واعلم أنّ الشريعة تمنع ها هنا أن يزيد دراهم أو عرضًا إلى أجل؛ لأنّه ردّ الحمار ببعض ما وجب عليه أن ينقده، وبقيت العشرة دنانير الّتي كان وجب عليه نقدها فسخت في "رهم أو عرض إلى أجل. وأمّا إذا زاد دينارًا وهو من سكّة الثّمن الّذي اشترى به نقدًا، فإنّ ذلك جائز, لأنّه قضى بعض ما عليه من العشرة، ودفع عن بقيّتها حمارًا. وأمّا إن كان الدّينار الّذي زاد غير سكّة الثّمن، لم يجز ذلك, لأنّه قضى ما عليه من العشرة دنانير حمارًا ودينارًا من غير سكّة الثّمن الّذي في ذمّته لم ينقده. وإن زاد دراهم، فإنّ ذلك يجري على الاختلاف في البيع والصرف, لأنّه دفع الحمار عن بعض ما عليه من العشرة دنانير دراهم وذلك صرف. فيجوز منه عند ابن القاسم ما تقاصر عن مقدار الدّينار، ويجوز عند أشهب على الإطلاق.
وأمّا لو كانت الزّيادة من البائع، لكان الحكم فيها كحكم ما قدّمناه من زيادة في بيعة النّسيئة، فيجوز له أن يزيد ما شاء نقدًا أو مؤجّلًا، إلاّ أن يزيده من صنف الحمار الّذي ارتجع، فيكون ذلك سلفًا، فيتصوّر فيه ما بيّناه في المسئلة الّتي قبل هذا.
ومِمّا يلحق بما نحن فيه، وذكره في المدوّنة فيمن باع عبده بعشرة دنانير على أن يبيع منه الآخر عبده بعشرة دنانير، أنّ ذلك إن كان على جهة المقاصّة العشرة بالعشرة، جاز ذلك, لأنّ المعتبر بالأفعال الّتي حصل عليها المتبايعان لا بالألفاظ الّتي تحسن أو لا تحسن. والّذي حصل عليه ها هنا المتبايعان بيع عبد بعبد، ومقابلته الدّنانير بالدّنانير لا محصول له إذا لم يخرج مضمون ذلك إلى الفعل. فلو وقع العقد على أن يخرج هذا العشرة مع العبد وهذا العشرة مع العبد، لكان ذلك ممنوعًا, لأنّ (١) حصل من فعلهما أنّ أحدهما دفع عبدًا وعشرة دنانير في عبد وعشرة دنانير، وقد تقدّم وجه المنع من هذا. ولا خفاء في أنّ هذين المتبايعين إن شرطا ألاّ يخرج واحد منهما الدّنانير، فإنّ ذلك لا يجوز.
стр. 1577
وإن لم يذكر إخراجًا للدّنانير ولا مقاصّة لها، فإنّ ذلك محمول على الوجه الجائز وهو وجوب المقاصّة. وإنّما كان ذلك كذلك ولم يحمل هذا العقد على المعنى الآخر الّذي هو الفساد لأجل أنّ الأصل فيمن له على رجل دين، وللآخر مثله أنّه لا يكلّف واحد منهما إخراج ما عليه، بل الواجب المقاصّة والمحاسبة بمالك لّ واحد على الآخر، ما لم يمنع من اتباع هذا الأصل مانع. والمانع ها هنا اختلاف السكك أو اختلاف الآجال. ولو وقع بيع هذا عبده بعشرة دنانير من سكّة منعوتة على أن يبيع له الآخر عبده بعشرة دنانير من سكّة أخرى، لحمل هذا على الفساد, لأنّ الّذي يستحقّه أحدهما على الآخر من هذه الدّنانير خلاف ما يستحقّه صاحبه عليه. وإذا اختلفت السكك، لم تجب المقاصّة إلاّ بالتّراضي، فإذا لم يصرّحا بالتّراضي على ذلك، بقيا على مقتضى الأصل.
وهكذا الحكم إذا اختلفت الآجال مثل أن يبيع أحدهما عبده من رجل بعشرة دنانير إلى شهر على أن يبيعه الآخر عبده بعشرة دنانير إلى شهرين، فإنّ هذا فاسد, لأنّ المقاصّة لا تجب لكون أحد الدّينين يستحقّ على أحدهما قبلُ، فيلزمه إخراجه قبل أن يستحقّ على الآخر ما عليه لهذا من دين.
стр. 1578
فصل
قال القاضي أبو محمّد عبد الوهاب ﵀: والدّين بالدّين ممنوع إذا كان من الطّرفين. والوضع على التّعجيل ممنوع، وهو أن يكون له عليه كُرّ (١) حنطة جيّدة إلى أجل سنة فيعطيه قبل الأجل دون صفته، فلا يجوز لأنّه وضع الصفة الّتي له ليتعجّل له القبض، وما كان خارجًا عن أصل الرّفق والمعروف، فلا يقاس عليه.
قال الفقيه الإِمام ﵀: أمّا هذا الّذي ذكره من منع الدّين بالدّين، فقد تقدّم ذكره والتّنبيه عليه في أثناء فروع كثيرة تقدّمت في كتاب السلم. والأصل فيه ما روي عن النبيّ ﷺ : "أنّه نهى عن الكاليء بالكاليء" (٢) والكاليء هو المؤخَّر. فكأنّه قال نهى عن بيع مؤخّر بمؤخّر. وقول القاضي أبي محمّد ها هنا: (من الطّرفين) تأكيد للبيان، وإلاّ إذا كان المراد بذكر الدّين ما يؤخر كان مقنعًا قوله: الكالي بالكالي, لأنّ أحدهما إن كان منقودًا فلا يسمّى دينًا، وإن كان غير منقود وهو في الذّمّة، فإنّه يسمّى دينًا. ولكن يكون الدّين حالًا ومؤجّلًا، فإن كان حالًا فباعه مِمّن هو عليه بجنس آخر مؤجّل، فهو فسخ الدّين في الدّين، وذلك من معنى ربا الجاهليّة الّذي حرّمه الله تعالى في كتابه على حسب ما تقدّم بياننا له من الاختلاف في تأويل الآية الّتي نزلت في ذلك. وقد كانت الجاهليّة (٣) إمّا أن تقضي وإمّا أن تربى. فإذا حلّ أجل الدّين وهو في المثل عين، فإنّه إذا أخّره
стр. 1579
بزيادة فيه فهذا يحرّم, لأنّ التّأخير للدّين بعد استحقاق قبضه كسلفه لمن هو عليه. والزّيادة في مقدارٍ عوضَ التّأخير هي زيادة عوض السلف، وقد علم تحريم سلف جرّ نفعًا. وإن فسخ ذلك في جنس آخر من دراهم أو عروض، فإنّ التّأخير لا يقع غالبًا إلاّ وقد زاده في مقدار ما يعطيه بعد الأجل الثّاني على قيمة ما يعطيه له لو عاوضه عن دينه من غير تأخّر. وهذه الزّيادة في القيمة لأجل التّأخير كسلف جرّ نفعًا. وينضاف إلى هذا -إذا فَسَخَ ذلك في دراهم- عَقد الصرف على التّأخير، وهو ممنوع منه.
وكذلك لو كان الدّين الّذي حلّ عروضًا فسخها في عروض أخرى إلى أجل، فإنّه يزيده في قيمة العروض الثّانية لأجل إنظاره له وتأخيره بدينه. ولو عاوضه عن دينه المؤجّل قبل أن يحلّ أجله بجنس آخر مؤجّل إلى مثل الأجل الأوّل، فإنّ هذا يمنع أيضًا لكونه فسخًا لدين في دين. وقد قال بعض أشياخي: ليس هذا التّحريم بمعلّل, لأنّا صوّرنا في فسخ الدّين الحال في جنس آخر مؤجّل إلى أنّه يزيده في مقدار الثّاني لأجل تأخيره الأوّل. وها هنا إذا كان الفسخ قبل حلول الأجل والعرض الثّاني إنّما يؤخذ عند الأجل الأوّل، فإنّه لم يستحقّ قبض شيء فيقدّر أنّه أخّره لأجل ما زاد في مقدار الثّاني.
ولكن عندي أنّ هذا، وإن لم يتصوّر فيه هذا المعنى، فإنّه يتصوّر فيه بيع دين بدين، وقد ورد الحديث بالنّهي عنه. لكن قد يعرض في فسخ دين في دين ما يُشْكِل من ناحية كونه كالدّين أو كالمنقود، مثل أن يحلّ له دين فيأخذ عنه سكنى دار معَيَّنة إلى أجل معلوم أو ركوب دابّة معيّنة، فإنّ هذا يصحّ أنّه إذا أخذ فيه سكنى أو ركوبًا مضمونًا في الذّمّة، أنّ ذلك لا يجوز لكون المضمون من سكنى أو ركوب لا شكّ في تسميته دينًا.
وإن أخذ فيه سكنى دار معيّنة أو ركوب دابّة معيّنة, فها هنا عرض الإشكال: هل ذلك كالدّين لمّا كان ضمانُ هذه المنافع من صاحب الدّار والدّابّة وهي لم تقبض منه جملة واحدة فتلحق بأحكام الدّيون الّتي لا يجوز فسخ دين فيها كما قاله ابن القاسم؟ أو تلحق بالمعيّنات المقبوضة لمّا أسندت هذه المنافع إلى دار معيّنة ودابّة معيّنة؟ وقد علم أنّه لو أخذ الدّار أو الدّابّة عن دينه
стр. 1580
الّذي حلّ وقبضها على أن ذلك جائز. فكذلك المنافع المسندة إليها والمأخوذة منها يقدّر أنّ قبض أوّلها كالقبض لآخرها, لمّا كان لا يتصوّر القبض في هذه المعاني ولا يُقدَر عليه إلاّ على هذه الصّورة.
وقد وقع في الموّازيّة فيمن استعمل غريمه عملًا قبل حلول أجل دينه بالدّين الّذي له عليه، أنّه لا خير في ذلك, لأنّه قد يمرض الأجير فيتأخّر العمل إلى ما بعد حلول الأجل. وحمل بعض أشياخي على المذهب أنّ هذا قول ثالث ليس بالإجازة على الإطلاق، كما ينسب لأشهب، ولا بالمنع مطلقًا كما ينسب لابن القاسم لأنّه إنّما علّل بجواز المرض المقتضي أخذ المنافع بعد حلول الأجل، فدلّ ذلك على أنّه إنّما يمنع ذلك إذا وقع فسخ الدّين في هذه المنافع عن دين قد حلّ، لكون ما عرض من الإشك الذي كون هذه المنافع كالدّين أوْ لا، كما بيّناه، فيتصوّر فيها معنى ربا الجاهليّة: تقضي أو تربي. فإذا كان ذلك قبل الأجل، فلا يتصوّر فيه معنى ربا الجاهليّة كما قدّمناه عن بعض أشياخنا أنّه يرى فسخ دين في دين قبل حلول الأجل شرعًا غير معلّل. وقد نصّ (١) بعض المتأخّرين طريقةَ أشهب في الجواز بأن قال: اتفق على جواز اكتراء هذه المنافع بدين في ذمّة المكتري ولم يقدّر ذلك دينًا بدين فيمنع. فهذا يقتضي صحّة ما ذهب إليه أشهب من كون هذه المنافع لا تعدّ دينًا. وأشار بعضهم إلى التّفرقة بين هذين, لأنّ عقد دينين في ذمّتين كانتا خاليتين من الدّين أخفّ من فسخ دين عمرت الذّمّة به في دين آخر. ألا ترى أنّا لا نسامح بتأخير عوضٍ أُخذ عن دين في الذّمّة يومًا واحدًا، ويسامح في جواز اشتراط تأخير رأس المال في السلم اليوم واليومين, لأنّ ما على المسلم والمسلم إليه وقع العقد عليه، والذّمّتان خاليتان منه. وقد أشار الشيخ أبو إسحاق. إلى أنّ في كتاب ابن الموّاز ما قد يتناول منه منع شراء هذه المنافع بدين يكون لمشتريها على رجل آخر، فاختلف فيه أيضأهل يجوز أو يمنع؟ ووقع في كتاب الخيار من المدوّنة جواز اشتراط
стр. 1581
ذلك بشرط أن يشرع في السكنى. ولعلّنا أن نبسط هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. وأمّا أخذ سلعة غائبة أو أمة بتواضع أو سلعة على خيار قابضها، فإنّ هذا على القولين المذكورين يمنعه ابن القاسم، ويرى دخول التّأخير في هذا يلحقه بأحكام الدّيون.
