مزجاة بارت في كل سوق، وكلام معاد مكرر ليس فيه جديد. ولكن أصحاب هذه المذاهب المنحرفة يعتمدون في أسلوبهم على أن الناس إذا تكرر سماعهم للباطل أوشكوا أن يصدقوه. لذلك فهم يكررون القول حيناً بعد حين ودفعةً بعد فترة، ولا يَنْضَبُ لهم مَعين في إلباس مقالهم أليق الأثواب بالمقام وعرضه من جوانب جديدة تقرِّبه من نفوس الناس.
وهم لا يسأمون من هذا التكرار, لأنهم يعرفون أنهم يخاطبون في كل مرة جيلاً جديداً غير الذي سمعهم من قبل. وقد ينجحون في إغواء بعض من ضاقت عنه حيلهم من قبل. وهم يعتمدون مع ذلك كله على أفراد عصابتهم ممن وصلوا إلى مراكز تسمح لهم بمدِّ يد العون في ترويج هذه الدعاوى وفي وضعها موضع التنفيذ، وفيهم من يشغل مراكز خطيرة تسمح لهم بالسيطرة على الصحافة والإِذاعة ووزارات التعليم والجامعات. لذلك كان فرضاً لازماً على كل عارف بحيلهم أن لا يمل من تكرار الرد عليهم ركوناً إلى أنه قد أذاع الرد من قبل، حتى لا تنفرد دعاياتهم المفسدة بالشباب فتستأثر به ثم لا يجد ما يصححها وينتشله من تيارها ويبطل فعل سمومها.
وأول ما يلفت النظر في هذه الكلمات والمقترحات ما أنحدرت إليه مجامع اللغة العربية - ومجمع القاهرة منها بخاصة - من ترويج الدعوات المريبة إلى تطوير اللغة وقواعدها ورسمها. وهو تطوير يختلف أصحابه في تسميته، ولكنهم لا يختلفون في حقيقته. يسمون تارة تهذيباً وتارة تيسيراً وتارة إصلاحاً وتارة تجديداً، ولكنهم في كل الأحوال وعلى اختلاف الأسماء يعنون شيئاً واحداً هو التحلل من القوانين والأصول التي صانت اللغة خلال خمسة عشر قرناً أو يزيد، فضمنت لجيلنا وللأجيال القبلة أن تسرح بفكرها وتمرح في معارض فنون القول وآثار العبقريات الفنية والعقلية لا تحس قيود الزمان ولا المكان، فكأنما القرآن قد أنزل فينا اليوم وكأنما شعراء العربية وفقهاؤها وفلاسفتها وكتابها وأطباؤها ورياضيوها وطبيعيوها وكيميائيوها على اختلاف أزمانهم قد كتبوا ما كتبوا وألّفوا ما ألّفوا في الأمس القريب، وكأنما المتنبي أو البحتري يخاطب جيلنا لا تمييز بينه وبين شاعرٍ معاصر كالبارودي أو شوقي أو حافظ، وكأنما الرصافي يكتب شعره للقاهريين، وكأنما الشابي يكتب شعره
стр. 142
للشآميين، وكأنما شوقي يخاطب بشعره أهل المغرب. وهذه ميزة منّ الله بها علينا ولم تحظ بمثلها أمة من الأمم. فإِذا تحللنا من القوانين والأصول التي صانت لغتنا خلال هذه القرون المتطاولة تبلبلتْ الألسن وأضاف كلُّ يوم جديد تطلع على الناس شمسُه مسافةً جديدة توسِّع الخُلْفَ بين المختلفين، حتى يصبح بين الشآمي والمغربي مثلُ ما بين الايطالي والأسباني، وتصبح عربية الغد شيئاً آخر يختلف كل الاختلاف عن عربية القرن الأول، بل عربية اليوم والأمس القريب، وتصبح قراءة القرآن والتراث العربي والإِسلامي كلِّه متعذرة على غير المتخصصين من دارسي الآثار ومفسري الطلاسم. وعند ذلك يصبح كل جهد سياسي أو حربي أو أدبي مما يبذل اليوم في جمع شمل العرب وتدعيم القومية العربية عبثاً لا طائل تحته, لأنه كالنفخ في قربة مقطوعة أو بناء القلاع فوق الرمال أو الارتفاع بالأبراج التي تناطح السحاب على غير أساس.
وليس الخطر الكبير في الدعوة إلى العامية، ولا هو في الدعوة إلى الحروف اللاتينية، أو الدعوة إلى إبطال النحو وقواعد الإِعراب أو إسقاط بعضها، فالداعون بهذه الدعوات من صغار الهدامين ومغفليهم الذين ليس لهم خطر العتاة ممن يعرفون كيف يخدعون الصيد بإِخفاء الشِّراك. وكيف يستدرجون الناس بتزوير الكلام. إن الخطر الحقيقي هو في الدعوات التي يتولاها خبثاء الهدامين ممن يخفون أغراضهم الخطيرة ويضعونها في أحب الصور إلى الناس، ولا يطمعون في كسب عاجل، ولا يطلبون انقلاباً كاملاً سريعاً. الخطر الحقيقي هو في قبول مبدأ التطوير نفسه. لأن التسليم به والأخذ فيه لا ينتهي إلى حدٍّ معينٍ أو مدى معروف يقف عنده المُطوِّرون، ولأن التزحزح عن الحق كالتفريط في العرض، فالذي يقبل التزحزح عن الحق قيد أنملة مرة واحدة يهون عليه أمثالها مرة ثم مرات حتى يسقط إلى الحضيض. ومن اعتراه شك في حقيقة ما يراد بقرآننا وبلغته وبإِسلامنا وكل تراثه فليقرأ قول طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر": (وفي الأرض أمم متدينة كما يقولون، وليست أقل منا إيثاراً لدينها ولا احتفاظاً به ولا حرصاً عليه، ولكنها تقبل في غير مشقة ولا جهد أن تكون لها لغتها الطبيعية المألوفة التي تفكر بها وتصطنعها لتأدية أغراضها, ولها في الوقت نفسه لغتها الدينية الخالصة التي
стр. 143
تقرأ بها كتبها المقدسة وتؤدي فيها صلواتها. فاللاتينية مثلاً هي اللغة الدينية لفريق من النصارى، واليونانية هي اللغة الدينية لفريق آخر، والقبطية هي اللغة الدينية لفريق ثالث، والسريانية هي اللغة الدينية لفريق رابع (١) .. وبين المسلمين أنفسهم أمم لا تتكلم العربية ولا تفهمها ولا تتخذها أداة للفهم والتفاهم، ولغتها الدينية هي اللغة العربية، ومن المحقق أنها ليست أقل منا إيماناً بالاسلام وإكباراً له وذياداً عنه وحرصاً عليه - الفقرة ٤٦ ص ٢٢٩ - ٢٣٠ من طبعة المعارف ١٩٤٤). فإِذا وَعَى القارئ هذا القول وما وراءة فليُلْق بكل ما سواه في وجه صاحبه, لأنه ضرب من النفاق، وأسلوب في الكيد.
على أن تقديس لغة القرآن والتزامَ أصولها وقواعدها وأساليبها لم يكن في يوم من الأيام داعياً إِلى تحجر اللغة، وجمود مذاهب الفن فيها، ووقوفها عند حدٍّ تعجز معه عن مسايرة الحياة، كما يشنع به الهدامون ويخدعون به الأغرار وصغار العقول وقصار الهمم. فليس التطور نفسه هو المحظور، ولكن المحظور هو أن يخرج هذا التطور عن الأساليب المقررة المرسومة. وذلك يشبه تقيد الناس في حياتهم الاجتماعية بقوانين الدين والأخلاق. فليس يعني ذلك أنهم قد استُعبِدوا لهذه القوانين، وأنها قد أصبحت تَحُول بينهم وبين مسايرة الحياة أو الاستمتاع بخيراتها ولذائذها. ولكنه يعني أنهم يستطيعون أن يَغْدُوا وأن يروحوا كيف شاءوا، وأن يستمتعوا بخيرات الدنيا وطيباتها ويتصرفوا في مسالكها ويمشوا في مناكبها، كلُّ ذلك في حدود ما أحَل الله، وكل ذلك مع التزام الوقوف عند حدود الله. كذلك اللغة، وضع اللغويون والنحاة والبلاغيون لها حدوداً طابقوا بها مذهب القرآن وكلام العرب وتركوا للناس من بعد أن يستحدثوا ما شاءوا من أساليب، وأن يتصرفوا فيما أرادوا من أعْراض، وأن يجددوا ما أحبوا مما يشتهون ومما تتفتق عنه عبقرياتهم. ولكن كل ذلك لا ينبغي أن يخرج بهم عن الحدود المرسومة. فماذا في ذلك غيرُ ضمان
стр. 144
الاستقرار والحرص على جمع الشمل؟ وهل عاق ذلك عرب بغداد وعرب الأندلس عن الافتنان في القول وفي مذاهب الفن؟ وهل ضاقت معه عربية البدو عن الاتساع لما نقل العرب وما استحدثوا من معارف وعلوم؟.
أما ما جاء على لسان بعض المشتركين في هذا المؤتمر مثل أحمد حسن الزيات (ص ٨١ - ٨٨). ومنصور فهمي (ص ٢٤١ - ٢٥٦) في تصوير انحراف مجمع اللغة العربية عن القصد فليس إلا قليلاً من كثير. ومن شاء فليرجع إلى مجلة المجمع ليرى صورة أوضح وأكثر تفصيلاً لما يُهدَر من جهد في الكلام عن العامية وعن مسخ الخط العربي وقواعد النحو. أليس ذلك عجباً من العجب؟ وأعجب منه أن يصير إلى مركز القيادة في ذلك الحصن رجل يشهد ماضيه الثابت المسجَّل فيما نُشِر على الناس من صحف أنه كان حرباً على الجامعة الإِسلامية وعلى الجامعية العربية لا يراهما إلا وهماً من الأوهام، وأنه كان أول من رفع صوته بالدعوة إلى تمصير اللغة العربية. ألمثل هذه الغاية يَعمَل مجمع القاهرة وقد دارت الأيام واستقام عِوَجُ الزمان؟
أما ما زعمه علي حسن عوده مندوب حكومة الأردن في المؤتمر - أو ما تخيله - من أن هدفنا هو توحيدُ العامية والفحصى وجعلهما لغة واحدة فهو خطأ أساسي في تصور الموضوع. فليس مطلوباً أن تصبح لغة الحديث والأسواق والتعامل بين الناس هي نفُسها لغةَ الشعر والأدب والعلم والفلسفة, لأن التعامل يحتاج إلى لغة سريعة الوفاء بالغرض، ولكنه لا يحتاج إلى لغة دقيقة كحاجة العلم إليها, ولا يحتاج إلى لغة جميلة مؤثرة كحاجة الشعر والأدب عموماً إليها. إذ يكفي في لغة التعامل أن يَفهم بعضُ الناس عن بعض من أقرب طريق وأخصره. وقد يستعين المتعاملون على إتمام ما في العامية من قصور بإِشارات اليدين وبتلوين نغمة الكلام وتنويعها، وبالتعبير بقسمات الوجه. ومن الواضح أن لغة الأسواق لا تناسبها لغة راقية معقدة التركيب - ككل ما هو راق، فالبساطة تلازم الحالات الفطرية الساذجة - لأن قواعد اللغة الراقية تضيع وقت المتعاملين الذين لا يحتاجون للدقة أو الجمال حاجتهم إلى السرعة. فاستعمالهم الفصحى في التعامل يشبه استعمال الموازين الدقيقة التي يوزن بها الذهب والأحجار الكريمة في وزن الخبز والملح،
стр. 145
أو استعمال المقاييس الهندسية الدقيقة في قياس الأقمشة ومسح الطرقات، فهو إسراف في التأنق وبعثرةٌ للجهد وتضييع للوقت، لا يصبر عليه البائع ولا المشتري. ثم إن اللغة الراقية التي تنظمها القواعد لا تصلح لحاجات الحياة اليومية من وجه آخر. فقواعد اللغة الفصحى تجعل تطورها بطيئاً وصعباً، بينما لغة التعامل والأسواق تسد حاجات متغيرة يطرأ عليها كل يوم جديد لم يكن بالأمس. أما لغة الأدب فهي سجل لحالات عقلية ونفسية ثابتة متصلة، من الخير أن نحرص فيها على صلة الخلف بالسلف إلى أبعد مدى ممكن، لكي ينتفع بتجاربه فيزداد بذلك علماً ودرايةً ومتعة وذوقاً. فنحن نقرأ ما كتب في الأدب منذ آلاف. السنين فنجد فيه صورة من تفكيرنا الراهن ومن أحاسيسنا الحية. ولذلك فالأدب محتاج إلى لغةٍ أكثر استقراراً لتحقيق هذه الصلات بين القديم والجديد. وهو يحتاج إلى لغة مُصَفاة منتقاة، للكلمات فيها وللعبارات تاريخ وظلال تعوِّض بعض ما في اللغة من قصورٍ في التعبير عن مكنونات النفس وخطرات الفكر. فاللغة محدودة بكلمات المعاجم، أما الأحاسيس والأفكار التي يموج بها عالم النفس والعقل فهي خفيّة متعددة متجددة لا تكاد تدخل تحت حصرٍ في تنوعها وفي دقة الفوارق بين بعضها وبين البعض الآخر. لذلك كان لا بد للأديب أن يستعين على إتمام قصور اللغة هذا باستغلال خصائص الكلمات الصوتية واستغلال ظلال الكلمات مفردةً ومركبة. وإنما تنشأ ظلال الكلمات مما ترتبط به في تاريخها الطويل من استعمالات ومما في طبيعة تركيبها الصوتي من أسرار. وذلك كله لا يتوافر إلا في الكلمات التي صفّاها طول الاستعمال فأثبت بقاؤها على تقلب الظروف والأحوال والأزمان صلاحيتها للبقاء، والتي صقلتها ألسن القائلين وآذان السامعين وأذواق النقاد، والتي شحنها وأغناها ما تراكم حولها من المعاني والأطياف التي تقلبت بينها في تنقلها الطويل عبر التاريخ.
