← Общие книги

Общие книги · id 121375

حصوننا مهددة من داخلها

محمد محمد حسين

Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- العالم وأنيشتين ص ١١٥). وليته يقرأ قول نيلز بوهر: (إن الناس إما ممثلون أو متفرجون في تمثيلية وجودهم. فالإِنسان هو نفسه أكبر أعجوبة غامضة في الحياة، فهو لا يدرك الكون الغامض الذي يعيش فيه, لأنه لا يدرك كُنْهَ نفسه. فهو لا يعلم إلَّا القليل من أمر العمليات العضوية في جسمه. ويعلم الأقل من ذلك في شؤون عقله وقدرته على فهم الدنيا التي تحيط به. بل إن قدرته محدودة في التعليل وفي التخيل. بل إنه يكاد يكون عاجزاً عن فهم أنبل وأعجب خصائصه، ألا وهي قدرته على السمو بنفسه وإدراك كنهها في عملية التصور والتخيل - الكتاب السابق ص ١٢٧). ليته يقرأ ذلك - وغيرُه كثير - ليعلم أن الكفر بالغيب ليس ثمرة المعرفة ولا ثمرة العلم، ولكنه من آفات القليل من المعرفة والقشور من العلم. هذا هو أحد النموذجين اللذين أردت تقديمهما لتصوير ما تنشره الإِدارة الثقافية بجامعة الدول العربية من بحوث ومقالات. أما النموذج الآخر فهو بحث الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري أو مقاله عن "القانون المدني العربي ص ٥ - ٢٩". يدعو السنهوري في مقاله هذا - إلى توحيد القانون المدني في سائر البلاد العربية، فيستثني من ذلك الحجاز واليمن -, لأنهما يلتزمان الشريعة الإِسلامية، (إلى أن يحين الوقت الذي تتمكن فيه من المشاركة في حركة التقنين المدني العربي- ص ٨). ويقول بعد ذلك: إن التقنين العربي يتنازعه تياران، أحدهما بمثل في القانون المصري، وهو تيار غربي خالص أو يكاد، والآخر يمثله القانون العراقي الحديث، وهو يمزج بين الشريعة الإِسلامية والقوانين الغربية. ويُدخِل في القسم الأول الذي يصفه بأنه (ينتمي إلى الثقافة المدنية الغربية). . مصر وسوريا ولبنان ؤتونس والجزائر ومراكش، بينما يُدخِل في القسم الثاني العراق والأردن وفلسطين. وهو يصف القانون المدني الجديد في مصر بأنه قد جعل للشريعة الإِسلامية بعض الاعتبار. ولكنه يعترف بأن (المشرِّع المصري بالرغم من كل ذلك لم يخط خطوة حاسمة في جعل القانون المدني مشتقاً في مجموعه من الفقه الإِسلامي). ويعتذر عن ذلك بأن المشرع المصري قد أخذ بأسباب الأناة

стр. 107

والتبصر (وتربص حتى يأخذ الفقه الإِسلامي بأسباب التطور - ص١٠). ثم يعود فيؤكد أن هذا القانون (يمثل أصدق تمثيل الثقافة المدنية الغربية في العصر الذي نعيش فيه - ص ١٥). أما القانون العراقي فهو يتميز عنده بأنه (أول قانون مدني حديث يتلاقى فيه الفقه الإِسلامي والقوانين الغربية الحديثة جنباً إلى جنب بقدر متساو في الكم والكيف- ص ١٨). وهو يرى أن هذه التجربة (من أخطر التجارب في تاريخ التقنين الحديث). لأن وضع نصوص الشريعة الإِسلامية إلى جانب النصوص الغربية قد (مكن لعوامل المقارنة والتقريب من أن تنتج أثرها، ومهّد الطريق للمرحلة الثالثة والأخيرة في نهضة الفقه الإِسلامي، يوم يصبح الفقه مصدراً لأحكام حديثة تجاري مدنية العصر وتساير أحدث القوانين وأكثرها تقدماً ورقياً .. ص ١٩). وهو يقدِّر (بعد أن أصبح الفقه الإِسلامي والقانون المدني الغربي جنباً إلى جنب في صعيد واحد، أن يتكامل القانونان وأن يتفاعلا، هذا يؤثر في ذاك وقد يتأثر به. ومن ثم تقوم نهضة علمية حقة لدراسة الفقه الإِسلامي في ضوء القانون المدني الغربي. وهذه الدراسة هي التي قصدت أن أصل إليها، حتى إذا آتت ثمارها وتقدمت دراسة الفقه الإِسلامي إلى الحد الذي يجعله مصدراً لقانون مدني يجاري مدنية العصر ويساير ثقافة الجيل، عند ذلك نكون قد بلغنا المرحلة الثالثة والأخيرة، ويتحقق ببلوغنا هذه المرحلة الهدف المنشود - ص٢٠). والهدف النشود عنده هو الذي أشار إليه قبل ذلك بسطور قليلة حين قال (والهدف الذي قصدت إليه هو أن يكون للبلاد العربية قانون واحد يشتق رأسًا من الشريعة الإِسلامية). ولكن كلامه الذي تلا ذلك - وهو كلام بالغ الخطورة - يكشف عن مبلغ ما في هذا الزعم من إخلاص، ويبين أنه ليس إلَّا خداعاً، وأن الشريعة الإِسلامية التي يقصدها هي شيء آخر غير الشريعة التي أنزلها الله على سيدنا مُحَمَّدْ ﷺ ، والتي تمت نعمة الله علينا بإِكمالها منذ نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فهي شريعة تستهدي (مدنية العصر) الغربية و (ثقافة الجيل) الغربية أيضاً،

стр. 108

وتروض نفسها على أن ترتفع إلى مستوى شرائع الغرب, لأنها في زعم المؤلف لم تبلغ هذا المستوى. وقَصْدُ الكاتب إلى تطوير الشريعة الإِسلامية واضح في مقاله هذا كل الوضوح. وهو يقصد بتطوير الشريعة الإِسلامية جعلها ملائمة لنظم حياتنا ولأنماطها المنقولة عن الغرب المسيحي، أو الغرب اللاديني على الأصح. فهو يريد أن يشكل الشريعة الإِسلامية بشكل هذه الحياة، بدل أن يشكل الحياة بشكل الشريعة، أي أنه يحكِّم هذه الأنماط الغربية في الشريعة بدلاً من أن يحكِّم الشريعة في اختيار ما يلائمنا من هذه الأنماط. أو بعبارة أخرى هو يعرض الشريعة على واقع الحياة، ولا يعرض واقع الحياة على الشريعة. وهو مع ذلك لا يميز بين الشريعة الإِسلامية المنزلة من عند الله وبين القانون الغربي الذي صنعته المصالح والأهواء، بل الذي صنعته اليهودية العالمية في بعض الأحيان، كما هو الشأن في القانون الفرنسي الذي استمد منه القانون المصري بخاصة، لأن هذا القانون ثمرة من ثمار الثورة الفرنسية اليهودية التي أصبحت فرنسا من وقتها دولة لا دينية من الناحية الرسمية على الأقل. وما وجه المقارنة بين قانون صنعه الِإنسان وبين قانون منزل من عند الله العلم الخبير؟. إن الذي يعتريه شك في أن الشريعة الإِسلامية - كما هي في القرآن الكريم وكما بينتها السنة الشريفة - منزلة من عند الله هو كافر. والذي يؤمن بأنها منزلة من عند الله لا يعتريه شك في صلاحيتها لكل زمان ومكان, لأن الله سبحانه وتعالي يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عدداً، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بذلك وصف نفسه - سبحانه - في محكم كتابه، وبذلك يؤمن المسلمون. والذي يهدف إليه السنهوري هو شر الحلول, لأن الذي يفعله هو تبديل الشريعة الإِسلامية. ولا شك أن تفاعل الشريعة الإِسلامية السماوية مع شرائع الغرب الوضعية هو شر مما كان حادثاً من استعارة القانون الغربي كله أو بعضه. لأن من الممكن التخلص من الدخيل في هذه الحالة. أما في حالة الاندماج والتفاعل فإِدراك الحدود بينهما صعب، وتخليص الشريعة الإِسلامية مما دخلها من أسباب الزيغ والانحراف يكاد يتعذر بعد أن تتغلغل الروح الغربية

стр. 109

في كيانها، ويصبح الناتج من تفاعلهما شيئاً جديداً معقد التركيب تختلف خصائصه وصفاته عن كل من العنصرين المكونين له. ثم إن الناس في الحالة الأولى يدركون إدراكاً واضحاً أن القانون الذي يحكمهم قانون دخيل. أما في الحالة الثانية فقد يتوهمون أن القانون الذي يحتكمون إليه قانون إسلامي، بل إن كاتب المقال يزعم لهم ذلك منذ الآن. والواقع أن هذا الذي يفعله السنهوري هو الذي يهدف إليه الاستعباد الغربي. يقول هـ. ا. ر. جب في كتابه "إلى أين يتجه الإِسلام؟! (Whither Islam) " ص ٣٢٨ - ٣٢٩ من طبعة لندن ١٩٣٢": (إن مستقبل التغريب والدور الذي سيلعبه في العالم الإِسلامي لا يتوقف على هذه المظاهر الخارجية للتأثر والاقتباس, لأن الصورة الظاهرية ثانوية، وكلما كان التقليد في المظاهر أكمل كان امتزاج الشيء المنقول بنفس المقلدين أقل, لأن فهم الروح والأصول التي تنطوي عليها المظاهر الخارجية فهمًا كاملاً لا بد أن يصحبه إدراك التعديلات التي تتطلبها الظروف المحلية. ويمكن أن يزول من العالم الإِسلامي كثير من النظم الغربية التي نراها فيه الآن، ثم لا يكون مع ذلك أقل حظاً من الاستغراب، بل ربما كان أوفر حظاً. وإذا أردنا أن نعرف المقياس الصحيح للنفوذ الغربي ولمدى تغلغل الثقافة الغربية في الإِسلام كان علينا أن ننظر إلى ما وراء المظاهر السطحية، علينا أن نبحث عن الآراء الجديدة والحركات المستحدثة التي ابتُكِرت بدافع من التأثر بالأساليب الغربية بعد أن تهُضم وتصبح جزءاً حقيقياً من كيان الدول الإِسلامية، فتتخذ شكلاً يلائم ظروفها). يعود كاتب مقال اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية فيؤكد أن هدفه هو تغريب الشريعة الإِسلامية نفسِها وفرنجتها، أو بعبارة أُخرى إيجاد "إسلام غربي" إن صح هذا التعبير، وذلك حيث يقول: (فالنتيجة الحتمية إذن لوضع القانون المدني المصري ثم لوضع القانون المدني العراقي، مشتقاً منه ومن الفقه الإِسلامي على السواء هي النهوض بدراسة الفقه الإِسلامي في ضوء القانون المدني الغربي - ص ٢١).

стр. 110

ومع ذلك فهذا القانوني الذي يظن بالتشريع الإِسلامي التخلف عن القانون الغربي يعترف بأنه لم يدرس الشريعة الإِسلامية إلَّا في وقت حديث متأخر جداً، حين اشترك في وضع القانون المدني العراقي، فأتيح له الاطلاع على بعض نصوص الفقه الإِسلامي. وهو هنا يعترف اعترافاً صريحاً بأن اطلاعه على الفقه الإِسلامي جديد تاريخاً، ومحدود موضوعاً، لا يتجاوز ما أتيح له أثناء اشتراكه في لجان وضع القانون العراقي، وأنه لم يمنحه من وقته سنة من عشرات السنين التي أفناها في دراسة القانون الفرنسي. والواقع أن هذا الجهل بالشريعة الإِسلامية يعلل فتنته بالقوانين الغربية، التي حدث به إلى المجاهرة بأن تكون روح التقنين الغربي وأسلوبه هما قِوام نهضة التشريع الإِسلامي، وهو بذلك معذور لجهله حسب اعترافه، ومن جَهِلَ شيئاً عاداه. ولكن من الظلم للناس وللِإسلام وللقانون أن يسلم زمام التشريع البلاد الإِسلامية إلى الذين يجهلون شريعتها. ومن الواضح أن الرجل حين رأس لجان القانون المدني الجديد في مصر لم يكن على معرفة بالشريعة الإِسلامية, لأنه إنما اتصل بها حسب اعترافه أثناء اشتراكه في لجان القانون المدني العراقي، وقد كان ذلك بعد وضع القانون المدني المصري الجديد. واعترافه في هذا الصَدَد صريح، إذ يقول (وأكثر ما كان درسي للفقه الإِسلامي عند وضع القانون المدني العراقي. فإِن هذا القانون كما قدمت مزيج صالح من الفقه الإِسلامي والقانون المصري الجديد. فأتاح لي اطلاعي على نصوص الفقه الإِسلامي - سواء كانت مقننة في المجلة (١) ومرشد الحيران، أو كانت معروضة عرضاً فقهياً في أمهات الكتب وفي مختلف المذاهب - أن ألحظ مكانة هذا الفقه وحظه من الأصالة والابتداع، وما يكمن فيه من حيوية وقابلية للتطور - ص ٢٢). ويرسم كاتب المقال منهجاً يقترحه لدراسة الفقه الإِسلامي (لإِحيائه والنهضة به نهضة علمية صحيحة) حسب زعمه. فيقرر في بدء كلامه أن