وأمّا ما ذكره من منع ضع وتعجّل، فإنّا قد ذكرناه في مسائل كثيرة تقدّمت في كتاب السلم وغيره. وقد ذكر عن عمر وعبد الله ابنه، ﵄، أنّهما يمنعان من ضع وتعجّل. وقد صوّر في المنع أنّ الّذي عجّل الدّين قد اشتراه بما عجّله ليأخذ ذلك من نفسه إذا حلّ الأجل قضاء عمّا أسلفه مِمّا عجّل، فيكون كسلف بزيادة. وقد قرّرنا قولها بمنع الذّرائع وصوّرنا هذا المعنى في مسائل تقدّمت.
стр. 1582
فصل
ذكر القاضي أبو محمّد عبد الوهّاب الممنوعات الرّاجعة إلى صفة العقد، فذكر أنّ منها: البيع والسلف.
قال الفقيه الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدّليل على منع البيع والسلف؟ ٢ - وهل يصحّ العقد إذا سقط السلف؟ ٣ - وهل يصحّ إسقاطه بعد قبضه؟ ٤ - وما الواجب فيه بعد فوت المبيع؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: روي عن النبيّ ﷺ أنّه نهى عن البيع والسلف (١). واختار بعض أشياخي في توجيه المنع أن ذلك من معاني حماية الذّرائع، وذلك أنّه قد تقرّر أنّ بيع الذّهب بالذّهب لا يجوز (٢). ومن أقرض مائة دينار على أن يأخذ مثلها بعد سنة، فإنّ هذا المعنى يتصوّر فيه حقيقة البيع لأنّه باع مائة ينقدها بمائة يأخذها بعد سنة. لكن إنّما (٣) ندَبَ الشّرع إلى مكارم الأخلاق وحضّ على اصطناع المعروف ورفق المسلمين بعضهم ببعض، اقتضت المصلحة في المحافظة على هذا الّذي ندب إليه، منعَ السلف بزيادة، لأنّا لو أبحنا الزّيادة فيه، لكنّا سددنا باب الارتفاق وما دُعينا إليه من مكارم الأخلاق. وقد علم أنّ البيع إذا انفرد، جاز باتّفاق. وإذا انفرد السلف على وجه المعروف والرّفق، جاز أيضًا باتّفاق. فإذا اجتمعا منعا، وما ذلك إلاّ أنّ المبيع المقارن للسلف قد يزيد في قيمته ويرغب فيه مشتريه لأجل ما يتسلّفه (٤) البائع،
стр. 1583
فتصير الزّيادة الّتي زادها على قيمته عوض السلف، والسلف بزيادة ممنوع.
وسلك بعض أشياخي في وجه المنع مسلكًا آخر، فقال: قد تقرّر أن الرّبا ممنوع، والبيع إذا قارنه سلف يوقع في الرِّبا الممنوع إمّا ربا النّسا وإمّا ربا الفضل. ويتصوّر هذا بأنّ من باع عبدًا بمائة دينار على أن أسلف المشتري خمسين دينارًا فأخذها إلى سنة، فإنّه قد أخرج من يده عبدًا ومعه خمسون دينارًا، ويأخذ عوضًا عن ذلك ما يدفعه المشتري من الثّمن نقدًا وما يدفعه عند قضاء السلف، فيحصل في هذا ربا النّسا، وربا الفضل إذا قدّرنا اختلاف مقدار ما يقع من المقابلة بين الذهبين لاختلاف التّقويم في السلعة على حسب ما تقدّم في أحكام الرّبا لمّا تكلّمنا على وجه المنع من بيع سلعة وذهب بذهب. وعلى هذا الأسلوب يتصوّر لك الرّبا إذا كان السلف دراهم، أو كان طعامًا يحرم فيه الرّبا. وإن كان طعامًا لا يحرم فيه الرّبا، تصوّر فيه ربا النّسا، لكن لو كان ما لا ربا فيه لا في النّقد ولا في النّسا، لكان هذا يمنع عندنا على أصلنا في منع بيع ثوب نقدا بثوبين من جنسه إلى أجل. لأنّا نرى أنّ التّماثل ها هنا يجعل الزّيادة عوض السلف، فإذا باع منه عبدًا بمائة دينار على أن أسلفه ثوبًا، فإنّه يتصوّر ها هنا ربا النّسا في مقابلة الثّوب بالثّوب على حسب ما قدّمناه في كتاب السلم. وذكرنا هناك أنّ الشّافعي لا يمنع من سلم ثوب في ثوبين مثله. ولا يقدّر في أمثال هذه العروض ربا النّسا. فهو لا يمنع مثل هذا على مقتضى أصله، ونحن نمنعه لأجل ما استدللنا به فيما تقدّم على منع سلم ثوب في ثوبين ولعموم الخبر أنّه نهى ﵇ عن البيع والسلف (١).
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد ذكرنا في كتابنا المُعلِم اختلاف من تقدّم من الأئمّة في بيع وشرط. وذكرنا الحكاية الّتي رويت عنهم في هذا وما احتجّ به كلّ واحد لمذهبه (٢).
стр. 1584
واعلم أنّ البيع المؤثّر في صحّته شرط يقارنه في المذهب فيه اضطراب كثير. وذكر أهل المذهب فيه فروعًا كثيرة يكثر تعدادها. ووقعت أجوبة للأئمّة من أصحاب مالك عنها مختلفة. فدعا ذلك شيخنا الفقيه أبا الحسن المعروف باللّخميّ صاحب التّبصرة إلى أن قال: فيه ثمانية أقوال. واشتدّ نكير شيخي الآخر أبو محمّد عبد الحميد عليه هذا الإكثار من الخلاف حتّى أملى عليه في ذلك إملاء بيّن فيه ضعف التّاريخ (١) الّتي عوّل عليها شيخنا أبو الحسن، مع كونه لم يتصوّر له هذا العدد من الأقوال في وجوه مختلفة لا يصحّ أن تكون عن وجه واحد فيه ثمانية أقوال. وكان يرى أنّ الأجوبة عن هذه المسائل إنما اختلفت لاختلاف معاني الشروط المفسدة لها.
فما قيل فيه: إنّ البيع صحيح والشرط باطل، فإنّما ذلك لأنّ الشرط وإن كان مبنيًّا عنه، فإنّه لم يؤثر في الثّمن ولا في المثمون جهالة ولا غررًا، ولا فائدة فيه لمشترطه. فكأنّه لمّا لم يتعلّق به حقّ الله تعالى ولا منفعة لِمشترطهِ ظاهرة، أُسقِط وصحّ البيع.
وإذا كان الشّرط يتضمّن غررًا في الثّمن أو المثمون ومخاطرة، فسد البيع ولو أسقط الشرط. لأنّ الشّرط إذا أسقط، فإنّما سقط بهذا الإسقاط حقّ صاحب الشرط وبقي حقّ الله سبحانه في نهيه عن الغرر في البيوع. مثل أن يبيع أمة عليّة بشرط البراءة من حملها، فإنّ البيع يفسد ولو أسقط هذا الشرط لكون الغرر قد استقرّ في هذا العقد, لأنّ الجارية العليّة لو تحقّق مشتريها أنّ بها حملا، ما رضي أن يدفع من ثمنها عشر ما دفع، كما أنّ البائع لو علم براءتها من العمل لم يبعها إلاّ بأكثر مِمّا باعها به، فإسقاط عيب العمل إن ظهر لا يرفع ما استقرّ من هذا الغرر الّذي حصل في الثّمن. وإذا قيل فيمن باع أمة عليّة بشرط ترك المواضعة إنّ البيع لا يفسد وتجب المواضعة، فإنّه لا يرى أنّ هذا الشّرط يقتضي في الثّمن من الغرر ما اقتضاه شرط المتبرّي من العمل في الجارية الرائعة.
стр. 1585
وعلى هذه الأساليب كان شيخنا ﵀ يجري هذه المسائل الّتي اختلفت الأجوبة عنها.
وقد أشار الشّيخ أبو إسحاق إلى هذه الطّريقة في اعتذاره عن كون البيع الّذي قارنه السلف يصحّ إذا أسقط الشّرط، بأنّ الثّمن ها هنا والمثمون قد قيل: إنّهما سالمان من الغرر، وإنّما الفساد في السلف، وهو أمر خارج عنهما.
فكان ذلك بخلاف ما فسد لأجل ما وقع من الغرر في ثمنه أو مثمونه. ولكن تعقب هذا الاعتذار بأنّ الانتفاع بالسلف هو بعض الثّمن، فأشبه من باع سلعة بمائة دينار وعبد آبق، فإنّ هذا البيع لا يصحّ، ولو أسقط العبد الآبق، لمّا كان بعضَ الثّمن، فكذلك السلف هو بعض الثّمن. بخلاف لو وَقع الثّمن إلى موت زيد فرضي المشتري بتعجيله، فإنّ ذلك لا يصحّح البيع لمّا كان الغَرَر في نفس الثّمن، وهو تعليقه بأجل مجهول، ووقع العقد على غرر. فهذا التّشبيه للسلف بالعبد الآبق ليس بالواضح. والعبد الآبق إذا قارن الثّمن الّذي هو الدّنانير، فإنّ الدّنانير حصل فيها تخاطر بين المتبايعين, لأنّ الآبق لو تحقّق باذله سلامته، لم يرض بتلك الدّنانير بل بأكثر منها. ولو تحقّق عطبه، لم يبذل باذل الدّنانير إلاّ أقلّ مِمّا بذل. فإسقاط الآبق محا عينه ولم يمح أثره الّذي في الدّنانير. والانتفاع بالسلف وإن كان ممنوحًا، فإنّه لم يؤثّر غررًا في الثّمن الّذي قارنه. فإذا أُسقِط، بقي الثّمن سالمًا من الغرر. لكن لو كان عوض الآبق خمرًا، لكان إسقاطه لا يبقي غررًا في الدّنانير الّتي هي بعض الثّمن. لكن هذا يلتفت فيه إلى ما كنّا قدّمنا الكلام عليه من حكم صفقة جمعت حرامًا وحلالًا، وقد بسطناه هنالك، وهو مِمّا يصرف في هذه المسئلة. وقد قيل في المذهب فيمن تزوّج بمائة دينار وعبد آبق: إنّ الآبق إذا أسقط صحّ النّكاح. فأنت ترى كيف أجرى صاحب هذا المذهب الآبق مجرى السلف المقارن للبياعات، ولكنّه إنّما ذكر ذلك في النّكاحات، والنّكاح يسامح في عقده من الغرر بما لا يسامح به في البيوع.
فإذا تقرّر هذا، فاعلم أنّ المذهب على قولين في البيع إذا قارنه سلف،
стр. 1586
هل يصحّ البيع إذا أسقط السلف أم لا؟ والأشهر من المذهب أنّ البيع يصحّ إذا أسقط السلف. وقيل: بل يفسخ البيع ولو أسقط السلف، وإليه ذهب محمّد بن عبد الحكم. وذكر الأبهري أن بعض المدنيين رواه عن مالك قال: وهو القياس. وقد أشرنا إلى سبب هذا الاختلاف وأنّ المذهب المشهور بني على أنّ الفساد في غير الثّمن والمثمون. فإذا أزيل الفساد وبقي الثّمن والمثمون سالمين من مقارنته، صحّ العقد. وإنّ المذهب الآخر بني على القياس على أكثر البياعات الفاسدة وأنّ الفساد في البيع والسلف قد يتصوّر في الثّمن، على حسب ما ذكرناه وذكرنا ما قيل فيه. وهذه المسئلة قد تتعلّق باختلاف أهل الأصول في النّهي، هل يدلّ على فساد المنهيّ عنه أم لا؟ وقد ذكرنا أنّ النبيّ ﵇ نهى عن البيع والسلف كما قدّمناه، والنّهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه وردّه.