من ذلك كله يتضح أن لغة الأسواق شيء وأن لغة الأدب شيء آخر. وكلٌّ منهما صحيحة في ميدانها. فهما كلباس المصنع أو المهنة ولباس المسجد أو المحافل، يتخذهما العامل ويقتنيهما جميعاً، ولكنه يستعمل كلاً منهما في موضعه، فلا يلبس للمصنع لباس المسجد والمحافل، ولا يلبس للمساجد
стр. 146
والمحافل لباس المصنع والمهنة. كذلك الشأن في لغة التعامل اليومي وفي لغة الأدب، تمتاز إحداهما من الأخرى حسب طبيعة كلٍّ منهما ووظيفتها. وهذه ظاهرة مطَّرِدة التحقق واللزوم في كل اللغات قديمها وحديثها، شرقيها وغربيها. فقد كان للناس دائمًا لغةٌ للأدب تختلف عن لغة الحديث والمساومة والتعامل منذ كان لهم أدب رفيع, لأن البدائيين وحدهم هم الذين يكتبون أدبهم بلغة الحديث. فإِذا تطور هذا الأدب وسما ارتفع عن لغة الحديث وخلَّف لغة الأسواق والتعامل وراءه. ولو اتخُذت لغةُ الأسواق لغةً للأدب على ما يريده الخادعون والمخدوعون، فتطورت وارتقت، لنشأ إلى جانبها حتمًا لغةٌ أخرى للأسواق تتحرر من قواعد اللغة الأدبية وقيودها، وتنزع عنها ما لا يُحتاج إليه مما يفيد الدقة أو الجمال حتى تُسعف البائع والمشتري والصانع والزارع والسائل والمسؤول من ناحية، ولكي تساير حاجات الحياة وشؤؤنها المتجددة من ناحية أخرى. وإذن لا نكون قد قَربنا بين اللغتين على ما يزعم أصحاب ذلك المذهب، ولكن كل ما نبوء به عند ذلك هو قطع الصلات بيننا وبين الماضي كله بما فيه من دين ومن علم ومن أدب ومن تاريخ ومن تجارب إنسانية متعددة، فهو بمثابة إعدام هذه السجلات الحافلة، مما يجعل مهمة الأحياء والأجيال القبلة صعبة جداً إلى درجة التعذر في تَقصِّي حقائق الأشياء وتأريخها.
ومع ذلك كله فالأدب بطبعه متعة عقلية وروحية. وهو بهذا الاعتبار ليس هواية شعبية. وليست الشكلة فيه هي مشكلة الألفاظ فحسب ولكنها مشكلة الأفكار والأخيلة التي تحتاج في تذوقها إلى مستوى ثقافي معين. فمهما نعمل على تيسير الألفاظ وجعلها في متناول عامة الناس فلن يستطيعوا إلا فهم ما يلائم عقولهم وثقافاتهم من الآداب السطحية التي لا تعبِّر عن أغوار الحقائق وأعماقها. ذلك هو المدلول الحقيقي لكلمة (الأدب الشعبي). فالأدب الشعبي لايتميز بلغته فحسب، ولكنه يتميز أولًا وقبل كل شيء بسطحيته في التفكير وبساطته التي تلائم السذج من البدائيين، ولكنها لا تشبع حاجات المثقفين وطلاب المعرفة من أصحاب الفكر الرفيع والذوق المرهف والمزاج الصافي الصقيل.
стр. 147
زعم رئيف أبو اللمع الأمين العام المساعد للشؤون الثقافية في مقدمة الكتاب (أن على اللغة أن تساير المجاري المتدفقة المسرعة من تحوير وتبديل وتعديل وتجديد، فإِذا لم تتبع اللغة العربية سُنَّةَ النشوء والارتقاء فقدت عناصر الحياة - ص ٢). وزعم الزيات عضو مجمع القاهرة أن إزالة السد القائم بين الفصحى والعامية سيقضي على (مساوئ الفصحى أو عُنْجُهِيَّتها فتموت كما يموت الحوشى المهجور من كل لغة - ص ٨٥)، والواقع أن هذا التطور الذي يتحدث عنه الأمين على ثقافة العرب حادث فعلاً، وهو يحدث كل يوم، ولكنه يحدث من تلقاء نفسه ولا تحُشد له المؤتمرات لتصطنعه.
والتطور على كل حال ينبغي أن يكون بالقدر الذي لا يقطع صلتنا بالماضي، وبالقدر الذي لا يُخشَى معه أن يتطور إلى قطع صلة الأجيال المقبلة بالجيل الماضي أيضاً بحيث يتحول قرآننا وحديثُ نبينا وفقهُ فقهائنا إلى طلسم لا يقرؤه إلا طبقة من الكهان يحتكرون تفسير الإِسلام. هذا التطور واقع، لأن حاجات الحياة تدفع إليه، فالناس مضطرون إلى التعبير عن أنفسهم وعن الحياة في مختلف نواحيها: في أدبهم وفي صحفهم وفي إذاعاتهم التي تحكي ما يجري في الحرب والسلم، وفي قصصهم وفي كتبهم العلمية التي تضطر إلى استحداث الألفاظ لما يُستحدث من آلات أو أدوات أو متاع، ومن كشوف جديدة أو حقائق أو نظريات. والمهم في ذلك كله هو أن يحرص العرب على استعمال لغتهم العربية في كل هذه الميادين، كما دعا إلى ذلك بحق وإخلاص عارف النكدي عضو الوفد السوري (ص ٨٩ - ١٠٤) وكما انتهى إليه المؤتمر في توصياته (ص ٢٧٨)، فتحرص الإِذاعات والصحف ومنابر العلم بعامةٍ والجامعات بخاصة والقضاءُ والمؤتمرات على اللغة الفصحى. هذا هو السبيل الطبيعي للتطور، وما عداه فهو وسائل صناعية لا تؤدي إلا إلى البلبلة، وهي جَعْجَعة بلا طحن. أما ما زعمه عضو مجمع القاهرة من موت الحوشي وتصفية اللغة وتنقيتها فهو لا يتوقف على تفاعل الفصحى مع العامية كما يزعمه. فالحوشي يموت بطبعه كما يذهب كل باطلٍ وكل ثقيل وكل مستهجن غير صالح, لأن الأدباء والشعراء والعلماء ينفرون من استعماله. وهؤلاء هم في الحقيقة - بما وُهبوا من ذوق - صُنَّاعُ اللغة. وهم الذين يقومون بمهمة
стр. 148
التصفية التي يتحدث عنها الكاتب. ومن وراء هؤلاء الأدباءِ والشعراء والعلماء الذوقُ العربي العام الممثَّل في جمهور القراء والرواة. فهم الذين يحكمون على الصالح بالبقاء لأنهم يتناقلونه خلفاً عن سلف، وينشرونه في الآفاق، بينما يحكمون على الساقط والسخيف الركيك بالموت, لأنهم يهملونه ولايكترثون له. وهؤلاء هم المحكمة الصادقة التي لا تخضع للأهواء، ولا يجوز عليها التزييف والتزوير.
وطه حسين ومَنْ ذهب مذهبه مثل مندوب حكومة تونس في هذا المؤتمر يوهمون الناس بأن هناك خطراً على العربية الفصحى أن يهجرها الناس إلى العامية إذا لم تخضع لما يريدونه من تطور (ص ٢٨٣، ٢٠٩). ويبني مندوب الحكومة التونسية على هذا الوهم أو الإِيهام اقتراحاً بأن (يشتغل عدد من علمائنا باللغات العامية وأن يدرسوها دراسة دقيقة - ص ٢٠٩) كما يقترح على المجامع اللغوية (أن تؤلف لكل قطرٍ معجمًا صغيراً - ص ٢٠٨). والذي يَنقض هذا الزعم الباطل من أساسه هو الواقع المشاهد في القديم السالف وفي الحاضر الراهن، الذي أثبت أن العربية قد عاشت جنباً إلى جنب مع هذه اللهجات المحلية أكثر من ألف عام حتى الآن.
فالخوف من إعراض أصحاب اللغة العربية عنها هو وهمٌ اخترعه هؤلاء المغرضون، أو اخترعه لهم سادتهم ثم قاموا هم بترويجه. وينقض هذا الوهم أو هذا الزعم أن العربية قد استطاعت أن تحيا خلال بيئات متفاوتة وعصور متطاولة ودرجات من الحضارة والمدنية أدناها البداوة وأعلاها ما وصلت إليه في بغداد والأندلس. استطاعت - وهي اللغة البدوية - أن تكفي حاجات ما جدَّ من علوم ودراسات. وظلت مع ذلك كله هي هي. نقرأ القرآن بعد أربعة عشر قرناً من نزوله فكأنه أُنزل اليوم، ونقرأ الجاحظ والمتنبي بعد ألف سنة أو أكثر فكأنما نقرأ لكتّابٍ ولشعراء معاصرين. وقد تجاورَت لغةُ الأدب الرفيعة ولغةُ الحديث العامية طوال هذه القرون على اختلاف البيئات فلم تَطْغَ إحداهما على الأخرى، ولم تنفر إحداهما من مجاورة صاحبتها. ومع ذلك فإِن هذا الخطر الموهوم المزعوم يكفي في دفعة - إنْ كان - أن تحُسِن الدولة القيام على تعليم العربية في مدارسها وأن تُلزِم باستعمالها في المجالس النيابية وفي دور القضاء
стр. 149
وفي الاذاعة وفي المحافل والمجامع على إختلافها. ولا أظنني محتاجاً إلى أن أنبه للخطورة التي ينطوي عليها اقتراح مندوب تونس. وما أظن أن أحداً سينخدع بما يبدو في ظاهر قوله من البراءة حين يتظاهر - مِثْلَ طه حسين - بأنه معارض في استعمال اللغة العامية للكتابة الأدبية، وحين يشترط في المعاجم المقترحة أن (لا تتضمن - إلا الألفاظ العربية الفصيحة التي بقيت مستعملة بمعناها الأصلي في لغة ذلك القطر - ص ٢٠٨). فالمهم في الأمر هو أن معاجم اللغة العربية سوف تختلف باختلاف بلاد العرب وأقطارهم، وأن المعجم التونسي والمعجم المصري والمعجم العراقي والمعجم الشامي والمعجم الحجازي والمعجم اليمني سوف تصبح بتنفيذ هذا الاقتراح حقيقة واقعة. وهذه المعاجم المقترحة نفسها سوف تصبح بدورها موضع تنقيح وتغيير وتعديل، وسوف ينأى بها كل تنقيح جديد عن أصلها الأول، حتى يتناكر المتعارفون ويتفرق المجتمعون ثم لا يُرجَى لصدْعهم رَأْب. ذلك هو الضمير المظلم الذي يبدأ بدعوةٍ خلابة براقة بريئة الظاهر إلى دراسة اللهجات والعناية بما يسمون تمويهاً على الشعوب بالآداب الشعبية.
وقد اعتمد طه حسين على هذا الأسلوب نفسه في الدعوة إلى تبديل النحو والخط حين قال (إنْ أبينا إلا أن نمضي كما كان النحو وكما كانت الكتابة فلا بد أن تنشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة كما نشأت الفرنسية والايطالية والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة - ص ٢٣٨). وهو يخدع الناس عن حقيقة ما يدعوهم إليه حين يعقب ذلك بقوله: (وبعد فلا أدعو أن تهجروا القديم مطلقاً، وعسى أن أكون من أشد الناس محافظة على قديمنا العربي، ولا سيما في الأدب واللغة. ولكن لمَ لا يكون النحو القديم والكتابة القديمة والبلاغة القديمة وكل هذه العلوم العربية التي أُنشئت في عصرٍ غير هذا العصر الذي نعيش فيه ... لم لا يكون هذا كله متطوراً كما تطورت اللغة؟ نحفظ قديمه لدرس المتخصصين في الجامعات وفي المعاهد وتتيح للملايين البائسة من الصبية والشباب أن يتعلموا تعلمًا قريباً سهلاً - ص ٢٣٨).