стр. 111

(الأساس في هذه الدراسة أن تكون دراسة مقارنة، فيُدرَس الفقه الإِسلامي في ضوء القانون المقارن). ولست أدري ما حاجتنا إلى هذه المقارنة، ولماذا كل هذا الحرص على أن لا نخالف التشريع الغربي ولا نبتعد عن روحه؟ أليس في ذلك قتل لشخصيتنا وإفناء لها في الغرب، مما لا يخدم سوى مصالح الاستعباد والتبشير؟ ذلك إلى ما يتضمنه من تبديل شرع الله وتحريف الكلم فيه عن مواضعه، وهو كفر صريح، وليس بعد الكفر ذنب. ويطالب الكاتب بدراسة مذاهب الفقه الإِسلامي المختلفة، السني منها والشيعي والخارجي والظاهري: (وتُستكشَف من وراء كل هذه قواعد الصناعة الفقهية الإِسلامية، ثم تُقارن هذه الصناعة بصناعة الفقه الغربي الحديث. حتى يتضح ما بينهما من الفروق ووجوه الشبه، حتى نرى أين وقف الفقه الإِسلامي، لا في قواعده الأساسية ومبادئه، بل في أحكامه التفصيلية وفي تفريعاته، فتمتد يد التطور إلى هذه التفصيلات، على أسس تقوم على ذات الفقه الإِسلامي وطرق صياغته وأساليب منطقه. وحيث يحتاج الفقه الإِسلامي إلى التطور يتطور، وحيث يستطيع أن يجاري مدنية العصر يبقى على حاله دون تغيههـ. وهو في الحالين فقه إسلامي خالص (؟!) لم تداخله عوامل أجنبية فتخرجه عن أصله (؟!) - ص ٢٣). ألا تعجب معي لهذا الرجل الذي يزعم بعد كل ما قاله أن الفقه الإِسلامي الذي يسعى إلى تطويره تحت وصاية التقنين الغربي وفي ولايته هو فقه إسلامي خالص؟ وكيف يكون خالصاً وهو يحكِّم فيه (روح العصر)، وهي روح غربية حسب اعترافه في كل موضع من مقاله؟ ومن الواضح أن (مدنية العصر) التي يطلب السنهوري إلى الفقه الإِسلامي أن يجاريها، ويطلب إلى واضعي القانون أن يتخذوها مقياساً لصلاحية الفقه الإِسلامي، هذه المدنية هىِ مدنية غربية فرضها الاستعباد الغربي ونجح في ترويجها وفي إرساء دعائمها وتنشئه الرجال الذين يسهرون عليها ورعاية هؤلاء الرجال ودفعهم إلى مناصب القيادة والزعامة، بما يسمح لهم أن يرعوا جيلاً جديداً من أتباعهم، تم يرعى هذا الجيل جيلاً من بعده. وهكذا دواليك، فتصبح قيادة المسلمين الفكرية والسياسية دائمًا في يد هذه العصابة، لا يسمع الناس إلَّا كلامها

стр. 112

وكلام أذنابها, ولا يرون إلَّا صورها وصور أذنابها, ولا يرقى أحدهم إلى مرتبة من مراتب الشرف ولا يُفتَح له باب من أبواب الرزق إلَّا إذا حصل على جواز المرور من هذه العصابة التي تسد كل منفذ وتتحكم في كل باب وتحتل كل معقل. ويظل المسلمون هكذا محكومين في حقيقة الأمر بالاستعباد الغربي وهم يظنون أن حكامهم هم إخوانهم وأبناء أمتهم. ويقترح السنهوري بعد ذلك إنشاء معهد خاص يلحق بجامعة الدول العربية لدراسة الفقه الإِسلامي حسب ذلك المنهج الذي يقترحه. وهنا يلتقي السنهوري بطه حسين، الذي اقترح في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر - الفقرة ٤٩) إنشاء معهد للدراسات الإِسلامية في كلية الآداب. كما يلتقي بمحمد خلف الله في اقتراحه الذي تقدم به إلى وزارة التربية والتعليم عن إعداد مدرِّس الدين، فاقترح فيه (أن يعاد النظر في تكوينه وإعداده وأن يُرسَم لذلك منهج يحقق له عمق الثقافة وحرية الفكر). وبنى على ذلك اقتراحاً بإِنشاء (قسم أو شعبة للدراسات الإِسلامية في كلية للآداب بالجامعات المصرية) (تدرس فيما تدرسه "سيكولوجية الدين" و "النظم الدينية والأخلاقية المقارنة" ولغة أو لغتين شرقيتين كالفارسية والأردية، ولغة أو لغتين غربيتين، ليكونوا على اتصال بتيارات التفكير الثقافِى في الشرق الإِسلامي وفي الغرب) (١). ومع ذلك كله فليس للشريعة الإِسلامية من الاعتبار عند كاتب هذا المقال أكثر مما للقانون الروماني. فالغاية عنده من إنشاء ذلك المعهد الذي اقترحه هي أن (تنتهي هذه الدراسة بعد عشرات من السنين إلى أن يتجدد شباب هذا الفقه، وتدب فيه عوامل التطور لروح العصر. وتكون نهضة الفقه الإِسلامي هذه شبيهة بنهضة القانون الروماني في العصور الوسطى. ويُنبِت الفقه الإِسلامي قانوناً مدنياً متطوراً يجاري المدنية الحديثة. وينبثق هذا القانون الحديث من الشريعة الإِسلامية كما انبثقت الشرائع اللاتينية والشرائع الجرمانية من الفقه الروماني - ص ٢٤).

стр. 113

مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن مسلم يعتقد أن الشريعة الإِسلامية منزلة من عند الله، وأنها حدود الله، لا يتعداها إلَّا كافر ظالم لنفسه. ثم يأخذ الكاتب في بيان ما يتضمنه التقاء القانون الغربي بالفقه الإِسلامي من وجوه واحتمالات، ويخرج القارئ من كلامه بأن ما يسميه (اشتقاق القانون من الشريعة الإِسلامية) ليس في حقيقة الأمر إلَّا إخضاع الشريعة الإِسلامية لأهواء العصر وشهواته وهو ما يسميه (مدنية العصر). وخلاصة ما يقوله هنا أنه لا يأخذ بحكم الشرع إلَّا حيث يتفق تماماً مع روح القوانين الدنية المستجلبة من أوروبا. ثم هو يُعدِّل الحكم الشرعي أو يلغيه ويسقطه حسب مبلغ تعارضه مع هذه القوانين الغربية الأصول، التي هي في زعمه (أصلح للعصر) أو (تجاري مدنية العصر) أو (تساير روح العصر)، حسب تعبيره في مواضع مختلفة من هذا المقال. وتطوير الفقه الإِسلامي الذي يدعو إليه الكاتب، أو تبديله على الأصح، هو تطوير وتبديل لا يقف عند حد حسب اعترافه هو نفسه حيث يقول: (فالهدف الذي نرمي إليه هو تطوير الفقه الإِسلامي وفقاً لأصول صناعته، حتى نشتق. منه قانوناً حديثاً يصلح للعصر الذي نعيش فيه. فإِذا استخلصنا هذا القانون في نهاية الدرس وأبقيناه دائم التطوِر حتى يجاري مدنيات العصور المتعاقبة، فقد تكون أحكامه في جزء منها، قَلَّ أو كثر مطابقة لأحكام القانون المدني العراقي أو لأحكام القانون المدني المصري أو لأحكام كل من القانونين .. إلخ ص ٢٨). والمهم في ذلك كله أن هذا التطور الدائم سوف ينتهي بذلك التشريع الإِسلامي المزعوم في المدى القريب أو البعيد إلى أن يصبح شيئاً مختلفاً عن الإِسلام الذي أنزل على نبينا ﵊ اختلافاً تاماً، بل إنه لكذلك منذ بدء وضعه أو التفكير فيه كما هو ظاهر في هذا البحث.

стр. 114

-٢ - في الكتبِ المترجمَةِ* تقوم اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية على ترجمة عدد من الكتب الأوربية والأمريكية إلى العربية وتنفق على طبعها ونشرها. فما هي الصفات والميزات التي تتوخاها اللجنة فيما تختاره للترجمة من هذه الكتب؟ لا شك في أن الميزة التي ينبغي أن تراعى في اختيار هذه الكتب هي مصلحة العرب. وذلك باستكمال ما ينقصهم وتدارك ما فاتهم مما سبق إليه غيرهم، فكان سبقه فيه سبب تفوقه وسيادته، وكان تخلفنا فيه سبب ضعفنا واستعبادنا. ولا شك في أن العرب أنفسهم هم أقدر الناس على إدراك ما يصلحهم وهم أحرص الناس عليه. فليس من المعقول مثلًا أن نكل أمر هذا الاختيار إلى إحدى دول الاستعباد الغربي مثل أمريكا أو إنجلترا أو فرنسا أو أسبانيا أو هولندا أو بلجيكا، ثم نطمع أن يرشد خبراؤهم العرب مخلصين إلى ما ينفعهم، وما يترتب عليه استغناؤهم عن خبرائهم، واستقلالهُم باستغلال خيراتهم، وخرابُ ما يعيث في بلادهم من شركات، وبوارُ ما يروج في أسواقهم من المنتجات الصناعية على اختلافها، وانقطاعُ ما تنتفخ به جيوبهم وبطونهم من بنزول هذه البلاد وخيراتها المعدنية والزراعية. ومن الواضح أني حين أتكلم عن الغرب أعني الغرب كله، غربيَّة وشرقيَّة، الذين استغلونا واستعبدونا في الأمس الغابر ولا يزالون، والذين

стр. 115

يطمعون في استغلالنا واستبعادنا في الغد القريب أو البعيد، والذين يغزون أسواقنا ويغزون عقائدنا. من الواضح أنهم جميعاً سواء، وإنما يبدو حديثي في معظمه موجهاً إلى فريق منهم دون فريق, لأن ذلك الفريق - والمقصود به هو المعسكر الأمريكي وحلفاؤه من الإِنجليز والفرنسيين خاصة - يمثل الخطر الراهن الماثل، ولأن عملاء هذا المعسكر هم أقدم السماسرة وأعرقهم في هذه الحرفة الدنيئة، وقد رشحهم هذا القدم وهذه العراقة - بعون سادتهم وتضامن عصابتهم - لاحتلال كثير من المراكز الخطيرة في حصوننا. ونحن حين نوجه النظر إلى الخطر الراهن الماثل لا ينبغي أن نغفل عن الخط المتربص الذي يتحين الفرص. ولهذا الخطر المتربص سماسرة من نوع آخر لا أحتاج لأن أكشف القناع عن وجوههم لأنهم غير معنَّعين. ونعود لما كنا فيه فنقول: إن من غير المعقول أن تُخْلِص دولة من دول الاستعباد فيما تنصح به للعرب من اختيار النافع من الكتب، الذي يؤدي إلى نهضة حقيقية. وليس من الإِنصاف أن نؤاخذهم على التقصير في ذلك أو الغش فيه، فلا ينبغىِ أن نتوقع منهم أن يخربوا بيوتهم بأيديهم، وأن يضعوا رقابهم في حبال المشانق طائعين مختارين. العرب وحدهم هم الأمناء على مصالحهم، لا يصلح للقيام عليها سواهم ولا يؤتمن على هذه الأمانة غيرهم. فاختيار الكتب التي نترجمها إلى العربية يجب أن يوكل إلى علماء العرب وحدهم. تلك كلها من المسلَّمات التي لم أكن أحتاج لأن أفصِّل القول فيها، لولا أن هذا الذي يبدو في عقول كل الناس من الحقائق الواضحة التي تبلغ درجة المسلَّمات لم يكن يبدو كذلك في عقول المشرفين على التوجيه الثقافي لجامعة الدول العربية. هل يعقل عاقل منصف أن يلجأ العرب إلى السفارة الأمريكية مثلاً لتختار لهم ما تراه نافعاً للعرب ومحققاً لنهضتهم، ومعيناً على طرد اليهود وإجلائهم؛ وتصفية شركات البترول وخرابها؟ لقد فعلت اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية ذلك! استوحت السفارة الأمريكية في بعض ما اختارته مما ترجمته، واستوحت اليونسكو في بعضه الآخر. وهي نفسها تعترف بذلك حيث تقول في نشرتها الثقافية التي عرضت فيها نشاطها بين سنتي ١٩٤٦ - ١٩٥٦) كذلك أتفقت الِإدارة الثقافية بعد موافقة المكتب