وقد قال أيضًا في الحديث: "من أحدث في ديننا ما ليس منه، فهو ردّ" (١)، والمردود لا يمضي. وإذا قيل: إنّ النّهي لا يدلّ على فساد المنهيّ عنه نظر في المسئلة من جهة أخرى، وهي: هل حصل الإخلال بشرط من شروط صحّة البيع وانعقاده أم لا؟ والتُفِت حينئذٍ إلى كون هذا الفساد خارجًا عن الثّمن والمثمون أو مرتبطًا بهما. كما ينظر أيضًا فيمن باع جارية على أن يتّخذها أمّ ولد، هل يقتضي النّهي فساد المنهيّ عنه فيفسخ البيع، ولو أسقط هذا الشّرط الّذي هو اتّخاذها أمّ ولد، أو يصحّ البيع بإسقاط هذا الشرط منفصلًا عن الثّمن والمثمون، لم يحدث فيهما غررًا. واختيار كثير من الأشياخ كون الشّرط إذا سقط، لا يصحّ البيع والسلف وما في معناه من الشّروط، لكون العقد وقع على الفساد وهو ثمن واحد لا يتبعّض ولا يتعدّد. فالفساد إذا دخله أثَّر في كلّية العقد وجملته وسرى ذلك إلى الثّمن والمثمون وصيّرهما فاسدين في أنفسهما. لأنّ السلف إذا كان من المشتري، فهو بعض الثّمن، وإن كان من البائع فهو بعض المبيع، وفساد بعض الثّمن أو بعض المثمون يفسد جميعه.
стр. 1587
وقد أشار القاضي إسماعيل إلى إنكار الاحتجاج على صحّة البيع إذا أسقط شرط السلف بإسقاط خمر وقع العقد عليه مع ثوب. وقال: إنّما يكون وزان مسئلة البيع والسلف أن يكون بائع الثّوب شرط على مشتريه أنّه إن شاء طلبه مع الثّمن الّذي اتّفقا عليه من الخمر بأمر سمّياه، وإن شاء لم يطلبه.
وتنازع المتأخّرون في هذا الّذي قاله إسماعيل القاضي. ونحن قد نبّهناك فيما أشرنا إليه من طرق الاستدل الذي هذه المسئلة في كلامنا على هذا السؤال الثّاني والّذي قبله ما يعلم منه حقيقة ما قاله إسماعيل القاضي.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: إذا تقرّر أنّ المشهور من المذهب في البيع والسلف أنّ إسقاط مشترط السلف لِمَا اشترطه منه يصحّح البيع. وقد اختلف أصحاب هذا المذهب فيه إذا قبض السلف، هل يؤثّر إسقاطه رفع فسخ البيع أم لا؟ فذكر أصبغ في أصوله عن ابن القاسم أنّ قبض السلف لا يمنع من تأثير إسقاطه، وأن السلف إذا أسقطه قابضه وأعاده على دافعه، صحّ البيع، وهذا ظاهر المدونة وذهب ابن حبيب وسحنون إلى أنّ إسقاط السلف بعد قبضه لا يؤثّر (١)، ولا يصحّ البيع الفاسد لأنّ الرّبا قد تمّ بقبضه والانتفاع به، وإذا حصل وجود المعنى المفسد للبيع، لم يتصوّر رفع ما قد وجد، بخلاف إسقاط السلف قبل قبضه فإنّه لا يرفع ها هنا سوى حكم النّطق باشتراطه، ولم يحصل وجود الفعل الممنوع وهو الانتفاعَ بهذا السلف. وهكذا ظاهر المذهب أنّه لا يؤثّر إسقاطه إذا وقع هذا الإسقاط بعد أن فاتت السلعة في يد مشتريها, لأنّها إذا فاتت في يد مشتريها لزمته قيمتها وصارت القيمة دينًا عليه، فإسقاط شرط السلف لا يرجع إلى إمضاء عين المبيع وتصحيحه لما سقط الشرط حتّى يصير إسقاط هذا الشرط كإسناد عقد صحيح على عين موجودة قائمة في حقّ من أسقطه. وإسقاطه بعد ذوات السلعة ووجوب القيمة إنّما يرجع إلى زيادة في هذه القيمة أو نقص، وذلك خارج عن تصحيح نفس العقود في الأعيان القائمة. لكن
стр. 1588
الشّيخ أبا إسحاق أشار إلى إشك الذي صحّة إسقاط هذا الشرط بعد فوات فوت المبيع إذا كان السلف لم يقبض وقال: انظر في ذلك. لكن قد وقع في شرح ابن مزين عن ابن نافع فيمن قارض وشرط في القراض شرطًا فاسدًا، أنّ إسقاط الشّرط إنّما يؤثّر ويصحّ القراض بإسقاطه ما لم يقع العمل بالقراض. فإذا وقع (١) عمل العامل بالمال، لم يؤثّر إسقاط الشّرط. ورأى بعض أشياخي أنّ هذا يشير إلى أنّ إسقاط السلف المشترط في البيع لا يؤثّر إذا فاتت السلعة وإن كان السلف لم يقبض. وهذا الّذي قاله من هذا وتأوّله لا وجه له, لأنّ القراض لا يلزم بالقول المجرّد في أحد القولين عندنا. فإذا وقع إسقاط الشّرط من مشترطه قبل العمل بالقراض، (صار إسقاطه كاستئناف عقد صحيح في حقّ نفسه، وبقي الآخر على خياره في حلّه، ولو كان القراض صحيحًا لم يقارنه شرط. فإذا وقع العمل بالقراض) (٢)، لم يؤثّر إسقاط الشّرط لأنّ إسقاطه وقع بعد فوات المبيع.
ويمكن أن يكون بني هذا الجواب على مذهب من يرى أنّ إسقاط الشّرط قبل العمل في السلف المقارن للبيع لا يؤثّر بل يفسخ البيع على كلّ حال. وإنّما فرّق ها هنا في القراض بين إسقاط الشّرط قبل العمل وبعده، لأجل ما ذكرناه من إثبات الخيار لربّ المال والعامل في حلّ القراض قبل أن يعمل به. فإذا أمكن هذا، لم يكن ما استقرأه من هذه الرّواية موثوقًا به، إلَاّ أن يثبت أنّ مذهب ابن نافع، لمّا قال هذا، كونُ القراض يلزم بالعقد، فيكون لِمَا استقرأه وجه.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: إذا وقع البيع بشرط السلف وفاتت السلعة في يد المشتري بحوالة السوق أو غيرها مِمّا يفيت البيع الفاسد، فإنّ المذهب اختلف في ذلك. فقيل: الواجب في ذلك القيمة، قلّت أو كثرت، كما تجب في أكثر البياعات الفاسدة. وهكذا قال سحنون: إذا قبض السلف وامتنع إسقاطه قبل قبضه وفاتت السلعة، فإنّ القيمة فيه بالغة ما بلغت. وهكذا حكى غيره عن ابن القاسم أيضًا إيجابَ القيمة مطلقًا, لأنّ الواجب في البيع الفاسد ردّ
стр. 1589
عين المبيع، فإذا استحال ردّه لعدمه، أو ما هو في حكم العدم، رُدّت قيمته على الإطلاق بدلًا من عينه. والّذي في المدوّنة أنّ القيمة الواجبة يلتفت فيها إلى زيادتها على ما رضي به المسْلِف.
فإن كان السلف من المشتري: اشترى سلعة بمائة على أن أسلف خمسين، فإنّ للبائع الأكثر من الثّمن أو القيمة. فإن كانت القيمة مائتين أو أكثر أخذها. وإن كانت القيمة أقلّ من مائة دينار، لم ينقص المشتري من ذلك لأنّه رضي بمائة دينار ثمنًا معها خمسون دينارًا يدفعها سلفًا، فإذا قضينا عليه بالثّمن وهو المائة، وأسقطنا عنه ما هو كبعض الثّمن، وهو ما التزم من سلف، فإنّه قد أحسن إليه في هذا إذا قضينا عليه بالقيمة ما لم ينقص من الثّمن.
وإن كان السلف من البائع، كان له الأقلّ من الثّمن أو القيمة، فإن كانت القيمة خمسين أو ستّين دينارًا، لم يلزم المشتري أكثر من ذلك لأنّها عوض العين الّتي وجب عليه ردّها لفساد العقد. وإن كانت القيمة مائتين، لم يلزم المشتري إلاّ المائة الّتي هي الثّمن لأنّ البائع رضي أن يأخذ مائة على أن يسلف خمسين. فإذا أسقطنا عنه السلف، فكأنّا أسقطنا عنه بعض الثّمن وأحسن إليه بذلك، فلا يزاد عليه.
والتفت أصبغ إلى هذه الطريقة، ولكنّه رأى أنّ القيمة إذا زادت على المائة الّتي هي الثّمن، والخمسين الّتي هي السلف، المشترطة على المشتري، فإنّه لا يقضى للبائع بأكثر من مائة وخمسين. ويقال له أيضًا: أنت رضيت بالمائة تملكها ملكًا مؤبّدًا وبمنفعة خمسين الّتي هي السلف، فإذا ملكناك هذا السلف ملكًا مؤبّدًا لا تردّه أبدًا، فقد أحسن إليك، فلا تزاد على مائة وخمسين شيئًا، وإن زادت قيمة السلعة على ذلك.
وطرْد مذهب أصبغ إذا كان السلف من جهة البائع، أن يكون على المشتري القيمة ما لم تنقص عن خمسين دينارًا. لأنّه أيضًا يقال له: أنت رضيت بأن تدفع مائة دينار ثمنًا، فيردّ قابضها إليك منها خمسين دينارًا سلفًا تتّجر بها
стр. 1590
سنة ثمّ تعيدها إليه، والخمسون الباقية هي الثّمن الّذي نقدته لا ترجع إليك، والخمسون الأخرى الّتي قبضتها لتردّها بعد سنة نحن قد أسقطنا ردّها عنك، فأحسنا إليك بإسقاط ردّها إلى البائع، فلا يُنقَص البائع من الخمسين الّتي رضيت بها، وهي أيضًا كبعض الثّمن.
ومذهب ابن القاسم ما حكيناه عنه من أنّ الواجب على المشتري الأقلّ من القيمة أو الثّمن. فإن كانت القيمة ثلاثين أو أربعين دينارًا، لم يقض عليه بأكثر من ذلك. ولا يعتبر ما اعتبره أصبغ في السلف. كما لم يعتبر ذلك أيضًا فيما نصّ أصبغ على اعتباره إذا كان السلف من جهة المشترى.
وقد أشار الشّيخ أبو إسحاق إلى مناقضة ابن القاسم، فقال: قد جعل ابن القاسم على المشتري وزن الثّمن إذا كان هو المسلف وكانت القيمة أقلّ منه لكون المشتري رضي بالمائة ويزيد على رضاه بذلك سلف خمسين. فإذا كانت القيمة أقلّ مِمّا رضي به وهو مائة، فإنّه لا ينقص من الثّمن شيئًا لرضاه به.
فكذلك أيضًا يجب أيضًا أن لا يزاد البائع على مائة وخمسين إذا زادت القيمة على ذلك لكونه رضي بمائة وبخمسين سلفًا. فإذا أمضيناها له ملكًا مؤبّدًا مع المائة، لم يكن له مقال في الزّيادة. وذكر أن لا فرق بين حجّة البائع على المشتري في أن لا يحطّ من الثّمن الّذي رضي به شيئًا إذا نقصت القيمة عنه، وبين حجّة المشتري على البائع أن لا يزيد على المائة وخمسين شيئًا لرضاه بهما.