والعجيب في الأمر أن منصور فهمي يشيد بعد ذلك فيما أحصاه من
стр. 150
محاسن مجمع القاهرة بجهوده في (تيسير النحو والصرف والإِملاء) و (دراسة اللهجات العربية) و (تيسير الكتابة والخط). فهك أصبحت مهمة مجمع اللغة العربية في القاهرة هي دراسة اللهجات العامية وتبديلَ قواعد النحو والصرف والإِملاء والكتابة بحيث يصبح أي أثر من آثارنا طلسمًا من الطلاسم؟ بل بحيث يكون هذا نفسه هو مصير كل أثرٍ عربي معاصر لا يتبع مذهب مجمع القاهرة في التغيير والتبديل؟ وماذا يحدث إذا نهج مجمعنا في تيسير النحو والصرف والبلاغة على غير منهج المجامع العربية الأخرى؟ بل ماذا يحدث إذا اتفقت مجامع العرب على أشياء ورفضها المسلمون, لأن المسلمين إنما يدرسون هذه العلوم للاطلاع على مصادر دينهم، وهي جميعاً تستعمل اصطلاحات النحاة والبلاغيين التي يسمونها قديمة. وإذا انصرف الناس في مصر عن دراسة كتب (النحو القديم) و (البلاغة القديمة) كما يسميهما طه حسين وحزبه، وجَروا وراء كل ناعق يزعم أن القواعد القديمة معقدة، وذهب كل منهم مذهبه في استنباط قواعد جديدة، وتسمية المسمَّيات بأسماء مبتكرة فقدت الاصطلاحات قيمتها. فإِنما ترجع قيمة الاصطلاح إلى تواضع الناس عليه، فإِذا اختلف الناس فيه لم يعد اصطلاحاً. فإِذا قال أحدهم مثلاً (هذا فاعل) لم يفهم عنه الذي لا يسمي الفاعلِ فاعلاً لأنه قد ابتكر له اسمًا جديداً فسماه (موضوعاً) أو (أساساً) أو (مسنداً إليه) أو (ركناً). وإذا قال أحدهم هذا حال أو تمييز أو ظرف أو مفعول معه أو مفعول لأجله لم يفهم الآخر الذي لا يميز بين حالة من هذه الحالات لأنه يسميها جميعاً (تكملة). وقس على ذلك سائر قواعد النحو والبلاغة (١).
والنحو العربي - ولا أقول "النحو القديم" كما يسمون - ما عيبه؟ وهل هو حقاً كما يزعمون معقّد صعب، وهل ثبت فشله كما يزعمون في تنشئة جيل عربي يقيم عربيته ويحسن تذوقها؟ نَحوُنا وبلاغتنا لا عيب فيهما. ومن الممكن تبسيطهما واختصار المطولات المؤلفة فيهما في حدود القواعد والأقسام التي التزمها القدماء أنفسهم. فالواقع أن اجتماع الناس في كل أمصار العرب
стр. 151
- بل المسلمين - على قواعد موحدة، دون أن تحملهم على ذلك قوة قاهرة أو تلزمهم به سلطةٌ منفذة، أو تقوم على نشره دعاية تروِّجه وعصابات تسوق الناس إليه، هذا الاجتماع على قواعد موحدة في النحو والصرف والبلاغة بعد أن كانت مدارسها متعددة هو وحده الدليل الحي الذي لا يُنقَض على صلاحية هذه القواعد، وعلى أن هذه الدعوات إلى تغييرها بدعوى التيسير أو الِإصلاح هي دعوات مفتعلة يروجها هدامون وينساق وراءها مغفلون. ولو كان القصد هو التيسير حقاً لقنعوا بصنيع لجنة (حفني ناصف، ودياب، وطموم، ومحمود عمر، وسلطان مُحَمَّدْ) في كتاب (قواعد اللغة العربية لتلاميذ المدارس الثانوية)، الذي ظلت مدارسنا تتداوله سنين طويلة. فقد نجحت هذه اللجنة في حصر قواعد النحو والصرف والبلاغة في كتيِّب صغير لا يتجاوز مائة وأربعين صفحة، خال من التعقيد، يفي بحاجة التلاميذ والمتعلمين. وقد كان صنيع الجارم من بعد ذلك حسناً حين يسّر هذه القواعد ومهّد لها بالأمثلة الكثيرة، وأعان على إقرارها بالتمرينات المتعددة، وكان ذلك كله في حدود القواعد التي أثبتت ألف سنة صلاحيتها، والتي استطاع العرب بفضلها وحدها - ولا شيءَ سواها - أن يخرجوا في القرن الأخير هذا الجيش الضخم من الشعراء والأدباء والنقاد الذين بلغ بعضهم مستوى أندادهم الأقدمين في أزهى عصور الشعر والأدب العربي. وذلك من بعد أن أدرك الضعف العربية حتى كاد يدنيها من القبر. كيف وُجد البارودي وشوقي؟ وكيف نشأ مُحَمَّدْ عبده وطبقته من الكتاب؟ وكيف وُجد الرافعي والمنفلوطي؟ بل كيف وُجد المنادون بهذه البدع أنفسُهم أمثالُ طه حسين وإبراهيم مصطفى؟ كيف استقامت ألسنتهم وصحت أساليبهم؟ وذلك من بعد الركاكة التي تتمثل في كاتب كالجبرتي يُعتبر من أحسن كتّاب عصره؟ هل أتقن هؤلاء العربية عن طريق آخر غير قواعد النحو والصرف والبلاغة التي يزعم الزاعمون اليوم أنها معقدة وغير صالحة؟ فأيهما نصدِّق؟ هل نصدق واقعاً قائمًا ماثلًا راسخاً قديماً أثبتته ألف سنة وأعادت إثباته وتأكيده تجربة القرن الأخير؟ أم نصدق مزاعم لم نر من آثارها منذ ظهرت إلا الشر وإلا التدهور والانحطاط في مستوى تدريس العربية؟ إن انحطاط مستوى الجيل الحاضر في اللغة العربية أمر واقع، ولكن سببه ليس هو صعوبة القواعد (القديمة)، بل
стр. 152
إن سببه هو زعم الزاعمين أنها معقدة, لأنه قد صرف الناس عن إتقانها إلى التنقل بين تجارب فجة غير ناضجة، وأعان على إقرار ما يتوهمه التلاميذ والمدرسون من صعوبتها، بل اختلق هذا الوهم نفسه بعد أن لم يكن. والدليل على ذلك أن الجيل السابق لهذا الجيل - وهو جيل لا يزال كثير من أفراده أحياءاً - أحسنُ إتقاناً للعربية، رغم أنه قد نشأ في ظل الاستعباد الإِنجليزي وبرامجه، أو في ظل سياسة التتريك التي جُن بها دعاة الطورانية من الاتحاديين. وحَسْبُ الداعين بهذه الدعوة هزالاً وفشلاً ما اقترحوه على المدارس الإِعدادية في العام الماضي من قواعد بيِّنةِ الضعف والفساد والهزال، مما أرجو أن أعود للحديث عنه في غير هذا المقال. لم يزالوا يطبلون ويزمرون ويطنطنون ويهولون، فلما رأى الناس المولود الذي كانوا يبشرون به من قبل قالوا (تمَخَّضَ الجَبَلُ فَوَلَد فأراً).
ولكي ندرك خطر هذه الدعوات ونفهم حقيقة مغزاها لا بُدَّ لنا أن نقرنها إلى أمثالها. فننظر إليها في ظل ما نسمعه من الدعوة إلى تطوير عاداتنا وتقاليدنا، وتطوير أدبنا، شعرِه ونثره، شكلاً وموضوعاً وأسلوباً، وتطوير ألحاننا وأغانينا، وتطوير زِيِّناً نساءاً ورجالاً، وتطوير قِيَمنا ومُثُلنا الأخلاقية والاجتماعية، وتطوير تشريعنا بل تطوير إسلامنا نفسه. مَن أجال النظر في هذا كله وقرن بعضه إلى بعض عرف أن أصل هذه الفروع واحد، وأن روح الدعوة فيها جميعاً واحدة، وأن أصحابها لا يقنعون إلا بقطع كل ما يربطنا بإِسلامنا وعروبتنا وشرقيتنا من وشائج وصلات. عند ذلك نفقد طابعنا الذي يميزنا بوصفنا جماعة أو قوماً أو أمة. وإذا فقدنا طابعنا فقدنا كياننا، وفقدنا القدرة على التكتل والتجمع، وأصبح من اليسير على الشرق أو الغرب أو كائناً مَنْ كان من خلق الله أن يلحقنا به ويجعلنا تابعين له، ندور في فلكه ونسبِّحُ بحمده من دون الله.
والقائمون على ترويج هذه الدعوات كالجراثيم، تكمن حين تأنس من الجسم مقاومة حتى يظن المريض أن الداء قد ذهب عنه، ولكنها تتحصن في واقع الأمر حتى تجد فرصة أخرى ملائمة للظهور فتثور. وقد نشط أصحاب هذه الدعوات في السنوات الأخيرة, لأنهم يعرفون أن الثورات هي أكثر
стр. 153
الظروف ملاءمة لبث سمومهم، إذ يلبسون ثياب الناصحين، ويندسون في غمار الثائرين الذين يريدون أن يستبدلوا بأسباب الضعف والفساد أسباباً للحياة والقوة والبناء، كما يندس المخرِّبون والمأجورون من عملاء العدو وسط جموع المظاهرات يحطمون المصابيح ويحرقون المنشآت، فيقلدهم غيرهم في صنيعهم دون تمييز بين ما يصلح تحطيمه وما يضر تحطيمه.
بقي بعد ذلك كله أن أشير إشارة موجزة إلى مصدر هذه الدعوة، كيف بدأت ومن أين ثارت، فقد يعين ذلك على تقديرها وعلى تصور مبلغ ما تنطوي عليه من الصدق والِإخلاص والجراءة من الهوى. لم يُسمَع لداعٍ بهذه الدعوة صوتٌ قبل القرن الأخير. وكل ما كان قبل ذلك من إشارة إلى العامية أو ما كان يسميه قدماء المؤلفين (خطأ العوام) فقد كان المقصود منه تقويم اللسان والتنبيه إلى الخطأ، لا الاحتفاء بألفاظ العامة وأساليبهم وتسجيلها والدعوة إلى معارضة لغة القرآن بها. فالدعوة لم تنشأ إلا في ظل استعباد الغرب لبلاد العرب والمسلمين وفي حمايته من ناحية، وفي حضانة التبشير من ناحية أخرى. ويكفي أن أذكر في ذلك على سبيل الاختصار أسماء سبتا (Wilhelm Spitta) وفولارز (K. Vollers) وباول (A.powell). وفيلوت (D.c. Philott) وبوريان (M.Bouriant). وماسبيرو (M.Caston Maspero) الذين قادوا هذه الدعوة في مصر منذ سنة ١٨٨٠ فظهر صداها في صحيفة المقتطف الشهرية أولاً سنة ١٨٨٢ (١) ثم انتقل إلى بقية السماسرة.
جمع بعضُ هؤلاء المؤلفين أو الدعاة على الأصح - وكلُّهم ممن شغل وظائف عامة في ظل الاحتلال الإِنجليزي لمصر - طائفة من الأمثال والأغاني والمردَّدات السوقية في مختلف "الموضوعات" ونادوا باتخاذ اللهجة التي كُتبت بها هذه الآثار لغةً للتدوين والتأليف والأدب الرفيع. ووضع بعضهم الآخر كتباً
стр. 154
استنبط فيها قواعد للهجة مصر العامية - وقد اقتصر معظمهم على لهجة القاهرة - محاولاً إقناع المصريين بأن لهجتهم هذه لها كل مُقوِّمات اللغة الراقية. ولاك الناس كلامهم من بعد. فردده كل ببغاء وكل بوق وكل سمسار وكل فاسد العقيدة مزعزعَ الإيمان. وليس في كلام هؤلاء جميعاً على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم - من لطفي السيد وحزبه إلى طه حسين وشيعته - فكرة جديدة. فكل ما قالوه وما يقولونه ترديد لما قاله هؤلاء. حتى الذين أكثروا من الكلام فيما سموه (الأدب الشعبي) وادَّعوا أنهم جمعوا فيه ما جمعوا من آثار لم يكونوا إلا ناقلين مما جمعه أمثال ماسبيرو وبوريان. بل لقد اعتمدوا عليهم في تصنيف ما جمعوه وفي ترتيبه وتبويبه أيضاً. ولولا خشية الإِطالة وضيقُ المقام لأوردت النصوص التي تثبت ما أقول.