стр. 116

الدائم على أن تتولى نشر بعض الكتب الهامة المترجمة بمعرفة القسم الثقافي بالسفارة الأمريكية. وقد قُدِّمت فعلاً إلى الطبع على هذا الأساس أصول كتاب مترجم إلى العربية، ويشتمل على مقالات للكاتب الأمريكي الكبير إيمرسون - ص ٢٥) (١). وتقول كذلك: (اتصلت الإِدارة الثقافية ببعض الهيئات العالمية المختصة (٢)، وحصلت منها على كشوف بأسماء الكتب التي تراها تلك الهيئات داخلة في إطار هذا البرنامج). وسوف أعرض في هذا المقال نموذجين من هذه السموم التي تدس على العرب باسم جامعتهم في كتابين، أحدهما مما أوحت به السفارة الأمريكية وهو (مختارات من إمرسون)، والآخر مما أوصت به اليونسكو وهو (قصة الحضارة) لوِلْ ديورانت. وقبل أن أتناوت هذين الكتابين أحب أن أؤكد لجامعة الدول العربية وللجنتها الثقافية الموقرة التي يرأسها طه حسين أن الجرب لم يُغلَبوا من ضعف في الفلسفة ولا الآداب ولا التاريخ. ولكنهم غُلبوا وضربت عليهم الذلة لأنهم متخلفون في العلوم التجريبية المادية بكل فروعها الكيميائية والطبيعية والميكانيكية، النظرية منها والتطبيقية. غَلبوا لأنهم لا يملكون من المصانع ومن أدوات القتال ما يناهضون به عدوهم وما يتحررون به من سجنه الاقتصادي، الذي يسخّرهم فيه لجمع الثروات له كما يسخَّر العبيد ثم يحاربهم بهذه الثروات نفسها، ويشتري بها من رجالهم من يقوم على حراسة هذا السجن الكبير، فيقيم فيه معبداً يسبِّح كهنتهُ بحمد آلهتهم التي يعبدونها من دون الله. وينكل بالذين ينبِّهون النائمين والغافلين والمخدوعين، أو يطاردهم بالإِشاعات الكاذبة والأضاليل الباطلة حتى يُلَبِّس على الناس أمرَهم ويجعلهم موضع السخرية والاستهزاء. إن الجماعات البشرية في الدول والحكومات، والجيوشَ في ميادين القتال، والفرقَ الرياضية في الساحات، يتميز نفسها بمختلف الشارات، فتتخذ الأعلام

стр. 117

والأناشيد وأنماط الأزياء والعلامات والأشعرة. تفعل ذلك لتميِّز نفسها من غيرها فلا تضل في الزحام ولا تذوب عند الاختلاط، ولا تنحلَّ رابطتها عند الصادمة والنزال. وللعرب طابع يميزهم، ولهم شخصية قد ضلوا عنها في عصور الضعف والخمول وأضلهم عنها المستبعِدون وأذنابهم. ولن تتحقق لهم نهضة إلَّا إذا أحيوا هذه الشخصية، وتمسكوا بمقوماتها، وتعصبوا لرموزها وشاراتها، وميزوا أنفسهم بطابعهم الخاص. وسيظلون بغير ذلك أذناباً للمستعبدين ينقادون ولا يقودون، وأبواقاً ينشرون ما يلقى إليهم من قول ويرددونه في الأجواء، لا يزيد عملهم فيه عن مجرد تضخيمه. ذلك لأنهم إلا يبتكرون حتى يحسوا في أنفسهم القدرة على الابتكار، وحتى يكونوا جميعاً متماسكين فيتولد من اجتماعهم وتماسكهم قوة. وهم لا يحسُّون القدرة على الابتكار إلَّا إذا استيقنوا أنهم عريقون في هذا الباب. ولا يجتمعون ويتماسكون إلَّا إذا عرفوا خصائصَهم الأصيلة التي تمنعهم من أن يذوبوا في غيرهم فتذهب قواهم شَعَاعاً وتتفرق بَدَداً. لا يبلغ العرب درجة الأستاذية في هذه العلوم الجديدة التي أذلّهم عدوهم بتفوقه عليهم فيها إلَّا إذا أصبحت هذه العلوم ملكاً لهم، وهم لا يملكون هذه العلوم ولا يحسون أنها علوم عربية إلَّا إذا قرءوها بالعربية وكتبوها بالعربية. وسيظلون يحسون أنهم غرباء عليها وأنهم متطفلون على أصحابها - طالما ظلوا يقرءونها ويكتبونها بغير لغتهم. ولكن اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية، وعلى رأسها طه حسين الذي تشهد كتبُه أنه لم يكن إلَّا بوقاً من أبواق الغرب، وواحداً من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير، يروِّج لثقافاته ويعظمها، ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم. طه حسين الذي لم يملّ من الكلام عن جامعة البحر الأبيض المتوسط، التي دعت إليها فرنسا بالأمس والتي تدعو إليها أمريكا اليوم. طه حسين الذي يزعم لمصر أنها جزء من البحر الأبيض التوسط في مقوِّمات شخصيتها, وليست جزءاً من عرب نجد واليمن والبحرين والعراق والسودان. طه حسين الذي لم يَبْدُ العربُ في وهمه أمة،

стр. 118

لأن قِوام الدول في زعمه هو المنافع المادية، ولأن (تطور الحياة الإِنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساساً للوحدة السياسية، ولا قِواماً لتكوين الدول) (١). طه حسين هذا لا يُقِر معنا هذه الحقيقة, لأنه يزعم للعرب أن السبيل إلى نهضتهم ليس هو ترجمةَ العلوم، ولكن السبيل إلى نهضتهم أن يذوبوا في الغرب، وأن يُخلَعوا من أنسابهم ويُقلَعوا من تُربتهم ليُغرَسوا في تربة الغرب، ولذلك فهو يهلك أموالهم في ترجمة شكسبير الذي ترجمت رواياته من قبلُ أكثر من مرة ليحابي بها بطانته وحزبه فيغدق عليهم مما تحت يده، بل هو يهلك أموالهم في ترجمة ما لُعِن به أجدادهم، وما سُبَّ فيه أسلافُهم، وسُفِّه دينهم، وافتُرِيَ على نبيهم. ولو أنصف طه حسين، ولو أنصف كل القائمين على الترجمة في هذا البلد من مثل إدارة الثقافة بوزارة التربية ومجلس الآداب وغيرهما، لجعلوا كل همهم مصروفاً إلى نقل العلوم التجريبية والرياضية وحدها لا يشتغلون بترجمة غيرها حتى نستكمل نقصنا فيها, لأن الاشتغال بنقل كتب الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية والأخلاق وما شاءوا من الثقافات الإِنسانية، على هذا النحو الذي تسوده الفوضى وسوء الاختيار - بل سوء القصد في كثير من الأحيان - يضر مرتين: يضر بإِفساد أذواق شبابنا وتدمير كيانهم، وتحويل شخصيتهم بحيتَ يصبحون غرباء بين قومهم، ثم يصبح قومهم بعد قليل هم الغرباء بينهم حين يكثر عددهم ويَكْثُف جْمَعُهم، ويضر مرة ثانية بتبديد الجهد والمال في غير وجهه وصرف العرب عن الطريق الصحيح إلى تحررهم ثم سيادتهم. ولو كان لي أن أقترح على اللجان الثقافية والهيئات الجامعية على اختلافها، لاقترحت أن يبدءوا بترجمة كتب المَراجع في الطب والهندسة والعلوم والزراعة التي يدرسها طلاب الجامعات العربية. فهم بذلك يصيبون غرضين: إنهم ييسرون سبل العلم للطلبة العرب ويخففون عن آبائهم بعض الأعباء، بإِغنائهم عن الطبعات الأوروبية الباهظة الثمن، والتي لا يتيسر وجودها في كثير من الأحيان, لأن أصحابها يستطيعون أن يمنعوا تصديرها إلينا حين

стр. 119

يشاءون وهم في الوقت نفسه يخطون بهذا العمل خطوة واسعة نحو تعريب هذه العلوم التىِ لا تزال تدرَّس في جامعات مصر باللغة الإِنجليزية. وقد كان أنصار اللهجات السوقية ودعاة تطوير العربية الفصحى في قواعدها وأساليبها ومفرداتها، من غربيين ومن عرب مستغربين، كانوا ولا يزالون يستندون في دعوتهم إلى ما يسميه بعضهم (ازدواجاً)، فيزعمون أننا نقرأ ونكتب بغير اللغة التي نتكلمها، وذلك عندهم هو السبب في تخلفنا العلمي والثقافي الذي يَحُول بيننا وبين التفوق والنبوغ. ومن عجيب أن هؤلاء العباقرة قد اكتشفوا هذا العيب الخطير في عربيتنا الفصحى وحدها ولم يكتشفوه في الإِنجليزية أو الفرنسية، فلم نسمع صوتاً واحداً منهم ينبه إلى الازدواج الناشىء عن قراءة الجامعيين العرب - أساتذة وطلاباً - وكتابتهم بالإِنجليزية أو بالفرنسية، فهل يرون الازدواج في المرواحة بين السوقية والفصحى مع قرب ما بينهما, ولا يرونه في المراوحة بين الإِنجليزية والعربية، أو الفرنسية والعربية، مع بُعْدِ ما بينها وبينهما؟ ولنعد من بعد إلى حديثنا عن الكتابين اللذين أشرت إليهما من قبل لأقول: إن جامعة الدول العربية حين استوحت السفارة الأمريكية في أحدهما، واستوحت اليونسكو في الكتاب الآخر، قد لجأت في حقيقة الأمر إلى السفارة الأمريكية مرتين. لجأت مرة إلى السفارة الأمريكية التي ترفع فوق دارها العلم الأمريكي، ثم لجأت مرة أُخرى إلى السفارة الأمريكية التي ترفع علم الأمم المتحدة. وإن شئنا الدقة قلنا: إنها لجأت إلى اليهودية العالمية الهدامة في الحالين، لتختار لها أشد الكتب فتكاً بالدبن والأخلاق وأفعلها في قتل الشخصية العربية ومحو مقوماتها وتدمير تفكيرها وتسميم ينابيع الثقافة فيها، ومن أراد الدليل على صدق ما أقول فليرجع إلى الكتابين اللذين أشرت إليهما، فسيجد فيهما الكيد للإِسلام وللمسيحية ولكل دين صحيح ظاهراً وخفياً، وسيجد أن اليهودية وحدها هي التي سلمت من كيد المؤلَفيْن وبذاءتهما، وسيجد الثناء على اليهودية واليهود تصريحاً وتلميحاً. يجد ذلك في مثل إشارة إمرسون إلى يوم السبت الذي يسميه (يوم الدين)، والذي يُظهِر الحزن والأسى لأنه (فقد الآن عند القسس سناء الطبيعة - ص ٧٧) ويجده في مثل قوله (إني لأتطلع إلى الساعة التي يتكلم فيها في الغرب كل ذلك

стр. 120

الجمال العلوي الذي افتتنت به أرواح أولئك الشرقيين، وبخاصة أولئك العبريين الذين تحدث الأنبياء من خلال شفاههم لكل زمان ... وإني لأتطلع إلى المعلم الجديد الذي يتابع هذه القوانين المشرقة - ص ٩٠). ويجده كذلك في عرض ول ديورانت لتاريخ اليهود عرضاً جذاباً مشرباً بالعطف والمحاباة في الجزء الثاني من هذه الترجمة التي أتناولها بالحديث (ص ٣٢١ وما بعدها)، وفي اعتماد المؤلف الشديد على المؤرخ اليهودي يوسيفوس، وعرضه تاريخ اليهود من زوايا تثير العطف والإِعجاب في كل مكان من الكتاب (١). وذلك في مقابل ما يصبه "ول ديورانت" من التهم البذيئة على شخصي مُحَمَّدْ والمسيح الكريمين عليهما صلوات الله وسلامه في الجزءين الحادي عشر والثالث عشر من هذه الترجمة، وفي مقابل تهكم إمرسون اللاذع وسخريته المرة بالمسيحية وبرجالها وطقوسها. ألا يذكّرنا ذلك كله بالتهم البذيئة الموجّهة إلى شخصي المسيح ﵇ وأمه ﵂ في التلمود الذي يقدسه اليهود أكثر من تقديسهم للتوراة, ثم ألا يذكّرنا كذلك بالمادة الخامسة من خطة الصهيونية السرية التي عرفت فيما بعد باسم (بروتوكول حكماء صهيون) حيث تتحدث عن (حكم الجماهير والأفراد عن طريق عبارات ونظريات وقواعد للحياة معدة إعداداً ماهراً وعن طريق شتى أنواع الخداع والحيل)، ثم تقول بعد قليل: (وبقدر ما نعلم فإِن المجتمع الوحيد الذي يستطيع الوقوف في وجهنا في مضمار هذا العلم هو مجتمع اليسوعيين، إلَّا أننا قد توصلنا إلى الحط من قدرهم في نظر الجماهير الحمقاء بتوكيدنا لهم أنهم منظمة زائلة، بينما وقفنا نحن وراء الكواليس وحرصنا على أن تبقى منظمتنا مستترة خفية) (٢).

