك بها. وهذا لازم باطل قطعاً، فانتفى الملزوم، وهذا جلي لمن تأمل اتساعه وتسلسله.
الثالث: أن طلب التبرك بالأمكنة الأرضية خلاف سنة الأنبياء جميعاً قبل نبينا محمد ﷺ فلم يتحروا الآثار الأرضية للأنبياء قبلهم، ولا أمروا بتحريها، وكل ما كان خلاف ذلك فهو مما أحدثه الخلوف -الذين يفعلون ما لا يؤمرون- بعد أنبيائهم حين صعبت عليهم التكاليف الشرعية، فرغبوا في التعلق لغفران الذنوب وزيادة الحسنات بالتبرك المبتدع بالآثار المكانية؛ ولذا قال عمر: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم"، وقد سبق تخريجه.
الرابع: أن الأمكنة الأرضية لا تكون مباركة إلا بدوم الطاعة فيها، وهي سبب إعطاء الله البركة، فالمساجد مباركة لذلك، وبركتها لا تكون مع زوال الطاعات عنها.
فمما يمثل به على هذا: أن المساجد التي غلب عليها الحربيون وصيروها كنائس زالت عنها بركة المسجد التي كانت حين كان يطاع الله فيه، وبعد أن أحدث فيها الشرك وتعبد فيها بغير شريعة الإسلام، فالبركة تنتزع، وهذا مما لا منازع فيه ولا مجادل.
الخامس: أن التبرك بالآثار المكانية وسيلة إلى ما هو أعظم: من تقديسها والاعتقاد فيها، ولا غرو، فقد قال الإخباريون عن أولاد إسماعيل ﷺ : أنهم " ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضاً فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش.
стр. 211
وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً للحرم وصبابة بمكة"١.
وما كان هذا شأنه فمنعه أوجب، إذ الوسيلة إلى ما ليس بمشروع ليست بمشروعة سداً للباب، وقطعاً للذريعة.
إن السلامة من سلمى وجارتها
أن لا تحلََّ على حالٍ بواديها
السادس: أن تعظيم الرسول ﷺ والتماس بركته وتحريها يكون بما بقي اليوم من نوعي البركة وهي بركة الاتباع، والعمل بسنته، وجهاد أعداء سنته، والمخالفين لأوامر شرعه، والمنافقين الذي فتنوا الناس وأضلوهم، وبهذا رغب السلف من التابعين وأئمة الهدى، الذين حققوا محبة رسول الله ﷺ فنالهم من بركة اتباعه ما أذن الله فيه، وتركوا عدا هذا من التبرك بالآثار الأرضية، فعلم من هذا أن ما تركوه غير معروف عندهم، ولا هو بمشروع.
وفي هذه الأمور لطالب الهداية والتوفيق مقنع، وللراغب في سداد القول والعمل منجع، وإن الحق لأحق أن يتبع، والحمد لله الموفق للصالحات.
وقال صاحب المفاهيم ص ١٥٦:
" وبالنصوص التي نقلناها، يظهر كذب من زعم أن ذلك ما كان يعتني به ويهتم بفعله أحد من الصحابة إلا ابن عمر، وأن ابن عمر ما كان يوافقه على ذلك أحد من أصحاب الرسول ﷺ وهذا جهل أو كذب أو تلبيس.
فقد كان كثير غيره يفعل ذلك ويهتم به، ومنهم: الخلفاء الراشدون ﵃ وأم سلمة، وخالد بن الوليد، وواثلة بن الأسقع، وسلمة
стр. 212
ابن الأكوع، وأنس بن مالك، وأم سليم، وأسيد بن حضير١ وسواد بن غزية، وسواد بن عمرو، وعبد الله بن سلام، وأبو موسى، وعبد الله ابن الزبير، وسفينة مولى النبي ﷺ وسرة خادم أم سلمة، ومالك بن سنان، وأسماء بنت أبي بكر، وأو محذورة، ومالك بن أنس وأشياخه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد" انتهى.
أقول: لن أطيل القول في تخريج ما نسبه إلى هؤلاء الصحابة والتابعين، ولكن هنا أمور:
الأول: أن اتهام صاحب المفاهيم من قال بتفرد ابن عمر بالاهتمام بالآثار المكانية بالكذب ثم بالجهل والكذب والتلبيس، من سيئات المقال، وفضائح الأحوال، إذ ما كان يظن بالصغار أن يكذبوا الكبار من أئمة الحديث والفقه والدين الذين قالوا بتفرد ابن عمر.
الثاني: أن هذا القول نسبتُهُ إلى الجهل أحق، إذ من لم يفرق بين البركة الذاتية، والآثار المكانية فخليق باطراح قوله.