وهذا الّذي قرّره كالمتناقض من قول ابن القاسم الانفصال عنه عندي: أنّ المائة دينار الّتي رضي بها المشتري رضي كونها ثمنًا، فلا يحطّ مِمّا رضي به شيئًا. ونحن إذا ألزمناه ذلك، لم تغيّر صفة الثّمن الّذي وقع التّعاقد عليه في المائة دينار لأنّها كانت مائتين. فإنّه يقول: إنّما استقرّ البيع بمائة دينار ولمنفعة خمسين دينارًا سنة، والانتفاع بها سنة كعرض، والعروض تختلف الأغراض فيها، وقد يكون التّجر بها سنة له فيها غرض لا يوجد إذا جعلت له ملكًا، فتعتبر
стр. 1591
الأغراض. والأثمان لمّا وقع فيما قاله في زيادة القيمة على الثّمن لم يلتفت إلى ما وقع التّراضي به من كون المائة ثمنًا والخمسين سلفًا. وأمّا رضي المشتري بمائة دينار، فإنّا إذا ألزمناه إيّاها، ألزمناه اعتبار ما رضي به من غير تغيير فيه.
فإذا اعتبرنا المائة وخمسين، صرفًا ألزمنا البائع رضاه بالمائة وخمسين بعد تغيير عليه في عرضه.
стр. 1592
فصل في بيع الثّنيا
ذكر في المدوّنة بعد مسئلة البيع والسلف، الّتي أشبعنا القول فيها، الحكم فيمن باع سلعة من رجل على أنّ البائع متى جاء بالثّمن ارتجع سلعته. فقال في المدوّنة: إنّ البيع فاسد (١).
ويتعلّق بهذه المسئلة ما ننبّهك عليه. فمن ذلك ..
١ - ما علّة فساد هذا البيع؟
٢ - والثّاني هل يصحّ هذا البيع بإسقاط الشّرط كما صحّ ذلك في إسقاط السلف كما تقدّم؟
٣ - والثالث هل تجري هذه المسئلة مجرى الرَّهان في الضّمان والاغتلال أم مجرى البياعات الفاسدة؟
٤ - والرّابع أن يقال: ما الفرق بين هذه المسئلة وبين ما اشترط أنّه إن لم يأت بالثّمن، فلا بيع بينهما؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: أمّا علّة فساد هذا البيع، فإنّ عبارات أهل المذهب اختلفت. فعلّل في المدوّنة أنّ المنع لكون ذلك بيعًا وسلفًا (١).
وأنكر سحنون هذا التّعليل، وقال: بل هو سلف جرّ منفعة. واعتذر بعض الأشياخ عن عبارة المدوّنة، فقال: المراد أنّه يكون تارة سلفًا وتارة بيعًا. إن لم يأت بالثّمن كان ذلك بيعًا، وإن ردّ الثّمن، كان ذلك سلفًا. ويكون على هذا التّأويل
стр. 1593
حرف الواو ها هنا بمعنى أو، فالمراد أنّه بيع أو سلف على حسب ما صوّرناه.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: إذا أسقط البائع هذا الشّرط وأمضى البيع على أنّه لا حقّ له في السلعة إذا جاء بالثّمن، فإنّ في الموّازيّة أنّ البيع يصحّ بإسقاط هذا الشّرط. وأجرى إسقاط هذا الشّرط ها هنا مجرى إسقاط السلف في كون البيع يصحّ بإسقاطه في المشهور من المذهب. لكن ابن الموّاز لمّا حكى هذه الرّواية حكايته مطلقة تداركها بأن قال: إذا رضي المشتري بذلك.
واستدرك عليه الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد هذا الاستدراك فقال: بعد فسخ العقد الأوّل، وتراضيهما بذلك.
وقد كنّا قدّمنا في الكلام على صحّة البيع بإسقاط السلف أنّ هذا الشّرط المفسد للبيع فساده خارج عن الثّمن والمثمون، فلهذا صحّ البيع بإسقاطه، وبسطنا الكلام على هذا الوجه وما يتعلّق به. وها هنا قد لا يتصوّر في هذه المسئلة مثل هذا الاعتذار لأنّ الفساد ها هنا في نفس الثّمن، وكونه قد تخاطرا فيه بأن جعلاه تارة ثمنًا وتارة سلفًا. ويمكن أن يقدّر فيه أنّ البائع لو علم أنّه يعسر عليه ردّ الثّمن لم يبعها إلاّ بالأكثر مِمّا باعها به. ولو علم المشتري أنّه يشتريه بلا بدّ ما اشتراها به، فعاد التْخاطر ها هنا إلى نفس الثّمن. بخلاف فساد البيع الّذي قارنه السلف لكون الفساد هناك خارج عن الثّمن والمثمون كما تقدّم بيانه. وإذا لم يحاول الفرق بين المسئلتين، كان ما وقع من إطلاق القول في المّوازيّة أنّ هذا البيع يصحّ بإسقاط الشّرط يستغنى فيه عن استدراك ابن الموّاز.
ويكون صاحب هذا المذهب رأى البيع لازمًا للمشتري وإن لم يرض. كما يلزم أيضًا البيع إذا أسقط عنه البائع السلف الّذي اشترط عليه. وإن جرينا على موجب هذا القول وصرفنا الفساد في هذه المسئلة إلى المخاطرة في الثّمن، احتيج إلى استدراك ابن الموّاز. ويقدّر أنّ المشتري لمّا رضي بإسقاط البائع لشرطه، صارا جميعًا كمبتدئيًا (١) عقدٍ استأنفاه على الصحّة، وعلى تراضيهما
стр. 1594
بهذا، كالإبطال والتّفاسخ للعقد الأوّل. ويقدّر أنّ الشّيخ أبا محمّد بن أبي زيد أنّ رضا المشتري (١) بما أسقطه البائع من شرط لا ينوب عن ما يجب عليهما من فسخ العقد الفاسد، وإنّما محصول ما وقع منهما إمضاء البيع الأوّل مع إسقاط الشّرط الّذي قارنه، فلم يحصل منهما سوى إسقاط الشّرط، والعقد لم يتفاسخاه.
وكان شيخي أبو محمّد عبد الحميد ﵀ يشير في هذا الأصل إلى الاختلاف في البيع الفاسد، هل هو ليس بعقد لمّا ردّه الشّرع ولا ناقل للملك فلا يفتقر إلى حلّه، أو يقدّر أنّه حصل له شبهة العقد، فيفتقر لأجل ذلك إلى التّراضي بفسخه.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: قد أوقع في المدوّنة على هذا البيع تسمية كونه بيعًا. واعتلّ لفساده بأنه لا يجري مجرى الرّهان، بل يجري مجرى البياعات الفاسدة. وقد وقع في المستخرجة فيمن باع أرضًا على أنّه متى جاء بالثّمن ارتجعها، فبنى المشتري فيها أو غرس، أن ذلك فوت، والغلاّت للمشتري لكونه ضامنًا لها. لكن وقع أيضًا في رواية أخرى فيمن اشترى حائطًا فبنى فيه وحفر، أنّ الغلاّت له, لأنّ ضمانه منه، ويردّ الحائط على بائعه ويغرم البائع ما أنفق المشترى في البناء والحفر.
فقد اتّفقت هاتان الرّوايتان على أنّ ذلك لا يجري مجرى الرّهان في الاغتلال ولا في الضمان. لكن اختلف في حكم ما أحدث المشتري فيها، فقيل: إنّه فوت، كما يكون ذلك فوتًا في سائر البياعات الفاسدة. وقيل: لا يكون فوتًا, لأنّ سائر البياعات الفاسدة تعاقد فيها البائع والمشتري على أنّ الملك يتأبّد للمشتري ولا يرجع إلى البائع. وها هنا دخلا على أنّ الملك لا يتأبّد للمشتري، بل هو موقوف على خيَرة البائع متى شاء ردّ السلعة إلى ملكه ودفع ثمنها. فوقع إحداث المشتري لما أحدثه. وهو يُجوِّز أن يكون البائع يرتجع ملكه، فصار كمسقط حقّه في التّفويت.
стр. 1595
هذه الطّريقة في كون هذا العقد بيعًا هي المعروفة من المذهب. وحكي عن الشّيخ أبي الحسن القابسي، ﵁، أنّه أجرى ذلك مجرى الرّهان، واعتذر عنه بعض المتأخّرين بأنّه لمّا كثر عند أهل إفريقيّة، الّتي كان ساكنًا بها، القصدُ في هذا إلى إحكام الإرتهان بأن يقول أحد الرّجلين للآخر: أسلفني كذا، وأعطيك جناني تغتلّ منه ما أسلفتني (١)، فمتى جئتُ بما أسلفتني أخذتُ جناني. وهذا يتّضح فيه إجراء ذلك على أحكام الرّهان إذا علم أنّ قصد المتعاقدين على ذلك الارتهان لا التّبايع. وهكذا ذكر ابن شبلون، ﵀، أنّه مال إلى طريقة الشّيخ أبي الحسن ﵀. لكن نقل غير هؤلاء عن الشيخ أبي الحسن أنه فصّل القول في ذلك، فرأى أنّ هذا إذا ضرب فيه أجل، فإنّ هذا الحكمُ فيه أن يكون المبيع على هذه الصفة يجري مجرى الرّهان قبل الأجل في الضّمان والغلّة، ومجرى البياعات الفاسدة بعد ذهاب الأجل. وذكر الشّيخ أبو بكر بن عبد الرّحمان ﵀، أنّه قال للشّيخ أبي الحسن، كالمنكر عليه هذا التّفصيل: إنّ الرّواية في هذا أن الحكم لا يختلف، ضرب لذلك أجل أو لم يضرب، فكيف خالف (٢) الرّواية؟ فقال معتذرًا عن ذلك: لابن حبيب في هذا شيء. يشير إلى موافقة ابن حبيب له في هذه الطريقة. وقد رأى بعض المتأخّرين أنّ هذا التّفصيل يشير إليه ذكره في كتاب الرّهن في المدوّنة فيمن ارتهن رهنا واستدان عليه دينًا إلى أجل على أنّ الرّاهن إن لم يأت بالدّين عند حلول الأجل فإنّ الرّهن يكون لقابضه بما ارتهن فيه. وقد ذكر في المدوّنة أنّه قبل الأجل يجري مجرى الرّهان، وبعد الأجل يجري مجرى البيوع الفاسدة (٣). ومن المتأخّرين من منع من استقراء ما ذهب إليه الشيخ أبو الحسن من هذه المسئلة، وقال: فإنّ البائع سلعته، على أنّه متى جاء بالثّمن ارتجعها، أخرجها من ملكه، وشرط رجوعها إلى ملكه بأمر يفعله وهو إتيانه بالثّمن، فغلبت فيها أحكام
стр. 1596
البياعات الفاسدة. ومسئلة كتاب الرّهن أبقاها الرّاهن على ملكه إلى الأجل، وإنّما عقد على نفسه إخراجها من ملكه إذا حلّ الأجل. فشتّان ما بين من ألزم نفسه خروج السلعة من ملكه حتّى يرتجعها بفعل يفعله، وبين من أبقاها على ملكه لا تخرج منه إلاّ بفعل يفعله بعد ذلك.
فإذا تقرّر حكم هذا البيع الّذي وقع في عقد هذا الاشتراط أنّه متى أعاد البائع الثّمن (١) أحقّ بما باع، فإنّ ذلك لو وقع بعد صحّة العقد وكونه عاريًا حين انعقاده من هذا الشّرط، فكان (٢) ذلك جائزًا إذا قصد المشتري السلعة من غير شرط المعروف والإحسان إلى البائع، بأن يمكنه من الإقالة إذا أعاد الثّمن, لأنّ المقصود يحيل أحكام العقود. وهذا الاشتراط لم يقع عن معاوضة، لكن مجراه مجرى المعروف والهبات، فلم يمنع. لكن المبيع لو كان جارية مرتفعة، لم يحسن هذا فيها لكون المراد منها الوطء، ولأجل ذلك تشترى ولا يحسن وطء فرج وفيه حقّ لأحد. ولأجل هذا لم يحسن هذا الشّرط في هذه، بخلاف الوخش من الإماء وذُكْرَانِ العبيد وغير ذلك من العروض والسلع.