стр. 121

يهدم إمرسون الدين والتدين من جذوره تحت ستار الدعوة إلى الحرية وإلى استقلال الشخصية. وأما ول ديورانت فهو يهدمه عن طريق تجريح الرسل الأطهار وإثارة الغبار حول سيرهم. على أن الكاتبين كليهما يشتركان في هدم النبوات وإنزال الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه إلى مرتبة الفلاسفة والكتاب والمصلحين. يستدرج إمرسون السذج من القراء وضعاف الإِيمان بالثناء على موسى وعيسى ﵉، ولكنه يزعم لهم أن الدين يتجدد دائمًا، وأن الأنبياء كانوا ولا يزالون (ص ٦٩، ٧٠). ولذلك فهو يسمي المسيحية التي أنزلت على المسيح ﵇ (المسيحية التاريخية - ص ٧١)، ويعد فيما يعدده من أخطائها أنها تهتم بشخص المسيح اهتماماً مبالغاً فيه، وأنها تبالغ كذلك في الاهتمام بالطقوس دون جوهر الروح. ومن أجل ذلك صار الناس في زعمه (يتحدثون عن الوحي كأنه قد أوحي به وانتهى من عهد قديم، كأن الله قد مات - ص ٧١ إلى ٧٤). ولا يزال هذا الصهيوني الهدام يستدرج قارئه حتى ينتهي به إلى النتيجة الخطيرة التي يريد أن يسوقه إليها، وهي هدم كل الديانات، باعتبار الوحي ظاهرة مألوفة تتكرر في كل زمان ومكان، وذلك حين يقول: (ومن واجبي أن أقول لكم إن الحاجة إلى إلهام جديد لم تكن في أي وقت من الأوقات أشد مما هي الآن ص ٧٥) وحين يقول بعد ذلك: (إن جمود الدين، والزعم أن عصر الإِلهام قد ولىّ، وأن الإِنجيل قد استغلق، والخوف من الحط من شخصية المسيح بتمثيله في صورة رجل، كل ذلك يدل في وضوح كاف على خطأ علمنا بالدين. وواجبُ العلم الصادق أن يرينا أن الله كائن اليوم، لا كان فيما مضى، وأنه يتكلم لا تكلم وانتهى- ص ٨٣). ما الفرق بين كلام هذا الرجل وبين كلام القسيس الأمريكي ميلر بروز في الكتاب الذي نشرته مؤسسة فرانكلين باسم "الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة"؟ وما الفرق بينه وبين كلام القسيس الأمريكي الآخر هارولد سمث في ذلك الكتاب نفسه (ص ٤٧، ٧٤ (*)؟ ألا ترى أن واردات أمريكا تهدف جميعاً إلى زعزعة إيمان الناس بدياناتهم، وجعل المسلمين في هذه المنطقة

стр. 122

مسلمين بأسمائهم وألقابهم وشهادات ميلادهم، لا يزيدون عن ذلك ولا يتجاوزونه؟ هذا هو الهدف الهدام الذي تخفيه أردية الكهنوت السوداء - وإمرسون أحد أصحاب هذه الأردية. فهو ينتمي إلى أسرة يحترف كثير من أفرادها الكهنوت، وقد تخرج هو نفسه في مدرسة هارفارد الدينية سنة ١٨٢٩، وبدأ حياته راعياً لكنيسة كان أبوه يقوم بالوعظ فيها، تم طردته الكنيسة لما شاع إلحاده. وما ينبغي لهذه الأردية السوداء أن تخدع الناس عن حقيقة الذين يلبسونها. إنهم مدسوسون على القسس، دستهم عليهم الصهيونية العالمية الهدامة. ومن وجد في هذه الحقيقة شيئاً من الغرابة فليقرأ الرسالة التي بعث بها كبير حاخامي اليهود في القسطنطينية إلى يهود فرنسا سنة ١٤٨٩ حين تعرضوا لاضطهاد لويس الثاني عشر. فقد قال لهم: (إنكم تذكرون أن ملك فرنسا يريد أن تصبحوا مسيحيين فعليكم إذن أن تفعلوا ... إنكم تذكرون أنهم يريدون الاستيلاء على ممتلكاتكم، فاجعلوا من أبنائكم تجاراً، وبواسطة التهريب تستطيعون شيئاً فشيئاً الاستيلاء على ممتلكاتهم، إنكم تشكون من أنهم يحاولون اغتيالكم، فاجعلوا من أبنائكم أطباء وصيادلة حتى يتمكنوا من القضاء على حياتهم دون أن يخشوا عقاباً. إنكم تؤكدون أنهم يهدمون معابدكم، فحاولوا أن تجعلوا من أبنائكم كهنة، ورجال دين، لكي يدمروا كنائسهم .. إلخ) (١). يقرن هذا الصهيوني الهدام رسالات الأنبياء في كل موضع من كتابه بآراء الفلاسفة والكتاب وأصحاب المذاهب الضالة الفاسدة في بعض الأحيان - مثل ما جاء في صفحات ٨٤، ١٢٨، ١٥٧ - فهي في زعمه ليست منزلة من عند الله، ولكنها نابعة من عقولهم بعد أن تحرروا من أسر الآراء السائدة في عصرهم. ولذلك فهو يحض على الاقتداء بهم حسب تصويره المزعوم لهم - في الخروج على كل ما هو ثابت مقرر مما توقره التقاليد وتقدسه الأديان. وذلك هو ما يسميه ذلك الهدام: بالحرية وباستقلال الشخصية.

стр. 123

والحرية أو استقلال الشخصية التي يدعو إليها هذا الهدام هي حرية تقوم على الغلو المفرط في الفردية، ويستطيع القارئ أن يلمس بوضوح في كل مقالات الكتاب أن وراء كل سطورها إسرافاً في تقدير الفرد والفردية والحرية الشخصية في السلوك وفي التعبير عن الرأي، ينتهي إلى أن يسمح كل إنسان لنفسه بأن يبني عالماً مستقلاً به من القيم لا يستوحي فيه غير خياله وأوهامه. مثل هذا الكلام لا يصدر إلَّا من هدام محترف, لأنه يقتل الروح الجماعية التي هي أساس كل تماسك اجتماعي، والتي أدَّى فقدانها إلى ما يعانيه الناس الآن من فوضى واضطراب. فلو سُمِح لكل فرد من الناس أن يبني لنفسه عالماً مستقلاً من القيم لأصبحت مقاييس الخير والشر مقاييس فردية، فلا يكون هناك شر هو عند كل الناس شر، ولا يكون هناك خير هو عند كل الناس خير، وعندئذ لا يصبح هناك مجتمع، ولا يكون هناك إلَّا الفوضى والخراب. والأمثلة على هذه الدعوة اطيدأمة التي هي بمكان اللب من هذه المقالات التي ترجمتها الجامعة العربية بمشورة السفارة الأمريكية تملأ الكتاب، أستطيع أن أقدم بعض نماذج منها على سبيل التوضيح لا الحصر. يقول إمرسون مخاطباً قراءه (وإني أنصحكم قبل كل شيء أن تسيروا وحدكم وأن ترفضوا النماذج الطيبة، حتى تلك التي يقدسها الناس في خيالهم، وتشجعوا على محبة الله بغير وسيط أو حجاب، وسوف تجدون من الأصدقاء من يكفي لأن يطلعكم على أمثال وزلي وأوبرلين والقديسين والأنبياء - وتأمل أين يضع هذا الملحد الهدَّام الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه - لكي تقتدوا بهم. أشكروا الله على هؤلاء الرجال الأخيار، ولكن ليقل كل منكم "أنا كذلك إنسان" ... إن التقليد لا يمكن أن يرتفع فوق النموذج ... كل منكم مُنْشِدٌ من منشدي الروح التدليل وُلد حديثاً، فلينبذ وراءه كل تقليد وليعرِّف الناس مباشرة بالله - ص ٨٥). وواضح من هذا الكلام أن ذلك المفسد المضل يريد أن يجعل كل الناس أنبياء، معتمدًا على ضعف المغرورين والمفتونين، الذين يريد أن يخيِّل إليهم أنهم لا يُثِبتون وجودهم إلَّا عن طريق

стр. 124

نبذ الدين، ويزعم لهم أنهم جميعاً على صلة صحيحة وثيقة بالله تمكنهم من معرفته ومن تعريف الناس به. ومن أمثلة هذه الآراء الهدَّامة التي تستتر وراء الدعوة الخلابة إلى التحرر الفكري كذلك قوله: (من أراد أن يكون رجلاً ينبغي أن ينشقَّ على السائد المألوف، ومن أراد أن يجمع ثمر النخيل الخالد ينبغي أن لا يعوقه ما يسميه الناس خيراً، بل يجب عليه أن يكتشف إنْ كان ذلك خيراً حقاً. لا شيء في النهاية مقدَّس سوى نزاهة عقلك. حرر نفسك لنفسك يؤيدك العالم ... الخير والشر اسمان يمكن في سهولة شديدة أن ينتقلا إلى هذا أو ذاك، والشيء الوحيد الصحيح هو ما يتبع تكويني، والشيء الوحيد الخطأ هو ما يقاومه ص ١٣٢). ومن سفسطة ذلك المفسد الهدَّام قوله (إن الثبات على رأي واحد هو غول العقول الصغيرة الذي يقدسه صغار السياسيين والفلاسفة ورجال الدين. أما الروح العظيمة فليس لها ألبتة شأن بهذا الثبات، وإلَّا فإِنها تَأْبه لظلها فوق الحائط. انطق بما تفكر فيه الآن في ألفاظ قوية، وانطق بما تفكر فيه غداً في ألفاظ قوية كذلك، حتى إن ناقض ما قلته اليوم، وإذن فثق أنك سوف يساء فهمك، وهل من شر الأمور أن يساء فهمك؟ لقد أسيء فهم فيثاغورس وكذلك سقراط ويسوع وكوبرنكس وغاليلو ونيوتن وكل روح طاهرة عاقلة تجسدت. لكي تكون عظيمًا لا بد أن يُساء فهمك - ص ١٣٩). فلينظر القارئ أي دعوة هذه إلى التخبط والغرور، وإغراء ضعاف العقول بما يجرئهم على خوض كل مجهول، وتناول كل مُغيَّبٍ مستور، وهتك كل مقدَّس مصون والخبط في كل تيه واعتساف كل طريق، بما يفسد عليهم وعلى الناس الحياة ويحولها إلا جحيم لا سكن فيه ولا قرار، يتنابذ أهلها ويتدابرون ويعتركون ولا يتفقون على رأي ولا يسكنون ولا يطمئنون، حتى لكأنهم أهل جهنم. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ على هذا الغرور الشديد المفسد في تقدير الفرد يقوم الكتاب كله. ويبلغ هذا الفساد وهذا الغرور حد الكافر المجنون في بعض الأحيان، وذلك في مثل

стр. 125

قوله (إن من ينبذ الدوافع العامة الإنسانية ويجرؤ على الثقة العامة فيما تمليه عليه نفسه لا بد أن يتميز ببعض صفات الآلهة - ص ١٥٤). فهل تعرف خَرَفاً وراء هذه الخرف؟ ومعِ ذلك فقد يظن بعض صغار العقول وضعاف النفوس هذا الجنون ضرباً من ضروب الفلسفة, لأنهم لا ينسبون عجزهم عن فهمه إلى فساده، ولكنهم ينسبون إلى ضعف عقولهم عن إدراكه. وهذا الكاتب وأمثاله يعتمدون على أن الأذكياء سوف يجدون في كلامه ما يرضي غرورهم. أما الأغبياء فسوف يقفون أمامه مشدوهين كأنهم أمام مُعجزة. أما الشباب فسوف يجدون فيما يتضمنه من الثورة التي تحطم ولا تبقي ولا تذر مجالاً للتنفيس عن نشاطهم ونزوعهم إلى إثبات وجودهم من كل وجه. ويتعقب ذلك الصهيوني الهدام فضائل الدين كلَّها بالتسفيه والسخرية اللاذعة. فالصلاة عنده وَهْم ليس فيه من الشجاعة أو الرجوله بمقدار ما فيه من القداسة (ص ١٥٦). والتوبة والندم نوع آخر من الصلاة الزائفة ونقص في الاعتماد على النفس وعجز في الإِرادة. والرحمة والعطف لا تقل عن الندم وضاعة (ص ١٥٧)، (والعقائد الدينية الشائعة قد تفوقت على الخرافات التي حلت محلها في الظاهر فقط لا في المبدأ- ص ١٧٣). ألا ترى من ذلك كله أن هذا المفسد يريد ثورة تقلب موازين الدين والخلق وكلَّ شيء؟ بلى. وهو نفسه يعرف ذلك، فهو يفسد، ويعلم أنه يفسد، أي أنه هدام محترف يفسد عن وعي منه وقصد، والدليل على ذلك قوله (نريد رجالاً ونساء يجددون الحياة ويجددون حالتنا الاجتماعية. ولكنا نجد أن أكثر المطابع مفلسة - ص ١٥٤) وقوله (إن تدبيرنا المنزلي ضعيف، وفنوننا، وأعمالنا، وزواجنا، وديننا، لم نختره لأنفسنا، وإنما نحن جنود في غرفة الاستقبال، نتحاشى معركة القدر الحامية التي تتولد فيها القوة - ص ١٥٥). وقوله. (ومن اليسير أن نرى أن مزيداً من الثقة بالنفس لا بد أن يحدث انقلاباً في جميع وظائف الناس وعلاقاتهم ودياناتهم، وفي تربيتهم، وفي أهدافهم وأساليب عيشهم واجتماعهم وفي امتلاكهم وفي آرائهم التي يتدبرون - ١٥٦). ذلك هو لب الكتاب الذي أوحت به السفارة الأمريكية لطه حسين،