وبعد، فقد وعد الله سبحانه أن يحفظ قرآنه إذ قال وقوله الحق: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]
وهل يكون حفظه إلا بحفظ لغته؟ وإني لأعرف أن الهدامين من الإِنس والجن أضعف كيداً من أن ينقضوا ما قضاه الله سبحانه. وإنما أقول ما أقول إبراءاً للذمة، واغتناماً للأجر، وخضوعاً لسنة الله الذي يضرب الحق والباطل، والذي ألزم أهل الإِيمان محاربة أهل الكفر والضلال ومكافحتهم ليبلوَ بعض الناس ببعض. وإنما هو قضاءٌ سبق في علم الحكيم العلم وتقديره، يَشقى به المفسدون ومن تبعهم - وبعملهم يشقون - ويسعد به من هداهم الله للذود عن الحق والمنافحة عن الدين، في يوم يتبرأ فيه أئمة الشر ممن تبعوهم، ويقول الذين اتبعوهم ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ (البقرة: ١٦٧)
стр. 155
في منَاهج اللغَة وَالدِّين
стр. 156
- ١ -
في التعليم العَام
لم يعد دعاة الشر يقنعون بالكلام في هذه الأيام، ولم يعد شرهم مقصوراً على محاولة نشر سمومهم بالدعاية لها. فقد انتقلوا الآن من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل، بعد أن نجحوا في التسلل إلى مناصب تمكنهم من أن يدسوا برامجهم ومناهجهم على المسؤولين من رؤسائهم وينفذوها في صمت. ودعاة الشر هؤلاء يعملون في ميادين كثيرة لا يكاد يخلو منهم ميدان. ولكن أخطر ما يكون إفسادهم إذا تسلل إلى ميدان التعليم. لذلك رأيت أن أكشف في هذا المقال عن بعض أساليبهم في هذا الباب.
كان الناس يناقشون الاختلاط، هل هو جائز أو غير جائز وهل هو مفيد أو ضار. وكانت تثيرهم فوضى الجنس التي يروجها القوصي في مطبوعات فرانكلين تحت ستار الدراسات النفسية. فإِذا هذا الاختلاط يصبح حقيقة واقعة بطريق ملتو خفي لم يكد يتنبه إليه أحد، بعد أن طالت المرحلة الابتدائية إلى ست سنوات يتجاور فيها الذكور والإِناث. ومن المعروف أن الإِناث في بلادنا يدخلن سن المراهقة في وقت مبكر لا يتجاوز السنة الحادية عشرة في كثير من الأحيان. بل لقد أصبحنا أمام بعض المدارس المختلطة في مرحلة التعليم الإِعدادي، بعد أن تكشفت تجربة الاختلاط في الجامعة عن مآسٍ لا يستطيع تجاهلها إلَّا مكابر أو مدلس. وأصبح هذا النظام ضرباً من ضروب الِإلزام لا يستطيع والد أن يفر منه أو يتفاداه, لأن عليه أن يختار بين
стр. 157
أن يبعث بابنه وبابنته إلى هذا الوسط وبين أن يحرمهم من التعليم ويحجبهم في ظلمات الجهل. بل إنه لا يستطيع اختيار الطريق الثاني - على ظلمه وظلامه - لأن قوانين الدولة تجبره على أن يعلم أولاده حتى نهاية هذه المرحلة الأولى على الأقل.
وكان الشعوبيون يروجون اللهجات السوقية المحلية التي يسمونها العامية بمختلف الأساليب، وكان أعداء العروبة والإِسلام يتحايلون في انتزاع الدراسات العربية من حضانة الدين والقرآن، حتى قال قائلهم "فالذين يزعمون لنا أننا نتعلم العربية ونعلمها لأنها لغة الدين فحسب، ثم يرتبون على ذلك ما يرتبون من النتائج العلمية والعملية إنما يخدعون الناس، وليس ينبغي أن تقوم حياة الأمم على الخداع، فإِن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين، يؤمنون وحدهم بها ويقومون وحدهم من دونها، ويتصرفون وحدهم فيها. لكنها ملك للذين يتكلمونها جميعاً من الأمم والأجيال. وكل فرد من هؤلاء الناس حر في أن يتصرف في هذه اللغة تصرف المالك متى استوفى الشروط التي تبيح له هذا التصرف. وإذاً فمن السخف أن يظن أن تعليم اللغة العربية وقف على الأزهر الشريف والأزهريين، وعلى المدارس والمعاهد التي تتصل بينها وبين الأزهر والأزهريين أسباب طوال أو قصار. هذا سخف لأن الأزهر لا يستطيع أن يفرض نفسه على الذين يتكلمون اللغة العربية جميعاً وفيهم المسلم وغير المسلم (١) " والغرض الذي يرمي إليه صاحب هذا الكلام من قطع الصلات التي تربط الدراسات العربية بالدراسات الإِسلامية هو أن ينزع عن العربية قداستها ويحرمها من حماية الدين وحضانته ليكشفها أمام أعدائها ويعينهم على الِإجهاز عليها بعد أن يجردها من كل نصير أو معين. ولم يستح صاحب هذا الكلاِم وشيعته أن يتخذوا مجمع اللغة الربية في القاهرة ومكاتب جامعة الدول العربية ومؤتمراتها ميداناً لنشاطهم، فدعا أحدهم في المؤتمر الأول لمجامع اللغة العربية بدمشق إلى تأليف معاجم محلية لا يُثبت فيها إلَّا ما بقي من لهجات العرب حياً في عامية كل إقليم. ودعا آخر إلى إعادة النظر
стр. 158
في تبويب النحو وتدوينه من جديد. وكان ذلك كله كلاماً في كلام. فإِذا بنا الآن أمام هذه المشاريع جميعاً منفذة في كتب القوصي وشركاه المشهورة بكتب "شرشر" أو "جلاجلا"، وفي كتب النحو الجديد التي يتولى إبراهيم مصطفى توجيهها. ولم يثنهم عن عزمهم ما قرره مؤتمر مجامع اللغة العربية - الأول في دمشق من أن مشاريعهم تحتاج إلى مزيد من الدرس والمراجعة والتمحيص، بل لقد استصدر قسم اللغة العربية في إحدى كليات الآداب منذ ثلاث سنوات قراراً بإِنشاء شعبة سماها "شعبة الدراسات العربية الحديثة"، أخلى الدراسة فيها من النحو والصرف والبلاغة ومن الشعر العربي ونصوص الفصحى ومن الأدب العربي والتاريخ الإِسلامي ومن القرآن والحديث، وجعل مكان ذلك كله "دراسات لغوية حديثة" و "التطور اللغوي العربي في العصر الحديث" و "اللهجات العربية الحديثة" و "الأدب الشعبي" و "المذاهب الكبرى في الآداب الأوروبية" و "مدارس القصة" و "تطوير الفكر الإِسلامي في العصر الحديث".
وكان أعداء الإِسلام من عمال الاستعباد والتبشير وسماسرة الصهيونية الهدامة يشنعون بجمود علماء الشريعة الإِسلامية أو من يسمونهم خطأ (رجال الدين الإِسلامي)، وينددون بتخلف الأزهر عن ركب الحياة بزعمهم. فإِذا بنا نفاجأ بأحد أعضاء (لجنة التربية الدينية) بوزارة التربية والتعليم يقترح إنشاء شعبة للدراسات الإِسلامية في كليات الآداب لتخريج مدرس الدين الإِسلامي المرن الذي يستطيع أن يساير الزمن.
هذه بعض أمثلة تصور الأسلوب الجديد الذي يعتمد على (الغزو من الداخل) - إن جاز لي أن أستعير تعبير المستر دالاس - الذي لم يعد أصحابه يقتنعون بالدعاية وباجتذاب الأنصار والاستكثار منهم عن طريق الإِقناع أو الإِغراء أو الإِرهاب. إنهم يعتمدون في أسلوبهم الجديد على أفراد عصابتهم الذين نجحوا في التسلل إلى مراكز القيادة، فأصبح في استطاعتهم أن يجعلوا من أوهامهم التي لم ينجحواً في إقناع الناس بها حقيقة واقعة بقرار أو بجرَّة قلم كما يقولون. ولأوضح بعض ما في كلامي السابق في إجمال.
стр. 159
كُتُب (القراءة الجديدة) المتداولة في الاقليم المصري (*)، التي وضعتها لجنة تعمل بتوجيه عبد العزيز القوصي وسعيد العريان تعتمد على أسلوب جديد لا يمكن أن نصفه بأنه عربي مهما اجتهد أصحابه في تبريره، بما يزعمونه من أن كلماته التي تبدو من عامية مصر يمكن أن تجد سَنَدَاً من معاجم اللغة يصلها بإِحدى لهجات العرب. هذه الكتب لا تتجنب الفصيح الذي أجمع عليه العرب والمسلمون لغرابته أو لثقله، لكنها تتعمد إهماله لأنها تريد أن تهمله وأن تجعل استعمال لهجة الأسواق في الكتب المدرسية أمراً واقعاً مقرراً. وهم يعلمون حق العلم أن هذه الكلمات الملتقطة من أسواق مصر وطرقاتها - مهما جاءوا بأشجار للأنساب تثبت عروبتها - ليست عامة في بلاد العرب جميعاً. فهي مجهولة في بعضها وهي مستعملة بمعنى آخر في بعض آخر, لأن الفصحى التي تجمع العرب بل المسلمين اليوم هي فصحى قريش بخاصة التي نزل بها القرآن والتي دُوِّن بها الحديث والفقه والأدب وكل ما أثمرته الحضارة العربية والِإسلامية من علوم وفنون، وهي أفصح لهجات العرب وأسلمها دون نزاع، فرضتها صلاحيتها ونشرتها قبل أن ينزل بها القرآن، فكان العرب على اختلاف قبائلهم يكتبون شعرهم بها. ولا يستعملون لهجات قبائلهم إلَّا في ضرب من ضروب الأدب المحلي المُسِفّ الذي يقرب مما يسميه بعض الناس اليوم الأدب الشعبي، وهو الرجز. فهذه الكتب الجديدة التي يراد بها تقرير لغة جديدة للتدوين، وإحقاق باطل فشل أصحابه في إقناع الناس به رغم ما بذلوا له من دعاية طوال نصف قرن أو يزيد، تريد في ضحى القومية العربية أن ترد العرب إلى ما قبل الجاهلية.
على أن الكلمات السوقية (الملتقطة من أسواق مصر وطرقاتها) التي يُصر القوصي والعريان وشركاؤهما على استعمالها لها ما يقابلها من الفصيح المستعمل المأنوس. بل إنهم يعدلون في أكثر الأحيان عن الفصيح السمح الجميل إلى السوقي السَّمِج الثقيل، في مثل: (العسكري، حَلَّقَ عليه جـ٢ ص ٢٩) (حَطَّت اللحم في الحلة ٢: ٣٨) (مبسوط ٢: ٤٠) (شاف ٢: ٥٠) (زيطة ١: ٦٠) (استغرب ٢: ٧٢) (زعلان ٣: ١٠) (ابن الحلال ٣: ١١)
стр. 160
(بص ٣: ١٤) (حطها في القفص ٣: ٤٣) (ينظرون إلى القمر فيتهيأ لهم أشكال غريبة ٤: ٦٥) (المخدة ٤: ٨٩) (زاحني في البحر ٤: ٩١) (يتزحلق ٤: ٩٢) فمقابل هذه الكلمات من الفصيح مشهور خفيف شائع، وهو - على الترتيب السابق: الشرطي - اعترضه أو وقف في وجهه (أو في طريقه) - وضعت اللحم في القدر - مسرور - رأى - ضوضاء أو ضجيج أو لغط - دهش أو عجيب - غضبان - ابنِ الكرام - نظر - وضعها في القفص - يتخيلون (أو يتوهمون) أشكالاً غريبة - الوسادة - دفعني إلى البحر - ينزلق.
هل يرى القارئ مبرراً لإِهمال هذه الكلمات الفصحى التي هي قدر مشترك بين سائر العرب وأصحاب الثقافات العربية من المسلمين؟ أليست هذه الكتب هي التنفيذ العملي لاقتراح أحمد عبد السلام مندوب حكومة تونس - ولا أقول مندوب تونس - في مؤتمر مجامع اللغة العربية الذي دعا فيه إلى (أن نؤلف لكل قطر معجمًا صغيراً لا يتضمن إلَّا الألفاظ العربية الفصيحة التي بقيت مستعملة بمعناها الأصلي في لغة ذلك القطر، وأن يوصى معلمو الأحداث والعامة بالاقتصار عليها قدر المستطاع)؟
وإني لأتساءل: كيف السبيل إلى إخراج هذه الكلمات من عقول الصغار بعد أن تُنقَش في حافظتهم الغضة الحساسة؟ ثم إني أتساءل: أين يتعلم صبية العرب وشبابهم فُصحاهم الجامعة لشملهم إذا لم يتعلموها في المدارس؟ ثم إني أتعجب لما تحويه هذه الكتب - وكتب المطالعة في عمومها - من تفاهات غثة تبدد أعمار التلاميذ في سخافات لا تفيد أسلوباً ولا ثقافة ولا خلقاً. فهي لا ترتفع في معظم محتوياتها عن تسجيل الواقع اُلمسِفِّ، المنافي للدين وللخلق المهذب في كثير من الأحيان، من مثل وصف (الحاوي) وسائس القرود، وعادات الناس - وجهالهم خاصة - في زيارات الأضرحة وفي الأذكار، ووصف مجتمعاتهم في الموالد وفي المناسبات وفي الأسواق، وتسجيل أساليب الباعة المتجولين في ترويج بضائعهم ولفت المشترين إليها. لماذا نفوِّت على التلميذ فرصة التحصيل المثمر أنشطَ ما تكون حافظتهُ وأحدَّ ما تكون ذاكرتهُ قدرةً على الاستيعاب السريع العميق؟ كنا نشِبُّ على جملة من نصوص
стр. 161
رائعة لأعلام الشعر والأدب في مختلف العصور ومن شتى بلاد العرب، وكنا نروض أذواقنا وأخلاقنا على طائفة من قصص نافعة تمجد ضروباً من البطولة العربية والإِسلامية، فاستبدلوا بذلك كله هذه السخافات الغثة، التي لا تعين على تكوين الملكة العربية أو الذوق العربي.