وهذا الشّرط الواقع بعد العقد على جهة المعروف، إن وقع غير مؤقّت وباع مشتري السلعة هذه السلعة الّتي وعد البائع بردّها عليه إذا أعاد الثّمن عليه، إذا وقع ذلك قولًا مطلقًا غير مؤقّت بزمن محدود، فإنّه إن باعها المشتري قبل أن يعيد البائع الثّمن إليه، فإنّ بيعه ماض. وإن أجّل لهذا الوعد أجلًا، فإنّ أصبغ ذكر أنّه منهيّ عن بيعها قبل الأجل ومأمور بالوفاء بالشّرط. وظاهر كلامه عندي يقتضي ردّ بيعه. وإن كان بعض أشياخي رأى أنّ الأولى إمضاء بيعه، وإن أجّل لهذا الشّرط أجلًا, لأنّه ولو أجّله، لم يخرج التّأجيل عن أحكام المعروف.
والهبة إذا بيعت، نفذ البيع فيها. وهذا الّذي أشار إليه يجري على الاضطراب الّذي في الهبة إذا بيعت على حسب ما ذكر في المدوّنة وغيرها مِمّا سنبسط القول فيه، إن شاء الله تعالى.
стр. 1597
هذا حكم الشّرط في قسمين أحدهما اشتراطه مقارنًا لعقد معاوضة.
والثّاني اشتراطه بعد البيع من غير معاوضة.
لكن يتصوّر في هذا قسم آخر وهو مقارنة هذا الشّرط لعقد معاوضة وقع أيضًا على جهة المعروف. كالمشتري لسلعه استقاله بائعها، فامتنع أن يقيله إلاّ بشرط أنّه إن باعها بعد رجوعها إليه بحكم الإقالة، فإنّه أحقّ بها بالثّمن الأوّل.
فإن هذا وقع في الرّواية الإشارة إلى أنّ له نقض البيع إذا باعها من رجعت إليه لكون المشتري المقيل إنّما قال (١) على جهة المعروف، فلم يمنع هذا لمّا لم يقصد به المخاطرة والمكايسة، ولم يسقط أيضًا حقّه في نقض هذه الإقالة إذا باعها المستقيل الّذي رجعت إليه، فإنّ المقيل أحقّ بها بالثّمن. فربّما أشارت هاتان الرّوايتان إلى اختلاف في هذا الأصل، هل يكون للمقيل، بشرط أنه أحقّ بها، نَقْضُ هذا البيع أم لا؟ ويمكن أن يقال: إنّه لمّا وقع الشّرط بأنّه أحقّ بها بما يبيعها به، أشعر ذلك بأنّ المراد كونه أحقّ بالثّمن الّذي سمّاه بخلاف قوله: إنّه أحقّ بها بالثّمن الّذي وقعت عليه الإقالة.
هذا حكم البيع الواقع بعد حصول هذا الشّرط، وقد وقع الشّرط على جهة المعروف بعد انعقاد البيع أو مقارنا للإقالة الّتي قصد بها المعروف. وأمّا لو وقع البيع في العقد الذي قارنه الشّرط وعقد على المكايسة كما وقع في المدوّنة، لنفذ البيع في المشهور من المذهب لأنّه بيع صحيح عقد في سلعة بيعت بيعًا فاسدًا، وذلك مِمّا يفيت البيع الفاسد. لكن على طريقة سحنون الّذي يرى أنّ البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد المجمع على فساده، ولا يقع الفوت بهذا البيع ها هنا إذا كان مجمعًا عليه عند من يرى خلافه (٢).
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: ذكر في المدوّنة فيمن باع سلعة على أنّه إن لم يأت بالثّمن إلى ثلاثة فلا بيع بينهما، أنّ البيع ماض والشّرط باطل.
стр. 1598
فيقال له: فرقٌ بين حكم هذا السؤال وسؤال من باع على أنّه متى أعاد الثّمن ارتجع المبيع، مع كونهما يجتمعان في أنّهما بيعان عقدا إلى غاية ينحل البيع عندها بأن يعيد هذا الثّمن أو يتأخّر هذا عن دفع هذا الثّمن. فيقال: أمّا بعض أشياخي، فيشير إلى أن لا فرق بينهما. ويُجري الاختلاف فيهما (من بعضهما بعضًا) (١). ويرى أنّ الشّروط الفاسدة إذا قارنت البيع يُختلف فيها، هل يمضي البيع ويسقط الشّرط، أو يفسخ البيع وشرطه، أو يخيّر من له الشّرط في إسقاط شرطه، فيمضي البيع، أو يتمسّك به، فيردّ البيع.
وقد اختلف في هذه المسئلة أيضًا، فقيل: البيع فاسد. وقيل: هو كبيع الخيار يعتبر فيه الأمد، إلى غير ذلك مِمّا سنبسطه إذا أفردنا هذه المسئلة بالكلام عليها في كتاب البيوع الفاسدة، إن شاء الله تعالى.
وقال قوم من الأشياخ: بينهما فرقان، وذلك أن من باع على أنّه متى أعاد الثّمن ارتجع المبيع، الملك ثابت له قبل البيع ثبوتًا مستقرًّا لا شكّ فيه. وهذا البيع الّذي عقد لم يخرج الملك من يده خروجًا محقّقًا لمّا صرَف حلّه إلى مشيئته، فمتى شاء حلّ هذا البيع، بأن يردّ الثمن، فصحّ أن يتسلّط الفسخ على هذا الملك الّذي انتقل على هذه الصفة. والّذي باع بشرط إن لم يأت المشتري بالثّمن انحلّ البيع، قد خرج من يده ملكه خروجًا لا قدرة له على استرجاعه، وإنّما جعل حلّ عقده وردّ المبيع إلى ملك بائعه إذا شاء أن يتأخّر بالثّمن.
فكأنّه كبيع خيار العقد في أحد الجهتين، فبقي محلولًا في الجهة الأخرى.
ولهذا قال بعض أصحاب مالك، ﵁ إنّ هذا يجري مجرى بيع الخيار، ويعتبر في فساده وصحّته مقدار الأجل المضروب فيه. ويؤكّد هذا الفرق عند هؤلاء ما فرّق به مالك بين من جعل أمر زوجته بيدها إن تزوّج عليها، أو فعل فعلًا إيقاعه أو تركه بيده، فإنّ ذلك لا يفسد النّكاح ولا يؤثّر ضعفًا في ملكه للفرج حتّى يمنعه الوطءَ، بخلاف أن يجعل
стр. 1599
الأمرَ فيها موقوفًا على فعل يفعله غيره، وهو يترقّبُ (١) هل يوقع غيره ذلك الفعل أم لا؛ فإنّ هذا الشّرط يفسد النّكاح لمّا أضعف ملكه للفرج.
ومن الأشياخ من سلك في الفرق طريقة أخرى، فقال: إنّ المشترط أنّه متى أعاد الثّمن ارتجع سلعتَهُ قد انتقد الثّمن انتقادًا فيه مخاطرة، كما بيّناه فيما تقدّم، ففسد البيع لأجل هذه المخاطرة. وهذه المسئلة الأخرى لم يقع فيها انتقاد، فيؤثّر ذلك فسادًا في العقد، على حسب ما كنّا أشرنا إليه في مسئلة البيع والسلف من افتراق الشّروط المؤثّرة في الثّمن والمثمون أو الّتي لا تؤثّر.
وقدح بعضهم في هذا الفرق بأن قال: إن لم يثبت القدح في هذه المسئلة من جهة الثّمن، وانتقادِه على صفة فيها تخاطر ثبت من جهة كون البائع حابسًا للسلعة حبسًا منهيًّا عنه في أصل العقود. وسنبسط نحن الكلام على هذا الوجه إذا تكلّمنا على المسألة بانفرادها إن شاء الله تعالى.
стр. 1600
فصل في القرض الفاسد
واعلم أنّا كنّا قدّمنا في كتاب السلم القول في كثير من أحكام القرض ما يجوز منه وما لا يجوز، وحكم قرض الجواري، والخلاف في ذلك على ما شرحناه هناك من صفة الخلاف الواقع فيه. ولمّا ذكر في المدوّنة في كتاب بيوع الآجال جملًا من القروض الفاسدة وقدّمنا العذر على توخّينا ترتيب المدوّنة، ألحقنا بالفصل المتقدّم هذا الفصل.
فالكلام في القرض الفاسد من وجوه أحدها أن يقال:
١ - ما حكم القرض إذا فسد وكان قائمًا؟
٢ - وما حكمه إذا فسد وكان قد فات؟
٣ - وهل يفسد من جهة اشتراط قضائه ببلد آخر؟
٤ - وهل يفسد من جهة اشتراط تعيين صفته؟
٥ - هل يجوز تصديق المقرض في مقدار القرض وما علة ذلك؟ (١)
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: قد قدّمنا أن الذّهب بالذّهب نسيئة ربا، وأنّ الشّرع عما عن ذلك إذا وقع على جهة القرض المرادِ به منفعة المتسلّف، لأجل ما في ذلك من المعروف والإحسان, والله سبحانه أمر بهما على الجملة. فإذا قصد دافع القرض منفعة نفسه خاصّة أو منفعة نفسه ومنفعة من أخذ القرض؛ فإنّ ذلك ممنوع، ومندرج تحت الرّبا الّذي ذكرنا. وهكذا ذكر ابن عمر ﵁ لمّا قسم القرض إلى ما يراد به الأجر أو يراد به وجه آخذه أو يراد منفعة دافعه، فأشار إلى جواز الوجهين الأولين ومنع الثّالث لكونه ربا.
وقد تقدّم ما يجوز من التطوّع في الزّيادة في القرض عند القضاء وما لا
стр. 1601
يجوز في كتاب الصرف.
وأمّا اشتراط المنفعة للدّافع نطقًا أو قصدُه لذلك وإن لم ينطق، فإنّه لا يجوز. لكن إن ثبت أنّه قصد منفعة نفسه ببيّنة شهدت عليه بذلك أو بتصديق القابض له في ذلك، فإنّ هذا القرض يفسخ.
فإن انفرد أحدهما بدعوى ذلك وأكذبه الآخر، فإن كان الدّافع هو الّذي زعم أنّه قصد بالقرض منفعة نفسه بعد أن خرج ذلك من يده، فإنّه لا يصدق في ذلك ويتّهم أن يكون ندم على ما دفع وأراد استرجاعه من قابضه قبل حلول أجله. وإن كان المدّعي لذلك القابض ولم يقصده (١) الدّافع، فإنّه يردّ ما قبض من القرض، كاعترافه بأنّه وقع على وجه حرام، والحرام يفسخ.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: قد تقرّر فيما تقدّم أنّ سلف العروض أو المعاوض عنها على وجه فاسد يردّ قيمتها إن لم يمكن ردّ عينها.
كما تقرّر أيضًا أنّ المقترض قرضا جائزًا يخيّر بين أن يردّ عين ما اقترض إن كان باقيًا على حاله، أو يردّ مثله لأنّ دافعه دخل معه على أنّه مكّنه من إفاتة عينه ليردّ مثلها، فإن شاء دفع المثل وصار كمن أفات العرض الّذي اقترض وإن شاء ردّ عين العرض لأنّ التّأجيل فيه إلى أن ينتفع به فيفيته حقٌّ له لا حقّ فيه لدافعه.
