باب المياه وأحكامها
قال القاضي ﵀: الأصل في المياه كلها، الطهارة والتطهير على اختلاف صفاتها ومواضعها. من سماء أو أرض أو بحر أو نهر أو عين أو بئر ملح أو عذب جار (١) أو راكد. كان باقيًا على أصل مياعته، أو ذائبًا بعد جموده، إلا ما تغيرت أوصافه، التي هي اللون، والطعم، والريح، أو أحدها من مخالطة ما ينفك عنه غالبًا. وبما ليس بقرار له. ولا متولد عنه. فما تغير بذلك، فإنه خارج عن أصله. ثم المخالطة على ضربين: طاهر ونجس. فالطاهر يسلبه التطهير فقط، فيصير طاهرًا غير مطهر كسائر المائعات. والنجس يسلبه في الصفتين جميعًا، الطهارة والتطهير. ويصير به نجسًا من غير حد في ذلك مضروب، ولا مقدار موقوف، سوى أنه يكره استعمال القليل منه الذي لا مادة له، ولا أصل، إذا خالطته نجاسة ولم تغيره، كماء الجب والجرة وسائر الأواني، وآبار الدور الصغار. ولا يكره في الكثير كالحياض والغدر الكبار. ويجمع أوصافه أن يقال الماء على ضربين: مطلق ومضاف. فالتطهير هو بالمطلق دون المضاف. فالمطلق ما لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك (٢) عنه غالبًا بما ليس بقرار له، ولا متولد عنه فيدخل في ذلك الماء القراح. وما تغير بالطين لأنه قراره، وكذلك ما يجري على الكبريت، وما تغير بطول المكث، لأنه متولد عن مكثه. وما تغير بالطحلب؛ لأنه من باب مكثه، وما انقلب (٣) عن العذوبة إلى الملح؛ لأنه من أرضه، وطول إقامته. ويدخل فيه الماء المستعمل
стр. 212
على كراهة منا له (١). وكذلك القليل الذي لم تغيره النجاسة. والمضاف (٢) نقيض المطلق. وهو ما تغيرت أوصافه أو أحدها من مخالحالة ينفك عنه غالبًا. وهو على ضربين مضاف نجس، ومضاف طاهر. وذلك بحسب المخالط له. وما تغير بزعفران، أو عصفر، أو كافور أو بغير (٣) ذلك من الطيب أو بلبن، أو خل، أو بشيء من المائعات أو الجامدات (٤) فهو طاهر غير مطهر.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما حكم الماء؟.
٢ - وما الدليل على أن أصله الطهارة أو التطهير؟.
٣ - وهل (٥) تغير الرائحة كتغير اللون؟.
٤ - وما حكم القليل الذي لم تغيره النجاسة الحالة به؟.
٥ - وما حكم القليل الذي لم يغيره الطاهر الحال به؟.
٦ - وما حكم الماء المشكوك فيه؟.
٧ - وهل يقبل خبر الواحد عن نجاسة الماء؟.
٨ - وما حكم الماء المستعمل؟.
٩ - وما حكم الماء إذا ألقى فيه شيء (٦) من جنس ما لا ينفك عنه؟.
١٠ - وما حكم تغيره بالمجاور (٧) له؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: حكم الماء الطهارة في نفسه. وهذا ليشركه فيه غيره من سائر الطهارات. وله حكم آخر يختص به وهو تطهيره لسائر النجاسات ورفعه للأحداث، إن قلنا أن التراب لا يرفع الحدث.
стр. 213
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الدليل على أن أصل المياه التطهير قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (١). وقوله ﵇ لما سئل عن بئر بضاعة: الماء طهور لا ينجسه شيء (٢). فعم سائر المياه. وقوله ﵇: في ماء البحر لما قيل له أفنتوضأ من ماء البحر؟ هو الطهور ماؤه الحل ميتته (٣). والمراد بالطهور ها هنا المطهر، لأنه إنما سئل عن التطهر به، فأجاب بأنه طهور. فلا بد أن يكون معنى ذلك أنه مطهر، حتى يكون الجواب مطابقًا للسؤال. وهذا الحديث وإن كان يختص بماء البحر فسائر المياه مثله في الحكم. وإذا ثبت ذلك ثبت أن أصل المياه ما ذكرناه ما لم يعرض لها ما يسلبها حكميها أو أحدهما على ما ذكر تفصيله القاضي أبو محمَّد.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما إن لم يغير المخالط سوى الرائحة فإن في ذلك قولين: أحدهما وهو المشهور من الحديث أنها تحل محل تغير اللون أو الطعم. لقوله ﵇: "خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" (٤). والثاني أن ذلك لا يؤثر، لأنه لم يذكرها في بعض طرق الحديث. ولو كانت تؤثر لذكرها، كما ذكر اللون والطعم.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما الماء القليل كالجرة، وشبهها تحله النجاسة التي لا تغيره فإن فيه اختلافًا. قال بعض أصحابنا: إنه نجس.
стр. 214
وظاهر هذا أنه قد سلب حكماه: (١) الطهارة والتطهير. ووجه ذلك قوله ﵇: إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا (٢). دليله أنه إذا كان دون القلتين حمل النجس. وقوله ﵇: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه (٣).
فإنما نهى عن ذلك لأنه ينجس بالبول. وروي عن مالك ما ظاهره أن هذا الماء باق عنده على أصله (٤) لم يسلب حكماه ولا أحدهما. ووجه ذلك قوله ﵇: الماء طهور لا ينجسه شيء (٥). وهذا على عمومه إلا ما خصه الدليل. وأيضًا فإنه ﵇ أمر بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي (٦). والذنوب الدلو الكبير ومعلوم أن هذا الماء الذي أمر بصبه يخالط النجاسة، والبقعة مع هذا تطهير به.