стр. 126

فترجمه بأموال العرب، وأهداه إلى شبابهم ومفكريهم. ولعنة الله على شياطين الإِنس والجن ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ وقد يبدو في بعض مقالات الكتاب - كما هي العادة في كل نشرات الهدامين - صورة خداعة للإِيمان، في مثل مقالات (الحب) و (الصداقة). ولكن هذا الإيمان الزائف ليس إلا الشرَك الخداع الذي يجذب الأغرار، إذ يوهم القارئ أن الرجل صادق الإِيمان، وأن ضلالاته وإلحاده ليست إلا ضرباً من التصوف، وأن سخطه على الأديان وطقوسها هو ضرب من السمو الروحي الذي يستهدف إصلاحها وتنقيتها من الشوائب كما يزعم كل أمثاله من الهدامين. أما (قصة الحضارة) لـ (ول ديورانت) (Will durant) فقد أصدرت منه اللجنة الثقافية حتى الآن ستة عشر جزءاً، ويكفي أن نراجع من هذه الأجزاء العديدة الجزءين اللذين تناولا حياة سيدنا عيسى وحياة سيدنا مُحَمَّدْ عليهما الصلاة والسلام لنتبين أن اختيار هذا الكتاب للترجمة جريمة دبرتها الصهيونية الهدامة المتخفية في زوايا اليونسكو ونفذتها بيد طه حسين وأمثاله في جامعة الدول العربية. يتساءل مؤلف الكتاب إن كان المسيح ﵇ قد وجد حقاً (١١: ٢٠٢ - ٢٠٥) ويثير حول الأناجيل مختلف الشبهات (١١: ٢٠٦ - ٢١١)، ويشكك في نسبه وفي أنه ولد من عذراء (ص ٢١٤). وينكر كل معجزاته فينسبها جميعاً إلى الكذب والتلفيق، أو يردها إلى خداع الحواس والوهم أو ما سماه "العلاج النفسي" (ص ٢٢١ - ٢٢٢) ويتناول شخص المسيح ﵇ وكلماته وروايات الأناجيل بالسخرية فيقول مثلاً (إن الإنسان ليجد في الأناجيل فقرات قاسية مريرة لا توائم قط ما يقال لنا عن المسيح في مواضع أخرى منها، ويبدو أنه قَبِل دون بحث وتمحيص أقسى ما كان يؤمن به معاصروه عن جهنم السرمدية التي يعذب فيها من لا يتوبون من الكفار

стр. 127

والمذنبين بالنار التي لا تنطفىء أبداً والديدان التي لا تشبع من نهش أجسامهم). (وهو يقول دون أن يحتج عليه أحد: إن رجلاً فقيراً في الجنة لم يسمح له بأن يترك نقطة واحدة من الماء تسقط على لسان غني في الجحيم ... ويلعن شجرة التين التي لم تكن تحمل ثمراً، ولعله كان قاسياً بعض القسوة على أمه. وكان يتصف بحماسة النبي العبراني المتزمت أكثر من اتصافه بالهدوء الشامل الذي يمتاز به الحكيم اليوناني - ص ٢١٩). وأكثرُ هذه المفتريات التي حشدها ذلك الصهيوني الهدام في كتابه، مروية عن المؤرخ اليهودي يوسيفوس. وبمثل هذا الأسلوب الإِلحادي الهدام عالج المؤلف حياة نبينا ﵊ في الجزء الثالث عشر. ففي هذا الجزء من الكتاب أخبث أساليب الكيد والدس للإِسلام. والمؤلف لا يلجأ هنا إلى الهجوم البذيء الصريح كما فعل مع شخص المسيح الكريم ﵇. ولكنه يتظاهر هنا بالإنصاف، بل يبدو في بعض الأحيان كأنه معجب بشخص النبي ﵊. فيقول مثلاً (وكان مُحَمَّدْ، كما كان كل داعٍ ناجحٍ في دعوته، الناطق بلسان أهل زمانه والمعبرَ عن حاجاتهم وآمالهم ص ٢٤). ويقول في موضع آخر: (ذلك أن النبي كان ينشىء حكومة مدنية في المدينة. واضطر بحكم الظروف أن يخصص جزءاً متزايداً من وقته للمشاكل العملية المتصلة بالتنظيم الاجتماعي والأخلاقي والعلاقات السياسية بين القبائل ص ٣٣) ويقول: (وحتى شؤون الحياة العادية كانت أوامره فيها تعرض في بعض الأحيان كأنها موحى بها من عند الله، وكان اضطراره إلى تكييف هذه الوسيلة السامية بحيث تتفق مع الشؤون الدنيوية، مما أفقد أسلوبه بعض ما كان يتصف به من بلاغة وشاعرية. ولكن لعله كان يشعر بأنه بهذه التضحية القليلة جعل كل تشريعاته تصطبغ بالصبغة الدينية الرهيبة - ص ٤٢). وهو في هذه المواضع كلها يتحدث عن النبي ﷺ حديثه عن أي مصلح سياسي تصدر دعوته عن حاجات عصره وتُشكِّلها ظروفُه. ومع ذالك فإِن

стр. 128

كلامه هذا قد يخدع ضعاف المسلمين وأغرارهم حين يرون الكاتب - وهو غير مسلم - يبدي ميلاً مصطنعاً إلى إنصاف نبي لا يدين هو بدينه. فهذا الكلام المشبع في ظاهره بروح المودة يخدع كثيراً من المسلمين فيتقبلونه بقبول حسن. وينتهي بهم ذلك إلى اعتبار نبيهم واحداً من الزعماء والفلاسفة والمفكرين والمصلحين الذين يزخر بهم تاريخ الشرق والغرب في العصور القديمة والحديثة، فيخرجهم ذلك عن إسلامهم لا شك, لأنهم لا يُسْلمون حتى يعتقدوا اعتقاداً خالصاً لا يدخله ريب أن نبوة مُحَمَّدْ ﷺ كانت بوحي يلاحقه ويقوده ويصحح كل أعماله. ولست أبالغ ولا أدَّعي غير الحق حين أقول: إن هذه الروح اللادينية - مع شديد الأسف- قد أصبحت هي التي تسود دراسات التاريخ الإِسلامي في أكثر جامعاتنا. وذلك شيء يلمسه كل من تخرج في كليات الآداب أو اتصل بها عن قريب. وما لي أذهب بعيداً وهذا هو مُحَمَّدْ بدران - مترجم هذا الجزء - يقدم لي الدليل هو نفسه على صدق ما أقول، حين يقرر في مقدمته أن المؤلف قد (أنصف الحضارة الإِسلامية فشاد بفضلها). يقرر المترجم المسلم ذلك في سذاجة تبلغ حد الغفلة والبله، مع أن ذلك الصهيوني الخبيث لا يروي عن النبي ﷺ إلا الغرائب التي يخلعها من سياقها وظروفها حتى تبدو لغير الخبير بالتاريخ الإِسلامي في صورة تثير السخط وتدعو إلى الاشمئزاز، كالذي يصف المجرم وهو يساق إلى القتل ويعلق في الحبل، ويخفي ما اجترح من مفاسد وما أزهق من أرواح بريئة. تجد ذلك في مثل كلامه عن قتله ﷺ امرأة، وعن قتله شيخاً ناهز المائة, لأنهما هجواه (ص ٣٥). وهو يسوق ذلك في أسلوب هادىء رزين كأنه يسوق خبراً من الأخبار العادية دون أن يعلق عليه أو يحتفل به، فلا يكاد القارئ المسلم يتنبه إلى غرضه الخبيث الذي هو في حقيقة الأمر التشنيع بالنبي ﵊ عند المخدوعين بما تزوّره الصهيونية الهدامة من كلمات برّاقة، حين تدعو إلى (حرية الهدم) وإلى (حرية الإِفساد) وتسمي ذلك (حرية الرأي)، وليوهم أنه ﵊ لم يكن يرعى حرمة للنساء ولا للشيوخ. ومثل ذلك أيضاً قوله: (وضُمَّت صفية - وهي فتاة يهودية في السابعة عشرة من عمرها كانت مخطوبة. لكنانة - إلى نساء النبي ص ٣٩).

стр. 129

فمثلُ هذه الألغام التي يدسها الرجل في ثنايا سطوره تترك أسوأ الأثر في نفوس القراء من الغربيين ومن ضعاف الإِيمان من المسلمين، والمنتحلين منهم للحضارة الغربية المتخلقين بها خاصة. شيخ جاوز الخمسين يتزوج فتاة في السابعة عشرة! وليس هذا فحسب. بل إنها كانت مخطوبة لرجل يهودي من بني جنسها فأضافها إلى نسائه العديدات! هل هذا تاريخ؟ أم أنه تشنيع في أخطر صوره, لأن صاحبه يتصنع الهدوء ويتظاهر بالاتزان والإِنصاف، ويخدع الناس بمثل كلامه عن براعة النبي في القيادة وفي شؤون الحكم وفي التنظيم الاجتماعي. ومن أمثلة هذا الاسلوب الخبيث وصفه النبي صلوات الله وسلامه عليه بأنه كان (يُعنىَ بمظهرد الشخصي ويقضي في تلك العناية كثيراً من الوقت. فكان يتعطر ويكتحل ويصبغ شعره ويلبس خاتماً نقش عليه "مُحَمَّدْ رسول الله". وربما كان الغرض من هذا الخاتم هو توقيع الوثائق والرسائل. وكان صوته موسيقياً حلواً يأسر القلوب. وكان مرهف الحس إلى أقصى حد، لا يطيق الروائح الكريهة ولا صلصلة الأجراس والأصوات العالية. وكان قلقاً عصبي المزاج، يُرى أحياناً كاسف البال، ثم ينقلب فجأة مَرِحاً كثير الحديث - ص ٤٥). فهذا الأسلوب المسموم في التصوير إنما يريد أن يصور النبي ﷺ في صورة المتصابي وفي صورة العصبي المزاج، المريض الأعصاب، المصاب بالصرع. ويؤكد هذا الصهيوني الهدام تلك الصورة المفتراة بعد ذلك بقوله: (وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب. ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره. وظن أن يهود خبير قد دسوا السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت (١)، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات ونوبات غريبة. وتقول عائشة: إنه كان يخرج من بيته في ظلام الليل، ويزور القبور ويطلب المغفرة للأموات، ويدعو الله لهم جهرة، ويهنئهم على أنهم موتى. ولما بلغ الثالثة والستين من عمره اشتدت عليه الحمِّيات - ص ٤٦).

стр. 130

وجاء في هذا الجزء من الكتاب أيضاً: (وهاجرت إلى المدينة مائتا أسرة من مكة فنشأت فيها من براء هذه الهجرة مشكلة الحصوك على ما يكفي أهلها من الطعام. وحل مُحَمَّدْ هذه المشكلة كما يحلها كل الأقوام الجياع بالحصول على الطعام أنَّى وجد. ومن ذلك أنه أمر أتباعه بالإِغارة على القوافل المارة بالمدينة - ص ٣٤). ويحاول المؤلف أن يلبس هذه الأكاذيب وهذا التشنيع المفتري ثوب العلم فيقول: (واجتمعت أسباب عدة عملت كلها على اتساع ملك العرب. فمهت الإسباب الاقتصادية أن ضعف الحكومة النظامية في القرن السابق لظهور النبي قد أدى إلى انهيار نظم الري في جزيرة العرب فضعفت من جراء ذلك غلاّت الأرض الزراعية وحاقت بالسكان المتزايدين أشد الأخطار. ولهذا فقد تكون الحاجة إلى أرض صالحة للزرع والرعي من العوامل التي دفعت جيوش المسلمين إلى الفتح والغزو - ص ٧١، ٧٢). أترى إلى هذا الكلام المسموم الذي يصور المسلمين الأولين وعلى رأسهم النبي ﷺ في صورة عصابات اللصوص وقطّاع الطرق، والذي ينزل بدوافع الفتح النبيلة إلى أغراض مادية، فينقلب ذلك النفر الكريم من المجاهدين الأولين في نشر كلمة الله الذين لم يكونوا يبالون بحياتهم الدنيا في سبيل ما أعده الله لهم من ثواب الجهاد في نشر دينه، ينقلب ذلك النفر الكريم إلى جماعة من اللصوص وقطاع الطرق. لماذا تؤذي جامعة الدول العربية المسلمين والعرب بسماعه؟ لماذا تنفق على نقله إليهم من أموالهم، كأن مهمتها هي إسماعهم ما يكرهون وإحصاء ما قيل فيهم من الشتائم وإذاعته على الناس؟ إن الحكومات تمنع شعوبها من الاستماع إلى الدعايات التي تفتري عليهم والتي تثبط عزائمهم وتفرق كلمتهم، وتنفق في مقاومة مثل هذه الإذاعات الآلاف والملايين في بعض الأحيان. فهل دين الناس أقل قداسة وأهون مقاماً؟ لا يكفي في دفع ضرر هذا الكتاب وأمثاله أن تكلف الإِدارة الثقافية الدكتور الشيخ مُحَمَّدْ يوسف موسى بالتعليق على ما يراه مستحقاً للتعليق، فيعلق على بعضٍ ويهمل بعضاً, لأن السذّج والغافلين وقليلي الخبرة بتاريخ المسلمين - وليست لدينا وسيلة لمنع وصول الكتاب إلى أيديهم - إن قرءوا

стр. 131

ما في هذه الحواشي واقتنعوا به مرة فقد يهملونها وقد تستغويهم أباطيل الكتاب مرات. فما هي حاجتنا أصلاً إلى ترجمة مثل هذه المفتريات, أي فائدة تعود على العرب من نقل مثل هذا الكلام، حتى يَغُضُّوا الطرف عما فيه من الأذى؟ هل هذا مما يزيد العرب تماسكاً؟ أم هو مما يعينهم على النهوض؟ لماذا تُنقَل إلى لغتنا هذه الكتب التي تتكلم على نبينا ﵊ بوصفه مصلحاً لا نبياً، وقد كان من آثار هذه الدعايات - ولا أقول البحوث - أن افتتن بها جماعة من المسلمين فاتخذوها نموذجاً لبحوثهم الإِسلامية، وظنوا أن تجردهم من إسلامهم شرط لسلامة البحث وعلميته، كما زعم لهم طه حسين في كتابه (الشعر الجاهلي) الذي سيق بسببه إلى المحاكمة. وقد أصبح التاريخ الإِسلامي، بل الدراسات الإِسلامية في كل فروعها, لا تدرَّس في الجامعات العربية الآن على اختلافها إلا على هذا النمط الفاسد المفسد الهدام. إن طه حسين الذي بدأ حياته العلمية متهمًا في دينه، يتسلق إلى الشهرة بمخالفة كل مقدس مصون وكل مقرر ثابت، حين كان الِإلحاد بدعَ العصر يجاهر به الملحدون، ويتظاهر به صغار النفوس والعقول من الأدعياء، هذا الرجل نفسه هو الذي يشرف على اختيار مثل هذا الكتب لتترجم على نفقة العرب، وليثقفَ بها ناشئتهم ويشدَّ بها أزر جامعتهم. وأي جامعة قد بقيت للعرب، ولجنتُهم الثقافية تؤذي إيمان المؤمنين مسلمهم ومسيحيهم؟ تؤذي المسيحيين مرة وتؤذي المسلمين مرتين، تؤذيهم في نبيهم ﵊ مرة، وتؤذيهم في شخص المسيح الكريم ﵇ مرة أخرى، ثم تعتذر لهم عن جرأة المؤلف على الإِسلام وافترائه على نبيه الكريم بجرأته على اليهودية والمسيحية وافترائه على رسوليهما الكريمين (ص ٣١). فهل سمع الناس عذراً أقبح من هذا العذر الذي لا يصدر إلا عن جهول؟ هل يُعتَذر عن رجل سب أبي بأنه لم يسب أبي وحده، ولكنه سب آبائي كلَّهم أجمعين؟! وبعد، فإِني أستغفر الله لنفسي ولقارىء هذه المفتريات، فإِنما قصدت أن أضع بين يديه جسم الجريمة، ليرى رأي العين طه حسين يحمل أوزاره فوق ظهره، وليطالب الناس المسؤولين بكف أذاه إن كان فيهم بقية من غيرة على إسلامهم وعلى شخص نبيهم الطاهر الكريم.