وحجة أصحاب هذه المناهج تنحصر في أنهم لا يقدمون للنشء إلَّا ما يلائم عقولهم وتفكيرهم، وأنهم يتجنبون تكليفهم حفظ ما لا يستطيعون تدبره وفهمه، ومن المسلم به أن الصبي لا يعي كل ما يحفظه وعياً كاملاً، ولكن لا ينبغي أن يفوتنا أنه يختزنه إلى أن ينضج عقله فيستخرج هذا المدخر آناً فآناً ليتدبره. ولو سلمنا باستبعاد كل ما لا يستطيع الصبي أن يتدبره في صباه لا نبني على ذلك استبعاد تعليمه أن الأرض كرة وأنها تدور، واستبعاد تعليمه أن الله أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وَلمَا كان هناك محل لحفظ القرآن أو تعليم الدين والعبادات - وإن كان ذلك هو فِعْلاً مذهب لبعض التربويين الذين نقعوا أدمغتهم في الثقافة اللادينية. والحقيقة التي ينبغي أن يقوم عليها تصورنا لهذه الأمور - بقطع النظر عن كل ما يستورده التربويون من قواعد عرجاء لا يعرف أحد مصدرها ولا الأغراض التي صُنِعت من أجلها - هو أن الصبا زمن نشاط الذاكرة وحِدتها، وما أصدق ما كان يردده آباؤنا من أن (التعلم في الصغر كالنقش في الحجر). فيجب أن تستغل هذه الحدة إلى أبعد حدود الطاقة وبقدر ما يسع الجهد. ثم يجيء وقت ينمو فيه التفكير وتضعف الذاكرة في الوقت نفسه، وعند ذلك يتدبر الرجل ما حفظ في صباه، وُيصبح لكثير مما كان يردده من غير وعي معنى جديد. والِإنسان من هذه الناحية يشبه في تفكيره الحيوان المجتر في طعامه، يختزن مادة التفكير حين تتاح له فرصة الاختزان، ثم يعيد استخراجها في وقت متأخر لكي يهضمها ويتدبرها, ولو أنه تَرك في صباه حفظ ما لا يدرك كل معناه، لما أمكنه أن يحفظه عند نضج تفكيره, لأن التفكير ينمو على حساب الذاكرة.
وهناك حقيقة ينبغي أن لا نغفل عنها أو نهملها، وهي أن الشخصية العربية هي القاعدة التي تستند إليها القومية العربية. والشخصية العربية تقوم
стр. 162
على تشابه أذواق العرب وملكاتهم. وهذا التشابه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتراثنا الثقافي العريق وبعمالقة الشعر والأدب بخاصة، الذين سجلوا مُثُلنا العليا إيجاباً وسلباً في شعر الحماسة والأدب والرثاء والهجاء، وفي الخطب وفي الرسائل بمختلف صنوفها، بين ديوانيه وإخوانيه ووصفية ووعظية وأخلاقية. فإِهمال أدبنا القديم وتوجيه أكثر العناية إلى الأدب الحديث، بل التافه منه في الأعم الأغلب، وتجنب ما كان منه على منوال القديم جزالة وروعة وفخامة أسلوب واحتفالاً بالمعاني الكبار، خليق أن يعين على تدعيم ما يدبره بعض المفسدين فيسلكون إليه مختلف المسالك ويعالجونه بشتى الأساليب، حين يسعون إلى فصل حياتنا الراهنة والمستقبلة عن مصادرها القديمة حتى تتفرق جماعتنا ويتشتت شملنا، وحتى لا تكون أخلاقنا امتداداً لخلق آبائنا, ولا تكون أذواقنا امتداداً لأذواقهم، ولا تكون لغتنا وأساليبنا امتداداً للغتهم وأساليبهم. وحتى لا يكون إسلامنا إمتداداً لإِسلامهم. فإِذا نجحت هذه العصابة في أن يجعلوا (المجتمع العصري) الذي يتحدثون عنه مقطوع الصلة بماضينا في الدين وفي اللغة وفي العادات وفي الذوق الفني وفي المزاج وفي التقنين الخلقي. فأي جامعة يمكن أن تجمعنا عند ذاك؟ وأي طابع يمكن أن يميزنا عن غيرنا من سائر خلق الله ويجعل لنا الحق في أن نقول إننا قوم، إننا عرب؟ ما أيسر أن نكون عند ذلك تبعاً لسادة الشرق أو الغرب وذيلاً لكائن من كان ممن يريد أن يستلحقنا كما كان السادة يستلحقون العبيد في عصور الرق.
أقول ذلك وأنا أعلم أن هذه الأساليب الفاسدة كلها حائلة زائلة إن شاء الله، وأنها لن تقوى على مقاومة مد القومية العربية الذي لا يزال يعلو ويرتفع. وبوادر ذلك وطلائعه واضحة في كثير من كتب هذا العام الدراسي لم التي خضعت برامجها للاتفاقية الثقافية (*). ولكني انتهزت الفرصة لأنبه في هذا المقام إلى أساليب يعتمد مروجوها أكثَر ما يعتمدون على غفلة الناس عنهم وجهلهم حقائق ما يهدفون إليه، ولألقي الضوء على بعض ما يدبره المفسدون في الظلام.
وأصحاب النحو الجديد، أو ما يسمون (تيسير النحو) شعبة من تلك
стр. 163
الفرقة الموكلة بهدم تراثنا وقطع كل صلة تربطنا به. فهم لا يهدمون لأن الهدم هو وسيلتهم إلى البناء من جديد كما يزعمون، ولكنهم يهدمون في حقيقة الأمر لأن الهدم هو هددفم وغايتهم. وهم بهذا الهدم يمهدون الأرض ويسوونها لبناء جديد ولكنه للأجنبي لا لنا، ويمحون كل ما في صحفنا لتصبح صحفاً بيضاء يسطرون فيها أو يسطر فيها الذين يسخرِّونهم لما يعملون من بُعد ما يشاءون. نعم أصحاب القواعد الجديدة شعبة من هذه الفرقة. وقواعدهم الجديدة ليست إلَّا أسلوباً في الهدم.
زعم أصحاب القواعد الجديدة أن قواعد النحو التي صنعها اثنا عشر قرناً سخيفة معقدة. وزعم لهم صاحبهم أنه سيلخص لهم هذه القواعد في كلمات، فقسم الكلام إلا مسند ومسند إليه وتكملة، وسمى كلامه هذا تيسيراً. والوصف الصحيح له أنه تعقيد, لأن الاصطلاحات المتداولة - ولا أقول القديمة - أدق إلى عقل الناشىء وتصوره. ومن الذي يخطئ في فهم مدلول كلمة "فعل" و "فاعل"؟ إن الأمي الجاهل الساذج الذي لا حظً له من الثقافة النحوية يستعمل هذه الكلمات بمدلولاتها النحوية في حديثه اليومي المألوف. الخفير والشرطي يسأل: من (الفاعل)؟ ويقول: قُبِض على (الفاعل)، يقول: (الفاعل معلوم) أو (الفاعل مجهول). والفلاح في حقله يقول: ذا (فعل) الكرام وذا (فعل) اللئام، ويسأل: ما (الخبر)؟ هذه هي المصطلحات التي استبدلوا بها (المسند) و (المسند إليه)، فسموا الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ مسنداً إليه، وسموا الفعل والخبر مسنداً. وإدراك معنى هاتين الكلمتين يحتاج إلى تصور الإِسناد، وهو فكرة عقلية لا يمكن بحال أن توصف بأنها أقرب إلى أفهام الصبية من المصطلحات الجارية المتداولة. فإِذا كان المقصود هو التبسيط والتيسير حقاً كما يزعمون فلا شك أن الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر أقرب إلى عقول الصبية في هذه السنن وأيسر تصوراً وأسلس نطقاً وأخف وقعاً في الألسن وفي الآذان من المسند والمسند إليه.
على أن أصحاب التيسير المزعوم قد احتاجوا بعد ذلك إلى تفصيل المنصوبات وتبيينها, ولم يروا إطلاق اسم (التكملة) عليها جميعاً وافياً بالغرض، لم فتكلموا عن (التكملة بالزمان) و (التكملة بالمكان) و (التكملة بالحال) و (التكملة بالمفعول). ففي الذي بسَّطوه؟ وأي شيء صنعوه سوى أنهم أضافوا
стр. 164
كلمة (التكملة) فعقدوا الاصطلاح وصعبوه وطولوه بدل أن ييسروه ويختصروه؟.
ثم إنهم بعد أن تحاشوا اصطلاح (الفعل) و (الفاعل) لغير سبب واضح أو مبرر معقول احتاجوا للكلام عن (المفعول). ألم يكن بناء (المفعول) على (الفعل) و (الفاعل) أيسر في العقل وأقوم في الترتيب وأنسق في التسلسل من بنائه على (السند) (والمسند إليه)؟.