ولا فرق بين ورود الماء على النجاسة أو ورودها عليه. لأن المخالطة حصلت في الحالين. فلا اعتبار بتقدم أحد الشيئين. وأيضًا فإن الأنهار العظيمة طاهرة إجماعًا، كالنيل وشبهه. مع كون النجاسة تنبعث إليها، والمواضع المتغيرة بالنجاسة منها نجسة. فدل على أن التغير علة التأثير. فإذا حصل أثر، وإذا لم يحصل بقي الماء على أصله. وهذا يجب طرده في قليل المياه
стр. 215
وكثيرها. وقد سلك بعض من ذهب إلى هذا المذهب مسلكًا آخر. فذهب إلى أن هذا الماء مكروه. ووجهه (١) الأخذ بالأحوط ليتطهر بماء متفق عليه. وقد ذهب بعض أصحاب مالك إلى طريقة أخرى أيضًا. وهي التشكك في حكم هذا الماء، وإيجاب الجمع بينه وبين التيمم. ووجه ذلك تعذر الترجيح بين القولين الأولين فوجب الجمع بين مضمونيهما (٢). فيؤمر المكلف بالوضوء، لجواز أن يكون الماء طاهرًا، وبالتيمم لجواز أن يكون نجسًا. فإذا جمع بينهما تيقن براءة ذمته. واختلف هؤلاء فيما يُقدَّم منهما على صاحبه. قال بعضهم يتوضأ ويتيمم، ويصلي. لأن هذا الماء طاهر على أصل المذهب. فوجب أن يتلف (٣) باستعماله حتى يحصل متيممًا مع عدم الماء. وقال بعضهم يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويصلي لأن هذا الماء مشكوك في نجاسته. ولهذا افتقر معه إلى التيمم. فإذا بدأ به قبل التيمم خيف أن تكون أعضاؤه قد نجست به وإذا قدم التيمم أمن ذلك. لأنه إن كان الماء نجسًا ففرضه التيمم وقد فعله. فنجاسة الأعضاء بعد أداء العبادة على وجه يبريه، لا تأثير له.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما القليل إذا حله طاهر لم يغيره فإنه باق على أصله. وخرج بعض العلماء (٤) المتأخرين أنه مكروه كما كره الماء القليل إذا حلته النجاسة القليلة. وهذا التخريج غير صحيح لأن النجاسة القليلة قد قدمنا أن الماء ينتقل بها عن أصله عند بعضهم ويصير نجسًا، فكره عند آخرين مراعاة لهذا القول وتحرزًا منه، فافترق الأمران. هذا وقد ذهب بعض أصحابنا على ظاهر ما نقل عنه: أن الطاهر المخالط إذا لم تغلب أجزاؤه على أجزاء الماء فإنه لا يسلب الماء حكمه. وإن غلب على أوصافه. ولكنه مكروه عنده تحرزًا من الاختلاف. فهذه طائفة لم ترل المغير الطاهر إذا غلب بأعراضه
стр. 216
دون أن يغلب بجوهره. فكيف بما لم (٥) يغلب لا بجوهره ولا بأعراضه. على أن هذا القول الذي صار إليه هو ضعيف عندي على أصولنا: لأن المغير النجس يؤثر في الماء ويسلبه حكمه وإن لم تغلب أجزاؤه على أجزاء الماء فكذلك يجب أن يكون المغير الطاهر لا سيما إذا قيل أن تسمية الماء المطلقة تسلب عنه. فلا يعبر عنه إلا بالإضافة. فيقال ماء الزعفران، وماء الباقلاء. فإذا كان لا يعبر عنه إلا بالإضافة وجب تركه للتيمم لأنه تعالى شرط في التيمم فقد الماء المطلق. ومن لم يجد إلا هذا الماء المضاف فقدْ فقدَ الماء المطلق فوجب أن يتيمم.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الشك في الماء على قسمين: أما أن يشك في المغير هل هو من جنس ما يؤثر أم لا؟ وإما أن يشك في محل النجاسة لا في حصولها. فأما القسم الأول فإنه لا تأثير له ولا ينقل الماء عن أصله استصحابًا لحال الأصل. حتى يتحقق وجود ما من شأنه أن يؤثر فيه. وقد وقع في المذهب النهي عن استعماله إذا كانت هناك حالة قريب، كالآبار القريبة من المراحيض، فإن مالكًا ﵁ قال: بنزف اليومين والثلاثة. فإن طابت وإلا لم يتوضأ منها. ووجه ذلك أن قرب المراحيض منها يسبق معه إلى النفس كون التغير مضافًا إليها. وهو الظاهر من الحال، لفقد ما سوى ذلك من الأسباب المغيرة. فأمر باجتنابه لأجل هذا الظاهر من الحال.
وأما القسم الثاني فإنه إذا شك في محل النجاسة كمن معه مَاآنِ - تيقن بنجاسة أحدهما لا بعينه وطهارة الآخر، فإن فيه اختلافًا. فذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتحرى الطاهر منهما فيتطهر به ويجزيه ذلك. ووجهه أنه لما جاز الاقتصار على الطاهر في الظاهر من الحال، كما قدمناه في استصحاب حكم الأصل، جاز الاقتصار على التحري. لأن الظاهر من التحري إصابة الصواب.
وقياسًا على التحري للقبلة عند الاشتباه. وذهب بعض من قال بالتحري إلى إجازته فيما كثر من الأواني لمشقة استعمال الكل. ومنعه فيما قل منها لخفة أن يتوضأ من كل إناء، ويصلي بطهارته به. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يتوضأ بأحدهما ويصلي. ثم بالآخر ويصلي. لأنه إن اقتصر على أحدهما جُوز أن
стр. 217
يكون هو النجس، وإن تحراه. وإن اجتنبهما حصل متيممًا مع وجود ماء طاهر فإذا امتنع الوجهان لم يبق إلا أن يتوضأ بكل واحد منهما ويصلي به. فتبرأ ذمته باليقين. وقياسًا على من نسي صلاة واحدة لا يعلم أي صلاة هي؟ فإنه يصلي الخمس طلبًا لليقين لبراءة ذمته.
وقد سلك بعض هؤلاء (١) طريقة* التحري في هذا الباقي. وذهب بعض القائلين بالتحري إلى منع التحري ها هنا واعتل بأن التحري إنما يكون بين أمرين فأكثر كالقبلة وغيرها وهذا ضعيف لأن كثرة العدد وقلته لا تأثير له إذا أتى الاجتهاد* (٢). واشترط أن يغسل من الآخر موضع الطهارة ليحمل له اليقين بطهارة المحل من النجس. ثم يتطهر منه للحديث. وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يجتنب الجميع ويتيمم. ووجه ذلك أنه لا يصح الاقتصار على أحدهما لما قدمناه، ولا الجمع بينهما على الصفة التي قدمنا. لأن في ذلك تكريرًا للصلاة الواحدة. والصلاة الواحدة لم يوجب الشرع منها في اليوم الواحد إلا واحدة لا أكثر. فلما بطل الاقتصار على أحدهما، والجمع بينهما صارت المياه في حكم العدم. فوجب التيمم. فإن انقلب أحد الإناءين فأهراق قبل النظر فيهما. فلا أعلم فيهما (٣) نصًا لأصحابنا. ويجب عندي أن يكون حكمه حكم (٤) التيمم عند من قال به في وجوبهما (٥) على ما تقدم بيانه. لأنه إنما وجب التيمم عنده بحصول الشك في عين النجس منهما. والشك في الباقي منهما حاصل كحصوله مع وجودهما. فوجب أن يكون الحكم واحدًا. ويجب أن يكون حكمه عند من قال من أصحابنا أنه يتوضأ بهما على ما سبق بيانه أن يتوضأ بالباقي منهما ويتيمم. لأنه إنما وجب الجمع بينهما طلبًا لحصول اليقين ببراءة الذمة كما تقدم بيانه. ولا
стр. 218
يحصل اليقين ها هنا إلا بما قلناه من الجمع بين استعمال هذا الماء لجواز أن يكون هو الطاهر، وبين التيمم لجواز أن يكون هو النجس. فإذا ثبت أن الحكم على هذه الطريقة =الجمع بينهما= فما الذي يقدم على صاحبه؟ يتخرج على قولين قدمنا ذكرهما في حكم الماء المشكوك فيه. فأحد القولين تقدمة الماء إذ لا يصح التيمم مع وجوده. وهذا الماء يجوز أن يكون هو الطاهر فيؤمر بإتلافه حتى يحصل التيمم بعد عدم الماء. والقول الثاني أن يقدم التيمم لجواز أن يكون الباقي (١) هو النجس. فإذا قدمه في الاستعمال نجس أعضاءه ونجاسة الأعضاء لا يرفعها التيمم. فوجب أن يقدم التيمم ليأمن من هذا الوجه الممنوع ويجب أن يكون حكمه عند من قال من أصحابنا بالتحري فيهما، الاجتهاد في الباقي والتحري فيه أيضًا. لأنه إنما وجب التحري لتأتي حصول الظن بالطاهر منهما عند تأمل حاله، وتميز أوصافه. وهذا المعنى يتأتى في الباقي منهما، كما كان يتأتى فيه مع وجود صاحبه. فوجب ألا يرتفع ما ثبت من جواز الاجتهاد والتحري في هذا الباقي.