ولهذا كان له تعجيل العرض إذا كان قرضًا قبل أجله. فإذا كان القرض فاسدًا وثبت ذلك وجب (٢) فسخه، فوجدناه قد فات، فإنّ الأشياخ ذهبوا إلى إلحاقه بالبيوع الفاسدة الّتي يجب في فوتها إذا كانت عروضًا القيمة لا المثل، فغلبوا على هذا العقد لمّا فسد أحكام المعاوضة الفاسدة، فيكون الواجب القيمة كما وجب فيها. ويحصل الفوت بحوالة الأسواق كما حصل أيضًا فيها. وهذا يعارض بأن يقال: إذا كان الفساد من قبل الدّافع بأن يكون ثبت بأنّه قصد منفعة نفسه، وذلك قد يحصل فيه إخراج هذا العرض بهذا القصد الممنوع إلى أحكام
стр. 1602
البياعات الفاسدة، فالقابض لها (١) القرض إذا قبضه على أنّه قرض جائز، فإنّه لم يقبضه إلاّ على ردّ مثله إذا فات لا على ردّ قيمته. فلماذا ألزم خلاف ما دخل عليه، وأخذ بخلاف مقتضى اعتقاده، ورجع في ذلك إلى مقتضى اعتقاد الدّافع؟ وهذا لمّا عورض به الشّيخ أبو بكر بن عبد الرّحمان اعتمد في دفعه على قول مالك، ﵁، فيمن عقد نكاح امرأة فأدخل عليه أهلها أمة لهم فوطئها معتقدًا أنّها زوجته أنّ القيمة تلزمه في الأمة، كما تلزمه القيمة في وطء أمة حلّلها له مالكها، مع كونه لم يدخل على فساد ولا غرامة قيمة، لكن حكم عليه بمقتضى اعتقاد الدّافع لهذه الأمة لا بمقتضى اعتقاده. ورأى بعض الأشياخ المتأخّرين أنّ هذه المعارضة تتوجّه (٢) في القرض وفي المسئلة الّتي استشهد بها الشّيخ أبو بكر بن عبد الرّحمان. وذهب إلى أنّ الصواب أن يجرَى كلّ واحد من هذين على مقتضى اعتقاده وقولِه. فيقضَى على القابض بالمثل لكونه موجَب اعتقاده، ثمّ يباع المثل ويدفع من ثمنه القيمة إلى الدّافع, لأنّ القيمة هي موجَب قوله واعتقاده. فإن قصر ثمن هذا المبيع على مبلغ القيمة، لم يكن للدّافع مطالبة بأكثر منها لحصوله على موجب اعتقاده، وإن زاد الثّمن على القيمة الّتي تجب على مقتضى اعتقاده، وقف ما زاد عن القيمة حتّى يرجع عن قوله: إنّ القرض كان فاسدًا، فيأخذ ذلك الموقف، أو لا يُرجع فيتصدّق به عمّن هو له.
وهذه الطّريقة شديدة لكونها دافعة للمعارضة، وأخذا بمقتضى زعم هذين الرّجلين الدّافع والقابض أولًا ما ينظر فيه من يتولّى البيع وعلى من تكون العهدة، فهذا يفتقر إلى نظر آخر (٣). وقد ذكر في المدوّنة حكم قرض الشّيء في مثله وسلم الشّيء في مثله، فاعتبر القصد. فإن كان من أسلف ثوبًا ليأخذ مثله أو أسلم ثوبًا في ثوب مثله، قصدُه منفعة نفسه، لم يجز ذلك. وإن كان القصد منفعة القابض، جاز ذلك. وقد كنّا نحن قدّمنا في أحكام السلم ما يشير إلى هذا
стр. 1603
الأصل والاختلاف فيه. وقد منع ذلك ابن القاسم سلم ثوب في مثله على جهة المبايعة، وأجازه الوقار. ووقع أيضًا في المدوّنة اعتبار القصد في هذا على حسب ما حكيناه. وفي الموّازيّة تعقّب هذه العبارة بأن قيل لمن قال: أقرضتُ ثوبًا في مثله: ثقلتَ وأفسدتَ. ورأى أنّ حكم القرض تخيير القابض بين ردّ العين أو ردّ المثل. فإذا حصر الآمر (١) السائل إلى ردّ المثل، فقد أخرج القرض عن حكمه. وقد كنّا بسطنا الحكم في هذا في كتاب السّلم. وهل النّساء ممنوع في بيع العرض بمثله أو بأكثر منه من جنسه علّة في المنع لكون ذلك ربا؟ أو يمنع حماية للذّريعة لئلاّ يتحيّل على سلف بزيادة؟ فتارة اعتبرت ظواهر الألفاظ والبيع يفيد المكايسة والمتاجرة، وهذا المعنى لا يصلح في القرض. وتارة اعتبرت القصود لمّا كانت هذه العبارات ليست بعلَم على القصود يوثق به.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: لا يخلو القرض من أن يكون عينًا أو ما ليس بعين. فإن كان عينًا مثل أن يسلف دنانير أو دراهم ببلد على أن يُقبضه المتسلّف ذلك ببلد آخر، فإنّ هذا يعتبر فيه القصد. فإن قصد دافع القرض الإحسان بذلك إلى قابضه والرّفق به، جاز ذلك. وإن قصد أن يضمنه له قابضه لما يتخوّف من غرر الطّريق، فإنّ في ذلك قولين: أحدهما أنّ ذلك ليس بجائز والثّاني جوازه.
وسبب الاختلاف في هذا أنّه قد تقرّر عندك ما قدّمناه مرارًا أنّ السلف المشترط فيه النّفع لا يجوز. فإذا اشترط زيادة على ما أسلف, فذلك نفع محسوس لا إشك الذي منعه. وإن لم يشترط زيادة ولكن تضمّن السلف من النّفع ما هو بمعنى الزّيادة، فإنّ ذلك ممنوع أيضًا، مثل ما صوّرنا في كتاب السلم وغيره من مسائل الرّبا الّتي يكون الرّبا محسوسًا ومعنويًّا مقدّرًا.
وقد علم أنّ الطعام والعروض إذا أسلفها مالكها في بلد ليقبضها في بلد آخر، فإنّه يحصل له في ذلك منفعة حمل مؤنة الكراء أو مشقّة السفر بها عنه،
стр. 1604
وأيضًا فيستفيد الأمنَ مِمّا يتخوّف عليها من الطّريق. وإذا كانت هذه منافع مقدّرة متصوّرة في الطّعام والعروض، وجب المنع. فإذا كان القرض عينًا، فإنّ العين لا يكرى على حمله ولا يشقّ السفر به، فارتفع فيه تقدير هذه المنفعة وهي مقصودة في الغالب، ويبقى النّظر في الانتفاع بالضّمان. فإن لم يقصد دافعه طلب ضمان قابضه له، لم يبق وجه يوجب المنع. وإن قصد الضّمان، وجب أيضًا المنع وهو المذهب المشهور. واقتضت أيضًا أحكام الضّرورة وصيانة الأموال وما يلحق صاحب المال من شدّة الضّرر في منعه من صيانة ماله أو الانتفاع به إلى التّرخيص في مثل هذا. ويرفع الحرج فيه كما سبق بيانه في كتاب الصّرف لمّا ذكرنا أنّ أحد القولين عندنا جواز أن يأخذ صاحب الذهب المكسور من صاحب السكّة ذهبًا مسكوكًا، ويدفع صاحب الذّهب المكسور إجارة الضّرب إذا اضطرّ صاحب المال لذلك خوفًا من أن تفوته رفقة أو غير ذلك. فكذلك ها هنا تبيح الضّرورة إلى صيانة هذا المال من غرر الطّريق هذا السلفَ، وإن قصد فيه هذه المنفعة، فيكون الطّعام والعروض أبعد عن التّرخيص فيه من العين لأنّ فيه مع حصول الضّمان والأمن من غرر الطريق رفعَ مؤنة العمل والكراء. لكنّه مع هذا قد وقع شاذّ في المذهب في التّرخيص فيه التفاتًا للضّرورة أيضًا. فأباح حمديس في مختصره للحاج أن يتسلّف طعامًا بشرط أن يقبض ببلد آخر، ومنع ذلك في المدوّنة إذا اشترط ذلك في أصل السلف وهو المشهور من المذهب. وقد يتصوّر أيضًا في قرض الحجاج هذا الطّعام أنّ القصد الرّفق والإحسان لقابض السلف، فيكون جواز هذا مبنيًّا على هذا القصد، كما قلناه في السفاتج، وهو قرض العين ليقضى ببلد آخر. وقد أباح في المدوّنة أن يقرض من له زرع شيئًا من زرعه لمن يتولّى حصده ودراسته، فإذا صار حبًّا قبض ذلك سلفًا إذا كان فاعل هذا لا يدفع له كبير مؤنة عن صاحب الزّرع لكونه محتقرًا في جانب زرعه. وهكذا أباح في كتاب ابن حبيب في سنة الشّدّة أن يقرض من له طعام قد ساس وقدم طعامَه هذا ليقضى طعامًا جديدًا سالمًا من السوس لما ظهر أنّ مثل هذا لا يقصد به المنفعة لدافعه بل لقابضه, لأنّ دافعه لو شاء لباعه في
стр. 1605
زمن الغلاء بثمن كثير، ولم يؤخّره ليأخذ عنه قمحًا جديدًا يكون ثمنه أقلّ مِمّا يحصل للدّافع لو باعه في زمن الغلاء. فأنت ترى كيف سومح في هذا كلّه إذا قصد بالسلف الرّفق والإحسان. ونص على إباحة هذا في السفاتج إذا كان القصد الرفق والإحسان. ولكنّه أمران يضرب للسلف أجل. فإذا حلّ الأجل، استحقّ أخذه حيثما وجد المتسلّف له. فإن لم يضربا أجلًا، ضرب لذلك من الأجل مقدار مسافة البلد.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: منع في المدوّنة من أسلف رطلًا من خبز الفرن بشرط أن يأخذ في القضاء عنه رطلًا من خبز التنّور، وأباح أن يقضى عن الرّطل الّذي خبز في الفرن رطل مِمّا خبز في التنّور، إذا تحرّيا الصّواب. فأمّا وجه المنع من الاشتراط إذا تضمّن ذلك منعه (١) الدّافع، فإنّه واضح. وإن لم يتحقّق ذلك وتحقّق فيه حصول ربا النسا في العين أو الطّعام، فإن ذلك أيضًا يتّضح منفعة إذا كان بمعنى المبايعة. وقد ذكر في المدوّنة، في جواز قضاء هذا عن هذا إذا لم يكن بشرط في أصل السلف، التّقييدَ بتحرّي الصّواب. وهذا إنّما ذكره تنبيهًا على أحكام الرّبا، والوجه الّذي يعرف به التّماثل بين الطّعامين المخلص من الرّبا. وقد تقدّم في كتاب السلم في بيع العجين بالعجين أنّه لا يجوز متفاضلًا. وإنّما يعتمد في نفي التّفاضل على تحرّي ما في العجينين من دقيق، فإذا تساوى كيل الدّقيقين اللّذين عجنا، جاز مبادلة أحدهما بالآخر، على القول بجواز التّحرّي فيما فيه الرّبا، وأنّه يقوم مقام الكيل. وهكذا في الموّازيّة في سلف خبز مخبوز في الفرن يقضى عنه خبز تنّور، أنّ ذلك يتحرّى فيه الكيل.