وقد يحتج أصحاب التيسير المزعوم لصنيعهم بأن البلاغيين وأصحابَ علم المعاني على الخصوص، قد اتخذوا هذا التقسيم واستعملوا بعض هذه المصطلحات. ومن المعروف المشهور أن الاصطلاحات تختلف باختلاف العلوم والفنون، وأنها تتبع احتياجاتها وتَصدُرُ عن طبيعة كل منها وعما يهدف إليه وما يريد أن يؤديه من غرض. وطبيعةُ النحو وهدفهُ يختلف عن طبيعة علم المعاني وهدفه. فالنحو هَمُّهُ ضبطُ أواخر الكلمات وتفصيلُ ذلك على ما يقوم في ذهن المتكلم من تصور، بحيث يكون هذا الضبط وسيلة لتصوير المعنى بحسب اصطلاح أصحاب هذه اللغة وما جرى عليه عُرْفُهم. أما علم المعاني فهو يتناول الأسلوب ولا شأن له بالمفردات. وهدفه هو أن يكون الكلام ترجماناً دقيقاً صادقاً في نقل تصور المتكلم بكل ما يشتمل عليه وما يحف به من أحاسيس ومن ملابسات ومن ظلال إلى نفس السامع. فهو مرحلة تالية لمرحلة النحو الذي يتعلق غرضه بالصحة والفساد، بينما يتعلق غرض المعاني بفرق ما بين الصحيح والبليغ، والدقيق والأدق. لذلك كان اصطلاح البلاغيين على تقسيم الكلام إلى مسند ومسند إليه وفضلة لا يجدي شيئاً في إفادة ضبط أواخر الكلمات ومطابقته للمعنى بحسب ما جرى عليه عرف العرب. فالمسند إليه مثلاً لا يفيد الرفع على ما يزعمه أصحاب التيسير. وهم يعرفون ذلك كما يعرفه الناس. ولذلك احتاجوا في كتابهم الذي حيرَّ المعلمين والتلاميذ على السواء إلى أن يتكلموا عن كان وأخواتها وإن وأخواتها، وعلى ذلك أصبح كل من المسند والمسند إليه يقبل الرفع والنصب. ولم يستغنوا عن أن يقولوا إن المسند قد يكون فعلاً وقد يكون اسمًا. ولم يستغنوا حين تكلموا عن المطابقة بين المسند والمسند إليه في الإِفراد والجمع عن أن يستثنوا من ذلك الجمل التي يكون المسند فيها فعلاً متقدماً. فهل هذا تيسير أم تعقيد؟
стр. 165
هذه أمثلة مما أدركوه من وجوه النقص في تقسيمهمِ. وبقي كثير مما لم يدركوه، مما أشير إليه ولا أحصيه في مثل (والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنَازِلَ) الذي ينتصب فيه (القمر) مع أنه ليس اسمًا لإِن أو إحدى أخواتها، الذي زعموه استثناءاً وحيداً من رفع المسند إليه. وبقي أن نسأل أصحاب التيسير: كيف يصنع الناس بكتب التفسير والحديث والفقه وشروح دواوين الشعر التي تمتلىء صفحاتها باصطلاحات النحو المتداولة التي حكموا عليها بالإِعدام، والتي لا تستغني عنها هذه الكتب حين تَعْرِض لتوضيح المعنى أو بيان الفرق ما بين قراءة وقراءة - ورواية ورواية؟ وبقي أن نسألهم أيضاً: هل استشرتم العرب جميعاً فيما صنعتموه؟ بل هل استشرتم المسلمين الذين لا يستغنى فقهاؤهم عن تلك الكتب التي لا تِستعمل غير اصطلاحات النحو الذي يريدون أن يلحقوه بكل ما يريدون إعدامه والقضاءَ عليه من (قديم)؟ أم أنهم لا يعرفون أن هذه اللغة ليست مِلْكاً لطه حسين وإبراهيم مصطفى، والقوصي ومن شايعهم ممن يخافهم أو يرجوهم أو يُضله شيطانهم. بل هي ليست مِلْكاً للمصريين وحدهم. بل هي ليست مِلْكاً للعرب وحدهم ولا للمسلمين وحدهم من أهل هذا الجيل. وإنما هي أمانة يتحتم علينا أن نحفظها للأجيال من بعدنا كما تلقيناها عمن قبلنا. أقول هذا وأنا أعلم ما سيرُدُّ هذا النفر به عليَّ. سيقولون: كلما حدثناكم في شىِء أقحمتم فيه الإِسلام وقلتم القرآن القرآن، لا حجة لكم إلَّا هذا ولا تعِلّة لكم سواه! ونحن نقول: نعم. القرآن والإِسلام في تقديركم شيء هين يسير وهو في تقديرنا كبير خطير. ونحن لا نبالي شيئاً مما تزينونه وتزخرفونه إذا أبعدنا عن القرآن والإِسلام. فإِن كان القرآن والإِسلام عندكم لوناً من الألوان، وواحداً من اعتبارات كثار فهو عندنا كل شيء، به نحيا وعليه نموت. ذلك بأن الحياة عندكم نعيم وزخرف ومتاع ثم لا شيء بعد ذلك إلًا الفناء، فلا قيمة عندكم لشيء لايتحول إلى لذة أو شهوة أو أرقام. أما نحن فالحياة عندنا مَعْبَرٌ للآخرة وطريق إليها، ومن أجل ذلك نبني فيها ونعمل ونكافح ونجاهد. لذلك كان الأدب عندكم لهواً ومتاعاً، وخرافات وأوهاماً، لذةً للشذَّاذ والفارغين، وكان عندنا أسمى من ذلك وظيفةً وأعزَّ مكاناً. ومع ذلك كله فالقرآن والإِسلام هو سبيلنا إلى العزة في الدنيا التي تطلبونها ولا ترون سواها, لأن الذي يفقدهما يفقد الضمير
стр. 166
ومراقبة النفس ومحاسبنها في الصغير والكبير، ويفقد الدافع القوي الصادق إلى العمل المثمر النافع، ويفقد الحصانة والمناعة التي تجعله يتماسك ولا ينهار أمام الشهوات والمغريات. ومن فقد ذلك كله فقد الدنيا, لأنه لا يُترَك للهوه ولعبه كما كان يظنه ويشتهيه، بل يسلِّط الله عليه من يستعبده ويُشقيه، فيصبح عبداً رقيقاً في مزارع السيد الجديد، يزرع لغيره بعد أن كان يزرع لنفسه، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
بقي كذلك أن نقول لأصحاب التيسير المزعوم: إن ما أطلقتموه من أسماء لما توهمتموه من أقسام لا تصبح (اصطلاحاً) حتى يجتمع عليها الناس. وقد عرفتم رأي العرب فيها، سمعتموه في مؤتمر مجامع اللغة العربية الأول في دمشق سنة ١٣٧٦ هـ. وسمعتموه من قبل ذلك ومن بعده.
ومع ذلك كله فقد يبدو لي أن أصحاب التيسير كانوا يضعون أمام أعينهم التقسيم الغربي في نحو بعض اللغات الأوروبية الذي يقسم الجملة إلى (Subject) و (Predicate) والدليل على ذلك أن أصحاب التيسير آثروا استعمال (تكملة) وهي الترجمة الحرفية لكلمة (Complement) على اصطلاح البلاغيين المشهور وهو (فَضْلة). والدليل عليه أيضاً أنهم قد نظروا في تقسيم الفعل الجديد إلى النحو الأوروبي حين قسَّموه إلى ماضي وحاضر ومستقبل، وحذفوا (الأمر) فجعلوه صيغة مستقلة سموها صيغة الطلب، جمعوا فيها بينه وبين النهى، لكي يطابقوا ما يطلق عليه في النحو الإِنجليزي (Imperative mood). ومَثَلٌ ثالث لهذا التقليد الجَهول نجده فيما اختاره هؤلاء الهدامون من جمع بعض الأبواب مثل (الإِغراء والتحذير) و (الاختصاص) تحت قسم من النحو سموه الأساليب، ليطابقوا بهذا الصنيع تقسيم النحو الإِنجليزي إلى (Grammar) و (Syntax). وفات هؤلاء القرود أن اللغات الأوروبية التي نقلوا عنها هذا التقسيم كالإِنجليزية لا تحتاج لعلم يقابل علم النحو عندنا لأنها غير معربة. أما المعرب من لغاتهم مثل الألمانية ومثل (الفعل) في الفرنسية فهو لا يزال يحتاج في ضبطه إلى قواعد تفوق قواعد النحو العربي في أقسامها وفروعها. ومن شاء فليرجع إلى أي كتاب إبتدائي في الألمانية ليرى إلى كم مجموعة يقسمون الأسماء، وليرى ما يطرأ على كل مجموعة من تغير وإضافة في حالات الإِعراب المختلفة التي تبلغ ثماني حالات إفراداً وجمعاً، مما
стр. 167
يختلف في كل مجموعة عنه في المجموعة الأخرى، وليرى كذلك أن علامات التعريف التي تقابل (ال) في عربيتنا تتبع الاسم الذي تلحقه في إعرابه، وتختلف مع ذلك باختلاف نوعه بين مذكر ومؤنث وجماد، مما لا سبيل إلى تمييز بعضه من بعض بغير السماع، وليرى أن الاسم النكرة تسبقه أيضاً أداة تخضع لكل هذه التقلبات السابقة، وهي أداة لا وجود لها في عربيتنا، إلى آخر ما هنالك مما أكتفي بالإِشارة إليه ولا أُحصيه.
ولست أظن أن طه حسين قد غفل عن شيء من ذلك، أو هو على الأقل لم يغفل عما يقابل ما قدمتُه من أمثلة في الفعل الفرنسي، حين قدَّم تقريره المشهور إلى وزير المعارف سنة ١٩٣٥ م، فألقاه الوزير في سلة المهملات، وطلب منه ألَّا يعيد الحديث فيه حين حاول أن يفاتحه فيه مَرَّةً من المرات، وذلك حسب رواية طه حسين نفسه. ولا بأس من أن أنقل فقرة من ذلك التقرير، ليعرف القارئ من أين جاء (التيسير). زعم طه حسين في تقريره ذاك أن: "الناس مجمعون على أن تعلم اللغة العربية وآدابها في حاجة شديدة إلى الإِصلاح". ورد نفور الطلبة من الدراسات العربية إلى "أن اللغة العربية وما يتصل بها من العلوم والفنون ما زال قديماً في جوهره بأدق معاني هذه الكلمة. فالنحو والصرف والأدب تُعلَّم الآن كما كانت تُعلَّم منذ ألف سنة .. ولست أزعم أن الأمر يقضي بإِحداث ثورة عنيفة على القديم، وتغيير العلوم اللغوية والأدبية فجأة وفي شيء يشبه الطفرة، وإنما أزعم أن قد آن الوقت الذي يجب فيه أن نؤمن بأن العلوم اللسانية، كغيرها من العلوم، يجب أن تتطور وتنمو وتلائم عقول المعلمين والمتعلمين وبيئتهم التي يعيشون فيها وحاجاتهم التي يُدفَعون إليها، ومتى آمنا بذلك فإِن التطور سيأتي وسيتحقق شيئاً فشيئاً، ولكن لا بد أن تمهَّد له الطريق. وهنا يظهر السبب الثاني الذي أشرت إليه آنفاً، وهو أن معلم اللغة العربية الذي يستطيِع أن ينهض بتعليمها كما ينبغي لم يوجد بعد، فإِن القديم لا ينتج إلَّا قديماً مثله ما دام التطور لم يمسَّه- الفقرة ٤٢ من كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" ص ٢٨٨ - ٢٨٩ من طبعة العارف سنة ١٩٤٤".
ولم يمض على هذا التقرير الذي أسقطه الوزير يومذاك وأهمله سوى
стр. 168
سنتين حتى صدر كتاب في النحو نسّقه إبراهيم مصطفى على ما تخيله طه حسين في تقريره ذاك، وقدَّم له طه حسين نفسه واقترح له اسمًا ضخمًا عريضاً فيه كثير من التبجح والادعاء، فسمَّاه (إحياء النحو). والمقول بأنه إحياء النحو هو الحلقة الثانية في سلسلة تيسير النحو، وهو الصورة التنفيذية لمذكرة طه حسين. ولعل القارئ لا ينسى ما تحدثت به المذكرة من أن هذه الخطوة الأولى ليست إلَّا تمهيداً لما يجيء بعدُ من التطور الذي "سيأتي وسيتحقق شيئاً فشيئاً". فهي صريحة فصيحة في الكشف عن نية صاحبها وعن أسلوبه في استدراج الناس، والبدءِ بالهين اليسير الذي لا يفاجئهم، ليتدرج منه إلى الخطير. إنه لا يسقيهم السم الزعاف القاتل لساعته لأنه يلفت الأنظار ويثير الشكوك، ولكنه يسقيهم سمًا بطيئاً يصل به إلى غرضه دون أن يكشف عن الجريمة. فليعرف الناس إذن أن (تيسير النحو) ليس هو منتهى ما يريدون ولكنه أول طريقٍ طويل يدفعون الناس فيه إلى قرار سحيق.
ومن أعجب العجب أن مؤلفي (تيسير النحو) رتَّبوا هذا الذي يزعمونه (تجديداً) على الثورة، فقالوا في مقدمة الكتاب " ... إلى أن جاءت الثورة المصرية سنة ١٩٥٢ ومعها العزم الصادق على الِإصلاح، والرأي الماضي على تذليل الصعاب فهُيِّءَ السبيل للتنفيذ". فلما شأن الثورة والعلم، وطبيعةُ العلم المحافظة والاتزان، وهو أبعد شيء عن الثورة، بل إن الثورة تفسده؟ فهل هذا إلَّا ملق سخيف رخيص!؟ وهل جاءت الثورة للهدم أم للبناء؟ وهل جاءت لتُعِز تراث العرب وتدعمه أم جاءت لتمحوه وتَعفي عليه؟ ألا ترى أن هذا هو نفسه ما تحدثتُ عنه في مقال سابق حين قلت: إن أصحاب هذه الدعوات يعرفون أن الثورات هي أكثر الظروف ملاءمة لبث سمومهم، إذ يلبسون ثياب الناصحين، ويندسون في غمار الثائرين الذين يريدون أن يستبدلوا بأسباب الضعف والفساد أسباباً للحياة والقوة والبناء، كما يندس المخربون والمأجورون من عملاء العدو وسط جموع المظاهرات، يحطمون المصابيح ويحرقون المنشآت، فيقلدهم غيرهم في صنيعهم دون تمييز بين ما يصلح تحطيمه وما يضر تحطيمه، يخربون بيوتهم بأيديهم ويحسبون أنهم يطهرونها وأنهم يصلحون!
стр. 169
ذلك هو ما يفعله أحد شِقَّي المقراض فيما يمارَس مع النشء من المتعلمين. أما الكلام عن شق المقراض الآخر الذي يتناول إعداد مدرس اللغة العربية ومدرس الدين فذلك ما أرجئه إلى حديثي المقبل إن شاء الله؟
стр. 170
- ٢ -
في الجامعة*
حين كان شِقُّ اِلمقْراض يعمل عمله على هذا النحو في أوساط الناشئة والمتعلمين، كان الشق الآخر يمارِس ذلك العمل نفسه في إعداد معلم اللغة العربية ومعلم الدين. والواقع أن المحاولات المبذولة في أوساط المعلمين أسبق من نظيرتها المبذولة في أوساط النشء والمتعلمين. فمن الممكن إرجاعها إلى إنشاء كلية الاداب، بل إن من الممكن إرجاعَها إلى إنشاء "دار العلوم". ولقد عرف ذلك حق المعرفة أحدُ أبناء هذه الدار حين قال: (ثم جاء حمزة فتح الله وحفني ناصف والإِسكندري والعناني والجارم وضيف من رجال دار العلوم، فألفوا في الأدب والعلوم العربية مع الاقتباس من مناهج الغرب في نظام التأليف. ويعتبر هؤلاء رجال المرحلة الوسطى التي مهدت لمرحلة الجامعة ورجالها) (١). ومع ما أعلمه من أن بيان هذا الإِجمال شديد الصلة بموضوعنا فإِني أخشى أن يتشعب بنا الحديث ويطول حتى ينسينا ما نحن فيه. لذلك أدع تفصيل هذا الِإجمال لموضع آخر قد أعود للحديث عنه مع غيره من الخطط والأساليب التي استهدف بها الإِنجليز إضعاف (الأزهر) , لأنه كان يصبغ التعليم بالصبغهَ الإِسلامية في مصر، بل في البلاد الإِسلامية بعامة والعربية بخاصة، وذلك بمحاصرته وعزله عن الحياة وسد أبواب الرزق أمام المتخرجين فيه وحصرها في باب واحد هو خدمة المساجد.