وذهب بعض القائلين بالتحري إلى منع التحري ها هنا. واعتل بأن التحري إنما يكون بين أمرين فأكثر كالقبلة وغيرها. وهذا ضعيف. لأن كثرة العدد وقلته لا تأثير له إذا تأتى الاجتهاد. وتأتي حصول الظن بطهارة الواحد منفردًا كتأتي ذلك فيه مع إضافته إلى غيره، فلم يكن لمراعاة العدد معنى.
ولو أمكن في القبلة أن تتقرر جهة واحدة بالشك في كونها قبلة دون ما سواها، لكان الحكم التحري فيها كما قلناه ها هنا. ولكن ذلك لا يمكن؛ لأنه متى اعتقد في ثلاث جهات أن القبلة ليست فيها، فقد تحقق أن القبلة في الجهة الواحدة الباقية. واستحال الشك فيها. فلهذا لم يكن التحري في القبلة إلا بين أمرين فأكثر. فإن تحرى فيه فعتذر عليه حصول الظن بطهارته فيجب أن ينتقل إلى التيمم أو يجمع بينه وبين التيمم على الطريقة التي قدمنا. فإن كان الإناءان باقيين فتحرى فيهما، فغلب على ظنه أن أحدهما هو الطاهر، فتطهر به وصلى. ثم تغير اجتهاده واختلف اعتقاده، فإن كان تغير اجتهاده إلى اليقين بخطئه في اجتهاده الأول فإنه يغسل ما أصابه منه. ويعيد الصلاة؛ لأنه تيقن الخطأ فأشبه
стр. 219
الحاكم إذا أخطأ النص فإنه ينقض حكمه. وإن تغير إلى الظن أنه أخطأ في الأول فيتخرج على القول (١) في نقض الظن بالظن، كنقض الحاكم حكمه إذا غلب على ظنه أنه أخطأ فيه. وكالمصلي إلى القبلة باجتهاد ثم غلب على ظنه أنه أخطأ.
وإن اشتبه عليه ماءان ومعه ماء تيقن طهارته فيقتصر عليه ولا يعدل عنه إلى التحري، فيكون ترك اليقين للشك. وهذا عكس الأصول. وإنما لم يقسه على عدول الحاكم على النص إلى الاجتهاد، وإن كان ممنوعًا أيضًا. لأن الحاكم يقطع بخطإ ما خالف النص وهذا لا يقطع بنجاسة ما تحراه. فإن قيل فإن التطهر بالمياه اليسيرة جائز، وإن كانت بقرب البحار والأنهار وهي مجوز عليها أن تكون نجسة. والبحار والأنهار مقطوع بطهارتها فقد صح العدول عن اليقين إلى الظن. قيل لا حكم لهذا التجويز لعدم تيقن النجاسة. والإناءان مقطوع بنجاسة أحدهما فافترق الأمران.
فإن اشتبه الماءان على رجلين فتحرى كل واحد الماء الذي لم يتحره صاحبه، فإنه لا يصلي أحدهما مؤتمًا بصاحبه في الصلاة التي تطهير لها بالماء الذي خالفه فيه لاعتقاده أنه مخطئ فيه. وكذلك لو كثرت الأواني وكثر المجتهدون واختلفوا. فكل من ائتم منهم بمن يعتقد أنه تطهير بالماء النجس فصلاته لا تصح لما قدمناه.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: أما خبر الواحد العدل عن نجاسة الماء فمقبول يجب الأخذ به إذا بين وجه نجاسته. لأن هذا من باب الإخبار، لا من باب الشهادة. وما طريقه الإخبار يقبل فيه خبر الواحد. هذا الظاهر من مذاهب المحققين. وإن كان قد تنازع أهل العلم في بعض فروع هذا الأصل كخبر الواحد عن الهلال. والمشهور عندنا أنه لا يقتدى به. ومما يؤكد ما قلناه قول عمرو بن العاص يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع. والظاهر أنه سأله ليقبل خبره. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لا تخبرنا يا صاحب الحوض (٢). فلولا أن للخبر الواحد تأثيرًا في هذا المعنى لم ينهه عمر رضي الله
стр. 220
عنه عن الإخبار عن ورود السباع الحوض ويقبل في ذلك قول الرجل الواحد
والمرأة والعبد. لأن ما طريقه الإخبار تقبل (١) فيه هذه الأجناس. فإن لم يبين
المخبر وجه النجاسة واقتصر على الإجمال، فإن كان مذهبه كمذهب من أخبره
فيما ينجس من المياه وما لا ينجس فإنه يجب الرجوع إلى الخبر (٢) ويقوم العلم بمساواته في المذهب مقام الأخبار عن صفة النجاسة. وإن كان مذهبه مخالفًا لمذهب من أخبره على الجملة، (٣) لم يحرم استعمال الماء بمجرد إجماله حتى يكشف عن النجس وحاله، لجواز أن يكون قد رأى سبعًا ولغ في الماء فاعتقد أنه قد صار نجسًا. وأخبر بنجاسته على أصل مذهبه، ولا يلزم اتباعه في مذهبه.
ويستحسن عندي العدول عنه إلى غيره من المياه، لجواز أن يكون رأى نجاسة متفقًا عليها فصار الماء بخبره مشتبهًا. وقد قال ﵇: من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه (٤).
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: استعمال الماء في التطهر من الحدث لا يسلبه الطهارة. لأن استعماله لا يسلبه اسمه. فلم يسلبه حكمه. وإضافته إلى الاستعمال لا اعتبار به ولا تأثير له كما لا تأثير لإضافته إلى قراره كدجلة والفرات. أو إلى بعض ما يصنع به كالتسخين والتشميس. وإذا (٥) لم يخرج عن اسمه كان من جملة المياه الباقية على أصلها التي لا يجوز التيمم مع وجودها. وأيضًا فإنه ﵇ توضأ وصب وضوءه على جابر (٦). ولو كان نجسًا لم يصبه عليه. وقد توضأ ﵇ والمسلمون بعده. ولا تكاد تسلم
стр. 221
ثيابهم وأبدانهم من أن يمسها ما يفضل عن أعضائهم. ولم ينقل عن أحد غسل ما أصابه منها. فصار هذا كالإجماع على طهارته. فلا يعتبر بقول من ذهب إلى نجاسته. واختلف هل يسلبه استعماله التطهير أم لا؟ فقيل لا يسلبه التطهير ولكنه يكره استعماله مع وجود غيره. وقيل بل يسلبه التطهير. والواجب التيمم مع وجوده. وقيل هو في معنى المشكوك في حكمه. والواجب الجمع بين فوجه الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١). وطهور من أبنية المبالغة. والمبالغة تتضمن التكرير فإذا تضمنته ها هنا ثبت كون الماء مطهرًا (٢) مرة بعد أخرى. فإن قيل لا فرق في العربية بين فاعل وفعول في الفعل الجامد كقولك صابر وصبور في أنهما لا يتعديان، ولا في الفعل المتعدي كقاتل وقتول في كونهما متعديين. فلما كان طاهر لا يتعدى وطهور مثله قيل قد فرقت العرب بين فاعل وفعول، جامدًا كان أو معتديًا. لأنهم قالوا صابر وقاتل لمن فعله مرة، وصبور وقتول لمن تكرر ذلك منه. فيحمل طهور على إفادة التكرار طردًا للأصل. فإن قيل هذا يصح على أحد قوليه في صحة التطهير بالماء مرة بعد أخرى. فإن منعتموه امتنع التكرار. وإذا امتنع التكرار امتنع الفرق. قيل أما على هذا القول فترجع التفرقة إلى الجهة الأخرى وهي حمل طهور على التعدي لا أكثر، فيفارق طاهرًا من هذه الجهة. لأن طاهرًا لا يتعدى. ولا بد من اعتبار الفرق من هذه الجهة لما بطل اعتباره من الجهة الأخرى على هذا القول. فإذا لم نثبت بينهما فرقًا خالفنا ما أصَّله أهل اللسان. فإن قيل لا يوسف الفعل بالتعدي حتى تحصل منه التعدية، ولهذا لا يقال قاتل قبل وجود القتل. وأنتم تصفون الماء بكونه طهورًا قبل حصول التطهر به وتمنعون هذا الوصف على قولكم هذا بعد وجود التطهر به. وقيل إنما يصح ما قلتموه فيما يتوهم فيه وجود الفعل وعدمه كالقتل والضرب. لأن الإنسان قد يقتل وقد لا يقتل فأما ما يكون معنى
стр. 222
الفعل منه حاصلًا على كل حال فإنه يوسف به ذلك الفعل قبل وقوعه منه، كقولهم سيف قطوع وإن لم يقطع به، لما كان معنى القطع حاصلًا فيه لا محالة.