واستبعد بعض أشياخي هذا، فقال: إنّ الخبز قد صار بصنعته كصنف آخر، فجرى الرّبا بين الخبز والدّقيق لأجل أنّه كصنف آخر، والخبر مِمّا يوزن، فلا معنى للتحرّي بالكيل، ويعتبر فيه ما يستعمل في صنف آخر وهو الدّقيق، وقد حكمنا يكون الدّقيق كجنس آخر مخالف للخبز، فكيف يعتبر الرّبا ويحصل العلم على السلامة في شيء بما يستعمل في جنسٍ خلافه يجوز الرّبا بينه وبينه، ولكن
стр. 1606
ينبغي أن يتحرّى الوزن. ولكن تحرّيه لا يمكن إلاّ بأن يتحرّى وزن الدّقيق الّذي خبز منه خبز الفرن، والدّقيق الّذي خبز منه خبز التنّور، لكون الوزن إن اعتبر تساويه في موازنة الخبزين، لكان ذلك لا يوثق به، لكون أحد الخبزين يكون فيه من الماء أكثر من الآخر، فيوقع هذا في التّفاضل، فدعت الضّرورة إلى اعتبار وزن الدّقيقين وإن كان الدّقيق مِمّا يكال، فجعل ها هنا مِمّا يوزن اتّباعًا لحكم الخبزين المطلوب التّساوي بينهما. فبهذا يعلم التّماثل بين الخبزين ويؤمن مِمّا يوقع فيه اختلافُ ما عجنَا به من اختلاف مقدارهما. وقد كتب ابن اللّبّاد بخطّه على هذه المسئلة أنّ سحنونًا قال: كلّ ما يوزن فلا بأس بالتّحرّي فيه. وهذا يمكن أن يكون أشار إلى الالتفات إلى هذه الطّريقة أو إلى القدح في جواز التّحرّي في هذا وربّما كان هذا أظهر.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: كنّا قدّمنا في كتاب السلم الثّاني الكلام على جواز التّصديق فيما يشترى من الطّعام. ونحن نشير إلى ذلك ها هنا على الجملة. فالطّعام المقترض لا يجوز اقتراضه على تصديق دافعه في كيله. واختلف في تعليل ذلك، فقيل: لأنّه يقع فيه المخاطرة، فيأخذ قفيزًا من قمح على أنّه يردّ قفيزًا، مع تجويزه أن يكون دافع الطّعام القرضِ كذَبَ في كيله، فقد ضمن ردّ مكيلته معلومة وهو لا يعلم: هل حصلت له أو أكثر منها أو أقلّ؛ وهذا نوع من الغدر والمخاطرة، وذلك يقتضي المنع. وقيل: إنّما ذلك لأنّه قد يجد قابض الطّعام نقصًا، فلا يطلبه رجاء أن يكون دافع الطّعام يؤخّر به ويحسن في اقتضائه، فيكون ذلك كهديّة المديان. وسنذكر وجه منعها، وكذلك علّة النّهي في المنع من شراء الطّعام بثمن إلى أجل على تصديق بائع الطّعام في كيله. وأشار ابن حبيب وابن عبدوس إلى أنّ علّة المنع المخاطرة بالتزام ثمن عوضًا عن مكيلة لا يتحقّق مبلغها، فكأنّه قبضها والتزم الثّمن مخاطرًا في العوض عنه.
стр. 1607
وكذلك أيضًا يجري فيه التّعليل الآخر لهديّة المديان لأنّه إنّما يشتري بالنّسيئة عند شدّة حاجته وضرورته، فتمنعه هذه الحاجة والضرورة من القيام مخافة أن يسيء البائع اقتضاءَه في الثّمن. وقد قدح (١) بعض المتأخّرين في تعليل من علّل منع التّصديق في القرض على أنّ قابضه مصدّق في كيله مع تجويز أن يجد نقصًا، فيتجاوز عنه رجاء التّأخير. وهذا عندي قد ينفصل عنه بأنّ التّصديق إذا أسلم (٢) البائع بخوف المشتري أو المقترض خصام الدّافع وتكذيبه لئلاّ يوحشه فيسيء اقتضاءه، وهذا هو الغالب في العادة أنّ تكذيب الدّافع المتفضّل بالقرض أو الّذي هو كالمتفضّل ببيع النّسيئة مِمّا يؤدّي إلى الشّنئان. وإذا كان مالك الطعام سلّمه على تصديق المقترض أو المشتري، فإنّه لم تدعه ضرورة إلى هذا التّصديق فيلتزمه لأجل الضّرورة، ولولا أنّه يشق لمن سلم ذلك إليه ورضي بما يقول لما دخل معه على تصديقه. ألا ترى أنّ مالكًا أباح شراء الطّعام على التّصديق إذا بيع بالنّقد لكون قابضه لا يتخوّف غالبًا من جهة البائع. ومنع منه إذا كان يشتري بالنّسيئة لما يتخوّف مشتريه من بائعه إذا أساء إليه. وقد قال بعض الأشياخ: إنّ القرض إذا وقع على تصديق قابضه، لم يفسخ. وقال أبو بكر بن عبد الرّحمان فيمن اشترى طعامًا بثمن مؤجّل على تصديق قابضه: إنّ ذلك يفسخ. قال: وقد كره التّصديق فيه، وإن بيع بالنّقد، فكيف بالنّسيئة؟ ولمّا سئل مالك عن علّة منع التّصديق في بيع الطّعام نسيئة، فقال: يدخل ذلك أمور شتّى ولم يفسرها. وقد ذكرنا نحن ما قيل فيها، كما كنّا قدّمنا في كتاب السلم التّعليل بأنّ الله سبحانه ندب إلى رفع التّشاجر والخلاف، ولهذا أمر بالإشهاد في التّبايع، وبسطنا القول فيه هناك.
стр. 1608
فصل في هديّة المديان
اعلم أنّا كنّا قدّمنا مذاهب العلماء في قوله: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وذكرنا هناك أنّ الجاهلية كانت تقول: تقضي أو تربي. والمعنى أنّ من كان له دين قد حلّ، طلب به من هو عليه، فإمّا أن يقضيه أو يؤخّره عليه بزيادة يزيدها فيه. وقدّمنا أيضًا في هذا الكتاب الدّلالة على صحّة القول بحماية الذّرائع. فإذا كان على رجل دين فأهدى هديّة لمن له الدّين، اتّهم أن يكون قصد بذلك أن يجعل ما سمّاه هديّة عوضًا عمّا يرجوه من تأخير الغريم. وقد قدّمنا أنّ تأخير الدّين بزيادة فيه حرام، وأنّه ربا الجاهليّة. لكن إذا ظهر دليل يرفع هذه التّهمة، لم يمنع من ذلك. مثل أن يكون من عليه الدّين قد اعتاد متاحفة من له الدّين قبل أن يداينه، وبينهما من الوُصلة ما يعلم أنّ الهديّة لأجل ما بينهما من وصلة لا لأجل رجاء تأخير الدّين.
واختلف المذهب على قولين في جواز مبايعة أحدهما الآخر قبل حلول الأجل. فأجيز ذلك لأنّه عن معاوضة، وكون ذلك من معاوضة يمنع من تصوّره هبة. وكره أيضًا مخافة أن يقع التّسامح في المعاوضة، فتكون تلك المسامحة كالهديّة رجاء تأخير الدّين.
وينبغي أيضًا أن يلتفت إلى قرائن الحال. فإن ظهر ما يدلّ على قصد التّأخير، فسخنا البيع، وإن ظهر ما يدلّ على السلامة منه، أجزنا البيع.
وكذلك إذا وقعت المبايعة بعد حلول أجل الدّين، فإنّا لا نجيز ذلك.
стр. 1609
وذلك آكد في التّهمة لكون الدّين قد وجب على من هو عليه قضاؤه. وقد أجرى ذلك عطاء في القراض، فمنع قبول الهديّة فيه. وهذا لا يخلو أن تكون الهديّة ومال القراض ناضّ أو في سلع.
فإن كان ناضًا، فإنّه يتصوّر فيه علّة المنع, لأنّه يهدي إليه رجاء أن يقرّ ذلك في يديه أو تكون الهديّة من ربّ المال، ويفعل ذلك رجاء أن يخدمه فيه، فيصير ذلك كزيادة ينفرد بها ربّ المال أو العامل. وقد تقرّر أنّ اشتراط زيادة في القراض لا تجوز.
واختلف المتأخّرون إن كان مال القراض قد شغل في سلع، يكره ذلك لتصوّر التّهمة في كون الهديّة تمادي العمل، أو لا تتصوّر التّهمة لكون العمل قد لزم المتعاقدين جميعًا. وينبغي أيضًا أن يلتفت إذا كان المال ناضًا إلى الخلاف في القراض، هل لأحد المتعاقدين الرّجوع عنه قبل أن يشرع في العمل فتكون الهديّة كزيادة مشترطة في العقد. أو العقد لازم بالقول فيصير ذلك كما لو شغل
مال القراض.
قال القاضي أبو محمّد ﵀: ويجوز اقتضاء الذّهب من الورق، والورق من الذّهب إذا حلاّ وتطارحاهما صرفًا (١).
قال الشّيخ ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ستّة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما أنواع وجوه المقاصّة؟
٢ - وما الأصناف الّتي يقع المقاصّة بها؟
٣ - وما حكم المقاصّة بالطّعامين؟
٤ - وما حكمها بالعرضين؟
٥ - وما حكمها بالعينين؟
٦ - وهل تتطرّق التّهمة منها إلى أصل المداينة؟
فالجواب عن السؤال الأوّل أن يقال: المعتبر في أنواع المقاصّة جنس
стр. 1610
الدّينين، هل يتساويان، أو يختلفان؟ وسببهما وأجلهما؟ فاعتبار الجنسين بأن ينظر في الدنانير (١) إذا كانا طعامين، هل هما من صنف واحد كقمح سمراء وقعت المقاصّة به عن قمح سمراء، وسبب الدّينين مثل أن يكون الطّعامان جميعًا سلمين أو قرضين، أو أحدهما سلمًا والآخر قرضًا، وأجلهما يعتبر، هل يكون متّفقًا أو مختلفًا أو حلّ أو لم يحلّ، أو حلّ أحدهما؟ وهكذا يجري التّمثيل فيما سوى الطّعامين.
والجواب عن السؤال الثّاني أن يقال: الأصناف الّتي تقع المقاصّة بها: طعامان أو عرضان أو عينان. وكل واحد من هذه الأنواع ينقسم إلى ما تقدّم من اعتبار الجنسيّة والسببيّة والأجلية (٢). ونحن نتكلّم على كلّ فصل من هذه الأنواع.
والجواب عن السؤال الثّالث أن يقال: إذا كان لرجل على رجل طعام، وللآخر عليه طعام، فلا يخلو أن يكون الطّعامان متماثلين في الجنس والصفات، أو مختلفين. ويكون أيضًا سببهما وأجلهما متماثلًا أو مختلفًا. فإن تماثل الطّعامان في الجنس والصفة، فلا يخلو أن يكونا سلمين أو قرضين أو أحدهما سلمًا والآخر قرضًا.
فإن كانا سلمين واختلفت رؤوس أموالهما بالجنسيّة أو بالقلّة والكثرة، منعت المقاصّة على الإطلاق. وإن تساوى رأس المال فيهما في الجنس والمقدار، فهاهنا قولان: منع ذلك في المدوّنة، وأجازه أشهب.
وينبغي أن نقدّم لك ها هنا مقدّمة منها تعلم سبب الاختلاف في هذا الباب وسبب الوفاق. فاعلم أنّ هذه المقاصة وإن كان ظاهرها الجواز، فربّما أوقعت في محرّم. والجائز إذا أوقع في محرّم منع. والمحرّم ها هنا بيع الطّعام قبل قبضه، وبيع الطّعام بالطّعام نسيئة، والدّين بالدّين. فإذا كان لهذا على هذا طعام
стр. 1611
من سلم وللآخر عليه مثله، فتتاركا على المباراة، فإنّ كلّ واحد منها لم يخرج
من ذمّته ومن تحت ذمّته ما يقتضيه، ولكنّه باع ماله بما عليه لمن اشترى ذلك منه، صورة ممنوعة وهي بيع الطّعام قبل قبضه. وأيضًا إنّه إذا لم يقع التّناجز في ذلك، دخله النّساء في بيع الطّعام، والدّين بالدّين. لكن إنّما تتحقّق هاتان العلّتان بعد تحقّق البيع، والبيع ممنوع. ويصحّ أن يُجتزأ به في المنع من المقاصّة. لكن علم أنّ الإقالة رخصة مستثناة من بيع الطّعام قبل قبضه. ولكن من شرْط جوازه أن يكون برأس المال جنسًا ومقدارًا. وإذا اختلف الثّمن في الإقالة، خرجت عن قصد المعروف الّذي هو سبب جوازها والتّرخيص فيها إلى حدّ المبايعة والمكايسة، فبقيت في المنع على الأصل. والذّمم قد تختلف في الغنيّ والفقير، فتقع المكايسة في المقاصّة لأجلا اعتقاد كلّ واحد من هذين المتعاملين في ذمّة صاحبه. ولو كان لرجل على رجل طعام مؤجّل، لجاز تعجيله، ولم يحمل ذلك على المكايسة لما كانت ذمّة واحدة فيها هذا الدّين المؤجّل، ثمّ صار معجّلًا. بخلاف ذمّتين يختلف حالهما في حين المقاصّة. فإذا تساوت رؤوس المالين في المسلمين، جازت المتاركة على معنى الإقالة. فإذا كان هذان قادرين على المتاركة بالتّقايل ولا يتّهمان على العدول إلى ما لا يجوز، مع كونهما لهما سبيل إلى اجتنابه لفعل ما يجوز. ورأى ابن القاسم أنّ هذا لمّا لم يقصد به الإقالة تُصوّر فيه حقيقة المبايعة مع اختلاف الذّمّتين اللّتين وقع التّبايع بما فيهما، فمنع ولم يجر مجرى الإقالة.