الثالث: أن من أورد أسماءهم إنما رُوي عنهم التبرك بآثاره ﷺ الذاتية الباقية بعد وفاته ﷺ والعرق والجبة والرداء وما شاكل ذلك على القول بصحته، وإلا فعند التحقيق فلا يصح منه إلا شيء قليل.
فلِمَ يُكذَِّب من يقول بالفرق وهو الحقيق بالنظر الصحيح، والقول المنيع؟ ! أما من لم يسبر العلم ورضي منه بحظ أدنى الناس نظراً ومعرفة فلا وزن لقوله عند أهل العلم.
وهذه التعمية من صاحب المفاهيم ينخدع بها من يحسن الظن به ويثق بعلمه، وتبعتهم يوم القيامة كبيرة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] .
стр. 213
ولا يستطيع صاحب المفاهيم أن ينقل عن غير ابن عمر من صحابة رسول الله ﷺ تبركه بالآثار المكانية، بسندٍ صحيح أو حسن.
الرابع: نسبته ذلك للإمام مالك إمام المدينة وعالمها ليست صحيحة، فمالك ﵀ كان ينهى عن تتبع الآثار المكانية، وينقل مالك هذا عن أعلام التابعين المدنين، وفي كتب أصحاب مالك من هذا نصوص، منها: ما قاله محدث الأندلس ابن وضاح ص ٤٣ في كتابه " البدع والنهي عنها " قال: " وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ، ما عدا قباءً وأحداً " اهـ.
فما للذي ينتسب لمذهب مالك لا يكون مالكياً في هذه المسائل، سلفياً كما كان مالك ﵀ رحمة واسعة؟ !
стр. 214
فصل
في معنى الانتساب إلى السلف والسلفية
المسلمون صنفان: سلفيون، وخلفيون.
أما السلفيون: فهم أتباع السلف الصالح.
والخلفيون: أتباع فهوم الخلف، ويسمون بالمبتدعة، إذ كل من لم يرتض طريقة السلف الصالح في العلم والعمل، والفهم والفقه فهو خلفي مبتدع.
والسلف الصالح: هم القرون المفضلة، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم صحابة رسول الله ﷺ الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] الآية. وأثنى عليهم رسول الله بقوله: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ".
وتتابعت أقوال الصحابة أنفسهم، والتابعين لهم بإحسانٍ على الثناء على مجموعهم، والاقتداء بمسالكهم.
قال ابن مسعود ﵁: " من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، وإذا كانوا على مثل هذا الفضل العظيم فلا غرو أن
стр. 215
يتشرف المسلم بالانتساب إلى طرائقهم في فهم الكتاب والسنة، وتفسيرهما، وعملهم بالنصوص.
وكانت كل فرقة ضالة من فرق الأمة تستدل لمراداتها ومذاهبها بآياتٍ وأحاديثٍ خلاف فهم السلف لها، وتوسعوا في ذلك حتى كفر بعضهم بعضاً وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، كل ذلك بفهمهم للنصوص حَسبَ ما تدعيه كل فرقة، فأصبحت كل الفرق الزائغة تقول: نأخذ بالكتاب والسنة، فالتبس الأمر على ضعيفي النظر، قليلي العلم.
والمخرج من هذه الدعاوي والأقوال الزائغة هو اتباع نهج خير القرون، فما فهموه من النصوص هو الحق، وما لم يفهموه ولم يعملوا به فليس من الحق.
وهكذا تابعوهم بإحسانٍ ممن تلقوا عن الصحابة الكرام ﵃ أجمعين-، فصار من انتسب إلى منهج هؤلاء الصحابة في فهم الكتاب والسنة، ومن أخذ بما صحت روايته عنهم مرفوعاً إلى النبي ﷺ ومن ترك الآراء العقلية والفهم المحدث صار من هذا نهجة وسبيله سلفياً، وصار من لم يكن كذلك خلفياً مبتدعاً، إذ تقرر هذا، فكل مسألة من مسائل العلم لا تخلو من أحد ثلاث أحوال:
الأول: أن يكون الصحابة وتابعوهم قد قالوا بها وعملوا بها جميعاً أو بعضهم ولم يظهر له مخالف.
الثاني: أن يكون عمل بها بعضهم، وخالف فيها بعض آخر وهم أكثر.
الثالث: أن تكون المسألة غير معمول بها عندهم.
أما القسم الأول: وهو أن يكون عمل الصحابة كلهم بالمسألة، أو بعضهم ولم يعرف له مخالف، فلا شك أن هذا هو السنة المتبعة، والنهج الواضح البين، والصراط المستقيم، والمحجة البيضاء، فلا يحل لأحدٍ