ومما يؤكد هذا المذهب أيضًا أنا نعلم أن الماء يمر على أول العضو *ثم بعد ذلك يمر على آخره وقد حصل مستعملًا في أوله ولم يمنع استعماله في أول العضو تطهير* (١) آخره وذلك يوضح أن استعماله لم يخرجه عن أصله. وإنما كره في هذا القول، لأنه مختلف في طهارته ومختلف أيضًا عند من قال بطهارته في صحة التطهر به. فأمر بالعدول عنه إلى غيره لتبرأ الذمة من العبادة على وجه متفق عليه.
ووجه القول الثاني أن استعمال الماء يخرجه عن إطلاق التسمية إلى التقييد، فيقال فيه ماء مستعمل. وذلك يخرجه من ظاهر الآية، وإذا خرج منها وجب التيمم مع وجوده. ولأنه ملك أتلف في تأدية فرض فلم يصح تأديته به مرة أخرى كرقبة أعتقت في الكفارة فإنها لا تصح أن تعتق في كفارة أخرى هذا أمثل ما وجه به هذا القول. وقد قدمنا الانفصال عن قولهم لا يسمى ماء مطلقًا. وأما قياسه على الرقة فإنه لا يصح لأن الرقبة إنما لا يصح تكرير العتق فيها لاستحالة عتق المعتق. والماء لا يستحيل فيه التطهر به مرة ثانية، فافترقا.
ووجه القول الثالث: أن المذهبين المتقدمين لما كان لكل واحد منهما وجه، وجب الاحتياط، بأن يؤخذ بهما فيتوضأ، ويتيمم ليسلم من الخلاف (٢).
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: إن جلب إلى الماء شيء من الأجناس التي لا تؤثر فيه، إذا كانت قرار له كالكبريت، والزرنيخ، فألقيت فيه فغيرته. فهل يؤثر ذلك في حكم الماء أم لا؟ اختلف أصحابنا في هذا الأصل.
فقال بعضهم: لا يؤثر؛ لأنه لما يؤثر في حال كونه قرارًا أصليًا (٣) لم يؤثر في حال كونه طارئًا. وقال بعضهم بل يؤثر لأن الأصلي مما لا ينفك الماء منه، ولا يمكن حفظه عنه، وهذا مما يمكن حفظ الماء عنه فأثر فيه إذا كان طارئًا.
стр. 223
وخالف في ذلك كونه أصليًّا. ومن هذا النمط اختلاف أصحابنا أيضًا في الملح إذا ألقي في الماء فغيره. هل يؤثر في حكمه أو (١) لا؟ وقد أشار آخرون منهم إلى التفرقة بين الملح المعدني وبين ما جمد بالصنعة؛ لأن المعدني حكمه حكم التراب في جواز التيمم به، فلم يكن له تأثير. والمصنوع قد أخرجته الصنعة عن أن يكون من أنواع الأرض ومنعت من صحة التيمم به فوجب أن يؤثر في الماء كالطعام.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما التغير بالمجاورة دون الممازجة فلا تأثير له. لأن تغير رائحة الماء بانعكاس أبخرة فاسدة إليه لا ينقل الماء عن اسمه ولا عن حكمه. لأن الماء لم يحمل الخبث فيؤثر فيه.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن حلول العود وشبهه من أنواع الطيب التي لا تنماع في الماء لا تأثير له وإن غلب على رائحة الماء؛ لأن ذلك من باب المجاورة. وقد قدمنا أنه لا تأثير لها. ووقفت لبعض أصحابنا على أن ذلك يؤثر لحصول المخالطة. وعلى هذا الأسلوب جرى الأمر في الماء المبخر بالمصطكى. وقد تنازع المتأخرون فيه وإنما تنازعوا في حصول السبب المؤثر لا في تأثيره إن حصل.
стр. 224
فصل في الأعيان الطاهرة
قال القاضي ﵀: والحيوان كله طاهر العين، طاهر السؤر إلا ما لا يتوقى النجاسات غالبًا، كالكلب والخنزير والمشركين فأسآرهم مكروهة، وفي الحكم طاهرة إلا ما تغير منها عند إصابتهم النجاسة كأكل (١) النصراني الخنزير، وشربه الخمر فإنه نجس. ويغسل الإناء من ولوغ الكلب في الماء سبعًا. ويراق الماء استحبابًا، ولا يراق ما ولغ فيه (٢) من سائر المائعات. وفي غسل الإناء منه روايتان: وأسآر البغال والحمير وسائر الدواب والسباع والطير طاهرة إلا أن يكون شيء منها يأكل النجاسة على ما بيناه. وفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير روايتان.
قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال:
١ - لم كان الحيوان كله طاهر العين، طاهر السؤر؟.
٢ - ولم كان سؤر ما لا يتوقى النجاسة مكروهًا؟.
٣ - وهل غسل الإناء من ولوغ الكلب واجب أو مستحب؟.
٤ - ولِمَ كانت إراقة سؤره استحبابًا؟.
٥ - ولِم فرق بين الماء والمائعات؟
٦ - ولِم اختلف قوله في غسله إذا ولغ في المائعات؟.
стр. 225
٧ - وهل يتكرر الحكم في الإناء الواحد بتكرر ولوغ الكلاب فيه؟.
٨ - ولِم خص البغال والحمير والسباع والطير بالذكر وقد أجمل ذلك في أول الفصل؟.
٩ - ولِم اختلف قوله في غسل الإناء *من ولوغ الخنزير؟.
١٠ - وهل يجب غسل الإناء* (١)، من الولوغ على الفور، أو عند إرادة الاستعمال؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أن الحياة علة في الطهارة للاتفاق على طهارة الشاة والبعير إذا كانا حيين. فإذا ماتا نجسا. فدل ذلك على أن الحياة علة الطهارة. والعلة يجب طردها. وطردها يقتضي أن الحيوان كله طاهر. وإذا كان طاهرًا كان سؤره طاهرًا. فإن قيل لو كانت الحياة علة الطهارة كما قلتموه لوجب نجاسة الشاة الذكية لفقد الحياة. والعلة إذا فقدت فقد حكمها. قيل هذا صحيح في العلل العقلية، وأما العلل الشرعية فقد تفقد ويخلفها علة أخرى فيتعلق الحكم بها. ألا ترى أن من ارتد قتل، فالردة علة في القتل. ولو ذهبت بأن رجع إلى الإِسلام وزنى محصنًا لقتل؛ لأنها علة ثانية خلفت الأولى. فكذلك التذكية خلفت الحياة فاقتضت الطهارة.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما ما لا يتوقى النجاسة غالبًا فإن سؤره منهي عن استعماله. وهل هذا (٢) النهي على الوجوب أو الاستحباب؟ المذهب على قولين: أحدهما أنه على الاستحباب؛ لأن الغالب حصوله لا يجري مجرى ما تحقق حصوله؛ لأن الغالب إنما يعطي الظن بحصول الشيء.