وإن تساوى السبب أيضًا ولكنّهما طعامان متماثلان قرضًا (١)، فإنّ المقاصّة جائزة على الإطلاق، تساوى الأجل أو اختلف حلّ الأجل أو لم يحلّ، وهذا لأجل بيع الطّعام القرض قبل قبضه جائز. فارتفعت هذه العلّة الّتي تصوّرت في السلم، فمنعت منه، فجاز ذلك في القرض. وأيضًا فإنّ طريقه المعروف والرفق، وما كان هذا شأنه لا يتطرّق إليه من التّهم ما يتطرّق إلى ما
стр. 1612
طريقه المكايسة. لكن قد ذكر اختلاف في جواز المقاصة بين ذهبين متساويين في الجنس والسكّة. وأجاز ذلك في المدوّنة على الإطلاق، ومنعه ابن نافع إلاّ بشرط أن يحلّ أجل الذّهبين، وروي أيضًا عن مالك منعه إذا اختلف الأجل، وتوقّف فيه إذا تساوى الأجل على ما سنذكره بعد هذا. فبعض الأشياخ يجري هذا الخلاف الّذي ذكرناه في جواز المقاصّة بين ذهبين وفي جواز المقاصّة بين طعامين قرضين لكون الذّهب يجوز بيعه قبل قبضه، والطّعام يجوز بيعه قبل قبضه إذا كان قرضًا، ولا يحلّ النّساء في بيع الذّهب بالذّهب والطّعام بالطّعام.
ورأى إجراء الخلاف المذكور في الطّعامين بأن يكون أحدهما من قرض والآخر من سلم. فمذهب ابن القاسم المنع إلاّ بشرط أن يحلّ أجل الطّعامين جميعًا.
واختلف قول أشهب، فروي عنه الجواز إذا حلاّ جميعًا أو حلّ أحدهما. وروي عنه التقييد في ذلك بأن يكون الّذي حلّ منهما هو السلم. وأجاز ابن حبيب المقاصّة إذا اتّفق الأجلان وإن لم يحلاّ جميعًا. وقد قدّمنا لك من التّنبيه على علل المنع والجواز في هذا الباب ما يجري في هذا الخلاف. وذلك أنّا ذكرنا أنّ الطّعامين إذا كانا سلمين، منعت المقاصّة من أجل أنّ كلّ واحد منهما بُني الأمر فيه على المكايسة وقصد المبايعة. وإن كانا قرضين جازت المقاصّة لكون كلّ واحد منهم ابن ي على المعروف، فإذا افترق حالهما في هذا، فكان أحدهما، وهو السلم، بني على المكايسة، والطّرف الآخر، وهو القرض، بني على المعروف. فغلّب ابن القاسم حكم المعروف على حكم المكايسة بشرط أن يحلاّ, لأنّهما إذا حلاّ، ارتفعت الأغراض، وإذا كانا لم يحلاّ أو حلّ أحدهما، تصوّرت الأغراض لأجل اختلاف الذّمم، فوجب المنع. ورأى ابن حبيب تغليب حكم المعروف، فأجاز ذلك وإن لم يحلّ إذًا الآجال (١) لتقارب الأغراض مع تساوي الآجال. ورأى أشهب أنّ بحلول أحدهما يمنع من تصوّر تباعد الأغراض, لأنّ ما حلّ قد أُمِن على الذّمّة فيه، وما لم يحلّ، فإنّه وإن لم يؤمن على الذّمّة فيه، فإنّه لا يقابل هذا التّخوّف على الذّمّة التخوّفَ على ذمّة
стр. 1613
أخرى. ورأى مرّة أخرى أنّ الأجل في السلم حق لهما جميعًا، فلا يجبر من هو عليه على تعجيله قبل أجله، ولا من هو له على قبوله قبل أجله، فصار عدم الحلول يوجب قصد المكايسة منهما جميعًا لكون الأجل فيه حقًّا لهما، فاعتبر حلولهما خاصة. والقرض الآجل حقّ لمن هو عليه لا لمن هو له، فلم يتّضح اختلاف الغرض فيه لكون الأجل حقًّا لواحد منهما دون الآخر، بخلاف السلم الّذي الأجل فيه حقّ لهما جميعًا.
هذا حكم الطّعامين إذا كانا متماثلين. ولو كانا جنسين وقد حلاّ جميعًا، فإنّ ذلك يمنع، إلاّ أن يكونا من قرضين. لأنّه إذا كان لأحد الرّجلين على الآخر قمح، ولهذا عليه تمر، فإنّ المقاصّة بين التّمر والقمح ليست مقاصّة على الحقيقة، وإنّما هي بيع طعام بطعام فيهما الأغراض (١) فمنع، إلاّ أن يكونا حلاّ جميعأوهما من قرض، فإنّه ترتفع علل المنع إذا تناجزا في التّقابض. وقد علم أنّ بيع القرض قبل قبضه جائز.
وأمّا إن لم يحلاّ جميعًا، فإنّ ثبوت الأجل فيهما أو في أحدهما يقتضي النّساء والتّأخير في بيع طعام بخلافه. وقد علم أنّ من شرط بيع الطعام التّناجز كالصرف، وحصول الأجل فيهما أو في أحدهما يمنع التّناجز. هذا هو الطّريق المشهور من المذهب. لكن إذا قلنا: إنّ المقاصّة القصد بها المتاركة والمباراة لا مبايعة منسي بمنسيّ، وأنّ ما في الذّمم من المؤجّل كالحال، اقتضى هذا جواز ما منعناه في هذا الوجه لأجل علّة النّساء. وهكذا إذا جرى فيما تقدّم من المسائل اقتضى جواز كثير مِمّا منعناه فيما تقدّم وما نمنعه في ذلك مِمّا يعدّ إذا كان علّة المنع النّساء والتأّخير.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال: أمّا العروض، فإنّ التّقاصص فيها يتنوّع إلى ما ذكرناه من اختلاف الآجال واختلاف الأسباب. فإذا كان لرجل على رجل عروض وللآخر عليه مثلها في الجنسيّة والصفة، فإنّ المقاصّة بينهما جائزة
стр. 1614
على الإطلاق من غير التفات إلى تماثل الآجال واختلافها أو تساوي الأسباب واختلافها. وهذا لأنّه لا غرض ها هنا يقتضي التّهمة على القصد على الوقوع في إحدى المحرّمات الّتي تقدّم ذكرها, لكون المتاركة ها هنا والمباراة لا يظهر فيها قصد إلى المكايسة والمغابنة في التّعاوض، لكون كلّ واحد منهما إنّما أعطى مثل ما أخذ سواء بسواء، فكأنّهما لم يتعاوضا، وإذا قدّر كذلك، فلا يتصوّر القصد إلى التّحريم الّذي اعتبرناه في المعاوضة. ولا يتصوّر في هذا من ناحية اختلاف الآجال أيضًا, لأنّ كلّ واحد منهما يقدّر فيه أنّه إن حلّ الأجل، وهو موسر، فإنّه يؤخذ بقضاء ما عليه. وإن حلّ، وهو معسر، فإنّ الطّالب له حبس ما عليه فيما له عنده. وهو أيضًا يوجب أن لا يلتفت لاختلاف الأسباب من كون الدّينين من بيعين أو من قرضين أو أحدهما من قرض والآخر من بيع، لما قدّمناه من أنّ التّماثل يرفع تصوّر اختلاف الأغراض من ناحية الآجال، فكذلك يرفعها من ناحية اختلاف الأسباب.
وأمّا إن اختلف جنسا العرضين مثل أن يكون أحدهما أكسية والآخر أردية، فإنّ الآجال ها هنا إذا اتّفقت، جازت المقاصّة، لكون اتّفاق الآجال يرفع تصوّر القصد إلى المكايسة كما رفعها تساوي العرضين في الصفات. فإذا تماثل العرضان -لم يلتفت إلى اختلاف من ناحيتين بأن تختلف الأجناس وتختلف الآجال- لم تجر المقاصّة إلاّ بشرط أن يحلّ الدّينان جميعًا, لأنّهما إذا حلاّ جميعًا، صارا بحلولهما كمتّفقي الأجلين في مبدإ المعاملة، وارتفع بحلولهما القصد إلى المكايسة. واختلف المذهب إذا حلّ أجل أحدهما، ففي المدوّنة جواز المقاصّة، وقدّر أنه بحلول أحدهما، ارتفع قصد المكايسة فيه، وما يقع في النّفس من التخوّف على الدّين قد أمن منه في جانب ما حلّ، فضعفت التّهمة بالقصد إلى المكايسة. بخلاف أن لا يحل واحد منهما لأنّ المكايسة دائرة فيهما من الطّرفين جميعًا. وفي الموّازيّة المنع من هذا وإن حلّ أحدهما لأجل ما يتصوّر في الّذي لم يحلّ من القصد إلى المكايسة والمخاطرة فيه لكونه مؤجّلًا. هذا حكم المقاصّة بالعرضين المختلفين بالأجناس والمتّفقين في الأجناس والصفات.
стр. 1615
وأمّا العرضان المتّفقان في الجنسيّة المختلفان في الصفة، فإنّ أجليهما إذا اتّفقا جازت المقاصّة، لما قدّمنا من كون اتّفاق الآجال يضعف مع (١) التّهمة بالقصد إلى المكايسة.
وأمّا إن اختلفت الآجال ولم يحلاّ، فإنّك تلتفت ها هنا إلى تنوّع الأسباب، فإن كان الدّينان من مبايعة منعت المقاصّة إذا كان أحد الدّينين أجود من الآخر, لأنّا نمنع في العرض إذا كان دينًا مؤجّلًا أن يعجّل ما هو أدنى منه، لأنّ ذلك وضع على تعجيل، وقد قدّمنا المنع منه، أو يعجّل ما هو أجود منه، لأنّ ذلك معاوضة على طرح الضّمان كما تقدّم بيانه في موضعه. وكذلك إذا كانا من قرضين، فإنّ أحدهما إذا أخذ أجود من الآخر، صار من قِبل الأدنى من حقه رضي بتعجيل على إسقاط بعض حقّه، وقد قدّمنا أنّ ذلك لا يجوز.
وإن كانا مختلفي الأسباب أحدهما من بيع والآخر من قرض، فإن كان ما حلّ منهما أو ما هو أقرب حلولًا هو القرض، لم تجز المقاصّة على حال, لأنّ الّذي حلّ أو كان الأقرب حلولًا إن كان خيرًا من المبيع، فقد حطّ الضّمان الّذي يجب عليه في السلم على ما بذله من زيادة جودة القرض الّذي له. وإن كان القرض الّذي حلّ هو الأدنى، فقد وضع من السلم، الّذي له، على أن عجّل.
وأنت إذا علمت أنّ ما يُوقع في ضع وتعجّل، أو حطّ الضّمان وأزيدك، ممنوع، اعتبرت فيما يكثر تعداده من هذه الأقسام كونَ ما حلّ، أو كان أقرب حلولًا كالمقبوض المدفوع عن الدّين الآخر الّذي يتأخّر حلوله، فيعتبر هل يوقع في أحد هذين الوجهين الممنوعين، فيمنع منه؟ وقد علمت أنّ ما كان من العروض سلفًا في الذّمّة يمنع تعجيل ما هو أجود منه في الصفة أو أدنى، وما كان قرضًا يمنع من تعجيل ما هو أدنى منه في الصفة لِمَا تصوّر فيه من وضع بشرط التّعجيل، إذ لا يلزم من عليه القرض أن يعجّله قبل أجله إلاّ برضاه، ولا يمنع تعجيل ما هو أجود منه في الصفة لكون من عليه القرض له أن يعجّله وإن