стр. 171
فلندع إذن ذلك الحديث الطويل لفرصة أُخرى، ولأكتف هنا بأن أبدأ بكتاب "مستقبل الثقافة في مصر" الذي كتبه طه حسين في أعقاب معاهدة ١٩٣٦، والذي أصبح مكانه من كل حركات الهدم التي يسمونها إصلاحاً مثلَ مكان الدستور من القوانين. ولأكتف من هذا الكتاب في هذا المقام بفقرة واحدة منه هي الفقرة التاسعة والأربعون، التي أشار فيها إلى لونين من ألوان الدراسة اقترح إنشاءهما في كلية الآداب، وسعى عند المسؤولين في وضع اقتراحه موضع التنفيذ، فلم يحالفه النجاح في أيهِّما. أما أحد المشروعين فهو يدعو إلى إنشاء معهد للأصوات لدراسة اللهجات قديمها وحديثها. وقد عارض وكيل المالية الذي كان ممثلاً للدولة في مجلس الجامعة وقتذاك في منحه ما يحتاج إليه من مال, لأنه لم يستطع - على رواية المؤلف - أن يفهم قيمة هذا المعهد وحاجة المتعلمين إليه. أما المشروع الآخر فقد كان يدعو إلى إنشاء معهد للدراسات الإِسلامية يلحق بكلية الآداب. ومهمة هذا المعهد كما تصورها طه حسين هي العناية بالدراسات الإِسلامية (على نحو علمي صحيح). والمبرر لإِنشائه عنده هو أن (كلية الآداب متصلة بالحياة العلمية الأوروبية. وهي تعرف جهود المستشرقين في الدراسات الإِسلامية. ومن الحق عليها أن تأخذ بنصيبها في هذه الدراسات لتلائم بين جهود مصر التي ترى لنفسها زعامة البلاد الإِسلامية وبين جهود الأمم الأوربية).
ومضى على هذين المشروعين الفاشلين زمن طويل حتى كاد الناس ينسون ما كان من أمرهما وأمر صاحبهما. ودارت الأيام دورتها فإِذا المشروعان يظهران من جديد، ينجح أحدهما في اتخاذ طريقه إلى التنفيذ بإِنشاء شعبة في قسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية تدعى (شعبة الدراسات العربية الحديثة)، وهي شعبة لا تزال - لحسن الحظ - حبراً على ورق منذ أنشئت في سنة ١٩٥٥ (*). وما أظن أن الطريق أمامها ميسَّر في واقعنا العربي الراهن. أما المشروع الآخر فقد عاد للظهور في صورة اقتراح مقدم من أحد أعضاء
стр. 172
لجنة التربية الدينية بوزارة التربية والتعليم. وكما كان صاحب الاقتراحين القديمين شخصاً واحداً هو طه حسين، فقد كان صاحب الاقتراحين الجديدين شخصاً واحداً أيضاً هو مُحَمَّدْ خلف الله. وقد اقترن المشروعان الجديدان بظروف وملابسات تدعو إلى التدبر والتأمل.
بدأت فكرة هذين المشروعين في مؤتمر للثقافة الإِسلامية عقد في صيف سنة ١٩٥٣ بدعوة من جامعة برنستون الأمريكية ودُعي إليه مندوبون من مختلف البلاد الإِسلامية بين أندونيسيا شرقاً والمغرب العربي غرباً واشترك معهم عدد مساو من الأمريكيين، بعضهم من رجال وزارة الخارجية وبعضهم من المبشرين الذين يسترون أهدافهم الهدامة تحت اسم البحث العلمي، وفريق ثالث من موظفي شركات البترول.
أما مشروع (إنشاء قسم أو شعبة للدراسات الإِسلامية في كل كليةٍ للآداب بالجامعات المصرية) (١) فقد بناه صاحبه على أن الركن الأكبر في نجاح التربية الدينية (هو المعلم الذي ينبغي أن يعاد النظر في تكوينه وإعداده، وأن يرسم لذلك منهج جديد يحقق له عمق الثقافة وحرية الفكر- ص ١٦٤). وبناه كذلك على (أن قيام مصر بنصيبها في تقدم الإِنسانية وفي حل مشكلات الحياة المعاصرة يتطلب من المصريين تعمقاً في دراسة دينهم، وتَبيُّن موقفِه من مختلف المذاهب والاتجاهات التي يجيء بها التطور الاجتماعي والفكري - ص ١٦٥). واقترح فيما اقترحه من الدراسات في هذا القسم دراسة "سيكولوجية الدين" و"التاريخ الديني والفكري للبشرية قبل الإِسلام" و"ما كان لمصر وعلمائها بين الأمم الإِسلامية من آثار علمية خالدة" و"النظم الدينية والأخلاقية المقارنة".
فالدراسة المقترحة تقوم على أساسين، أولهما استبعاد الأزهر من القيام
стр. 173
بوظيفة تعليم الدين لأن مناهجه لا تحقق للدارسين فيه (عمق الثقافة وحرية الفكر)، وثانيهما هو الصبغة المصرية التي تبرز في الإِشارة إلى مهمة مصر القيادية في حل مشكلات الحياة المعاصرة ومسايرة التطور الاجتماعي - وهو تطور غربي بالبداهة - كما تبرز في إمداد الدارس بما يقوِّي فيه الاعتزاز بفقهاء الإِسلام وعلمائه من المصريين بخاصة، مما يوجد لوناً من الشعوبية الإِسلامية يشبه الشعوبية السياسية.
والصلة واضحة بين هذا المشروع وبين مشروع طه حسين من ناحية، وبينه وبين ما أُلقي في مؤتمر الثقافة الإِسلامية السالف ذكره من ناحية أُخرى. فهو قريب الصلة بما جاء - في كلام الإِسماعيلي الهندي المتجَلْنِز آصف علي فيظي عن الإِسلام الهندي الحديث المتأثر بالمذاهب الغربية، والذي أنشئت جامعة عليكرة "الكلية المحمدية الإِنجليزية" لنشره وترويجه (ص ٨١ - ٨٢ من كتاب "الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة" نشر فرنكلين ١٩٥٦)، كما يذكِّرنا بما زعمه من أن التصور الأساسي (لا تمكن الحافظة عليه سليمًا إلَّا بإِعادة تفسيره وإعادة تقريره في كل عصر وفي كل مرحلة من المدنية)، وبدعوته إلى الاستفادة من الدراسات الحديثة في علم النفس ومن الفكر الأوروبي والفكر البروتستنتي والتفكير المدرسي المسيحي والتفكير اليهودي (ص ٤١١) (*). ولعل له صلة مع ذلك كله بمقررات "اللجنة الدائمة للتعاون الإِسلامي المسيحي" التي شارك صاحب الاقتراح في اجتماعيها في بحمدون سنة ١٩٥٤ وفي الاسكندرية سنة ١٩٥٥. أما ما جاء في المشروع عما سمّاه صاحبه "سيكولوجية الدين" فهو شديد الشبه بكلام القسيس الأمريكي ميلر بروز في دعاواه الهدَّامة التي طالب فيها بوضع (تجربة الدين) و (تجربة النبوة) والمعجزات والصلاة والحياة الآخرة موضع البحث وإخضاعها لقواعد علم النفس الحديث ص ٤٣ - ٤٩). وهو من ناحية أُخرى استجابة لدعوة القسيس الأمريكي الآخر هارولد سميث الذي قال "إن وجهتي في هذا القال هي أن أستعرض بعض الاتجاهات الحديثة، وأن أقترح طرقاً لدراسة النظرية
стр. 174
الإِسلامية المهمة في الإِنسان ... ولا شك أن القيام بهذه الدراسة على وجهها أمر متروك لعلماء المسلمين أنفسهم - ص ٥٩". وغيرُ خافٍ ما تنطوي عليه (سيكولوجية الدين) من مفاهيم. أولها وأبرزها أن الدين ظاهرة نفسية ليس لها وجود خارجي حقيقي, لأن من المعروف أن هذه (السيكولوجية) تردُّ كل التصرفات إلى مصدر مجهول في أعماق النفس البشرية يسمونه (العقل الباطن). ولا أدري ولا يدري أحد أين هو على وجه التحديد، ولكنه في داخل الإِنسان على كل حال وليس خارجَه، ليس وحياً وليس تنزيلاً. يقول المبشر ميلَر بْروز صاحب الاقتراح الأصيل إن (تجربة النبوة) يمكن "أن تلاحظ وتدرس بنفس الطريقة، وإلى نفس الدرجة التي يمكن بها ملاحظة التأثيرات الذوقية والوجدانية ودراستها - ص ٤٣". ويقول "ويستطيع العالم أن يشير إلى أن التجارب الدينية - منظوراً إليها في ضوء الظواهر السيكولوجية - لا يمكن تمييزها من أوهام الحس - ص ٤٤". ويقول "إنه ليس للدين أن يتوقع أن معتقداته ستؤخذ قضايا مسلَّمة، على أساس أنها جاءت من طريق الوحي، وأن وراءها سلطة التقاليد القديمة ... أما العلم فإِنه يرى في روح البحث الحر جوهر الحياة. وإذا كان الدين يريد أن يضمن احترام العلماء فعليه أن يُظهِر استعداده لعرض قضاياه لضوء العقل، غيرمُحْتمٍ بسلطة إلَّا سلطة الحقيقة نفسها - ص ٤٥" (١). ولعل ذلك كله هو ما قصد إليه مُحَمَّدْ خلف الله في مذكرته من (عمق الثقافة وحرية الفكر).
تلك هي قصة أحد المشروعين. أما المشروع الآخر فهو متصل بمناهج جديدة للدراسة في قسم اللغة العربية بجامعة الإِسكندرية. وهو قسم
стр. 175
لا يشتغل المتخرجون فيه بغير تعليم اللغة العربية في بلاد العرب كما هو معروف. فلننظر: هل تُعِدُّ هذه الدراسة ببرامجها الجديدة للقيام بهذه المهمة؟
تقوم هذه البرامج - كما هو واضح من جداول الدراسة المذكورة في تقويم كلية الآداب بجامعة الاسكندرية للعام الدراسي ١٩٥٥ - ١٩٥٦ (ص ٨٥ - ٨٦)، ومن المذكرة التفسيرية الخاصة بها (ص ٩٥ - ٩٧) على تفرقةٍ أساسية بين مرحلتين من مراحل الأدب العربي ودراساته. فالمرحلة الأولى تشمل الأدب العربي والدراسات المتصلة به منذ عرفه التاريخ إلى بداية القرن التاسع عشر الميلادي. أما المرحلة الثانية فهي تقتصر على ما يلي ذلك باعتباره مرحلة مستقلة تختلف موادها وأسلوب الدراسة فيها وأهدافها عن المرحلة السابقة. فالمنهج يسمي المرحلة الأولى (الدراسات العربية في مرحلتها الكلاسيكية) تارة، ويسميها (الدراسات العربية القديمة) تارة أخرى (ص ٩٥ من تقويم كلية الآداب السابق ذكره)، بينما يعرِّف المرحلة الثانية ويصفها بقوله: (الآداب العربية في نهضتها الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وما كان للفكر العربي من اتصال وتأثر بالثقافة الغربية). وقبل أن يبدأ الطالب تخصصه في إحدى هاتين المرحلتين يدرس في سنتيه الأولى والثانية دراسة عامة يتعرف فيها (أركان الدراسات العربية في مرحلتها الكلاسيكية) كما تقول المذكرة التفسيرية (ص ٩٥)، ثم يخُيرَّ بعدها بين متابعة الدراسة في (شعبة الدراسات العربية والشرقية القديمة) أو متابعتها في (شعبة الدراسات العربية الحديثة). ولأدع الشعبة الأولى، على ما يشوب دراستها من نقص، وما تنطوي عليه من انحراف تُصوِّره جداول الدراسة الغارقة في مواد أجنبية تطغى على علوم العربية الأصيلة وتضيِّق عليها المجال. ويكفي أن أقدم مثالاً واحداً لذلك في درس الأدب العربي الذي لا يتجاوز ساعتين كل أسبوع، بينما يشغل درس اللغة العبرية وآدابها، أو السريانية وآدابها ثلاث ساعات أسبوعية من وقت الطالب في كل من السنتين الثالثة والرابعة. ومن شاء المزيد من الأمثلة فليرجع إلى المذكرة التفسيرية (ص ٩٦) ليرى ما تتضمنه محاضرات "الدراسات الإِسلامية) و (النقد والبلاغة) من مفاهيم منحرفة تبدد الوقت الضئيل المحدد لها في قشور تبعدها عن طبيعتها الإِسلامية والعربية ولا تصل إلى أعماق المادة
стр. 176
ولبها. ومن شاء المزيد من الوضوح فليرجع إلى ما بين أيدي الطلاب من مذكرات ليعرف مبلغ ما يحصِّلونه ونوعَه. أقول إني لا أريد أن يتشعب بي الكلام في هذه الشعبة (القديمة)، وأريد أن أحصر كلامي في الشعبة الأخرى (الحديثة) لأن البلية بها أكبر. فهي تُسقط من حسابها كل العلوم العربية نحوها وصرفها وبلاغتها ونصوصها الفصحى شعراً ونثراً، كأن ذلك كله ليس له وجود وليس له آثار، وليست لنا به حاجة منذ القرن التاسع عشر الذي حصرت الشعبة دراساتها فيه وفيما يليه، كما تشير إليه المذكرة التفسيرية. وأكتفي في هذا الموضع بأن أنبه القارئ إلى ما ذكرته من أمر المناهج التي تريد أن تفصل حاضرنا ومستقبلنا عن ماضينا، لأستأنف إكمال الصورة التي نحن في صددها بنقل ما جاء في المذكرة التفسيرية عن مواد الدراسة في هذه الشعبة بسنتيها:
في السنة الثالثة:
١ - تاريخ النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر.