والمشاهدة للشيء تعطي العلم به. وشتان ما بين العلم والظن. فوجب أن يكون النهي ها هنا على الكراهة لعدم العلم بحصول النجاسة. والثاني أنه على الوجوب ولهذا قال: يتيمم من لم يجد إلا سؤر الحيوان المخلى الذي لا يتوقى النجاسة. ووجهه أن الغالب أجري مجرى الحاصل في الشريعة في مواضع،
стр. 226
كالنوم. لما كان الغالب منه حصول الحدث جعل الحدث فيه كانه قد حصل فنقض الوضوء. وأقل مراتب هذا الغالب أن يفيد الشك. والشك ينقل عن أصل الطهارة في أحد القولين. ويجري مجرى اليقين.
وقد روي عن مالك جواز الوضوء بفضل سؤر شرب النصراني والنهي عن التوضئ بفضل وضوئه. وهذه الرواية إن تركتها على ظاهرها أفادتك قولًا ثالثًا وهو نفي الكراهة والتحريم فيما ذكرناه. ووجهها أن النصراني إذا شرب من ماء فإن أول ما يلقى فمه من الماء يذهب بنجاسته ويبقى ما بعده ويرد على فمه وهو طاهر. فلم يكن لكراهته معنى. ولهذا فرق بين سؤر شربه وسؤر وضوئه لفقد هذه العلة في سؤر وضوئه. وعلى هذا إذا كان الحيوان الذي لا يتوقى النجاسة تكون حاله في ذهاب النجاسة من فمه حال النصراني في شربه، فإنه لا يكره سؤره ولا يحرم. وقد روي أن النبي ﵇: توضأ من مزادة مشرك (١) وتوضأ عمر ﵁ من جرة نصراني (٢). وظاهر هذا الجواز، ونفي الكراهة. وإن قلنا بالمشهور من المذهب فإنا نعارض هذا الحديث بما روى أبو ثعلبة قال قلت يا رسول الله إنا بأرض أهل الكتاب ونأكل في آنيتهم فقال: لا تأكل في آنيتهم إلا أن لا تجد عنها بدًا واغسلوها بالماء ثم كلوا منها (٣). فعم أواني الشرب وغيره. ونهى عن استعمال الجميع. ويجب أن يجري سؤر المسلم
стр. 227
الخمّير (١) مجرى سؤر النصراني لاشتراكهما في علة النهي التي هي شرب الخمر.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف قول مالك في الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فحمله مرة على الوجوب لأن الأمر يقتضي مطلقه الوجوب عند جمهور الفقهاء. وحمله مرة على الندب لأنه إنما أمر بغسل الإناء من ولوغه لأنه مما يستقذر. وتوقي ما يستقذر، وتعافه النفس غير واجب.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: ثبت عنه ﷺ في رواية مسلم أنه قال: فليرقه ثم يغسله سبع مرات (٢). والأظهر في المذهب أن ذلك تعبد، لا لنجاسة الكلب. وقال أبو حنيفة والشافعي إنما ذلك؛ لأن الكلب نجس. وهو ظاهر مذهب ابن الماجشون. لأنه قال: إن ولغ في اللبن، أكل إن كان بدويًّا، وطرح إن كان حضريًّا. وإن ولغ في الماء طرح حضريًا كان أو بدويًّا. فإن عجن به طعام طرح. قال لأنه نجس وهذا تصريح منه بنجاسة الكلب. وهكذا في السليمانية أنه إذا ولغ في ماء فطبخت به قدر لم يؤكل. وسوى مطرف في اللبن بين البدوي والحضري. واعتبر القلة والكثرة فطرح القليل وأكل الكثير. وطرد مذهب ابن الماجشون يوجب (٣) أن يستوي حكم البدوي والحضري كما قال مطرف. لأن النجاسة يستوي حكمها في البدو والحضر. ولكنه خرج عن أصله لأصل آخر، وذلك أنه ثبت أنه ﵇ أباح سؤر الهرة. وعلل بتطوافها (٤) علينا. وهذا تنبيه منه ﷺ على أن ما يشق التحرز منه ولا يمكن إبعاده فإنه معفو عنه. والكلب في البدو بهذه المنزلة. وقد قال سحنون الهر أيسر من الكلب.
стр. 228
والكلب أيسر من السباع. وإنما ذلك بقدر الحاجة إليه ومشقة التحرز عن مخالطته. وقال أيضًا كل كلب لم يؤذن في اتخاذه، نجس. وهذا لأنه لا تمس الحاجة إليه فلم يعف عنه. وساوى في الماء بين البدوي والحضري لعدم المضرة بطرحه. وأما مطرف ففرق بين القليل والكثير على ما ذكرناه لمشقة طرح الكثير، وخفة طرح اليسير، أو لأن الكثير يحمل النجاسة بخلاف اليسير. فاحتج من ذهب إلى طهارته بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. (١) ولم يأمره بغسل ما باشره بفمه. وبأنه ﵇ علل طهارة الهر بالتطواف علينا وهذه علة يشاركها الكلب فيها فكان حكمه حكمها.
واحتج من ذهب إلى نجاسته بأنه ﵇ أمر بإراقة سؤره. وظاهر هذا أنه لنجاسته. وقد أجيبوا عن هذا بأنه لاستقذاره أمر بذلك. واحتجوا بأنه قال في بعض طرق الحديث: طهور إناء أحدكم (٢). ولفظة طهور تدل على نجاسة تطهير. وأجيبوا عن هذا بما قدمنا في أول الكتاب من أصل الطهارة الخلوص من الأدناس. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣). فالمراد بالحديث خلوص الإناء من أن يستقذر وتعافه النفس. واحتجوا أيضًا بأنه ﵇ نهى عن ثمنه. وتحريم الثمن إنما يكون لأحد ثلاثة أقسام: أما لعدم المنفعة كالخشاش، والكلب بخلاف ذلك. لأنه ينتفع به. وأما لحرمته كالحرة وأم الولد. والكلب لا حرمة له. وأما للنجاسة فكالميتة والدم. والكلب كذلك. وأجيبوا عن ذلك بأن النهي على جهة التنزيه، والأخذ بالأرفع في الهمة ككسب الحجام وشبهه. وقد تقابلتا (٤) هذه الأدلة عند بعض أصحابنا فألحق الكلب بالمشكوك في حكمه. فقال من لم يجد سؤر الكلب جمع بينه وبين التيمم.