стр. 132

- ٣ - في المؤتمَرَاتِ* بقي مما وعدت بالكلام عنه من النشاط الثقافي لجامعة الدول العربية الكلام عن المؤتمرات التي أعدت لها الإِدارة الثقافية وأشرفت عليها أو شاركت فيها. وحديث المؤتمرات في هذه الإِدارة حديث يثير العجب. فلو عرض القارئ ما سجلته هذه الِإدارة من نشاط المؤتمرات تحت عنوان (التعاون بين الإِدارة الثقافية واليونسكو والهيئات الثقافية الدولية - ص ٤٥ إلى ٥٣ من النشرة الثقافية ١٩٤٦ - ١٩٥٦) لخيل إليه أن هذه الإِدارة فرع من اليونسكو يعمل تحت سيطرته وتوجيهه. وسيطرة أمريكا - واليهود خاصة - على اليونسكو شيء لا أحتاج إلى أن أنبه له فهو مشهور معروف، يؤكده ما أثبتته النشرة الثقافية لجامعة الدول العربية في بيانها العام عن هذه المؤتمرات. فهي تستهدف السيطرة على توجيه الثقافة والتعليم في البلاد العربية. والترويج لآراء اجتماعية ومذاهب سياسية لا تخدم إلا مشاريع اليهود والغرب. فمن ذلك مؤتمر تبادل المدرسين بين البلاد العربية الذي انعقد في القاهرة سنة ١٩٥٦ بدعوة من اليونسكو (ص ٤٦)، ومؤتمر التعليم الثانوي في مصر الذي انعقد في مصر سنة ١٩٥٥ واشتركت في الدعوة إليه الجامعة الأمريكية بالقاهرة (ص ٤٩)، والحلقة التربوية التي دعت إليها الجامعة الأمريكية في بيروت سنة ١٩٥٤ وكان موضوعها "فلسفة تربوية متحدة في عالم عربي متحد" (ص ٥٠)، وحلقة دراسات التربية للتفاهم العالمي التي انعقدت في اليونسكو ببيروت سنة

стр. 133

١٩٥٥ ورأسها عبد العزيز القوصي (ص٥٠). فمثل هذه المؤتمرات لا يقصد بها إلا السيطرة على التعليم في العالم العربي، وتوجيهه وجهة لا دينية تؤدي إلى ضياع الجيل القائم والجيل القادم ضياعاً لا تقوم معه نهضة في هذه المنطقة، مما يمكن لليهود ولشيعتهم الذين يتولونهم من دول الاستعباد الغربي والأمريكان منهم خاصة، وذلك بترويج بعض الآراء والأساليب التربوية والنفسية المنحرفة الفاسدة. ومن هذه المؤتمرات ما يروِّج لأساليب أمريكية من التنظيم الاجتماعي تخفي في ثناياها مذاهب فكرية هدامة باسم العلم الحديث من ورائها اليهودية العالمية، مثل مؤتمر العلوم الاجتماعية الذي انعقد في دمشق سنة ١٩٥٤ بدعوة من اليونسكو لدراسة الشؤون الاجتماعية بالشرق الأوسط (ص ٤٨). فقد عني هذا المؤتمر عناية شديدة بالترويج لما يسمونه (علم الاجتماع) ووضع تعاليمه وأوهامه في مكان التقديس الذي كان يحظى به الدين، وإسلام المجتمع برمته إلى نفر من الناس لا يمت للثقافة الإِسلامية أو العربية بسبب، يُقدِّس تلك الأوهام التِي تشيع فيها سموم اليهودية العالية الهدامة ويتخذها دستوراً، ولا يعرف أصولاً يصدر عنها تفكيره وتشريعه سوى دعاواها. فالمؤتمر يحثُّ على تأليف الكتب المدرسية في علم الاجتماع. ويروِّج لأصحاب هذه الثقافات التي يتسع فيها المجال أمام ذوي الأغراض والهدامين، بالدعوة إلى (تأمين العمل للأخصائيين في الشؤون الاجتماعية، وضمان مستقبلهم المادي والأدبي)، كما يعمل على حماية الهدم والهدامين من كل صوت يرتفع للحد من نشاطهم الهدام باسم الدين في دعوته إلى (تأمين حرية الدرس والبحث والتفكير والتأليف في الشؤون الاجتماعية). ومن هذه الؤتمرات ما يتستر تحت اسم العلم والبحث، ولكنه لا يبحث المسائل في حقيقة الأمر إلا من زاوية تخدم اليهود خاصة، مثل الكلام (عن موقف الإِسلام من العنصرية - ص ٤٥). ومنها ما يدعم مشروعات الغرب السياسية مثل مؤتمر التضامن الثقافي والاقتصادي بين دول البحر الأبيض المتوسط الذي انعقد في باليرمو سنة ١٩٥٤. فالهدف الحقيقي من ورائه هو إقرار النفوذ الغربي في حوض هذا البحر، وربط دوله العربية بدول الاستعباد الغربية. فكل الذين يتحدثون عن رابطة البحر الأبيض وثقافة البحر الأبيض وحضارة البحر الأبيض - من طه حسين فنازلاً - كانوا يروجون لمشاريع فرنسا التي تعتبر شمال

стр. 134

إفريقية جزءاً لا يتجزأ منها. وقد زاحمتها إيطاليا وأسبانيا حيناً، ثم ورثتهم أمريكا جميعاً. فالكلام في هذا لا يقصد به إلا صرف العرب عن جامعتهم العربية وصِبْغَتِهم الإِسلامية. وأي رابطة بين فرنسا والمغرب سوى الدم المسفوك؟ وأي رابطة بين إيطاليا وطرابلس، وبين أسبانيا وريف مراكش، سوى ما يحفظه التاريخ من مظالمهم ومفاسدهم وما سفكوه من دماء الشهداء؟ وهل نسي العرب عمر المختار الشهيد؟ وأدَعُ ذلك كله مما لا سبيل إلى الخوض في تفاصيله, لأني لا أجد بين يدي نصوص ما دار في هذه المؤتمرات من مناقشات, لأنتقل إلى الكلام عن مؤتمر نشرت الجامعة العربية محاضر جلساته، وهو مؤتمر يتوسم القارئ الخير في عنوانه ولا يكاد يخطر له سوء الظن فيه ببال، وذلك هو (المؤتمر الأول للمجامع اللغوية العلمية - دمشق ١٩٥٦). اجتمع في هذا المؤتمر مندوبون من المجامع اللغوية العلمية في مختلف بلاد العرب. فشهده وقد من مجمع اللغة العربية في القاهرة، ووفد من المجمع العلمي العراقي، ووفد من المجمع العلمي العربي في دمشق، كما شهده مراقبون من الدول العربية التي لم تؤسس فيها مجامع وهي الأردن والسعودية ولبنان وليبيا وتونس. وشهده مع ذلك كله وقد يمثل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومندوب يمثل هيئة اليونسكو (شفيق شمَّاس). واللغة العربية التِى بحث هذا المؤتمر شؤونها هي أقوى ما تقوم عليه الوحدة العربية من الروابط، وهي الرابطة التي ارتفعت حتى الآن فوق كل مراء. فقد مارى أعداء العروبة زمناً في أن العرب ينتمون إلى جنس واحد، فسمعنا أصوات المنكرين من الشعوبيين دعاة الجاهلية الأولى بين فرعونية وفينيقية وآشورية وبابلية. وماروا حيناً في ارتباط القومية العربية بالاسلام فسمعنا من يزعم أن هذه الصبغة تنفر غير المسلمين من العرب. وظلت رابطة اللغة بعد ذلك تسمو على كل مِراء، لا ينازع منازغ في أنها هي الرباط الأقوى بين العرب. لذلك كان آخر ما يتوقعه القارئ في الكتاب الذي جمع ما ألقي في

стр. 135

هذا المؤتمر من بحوث أن يجد فيه ما يعين على توهين هذه الرابطة، أو تفريق المجتمعين عليها، من مثل الدعوات المريبة الهدامة إلى مسخ اللغة الفصحى أو تبديل قواعدها وخطها. ولكن واقع الأمر جاء مختلفاً عما يتوقعه القارئ وما يرجوه، فامتلأ الكتاب في مواضع مختلفة بالدعوة إلى العامية، وإلى تبديل الخط العربي، وقواعد النحو والصرف والبلاغة. إذا أعوزك أن تجد ذلك سافراً صريحاً فستجده مستوراً خفياً يلبس زي الناصح الغيور، في مثل مقال أحمد حسن الزيات عضو مجمع القاهرة عن (مجمع اللغة العربية بين الفصحى والعامية: ص ٨١ - ٨٨)، ومقال علي حسن مندوب الأردن (بين العربية الفصحى والعامية ص ١٨١ - ١٨٤)، ومقال أحمد عبد السلام مندوب تونس (الفصحى والعامية: ٢٠٢ - ٢١١)، ومحاضرة منير العجلاني عضو مجمع دمشق عن (أثر اللغة في وحدة الأمة ٢١٧ - ٢٧٧)، واقتراح إبراهيم مصطفى في (كتابة الهمزة والألف اللينة: ١٦٠ - ١٦٥)، ومقاله عن (تيسير قواعد اللغة العربية ١٦٦ - ١٧١)، ومقال طه حسين مدير الإِدارة الثقافية عن (تيسير القواعد في اللغة: ٢٢٨ - ٢٤٠). ولم يشذ عن هؤلاء إلا صوت واحد بدا وسط هؤلاء غريباً في دعوته إلى التزام الفصحى في المدارس وفي القضاء وفي الصحافة وفي المجالس النيابية، منبهاً إلى أن هذا هو السبيل الوحيد إلى علاج ما يسمونه "مشكلة الفصحى والعامية". ذلك هو صوت الأستاذ عارف النكدي عضو وقد مجمع دمشق في بحثه (اللغة العربية بين الفصحى والعامية: ٨٩ - ١٠٤). وسأعرض نماذج مما جاء في هذا الكتاب ليتأكد القارئ أني لا أتزيَّد في القول ولا أبالغ في التصوير ولا أتجنى على أحد. ثم أعود بعد ذلك إلى مناقشة بعض هذه الدعاوى العريضة التي انخدع بها كثير من السذج الغافلين. وقبل أن أشرع في ذلك أحب أن أبادر ببعث الطمأنينة إلى قلوب من أزعجتهم هذه المقدمة فأقول: إن المؤتمر قد رفض الأخذ بشيء من هذه الآراء المعوجة والدعوات السقيمة. ولكني أحب أيضاً أن أنبه إلى أن الداعين بهذه الدعوات قد استطاعوا أن ينفذوا إلى بعض قرارات المؤتمر، ويتركوا فيها أثراً من