٢ - الأدب العربي الحديث في مصر والبلاد العربية.
٣ - تاريخ النقد الأدبي الحديث، مع العناية بنواحي الاتصال بينه وبين لنقد الأدبي الأوربي.
٤ - التطور اللغوي العريي في العصر الحديث، مع العناية بمشكلة الفصحى والعامية.
٥ - تيارات الفكر الإِسلامي وحركات التجديد في العصر الحديث (١)
٦ - المذاهب الكبرى في الآداب الغربية وتأثيرها في الفكر العربي.
في السنة الرابعة:
١ - الحياة الثقافية والاجتماعية في البلاد العربية وصلتها بالأدب.
стр. 177
٢ - مدارس الشعر العربي الحديث.
٣ - مدارس القصة.
٤ - فنون الأدب الشعبي.
٥ - اللهجات العربية الحديثة.
٦ - ويقوم الطالب بدراسات لغوية حديثة، مع العناية بالنحو المقارن والأصوات اللغوية.
هذه هي مواد الدراسة في الشعبة (الحديثة)، منقولةً عن المذكرة التفسيرية الملحقة بالجداول حرفاً بحرف (ص ٩٧ من تقويم الكلية السابق ذكره). وهي تخلو خلواً تاماً - كما ترى - من درس واحد في النحو أو الصرف أو البلاغة أو القرآن أو الدراسات الإِسلامية أو الأدب العربي السابق على الحملة الفرنسية. ويترتب على هذه الظاهرة الخطيرة أمران خطيران: أولهما عدم صلاحية التخرج في هذه الشعبة لتدريس اللغة العربية التي يجهل نحوها وصرفها وأدبها وبلاغتها. ليس هذا فحسب، بل إنه سيكون حرباً على العربية ومِعْول هدمٍ يعمل فيها, لأنه إذا سئل عن شيء مما يجهده غطى جهله بالتهكم بالعربية وقواعدها وأساليبها. وسيكون من آثار ذلك أن ينشأ جيل من الناس لا يقيم العربية ولا يتذوقها. فإِذا نعق ناعق من بَعْدُ بأن إعراب أواخر الكلمات لا داعي له، وبأن عربية القرون الأولى لغة ميتة لا وجود لها في الحياة، فسوف يجد هذا الناعق لصوته صدًى في عقول ذلك الجيل من الضحايا الذين ألقاهم سوء حظهم بين أيدي هؤلاء المعلمين.
هذه واحدة، أما الأخرى فهي أن هذه البرامج تهدد الدراسات العربية التي يريد المنهج أن يسميها (كلاسيكية) , لأن بقاءها يصبح مرهوناً بأهواء الشباب، الذي قد تستهويه هذه البدعة، فينصرف عن دراسة لغة القرآن ولغة الآباء والأجداد ولغة العرب الجامعة لشتاتهم إلى هذه الدراسات، التي تحاول أن تربط حاضرنا ومستقبلنا الأدبي بالغرب، في الوقت الذي تقرن فيه تراثنا الأدبي الحيّ العريق بالآداب الساميَّة الميتة. آداب السريانية والعبرية. إذ تجعلها جميعاً في شعبة واحدة هي (شعبة الدراسات العربية والشرقية القديمة).
стр. 178
فإِذا تركنا برامج الشعبة (الحديثة) إلى السنتين التمهيديتين اللتين يشترك
فيهما طلبة الشعبتين، وتزعم البرامج أنها تزوِّد الطالب فيهما بأركان الدراسات
العربية (في مرحلتها الكلاسيكية)، وجدنا أن الدراسات العربية لا تظفر فيهما بأكثر من نصف الوقت المحدد للدراسة، وهو وقت قصير لا يتجاوز مجموعه أربع عشرة ساعة في الأسبوع، نصيب الدراسات العربية منها سبع ساعات أسبوعياً في السنة الأولى وتسع ساعات أسبوعياً في السنة الثانية. مع ملاحظة أن بعض هذه الساعات التي ضممتها في إحصائي إلى الدراسات العربية يمكن إسقاطها من الحساب, لأن مراجعة المذكرة التفسيرية تبين أن ما يدرس فيها ليس من صميم العلوم العربية، بل هو في بعض الأحيان بعيد عنها. فبين ساعات السنة الأولى السبع مثلاً ثلاث ساعات باسم (اللغة العربية) تنص المذكرة التفسيرية على أنها دروس عامة يشترك فيها طلبة قسم اللغة العربية مع طلبة الأقسام الأخرى في دراسةٍ سطحية تلائم غير المتخصصين. وبين ساعات السنة الثانية التسع ثلاث ساعات تحت اسم (دراسات لغوية) وضحت المذكرة التفسيرية ما يدرس فيها بقولها: "ويبدأ هنا كذلك دراسة علم اللغة العام (General Linguistics) في تطوراته الحديثة مع الإِلمام بالمناهج الحديثة في دراسة الظواهر اللغوية - ص ٩٦".
ذلك هو ما تتضمنه دراسة الطالب الذي تمنحه الدولة في نهاية هذه السنوات الأربع شهادة تسمى اليسانس اللغة العربية وآدابها)، تجعل لحاملها الحق في مباشرة تعليم اللغة العربية للناشئة من أشبال العرب. فهل ترى أن هذه الدراسة تُعِدّه للقيام بهذه الوظيفة وحمل هذه الأمانة؟
بقي بعد ذلك أن أعود لما بدأت به حديثي حين قلت إن فكرة هذه الشعبة (الحديثة) قد بدأت في بِرْنستون، فأشير إشارة موجزة إلى مرحلتين سبقتا هذه البرامج تصوران نشأة هذا التوجيه وتطوره. أما المرحلة الأولى فهي تتمثل في الكلمة التي ألقاها مقترح هذه البرامج في مؤتمر الثقافة الإِسلامية المعاصرة الذي انعقد بجامعة بِرْنستون الأمريكية في صيف ١٩٥٣، وقد جاءت في كتاب (الثقافة الإِسلامية والحياة المعاصرة) تحت عنوان (القيم الإِسلامية والحياة الأدبية في مصر الحديثة) بين صفحتي ٥٢٧، ٥٤٩ وهي كلمة
стр. 179
لم يتضمنها نقدي لذلك الكتاب الذي نشر في عددي شعبان ورمضان سنة ١٣٧٦ (*).
ذكر مُحَمَّدْ خلف الله في مقاله ذاك حين عرض لذكر الدراسات النقدية في قسم اللغة العربية بالاسكندرية أنها قد "أثارت - فيما أثارته - معضلة لها نواحيها التطبيقية والتعليمية: تلك هي صلة علوم البلاغة العربية بالنقد الأدبي، وهل تلك العلوم دراسات لزمنٍ قد انقضى ويجب أن تخليِّ المكان للنقد الحديث - ص ٥٤٤". ثم عرض في ذلك المقال لما سماه (مشكلات اللغة العربية)، فذكر منها "الصلة بين الفصحى والعامية، وأثر هذا الازدواج في إضعاف المجهود الفكري للأمة. وهل من المصلحة أن تعمَّم العامية بعد صقلها وترقيتها، أو يحدث تقارب بين اللغتين؟ وهل لطريقة الكتابة العربية التي تعبِّر عن مادةِ الكلمة لا صورتها أثر في صعوبة اللغة نفسها على متعلميها؟ وإذا كان، فكيف السبيل إلى إصلاحها؟ - ص ٥٤٦". وقال بعد ذلك في صدد ما سماه مشكلة الخط العربي: "ويبدو من المحتمل أن يقبل الرأي العام اقتراحاً للإِصلاح يقوم على الاحتفاظ بالطريقة العربية في الكتابة مع إضافة أحرف جديدة للحركات القصيرة، تدخل بها الحركات في صلب الكلمة على نظام الكتابة الغربية - ص ٥٤٧". ووصف هذه المعضلة الموهومة بأنها مشكلة عالمية (؟!) , لأن حلها في نظره "يهم العالم كله. ومن الخير أن يتولى بحثها مؤتمر إسلامي عام يشترك فيه الأخصائيون من علماء الغرب - ص ٥٤٧". أما ما سماه (مشكلة العامية والفصحى) فقد وصفها تارة بأنها (ازدواج - ص ٥٤٦) ووصفها تارة أخرى بأنها (ثنائية لغوية - ص ٥٤٩). وزعم أنها ظاهرة لها مضارها في سير الفكر والتعبير - ص ٥٤٩". وكان من مضارها عنده صعوبة الاتصال المباشر بين الغربيين وشعوب العربية (وذلك لَمِا اضطُّر إليه الغربيون من الاقتصار على تعلم الفصحى واستمداد أساليبها من الكتب - ص٥٤٩). ومن عجيب أن يراقب صاحب المقال الغرب في كل مقاله حتى يجعل لهذه المراقبة اعتباراً في لغتنا التي هي أخص خصائصنا. ويحاول الكاتب في ختام مقاله أن يلقي ستاراً على رأيه الذي يبدو واضحاً في هذه المشاكل
стр. 180
المزعومة، فيقول إنه قد اقتنع منذ مدة "أن الوسيلة انوحيدة للبلاد العربية والإِسلامية هي الحرص على اللغة الفصيحة وتعميمها - ص ٥٤٩". ولكن حقيقة أمره لا تلبث أن تتضح حين يتبين للقارىء أن اللغة الفصيحة التي يعنيها هي لغة أخرى معدَّلة متطورة في رسمها وفي مادتها، إذ يدعو إلى "استعمالها في شؤون الحياة والفكر، وإصلاح رسمها بما يسهل الاستعمال، وإغنائها بكثير من عناصر الحياة التي تفيض بها اللغة العامية، وإخضاعها لما لا يضيع خصائصها الجوهرية من أساليب التطور والتجديد - ص ٥٤٩).
فهذا المقال يصور مولد الفكرة في برنستون، وهو المرحلة الأولى في برامج قسم اللغة العربية. أما المرحلة الثانية التي توسطت بين نشأة الفكرة في صيف سنة ١٩٥٣ وبين تنفيذها في البرامج الجديدة بقسم اللغة العربية في العام الدراسي (٥٥ - ٥٦) فهي مسجَّلة في مقال لمحمد خلف الله نشره في (مجلة اتحاد كلية الآداب) عن العام الدراسي (٥٤ - ٥٥)، وهو يصور اختمار الفكرة، وقد جاء هذا المقال تحت عنوان (ثقافة الاسكندرية الحديثة - ص١٢ إلى ١٤)، وفيه يقول بعد أن أشار إلى عناية جامعة؟ الإسكندرية بدراسة الفكر العربي الحديث: "وستشهد السنوات القليلة المقبلة مزيد عناية بهذه الدراسة وتوسعاً في ميادينها، حتى تشمل ظواهر التطور اللغوي والأدبي وتفرع اللهجات في وادي النيل والبلاد العربية. وسيزداد الاهتمام في هذه الدراسة بالجانب التجريبي من بحوث اللغة، فينشأ معمل لتسجيل الأصوات وقياسها - ص ١٤" (١). وقد قسم كاتب المقال الفكر الإِسلامي والعربي في ختام مقاله هذا إلى (فكر عربي وإسلامي كلاسيكي) و (فكر عربي حديث) ودعا إلى "المحاضرة عنه في المعاهد الأوربية والأمريكية التي تعنى الآن بدراسة هذا الفكر وتعرف اتجاهاته"، ولست أدري إن كان قد سأل نفسه حين كتب هذا الكلام، ما هو سبب هذه العناية الجديدة من جانب أمريكا بتعرف اتجاهات الفكر الإِسلامي الحديث ومحاولة توجيهه في اتجاهات معينة؟!
ولأكتف من المقال بهذا القدر، ولأتجاوز عما جاء به من اقتراح إنشاء (معهد لدراسات البحر الأبيض) يصبح "كعبة للطلاب الغربيين الذين يفدون