стр. 229
فإن قيل لو أدخل الكلب ما سوى فمه من أعضائه في الإناء فهل ينجسه عند من قال بنجاسة الكلب؟ قيل ينجسه إذا كان الإناء رطبًا. وقد نص على ذلك بعض من ذهب إلى نجاسة الكلب. وهو صحيح على هذا الأصل. ويحل ذلك محل جلد الميتة عند من لم ير أنه لا يطهر بالدباغ إذا استعمل في المائعات.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما فرق بين الماء والمائعات لخفة طرح الماء وقلة الضرر اللاحق بإراقته. والطعام بخلافه. لأنه مما يلحق الضرر بإتلافه، والضرر مز الذي الشرع.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما اختلف قوله في غسله إذا كان فيه مائع سوى الماء؛ لأنه ورد الحديث عامًا في سائر الأواني والأوعية. فأخذ مرة بعموم هذا الحديث وأجراه على إطلاقه. وخصه مرة بالعادة. فرأى أن الكلاب لم تكن تصل في زمن النهي إلى الطعام لقلته عندهم. وإنما كانت تلغ في المياه فحمل الحديث على المألوف عندهم.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إذا ولغت كلاب في إناء واحد فهل يغسل لكل كلب سبعًا أو يكتفي بسبع في سائر الكلاب؟ هذا مما لم ينص عليه أهل المذهب. وقد تنازع فيه من سواهم من أهل العلم. فوجه القول بأنه يكتفى بسبع في سائر الكلاب وهو الأظهر عندي في النظر، أن الأسباب إذا تساوت موجباتها اكتفي فيها بحكم أحدها. ألا ترى أن من بال وجب عليه أن يتوضأ. ومن تغوط وجب عليه أن يتوضأ أيضًا. فإذا اجتمعا معًا أجزأ فيهما وضوء واحد. فكذلك كل كلب على حياله يجب أن يغسل الإناء من ولوغه سبعًا. فإذا اجتمعت الكلاب اكتفي في جميعها بسبع قياسًا على ما قلناه في أحداث الوضوء أنه يكتفى فيها إذا اجتمعت (١) بوضوء واحد. وهكذا يجب على هذه الطريقة إذا قلن ابن جاسة الكلب وولغ في الإناء، ووقع في الإناء *نجاسة
стр. 230
أخرى* (١)، دم أو غيره، فإنه يكتفي في تطهيره من النجاستين بسبع غسلات. وكذلك لو قيل بطهارة الكلب، وأن الغسل تعبد، لاكتفي أيضًا بالسبع لأن النجاسة لا يفتقر غسلها لنية (٢)، وإنما المراد ذهابها، وقد ذهبت ها هنا بهذه (٣) الغسلات، فلا معنى لاعتبارها.
ووجه القول بأنه يجب أن يختص كل كلب بسبع غسلات، أن كل كلب ثبت له هذا التحكم إذا انفرد، فكذلك إذا اجتمع مع غيره. لأنه في حال انفراده كهو في حال اجتماعه. وقد فهمنا أيضًا من الشرع أن تكرر (٤) الغسل في الإناء تغليظ وتشديد. وإلا فالبول والعذرة، وما هو آكد من نجاسة الكلب، لا يشترط في غسله سبع مرات. وإن كان أحمد بن حنبل طرد الأصل في الجميع وأمر (٥) أن تغسل كل نجاسة سبعًا وثامنة بالتراب. فإذا كان المفهوم من الشرع أن تكرير غسله تغليظ، كان طرد هذا الأصل أن تكرر (٦) الغسلات لكل كلب تغليظ أيضًا وتشديد حتى يجري الحكم في هذا الباب مجرى واحدًا.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما خص أسآر البغال والحمير والسباع والطير بالذكر بعد أن أجملها أول الفصل تنبيهًا على الخلاف. لأن الشافعي وافقنا في سائر الحيوان وخالفنا في الكلب والخنزير. وزاد أبو حنيفة سباع البهائم. قال: وأما سباع الطير والحشرات كالفأرة ونحوها فنجس] إلا أنه عفي عنه لامتناع التحرز منه. والوضوء به وإن كان جائزًا، فإني أكرهه وكذا الهر. وأما البغال والحمير فمشكوك في حكمها عنده. فإن لم يجد إلا سؤرها جمع بينه وبين التيمم على حسب ما قاله بعض أصحابنا في سؤر الكلب. فلأجل هذا التفصيل الذي وقع بين هذين الإمامين نص على ما ذكره من أعيان الحيوان لينبه على الخلاف. ولهذا قد قيل في المذهب بكراهة سؤر السباع لأجل هذا الاختلاف، أو لأجل أنها لما كانت تفترس غالبًا حكم لأسآرها بحكم النجس. وقد قيل أيضًا بكراهة سؤر البغال والحمير وهذا أيضًا مراعاة للخلاف الذي ذكرناه.
стр. 231
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما الخنزير، فقد اختلف قوله في غسل الإناء من ولوغه سبعًا. فأثبته قياسًا على الكلب لأنه أغلظ في التحريم منه وأشد استقذارًا فكان أحق بتكرير الغسل من الكلب. ونفاه مرة أخرى لأن سائر النجاسات "المجمع عليها لم يرد الشرع باشتراط عدد فيها. ولهذا أمر ﵇ يصب ذنوب على بول الأعرابي ولم يشترط عددًا (١). وقال في الدم حتيه ثم اغسليه (٢) ولم يشترط عددًا. فإذا لم يشترط العدد في النجاسة "المجمع عليها، فالخنزير أحرى ألا يشترط. وقياسه على الكلب لا يصح إلا بعد اجتماعهما في علة واحدة. ولم يقم الدليل على اجتماعهما في ذلك فأبقي (٣) كل واحد منهما على ما اقتضاه الشرع فيه.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: أما غسل الإناء فلا يجب إلا عند إرادة الاستعمال هذا مذهب الجمهور. وذهب بعض المتأخرين إلى غسله وإن لم يرد استعماله. لأنهم رأوا أن الغسل إنما كرر تغليظًا. وطرد هذا أن يغلظ عليه بغسله وإن لم يرد استعماله. وهذا غير صحيح؛ لأنا وإن سلمنا أن الشرع إنما كرر غسله تغليظًا فليس لنا أن نغلظ على المسلمين بكل ما اتفق. هذا وأصول الشرع مبنية على أن لا تجب الطهارة حتى يحضر الذي من أجله وجبت سواء كانت طهارة حدث، أو نجس أو عبادة. وكذلك يجب أن يكون الحكم في مسألتنا لا تجب طهارة الإناء إلا عند إرادة استعماله لأنه إنما يطهر للاستعمال.
قال القاضي ﵀: ثم الحيوان بعد ذلك على ضربين بري وبحري.
стр. 232
فالبحري طاهر العين حيًّا وميتًا، كان سمكًا، أو غيره، كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له، لا ينجس في نفسه إذا مات (١) ولا ينجس ما مات فيه من ماء (٢) أو مانع. ويجوز (٣) التطهر مما (٤) مات فيه على الإطلاق، إلا أن يغيره فيصير مضافُ الا نجسًا. والبري ضربان منه ما له نفس سائلة كسائر ما ذكرناه من الدواب وغيرها من الطير والفأر (٥) والسنانير. فما مات من ذلك نجس. ونجس (٦) ما مات فيه من مائع غيره أو لم يغيره، ولا ينجس الماء إلا إن غيره. إلا أنه يستحب نزح البئر التي تموت فيها بحسب كبر الدابة وصغرها، وكثرة ماء البئر وقلته. وذلك توق واستحباب. وما تغير وجب نزح جميعه إلى أن يزول التغير. والضرب الآخر ما لا نفس له سائلة كالزنبور والعقرب والخنفساء والصرار، وبنات وردان وشبه ذلك. فحكم هذا حكم دواب البحر لا ينجس في نفسه، إذا مات (٧) ولا ينجس ما مات فيه من مائع أو ماء، وكذلك ذباب العسل والباقلاء ودود النحل.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما معنى تقييده بقوله حيًّا وميتًا؟.
٢ - وما معنى تقييده بقوله كان مِمَّا له شبه في البحر أو مما لا شبه له؟.