стр. 136

سمومهم ومسحة من أمراضهم وأسقامهم تكشف عن الخطر الذي يتهدد حصوننا من داخلها. يروي أحمد حسن الزيات قصة مجمع اللغة العربية في القاهرة بين الفصحى والعامية، فيقول: إن المحافظين من شيوخ الأدب قد سيطروا عليه في أول نشأته، ثم انتهى زمامه إلى الكتاب والصحفيين الذين نبهوا المجمع إلى أهمية العامية وإلى خطورة جمود اللغة بتخلفها عن مسايرة الزمن (ص ٨١ - ٨٢). ويقدم مثالاً من جهود هؤلاء (المجددين) بالبحث الذي ألقاه أحدهم في دورة ٤٦ - ٤٧ عن موقف اللغة العامية من اللغة الفصحى (فدعا فيه إلى التساهل في بعض قواعد الإِعراب وعدم التشدد في قبول المستحدث من الألفاظ والأساليب التي تجري على كل لسان لكي (يسهل علينا تطوير الفصحى حتى تقترب من العامية)، ودعا كذلك إلى أن نشرع في دراسات عاميات الأقطار العربية المختلفة لإِقرار ما هو مشترك منها، سواء صح في معاجم اللغة وكتبها أو لم يصح (ص ٨٣ - ٨٤). وذكر الزيات أنه ألقى بعد ذلك بحثاً عن (الوضع اللغوي وحق المحدثين فيه) ذهب فيه إلى إباحة استعمال الموَلد، وإزالة السد القائم بين الفصحى والعامية، لكي ينتج (من تداخل اللغتين وتفاعلهما لغة تجمع بين محاسن هذه ومحاسن تلك- ص ٨٥)، كما اقترح التقريب الخلاف بين العامية والفصحى أن يفتح باب الوضع للمحدثين على مصراعيه .. وأن يُرَدّ الاعتبار على المولد ليرتفع إلى مستوى الكلمات القديمة، وأن يطلق القياس في الفصحى ليشمل ما قاسه العرب وما لم يقيسوه، وأن يطلق السماع من قيود الزمان والمكان ليشمل ما نسمع من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين والبنائين وغيرهم من كل ذي حرفة - ص ٨٥). ويقول الزيات: إن مجمع القاهرة قد أقر هذه المقترحات وأخذ في تطبيقها (١). أما علي حسن عودة مندوب حكومة الأردن فقد ظن أن هدف هذا المؤتمر هو (أن نقضي على اللغة العامية ونُحِل محلّها لغةَ تعبير وتخاطب عربيةً

стр. 137

فصيحةً سهلة التناول يستعملها الكبير والصغير, ويكون فيها الغناء في الحياة الاجتماعية في كافة مرافقها - ص ١٨١). وتصوُّر المسألة على هذا النحو خطأ كما سأبيّنه فيما بعد, لأنه غير ممكن ولا ميسور ولا هو مطلوب، ولأنه يخالف طبائع الأشياء. ويكاد القارئ أن يطمئن إلى سلامة قصد لم. لكاتب رغم خطأ تصوُّره حين يظن أن هدفه هو القضاء على العامية. ولكنه لا يلبث أن يتبين أن هدفه - في حقيقة الأمر هو اختراع لغة عربية جديدة ونشرها بين الناس بكل وسائل النشر (فإِن لدينا اليوم من الوسائل الحديثة ما يضمن النجاح لمجهود يبذل في سبيل ترقية لغة التخاطب في البلاد العربية ويضمن البقاء والتقدم أيضاً لكل لغة عربية فصيحة يتواضع عليها، تستوعب مصطلحات للمستجد من آثار العلوم والفنون- ص ١٨٢). وهو يقترح تبسيط اللغة واختصارها. كما يقترح على جامعة الدول العربية (أن تعنى بوضع معجم يسمى معجم العامة، أو غير ذلك من الأسماء، يكتفي فيه بالمفردات التي يحتاج إليها في كافة مرافق الحياة، وتحشد فيه أوضاع جديدة للدلالة على مستحدثات العصر الفنية المتداولة. ثم يلجأ في تعميم هذه اللغة العربية الفصيحة العامة إلى كل الوسائل الكفيلة بتعميمها ابتداء من المدارس الليلية التي يُحمَل العمال والمشتغلون في النهار على غشيانها، وفي المدارس الابتدائية التي يتكفل القائمون فيها بتعليم الأطفال في كتب خاصة تقيَّد مؤلفوها بألفاظ هذه اللغة، وبتعويد هؤلاء الأطفال التحدث بالفصيح المقترح فضلاً عن القراءة. ص ١٨٣ - ١٨٤). من الواضح أن هذا الرجل، يريد أن يخترع لغة فصيحة جديدة، ثم يدعو إلى تعميمها بتقييد مؤلفي الكتب الدرسية أن يكتبوا (بالفصيح المقترح)، أي أنه يلزمهم أن لا يستعملوا "الفصحى القديمة" التي يدعو إلى اختصارها واستبعاد غير المألوف من مفرداتها وإضافة ما يرى إضافته إليها. ولست أدري ما هو الحد الفاصل بين المألوف وغير المألوف في اعتباره؟ ومن هو الحكم في التمييز بينهما؟ هل هو الأمي الجاهل، أم هو المثقف من غير محترفي الأدب، أم هو الكاتب الممارس للكتابة في الصحف اليومية، أم هو

стр. 138

الشاعر والناقد، أم هو عالم اللغة؟ أليس الأسهل تعميم الفصحى القائمة الموجودة الموروثة بدل التواضع على فصحى جديدة نقيد بها الكتّاب والمؤلفين، مع وجود لغة متواضع عليها هي حقيقة قائمة ثابتة حية ماثلة فيما يتداول العرب جميعاً من كتب ومن صحف يلتقون ويلتقي معهم المسلمون من غير العرب عند فهمها والتعبير بها، وهي نفسها اللغة التي تفاهم بها العرب في مؤتمرهم هذا والتي عبر بها صاحب هذا الاقتراح العجيب ففهمنا وفهم كل الناس عنه؟. واقتراح أحمد عبد السلام مندوب حكومة تونس قريب من اقتراح مندوب حكومة الأردن السابق حتى لكأن شيطانهما واحد. فهو يقترح على المجامع اللغوية (أن تؤلّف لكل قطر معجمًا صغيراً لا يتضمن إلا الألفاظ العربية الفصيحة التي بقيت مستعملة بمعناها الأصلي في لغة ذلك القطر، وأن يوصى معلمو الأحداث والعامة بالاقتصار عليها قدر المستطاع (١) - ص ٢٠٨). واقتراحه هذا ينتهي إلى إيجاد لغات عربية متعددة تمثلها هذه المعاجم المقترحة التي تحيى دارس اللهجات وميت اللغات بعد أن جمع الله العرب - بل المسلمين - على فصحى القرآن. ويزيد في توسيع الهوة بين هذه المعاجم أن صاحب هذا الاقتراح يوصي بالتوسع في قبول الكلمات المولدة والدخيلة فيها، كما يوصي (لزيادة الخبرة بعربيتنا وبمدى حيويتها، أن يشتغل عدد من علمائنا باللغات العامية وأن يدرسوها دراسة دقيقة - ص ٢٠٩) وهو يخفي حقيقة أهدافه وخطورة آرائه بالقناع الذي يتقنع به طه حسين وشيعته حين يتظاهرون بعدائهم للعامية ثم يزعمون للناس أن هناك خطراً على العربية الفصحى أن يهجرها الناس إلى العامية إذا لم تخضع لما يسعون إليه من تطور مزعوم! والذي يفضح هؤلاء الناس ويكشف عن مصدر هذه الوساوس في نفوسهم وحقيقة الذي ألقى هذه الأوهام في رؤوسهم وحرَّك بها ألسنتهم ودفعهم إلى ترويجها هو أنك تجد فريقاً منهم يفكرون بالانجليزية أو بالفرنسية

стр. 139

ثم يترجمون تفكيرهم إلى العربية. تجد ذلك في محاضرات أنيس فريحة عن (اللهجات وأسلوب دراستها)، التي نشرها معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية، حين يفكر للغة العربية باللغة الانجليزية ويريد أن يُلبِس لغتنا أثواباً لم تُقَدَّ على قَدِّها ولم تجُعَل لها، إذ يُثبِت الاصطلاح الإِنجليزي ثم يصطنع له اصطلاحاً عربياً يقابله. وتجده كذلك في محاضرة منير العجلاني التي ألقاها في مؤتمرنا هذا عن (رابطة اللغة والأمة ص ٢١٧ - ٢٢٧)، حين يصب تفكيره في قوالب فرنسية، فلا يكاد يأخذ في تعريف الدولة أو الحكومة أو الأمة أو الشعب أو أثر اللغة في وحدة الأمة حتى يبني كلامه على رأي لهريو أو رينان أو ماتسيني أو فلان وفلان من أصحاب المذاهب الغربية عموماً والفرنسية بخاصة. ومنير العجلاني هذا لا يعترف بأن الإِسلام رحِمٌ وصلةٌ بين المسلمين وأنه جامعة من أوثق الجامعات, لأنه يجري في تعريف القومية العربية على قياسها بمقاييس أوروبا اللادينية التي روّجها اليهود منذ الثورة الفرنسية اليهودية. يقول عند كلامه عن الدين بوصفه عنصراً من مقوِّمات القومية: (كان الدين في العصور الوسطى يجمع الشعوب ويفرقها, ولكن أثره في تكوين الأمم تضاءل في الزمان الحاضر. وربما أسقطه غلاة القومية من حسابهم - ص ٢٢٤). وترديد المحاضر لاصطلاح "العصور الوسطى" هو أثر من آثار الاستعباد الغربي الذي يخضع له تفكيره. فتعبير "العصور الوسطى" تعبير أوروبي يقترن في أذهان أصحابه بالتخلف والهمجية؛ لأنه يقترن بالظلم والنظام الإِقطاعي وبالرق وباستبداد الكنيسة وطغيانها. والذين يفكرون برؤوس الأوربية يستعملون هذا الاصطلاح بمعناه ذاك، رغم الاختلاف الواضح بين ظروفنا وظروفهم. فالعصور الوسطى تقابل عندنا عصر الرسالة المحمدية وأزهى عصور الإِسلام. فهي بالقياس إلى العربي وإلى المسلم عصر النور والمجد والعدل، في الوقت الذي يعتبرها الأوروبي عصر الظلام والظلم والتخلف. أليس ذلك ضرباً من ضروب الاستعباد الفكري، وهو شر ألوان الاستعباد، بل هو أخطر ما خلفه الاستعباد الفرنسي والاستعباد الإِنجليزي في الشعوب الإِسلامية التي استعبدوها.

стр. 140

ذلك هو مجمل ما عرضه أصحاب ذلك المشكل الذي توهموه فابتدعوه، وزعموه ثم أوجدوه، بين العامية والفصحى. أما الاقتراحات التي تدعو إلى مسخ قواعدنا في اللغة وفي النحو وفي الإِملاء والخط، فقد جاءت على لسان طه حسين، وصفيِّه إبراهيم مصطفى الذي صدع بوحيه حين ألف منذ عشرين عاماً كتاباً ميتاً في النحو سماه "إحياء النحو". ألقى طه حسين محاضرة دعا فيها إلى العدول عن قواعد النحو الثابتة المتدارسة التي اجتمع عليها العرب والمسلمون زاعمًا أنها لم تعد صالحة وأنها هي السبب في ضعف الطلاب وتخلفهم (٢٢٨ - ٢٤٠). وتقدم إبراهيم مصطفى باقتراحين، أحدهما في (كتابة الهمزة والألف اللينة: ص ١٦٠ - ١٦٥) دعا فيه إلى توحيد الصور الكتابية للهمزة، والآخر في (تيسير قواعد النحو: (ص ١٦٦ - ١٧١) مهد به لاقتراحات تيسير النحو والصرف: (ص ١٧٢ - ١٨٠) المقدمة باسم مجمع القاهرة والتي تحمل طابع إبراهيم مصطفى المعروف في (إحياء النحو)، الذي دعا فيه إلى تبويب جديد للنحو من ابتكاره. وقد سحب إبراهيم مصطفى اقتراح الهمزة قبل أن ينظر في جلسة المؤتمر العامة، ويبدو أنه لم يجد الظرف مهيأ لقبوله فخشي أن يتخذ قرارٌ برفضه وآثر أن يدع الباب مفتوحاً حتى يستطيع هو أو آخرُ من عصابته العودة إلى ذلك في فرصة أكثر ملاءمة. أما مقترحات تيسير النحو فقد قرر المؤتمر في شأنها أنه (نظر في مقترحات تيسير النحو التي أعدتها وزارة التربية والتعليم في مصر فوجد بعد دراستها أنها تحتاج إلى زيادة في البحث والتمحيص، وقرر تاجيل النظر فيها إلى مؤتمر آخر: (ص ٢٧٨). وقد كنت أرجو أن يقضي فيها المؤتمر قضاءاً حاسمًا صريحاً يقرر فيه فسادها وضررها, لأن هذا القرار الذي يظهر فيه نفوذ دعاة الهدم والتبديل لم يمنع القائمين على برامج التدريس في مصر من أن يضعوا هذه المقترحات الفاسدة موضع التنفيذ. وبعد، فقد شغل هؤلاء المحاضرون والقترحون بمشاكلهم الوهمية ما يقرب من نصف وقت المؤتمر (١). على أن أكثر ما جاء في مقالاتهم بضاعة