٣ - وما معنى قوله لا ينجس في نفسه إذا مات ولا ينجس ما مات فيه؟.
٤ - وما معنى تقييده بقوله من ماء أو مائع؟.
٥ - وما دليل هذه الجملة؟.
٦ - وما مرادهم بالنفس السائلة؟.
٧ - ولم كان المائع ينجس وإن لم يتغير والماء لا ينجس إلا بالتغير؟.
٨ - ولم كان النزح توقيًا واستحبابًا فيما لم يتغير؟.
٩ - ولم كان ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت؟.
стр. 233
١٠ - وهل البرغوث والبعوض ملحق بالقسم الأول أو الثاني؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما قيد ذلك بذكر الحياة والموت لأن أبا حنيفة ذهب إلى أن ميتة البحر لا تحل كميتة البر. ولنا عليه قوله سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (١). قال عمر ﵁: الصيد ما صيد منه. وطعامه ما رمى به. وله علينا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. (٢) ولم يفرق بين ميتة البر والبحر. وهذان عمومان تعارضا. فيجب رد أحدهما للآخر. فله أن يقول المراد بقوله صيد البحر وطعامه ما كان حيًا بدليل قوله تعالى حرمت عليكم الميتة. ولنا أن نقول المراد بقوله حرمت عليكم الميتة إذا كانت برية بدليل قوله أحل لكم صيد البحر وطعامه. وإذا تعارض العمومان وتقابل البناءان وجب طلب الترجيح. فلنا ترجيحان أحدهما: من نفس الظاهر، والآخر من غيره. فأما الذي من نفسه فهو قوله وطعامه بعد ذكره لصيده فيجب أن يحمل قوله وطعامه على فائدة ثانية غير فائدة قوله صيد البحر، ولا فائدة لها إلا ما رمى به. والغالب فيما رماه أنه لا يكون إلا ميتًا. وقد ذكرنا قول عمر ﵁ في تأويل الآية وهو صاحب وإمام يرجح بقوله. وأما الترجيح من غير الآية فقوله ﵇ في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته (٣). وهذا يستعمل ترجيحًا ودليلًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما قيد بقوله كان مما له شبه في البر أو مما لا شبه له؛ لأن من العلماء من ذهب إلى أن ما كان له شبه في البر فحكمه حكم شبهه كإنسان الماء والكلب والخنزير، لا يحل (٤) أكلهم وإن كانوا من دواب الماء. لأن أشباههم من حيوان البر لا تؤكل. وقد سئل مالك في المدونة عن خنزير الماء فتوقف فيه. فلأجل هذا الاختلاف قيد بقوله كان مما له شبه في البر أم لا؟ ليشير بهذا التقييد إلى هذا الاختلاف.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما أتى بهاتين الجملتين لأن
стр. 234
الشافعي ذهب إلى أن ما تولد من الحيوان في شيء كدود النحل والباقلاء فإنه في نفسه نجس. وإن كان لا ينجس ما مات فيه لأنه مما لا يمكن التحرز منه. لكن لو ألقي هذا الدود في شيء آخر لنجسه لإمكان التحرز منه (١). فقد صار الشيء في نفسه نجسًا. ولم ينجس ما مات فيه. فأتى بالجملتين لئلا يظن ظان به إذا اقتصر على أحد الحكمين أنه نفى الآخر.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما ذكر الماء والمائع لئلا يظن ظان به متى اقتصر على الماء خاصة أن المائع بخلافه. ويتوهم أن الماء لما كان مما لا ينفك من دوابه المخصوصة به غالبًا عفي عنه ولم يحكم بنجاسته لموت دوابه فيه، كما لم يحكم بإضافته بتغيره بالطحلب، وشبهه لعدم التحرز منه. والمائع بخلافه *في هذا. ولأن الماء أيضًا يدفع عن نفسه والمائع بخلافه* (٢) فلأجل هذه الشبهة نبه على أن المائع مساو للماء ها هنا.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: أما الدليل على صحة ما قاله من طهارة الحيوان البحري وإن كان ميتًا، وإن كان مما له شبه في البر فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ (٣). فعم. وقوله ﵇ في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته (٤).
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: الظاهر من مرادهم عند بعض شيوخنا بالنفس السائلة الدم. والنفس من الأسماء المشتركة، فتكون النفس بمعنى العين والذات ومنه قولهم نفس الجوهر ونفس العرض. وهذا لا يصح أن يريدوه ها هنا. وتكون النفس بمعنى الروح *على رأي بعضهم. ثم يختلف هؤلاء في حقيقة هذا المعنى اختلافًا يطول شرحه. ولا مدخل له ها هنا. ويكون النفس بمعنى الدم* (٥) ومنه قولهم نفست المرأة وهذا المراد عند بعض شيوخنا بقولهم النفس السائلة يعني الدم.
стр. 235
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما كان المائع ينجس وإن لم يتغير في المشهور من المذهب *والماء لا ينجس إلا بالتغير في المشهور من المذهب* (١) أيضًا لأن الماء تطهير به النجاسات وتزال به وهو مختص بهذا الحكم *دون غيره مما سواه من المائعات. فإذا أثبت اختصاصه بهذا الحكم* (٢) وأنه يطهر النجاسات لم تؤثر فيه إذا طرأت عليه إلا أن تغيره وتغلب عليه. إذ لو أثرت فيه إذا طرأت عليه لم يؤثر فيها إذا طرأ عليها. والمائعات سواه لا تطهير النجاسات إذا طرأت عليها فوجب لذلك أن تؤثر فيها النجاسات إذا طرأت عليها وإن لم تغيرها.
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما كان النزح توقيًا واستحبابًا لأن الماء لا تؤثر فيه النجاسة إلا إذا غيرته على ما قدمنا وعلى ما اقتضاه قوله ﵇: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه (٣) الحديث. فنفى كونه نجسًا مع عدم التغير. وهذا ينفي وجوب النزح إذ الطاهر لا ينزح ولكنه يستحب ذلك فيه لأجل الاختلاف، ولأجل قول بعضهم أن الحي إذا مات خرجت منه بلة تطفو على وجه الماء، فينزح من الماء قدر ما يقع في النفس أنها تذهب بذهابه. ويستعمل بعض هذا الماء لإذهاب النجس كما قال بعضهم في الماء المتغير يصح أن يضاف إليه ماء آخر ليذهب التغير بالمكاثرة. فالمكاثرة ها هنا في معنى النقض هناك (٤).
والجواب عن السؤال التاسع: أن قال: إنما كان ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت لما قدمناه عن بعضهم من أن الحيوان علة النجاسة فيه ذات وصفين: الموت، والنفس السائلة. للاتفاق على نجاسة ما هذا (٥) حاله. فإذا لم يوجد أحد الوصفين لم يثبت الحكم. ويؤكد هذا قوله ﵇: إذا وقع
стр. 236
الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه (١). فلو كان ينجس بالموت لفسد الطعام بغمسه فيه لأن الغالب موته بالغمس وإذا مات في الطعام نجس الطعام وفسد. وما كان ﵇ يأمر بإفساد الطعام وتنجيسه.
وقد صار الشافعي إلى نجاسته بالموت ورأى أن العلة ذات وصف واحد وهو الموت خاصة. فطردها في جميع الحيوان وطرد أصله. فقال بنجاسة دود النحل إذا مات فيه لوجود الموت الذي هو علة الحكم. ولكنه لم يقل بنجاسة النحل لعدم حفظه وصيانته عن موت الدود فيه.