стр. 141

مزجاة بارت في كل سوق، وكلام معاد مكرر ليس فيه جديد. ولكن أصحاب هذه المذاهب المنحرفة يعتمدون في أسلوبهم على أن الناس إذا تكرر سماعهم للباطل أوشكوا أن يصدقوه. لذلك فهم يكررون القول حيناً بعد حين ودفعةً بعد فترة، ولا يَنْضَبُ لهم مَعين في إلباس مقالهم أليق الأثواب بالمقام وعرضه من جوانب جديدة تقرِّبه من نفوس الناس. وهم لا يسأمون من هذا التكرار, لأنهم يعرفون أنهم يخاطبون في كل مرة جيلاً جديداً غير الذي سمعهم من قبل. وقد ينجحون في إغواء بعض من ضاقت عنه حيلهم من قبل. وهم يعتمدون مع ذلك كله على أفراد عصابتهم ممن وصلوا إلى مراكز تسمح لهم بمدِّ يد العون في ترويج هذه الدعاوى وفي وضعها موضع التنفيذ، وفيهم من يشغل مراكز خطيرة تسمح لهم بالسيطرة على الصحافة والإِذاعة ووزارات التعليم والجامعات. لذلك كان فرضاً لازماً على كل عارف بحيلهم أن لا يمل من تكرار الرد عليهم ركوناً إلى أنه قد أذاع الرد من قبل، حتى لا تنفرد دعاياتهم المفسدة بالشباب فتستأثر به ثم لا يجد ما يصححها وينتشله من تيارها ويبطل فعل سمومها. وأول ما يلفت النظر في هذه الكلمات والمقترحات ما أنحدرت إليه مجامع اللغة العربية - ومجمع القاهرة منها بخاصة - من ترويج الدعوات المريبة إلى تطوير اللغة وقواعدها ورسمها. وهو تطوير يختلف أصحابه في تسميته، ولكنهم لا يختلفون في حقيقته. يسمون تارة تهذيباً وتارة تيسيراً وتارة إصلاحاً وتارة تجديداً، ولكنهم في كل الأحوال وعلى اختلاف الأسماء يعنون شيئاً واحداً هو التحلل من القوانين والأصول التي صانت اللغة خلال خمسة عشر قرناً أو يزيد، فضمنت لجيلنا وللأجيال القبلة أن تسرح بفكرها وتمرح في معارض فنون القول وآثار العبقريات الفنية والعقلية لا تحس قيود الزمان ولا المكان، فكأنما القرآن قد أنزل فينا اليوم وكأنما شعراء العربية وفقهاؤها وفلاسفتها وكتابها وأطباؤها ورياضيوها وطبيعيوها وكيميائيوها على اختلاف أزمانهم قد كتبوا ما كتبوا وألّفوا ما ألّفوا في الأمس القريب، وكأنما المتنبي أو البحتري يخاطب جيلنا لا تمييز بينه وبين شاعرٍ معاصر كالبارودي أو شوقي أو حافظ، وكأنما الرصافي يكتب شعره للقاهريين، وكأنما الشابي يكتب شعره

стр. 142

للشآميين، وكأنما شوقي يخاطب بشعره أهل المغرب. وهذه ميزة منّ الله بها علينا ولم تحظ بمثلها أمة من الأمم. فإِذا تحللنا من القوانين والأصول التي صانت لغتنا خلال هذه القرون المتطاولة تبلبلتْ الألسن وأضاف كلُّ يوم جديد تطلع على الناس شمسُه مسافةً جديدة توسِّع الخُلْفَ بين المختلفين، حتى يصبح بين الشآمي والمغربي مثلُ ما بين الايطالي والأسباني، وتصبح عربية الغد شيئاً آخر يختلف كل الاختلاف عن عربية القرن الأول، بل عربية اليوم والأمس القريب، وتصبح قراءة القرآن والتراث العربي والإِسلامي كلِّه متعذرة على غير المتخصصين من دارسي الآثار ومفسري الطلاسم. وعند ذلك يصبح كل جهد سياسي أو حربي أو أدبي مما يبذل اليوم في جمع شمل العرب وتدعيم القومية العربية عبثاً لا طائل تحته, لأنه كالنفخ في قربة مقطوعة أو بناء القلاع فوق الرمال أو الارتفاع بالأبراج التي تناطح السحاب على غير أساس. وليس الخطر الكبير في الدعوة إلى العامية، ولا هو في الدعوة إلى الحروف اللاتينية، أو الدعوة إلى إبطال النحو وقواعد الإِعراب أو إسقاط بعضها، فالداعون بهذه الدعوات من صغار الهدامين ومغفليهم الذين ليس لهم خطر العتاة ممن يعرفون كيف يخدعون الصيد بإِخفاء الشِّراك. وكيف يستدرجون الناس بتزوير الكلام. إن الخطر الحقيقي هو في الدعوات التي يتولاها خبثاء الهدامين ممن يخفون أغراضهم الخطيرة ويضعونها في أحب الصور إلى الناس، ولا يطمعون في كسب عاجل، ولا يطلبون انقلاباً كاملاً سريعاً. الخطر الحقيقي هو في قبول مبدأ التطوير نفسه. لأن التسليم به والأخذ فيه لا ينتهي إلى حدٍّ معينٍ أو مدى معروف يقف عنده المُطوِّرون، ولأن التزحزح عن الحق كالتفريط في العرض، فالذي يقبل التزحزح عن الحق قيد أنملة مرة واحدة يهون عليه أمثالها مرة ثم مرات حتى يسقط إلى الحضيض. ومن اعتراه شك في حقيقة ما يراد بقرآننا وبلغته وبإِسلامنا وكل تراثه فليقرأ قول طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر": (وفي الأرض أمم متدينة كما يقولون، وليست أقل منا إيثاراً لدينها ولا احتفاظاً به ولا حرصاً عليه، ولكنها تقبل في غير مشقة ولا جهد أن تكون لها لغتها الطبيعية المألوفة التي تفكر بها وتصطنعها لتأدية أغراضها, ولها في الوقت نفسه لغتها الدينية الخالصة التي

стр. 143

تقرأ بها كتبها المقدسة وتؤدي فيها صلواتها. فاللاتينية مثلاً هي اللغة الدينية لفريق من النصارى، واليونانية هي اللغة الدينية لفريق آخر، والقبطية هي اللغة الدينية لفريق ثالث، والسريانية هي اللغة الدينية لفريق رابع (١) .. وبين المسلمين أنفسهم أمم لا تتكلم العربية ولا تفهمها ولا تتخذها أداة للفهم والتفاهم، ولغتها الدينية هي اللغة العربية، ومن المحقق أنها ليست أقل منا إيماناً بالاسلام وإكباراً له وذياداً عنه وحرصاً عليه - الفقرة ٤٦ ص ٢٢٩ - ٢٣٠ من طبعة المعارف ١٩٤٤). فإِذا وَعَى القارئ هذا القول وما وراءة فليُلْق بكل ما سواه في وجه صاحبه, لأنه ضرب من النفاق، وأسلوب في الكيد. على أن تقديس لغة القرآن والتزامَ أصولها وقواعدها وأساليبها لم يكن في يوم من الأيام داعياً إِلى تحجر اللغة، وجمود مذاهب الفن فيها، ووقوفها عند حدٍّ تعجز معه عن مسايرة الحياة، كما يشنع به الهدامون ويخدعون به الأغرار وصغار العقول وقصار الهمم. فليس التطور نفسه هو المحظور، ولكن المحظور هو أن يخرج هذا التطور عن الأساليب المقررة المرسومة. وذلك يشبه تقيد الناس في حياتهم الاجتماعية بقوانين الدين والأخلاق. فليس يعني ذلك أنهم قد استُعبِدوا لهذه القوانين، وأنها قد أصبحت تَحُول بينهم وبين مسايرة الحياة أو الاستمتاع بخيراتها ولذائذها. ولكنه يعني أنهم يستطيعون أن يَغْدُوا وأن يروحوا كيف شاءوا، وأن يستمتعوا بخيرات الدنيا وطيباتها ويتصرفوا في مسالكها ويمشوا في مناكبها، كلُّ ذلك في حدود ما أحَل الله، وكل ذلك مع التزام الوقوف عند حدود الله. كذلك اللغة، وضع اللغويون والنحاة والبلاغيون لها حدوداً طابقوا بها مذهب القرآن وكلام العرب وتركوا للناس من بعد أن يستحدثوا ما شاءوا من أساليب، وأن يتصرفوا فيما أرادوا من أعْراض، وأن يجددوا ما أحبوا مما يشتهون ومما تتفتق عنه عبقرياتهم. ولكن كل ذلك لا ينبغي أن يخرج بهم عن الحدود المرسومة. فماذا في ذلك غيرُ ضمان

стр. 144

الاستقرار والحرص على جمع الشمل؟ وهل عاق ذلك عرب بغداد وعرب الأندلس عن الافتنان في القول وفي مذاهب الفن؟ وهل ضاقت معه عربية البدو عن الاتساع لما نقل العرب وما استحدثوا من معارف وعلوم؟. أما ما جاء على لسان بعض المشتركين في هذا المؤتمر مثل أحمد حسن الزيات (ص ٨١ - ٨٨). ومنصور فهمي (ص ٢٤١ - ٢٥٦) في تصوير انحراف مجمع اللغة العربية عن القصد فليس إلا قليلاً من كثير. ومن شاء فليرجع إلى مجلة المجمع ليرى صورة أوضح وأكثر تفصيلاً لما يُهدَر من جهد في الكلام عن العامية وعن مسخ الخط العربي وقواعد النحو. أليس ذلك عجباً من العجب؟ وأعجب منه أن يصير إلى مركز القيادة في ذلك الحصن رجل يشهد ماضيه الثابت المسجَّل فيما نُشِر على الناس من صحف أنه كان حرباً على الجامعة الإِسلامية وعلى الجامعية العربية لا يراهما إلا وهماً من الأوهام، وأنه كان أول من رفع صوته بالدعوة إلى تمصير اللغة العربية. ألمثل هذه الغاية يَعمَل مجمع القاهرة وقد دارت الأيام واستقام عِوَجُ الزمان؟ أما ما زعمه علي حسن عوده مندوب حكومة الأردن في المؤتمر - أو ما تخيله - من أن هدفنا هو توحيدُ العامية والفحصى وجعلهما لغة واحدة فهو خطأ أساسي في تصور الموضوع. فليس مطلوباً أن تصبح لغة الحديث والأسواق والتعامل بين الناس هي نفُسها لغةَ الشعر والأدب والعلم والفلسفة, لأن التعامل يحتاج إلى لغة سريعة الوفاء بالغرض، ولكنه لا يحتاج إلى لغة دقيقة كحاجة العلم إليها, ولا يحتاج إلى لغة جميلة مؤثرة كحاجة الشعر والأدب عموماً إليها. إذ يكفي في لغة التعامل أن يَفهم بعضُ الناس عن بعض من أقرب طريق وأخصره. وقد يستعين المتعاملون على إتمام ما في العامية من قصور بإِشارات اليدين وبتلوين نغمة الكلام وتنويعها، وبالتعبير بقسمات الوجه. ومن الواضح أن لغة الأسواق لا تناسبها لغة راقية معقدة التركيب - ككل ما هو راق، فالبساطة تلازم الحالات الفطرية الساذجة - لأن قواعد اللغة الراقية تضيع وقت المتعاملين الذين لا يحتاجون للدقة أو الجمال حاجتهم إلى السرعة. فاستعمالهم الفصحى في التعامل يشبه استعمال الموازين الدقيقة التي يوزن بها الذهب والأحجار الكريمة في وزن الخبز والملح،

стр. 145

أو استعمال المقاييس الهندسية الدقيقة في قياس الأقمشة ومسح الطرقات، فهو إسراف في التأنق وبعثرةٌ للجهد وتضييع للوقت، لا يصبر عليه البائع ولا المشتري. ثم إن اللغة الراقية التي تنظمها القواعد لا تصلح لحاجات الحياة اليومية من وجه آخر. فقواعد اللغة الفصحى تجعل تطورها بطيئاً وصعباً، بينما لغة التعامل والأسواق تسد حاجات متغيرة يطرأ عليها كل يوم جديد لم يكن بالأمس. أما لغة الأدب فهي سجل لحالات عقلية ونفسية ثابتة متصلة، من الخير أن نحرص فيها على صلة الخلف بالسلف إلى أبعد مدى ممكن، لكي ينتفع بتجاربه فيزداد بذلك علماً ودرايةً ومتعة وذوقاً. فنحن نقرأ ما كتب في الأدب منذ آلاف. السنين فنجد فيه صورة من تفكيرنا الراهن ومن أحاسيسنا الحية. ولذلك فالأدب محتاج إلى لغةٍ أكثر استقراراً لتحقيق هذه الصلات بين القديم والجديد. وهو يحتاج إلى لغة مُصَفاة منتقاة، للكلمات فيها وللعبارات تاريخ وظلال تعوِّض بعض ما في اللغة من قصورٍ في التعبير عن مكنونات النفس وخطرات الفكر. فاللغة محدودة بكلمات المعاجم، أما الأحاسيس والأفكار التي يموج بها عالم النفس والعقل فهي خفيّة متعددة متجددة لا تكاد تدخل تحت حصرٍ في تنوعها وفي دقة الفوارق بين بعضها وبين البعض الآخر. لذلك كان لا بد للأديب أن يستعين على إتمام قصور اللغة هذا باستغلال خصائص الكلمات الصوتية واستغلال ظلال الكلمات مفردةً ومركبة. وإنما تنشأ ظلال الكلمات مما ترتبط به في تاريخها الطويل من استعمالات ومما في طبيعة تركيبها الصوتي من أسرار. وذلك كله لا يتوافر إلا في الكلمات التي صفّاها طول الاستعمال فأثبت بقاؤها على تقلب الظروف والأحوال والأزمان صلاحيتها للبقاء، والتي صقلتها ألسن القائلين وآذان السامعين وأذواق النقاد، والتي شحنها وأغناها ما تراكم حولها من المعاني والأطياف التي تقلبت بينها في تنقلها الطويل عبر التاريخ. من ذلك كله يتضح أن لغة الأسواق شيء وأن لغة الأدب شيء آخر. وكلٌّ منهما صحيحة في ميدانها. فهما كلباس المصنع أو المهنة ولباس المسجد أو المحافل، يتخذهما العامل ويقتنيهما جميعاً، ولكنه يستعمل كلاً منهما في موضعه، فلا يلبس للمصنع لباس المسجد والمحافل، ولا يلبس للمساجد
следующие страницы →