والجواب عن السؤال العاشر: أن يقال: اختلف ظاهر المذهب في البرغوث. فألحقه ابن القصار بما له نفس سائلة لوجود الدم فيه. وقد قدمنا أن النفس السائلة عبارة عن وجود البلة والدم وهذا موجود في البرغوث. وحكي عن سحنون ما ظاهره إلحاقه بما لا نفس له سائلة. وحكى ابن حبيب أن البعوض كالجراد فألحق البعوض بما لا نفس له سائلة مع أن فيه دمًا. ونقطة الاختلاف في ذلك أن هذا الدم في هذا الصنف من الحيوان ألحقه بما له نفس سائلة عند من رأى ذلك. ومن اعتبر كون الدم أصليًا لا طارئًا، ألحق هذا بما لا نفس له سائلة. لا سيما وما لا دم له أصلًا، لا أصليًّا ولا طارئًا قد صار الشافعي إلى نجاسته بالموت، فالأصل ما قيس عليه هذا غير متفق على صحته.
قال القاضي ﵀: ولا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا لشيء من المسنونات والقرب بمائع سوى الماء المطلق. والنبيذ التمري المسكر (٢) نجس كالخمر لا يجوز شربه ولا التطهر به لا لحدث ولا لنجس.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدليل على صحة ما قال؟.
стр. 237
٢ - ولم ذكر طهارة الحدث والنجس؟.
٣ - ولم كان النبيذ المسكر نجسًا؟.
٤ - ولم لا يجوز التطهر به؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما الدليل على أنه لا يجوز التطهر بما سوى الماء المطلق. فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١). فجعل الحكم عند عدم الماء التيمم، ومن وجد مائعًا سوى الماء ولم يجد سواه فإنه غير واجد للماء (٢). ومن كان غير واجد للماء فحكمه التيمم على ظاهر القرآن. وقد قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٣). وهذا وإن كان على وجه (٤) الامتنان علينا، فإن فيه تنبيهًا على فضل الماء واختصاصه بهذا الحكم. إذ لو لم يختص به، وكان كل ما سواه يطهر مثله (٥) لكان وجه الكلام أن يقول خلقنا كل مائع طهورًا لكم (٦) فدل ذلك على أنه يختص بالتطهير عمومًا في طهارة الحدث والنجس. ولأن هذه (٧) شرائع وعبادات غير معقولة المعنى فليس لنا إن نضع منها ولا أن نشرع فيها إلا ما شرع الله سبحانه (٨). كما ليس لنا أن نشرع جواز التوضؤ بالأدهان وغيرها. وإن كانت مائعة مثل الماء.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما ذكر طهارة الحدث والنجس. لأنه لو اقتصر على طهارة الحدث لأمكن أن يظن به ظان أنه يجيز طهارة النجس بغير الماء كما (٩) صار إليهم بعضهم. ولأن ما سوي الماء قد أثر في النجاسة على أحد القولين عندنا في طهارة جلد الميتة بالدباغ. والدباغ ليس من الماء بسبيل. فلما أثر ما سوى الماء في بعض المواضع على هذا القول نص على أن طهارة النجس كطهارة الحدث في الحكم الذي ذكره.
стр. 238
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما كان النبيذ المسكر نجسًا لمشاركته للخمر المتفق عليه في علة النجاسة. لأن الخمر المتفق عليه إنما كأن نجسًا عندنا لوجود الشدة المطربة. ألا تري أنه إذا كان حلوا كان حلالًا.
وإذا اشتد حرم. فإن تخلل من قبل الله سبحانه بعد ذلك حل. فلما رأينا الحكم متعلقًا حصوله بحصول الشدة المطربة وعدمه بعدمها، علمنا أنها علة الحكم.
وإذا كان ذلك كذلك وكان التمري فيه من الشدة المطربة ما في العنبي، وجب أن يكون حكمهما واحدًا في التحريم والنجاسة.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما لم يجز التطهر به لما قدمناه من كونه نجسًا، والنجس لا يتطهر به. وقد أجاز الأوزاعي الوضوء بسائر الأنبذة. وروي مثله عن عليّ ﵁. وقال أبو حنيفة: إنما يجوز بمطبوخ التمر فقط إذا أسكر دون النقيع والنيئ بشريطة عدم الماء. ولنا عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١). فلم يجعل بين عدم الماء والتيمم واسطة. فمن جعل بينهما واسطة فقد خالف الظاهر. ولأنه إن كان أصلًا جاز الوضوء به مع وجود الماء. وإن كان بدلًا فيجب كونه أعم وجودًا من المبدل وأسهل تناولًا. وهذا مقتضى الحكمة لأنه إنما يبدل الشيء عند عدمه بعوض هو أكثر منه وجودًا وأسهل تناولًا. وإذا بطل كونه أصلأوبدلًا بطل أن يكون له في الطهارة مدخل. فإن تعلقوا برواية ابن مسعود بأنه قال ﵇ ليلة الجن: ما في إدواتك؟ قال: نبيذ. فقال: تمرة طيبة وماء طهور (٢). زاد بعضهم فتوضأ منه. فقيل عنه أجوبة. فقيل إنه منسوخ لأنه كان بمكة ونزلت آية الوضوء التي دلت على منع الوضوء به بالمدينة. والآخر ينسخ الأول. وأيضًا فإنه يمكن أن يكون لم يتغير وإنما سمي نبيذًا لأنه قد نبذ. وهذه التسمية تحصل له وإن لم يتغير. وقد قال الترمذي: أن أبا زيد راويه رجل مجهول (٣) وهذا كله يمنع التعلق به.
стр. 239
باب في الاستنجاء - وآداب الإحداث
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: ويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد بموضع لا يقرب منه أحد، ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، إلا أن يكون في منزله أو بين البنيان فيجوز له ذلك. ولا ينبغي له قضاء الحاجة على قارعة الطريق, ولا شاطئ نهر ولا في ماء دائم ,إلا أن يكون كثيرا جدًا كالمستبحر. ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحديث. وإذا (١) أراوإلاستنجاء فبشماله، إلا أن يكون له عذر. ويفرغ الماء على يده (٢) قبل أن يلاقى بها الأذى.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة: منها أن يقال:
١ - لم استحب الإبعاد؟.
٢ - ولم نهي عن استقبال القبلة واستدبارها؟.
٣ - ولم أجاز ذلك في البنيان؟.
٤ - ولم نهي عن قضاء الحاجة على قارعة الطريق، وما ذكر معها؟.
٥ - ولم كره الكلام في حال الحدث؟.
٦ - ولم خص الاستنجاء بالشمال؟.
٧ - ولم استحب إفراغ الماء عليها قبل أن يلقى بها الأذى.
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: إنما استحب الابعاد لئلا يخرج منه صوت فيسمعه من كان قريبًا منه. وهي من العورة التي كشفها قبيح. فأمران
стр. 240
يبعد من الناس ليأمن من ذلك. وقد نبه على ذلك ﵇ بقوله: تنح عني فإن كل بائلة تفيخ (١). وكان ﵇ إذا أتى حاجته أبعد في المذهب.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما نهى عن استقبال القبلة واستدبارها إعظامًا للقبلة وتشريفُ الها أن تستقبل أو تستدبر بالعورة. وتواجه بما يستره (٢) الناس بعضهم عن بعض. وقد روي عنه ﵇ أنه قال: من جلس يبول قبالة القبلة فتذكر فانحرف عنها إجلالًا لها لم يقم من مجلسمعتى يغفر له (٣). وهذا تنبيه على العلة التي ذكرناها. وذهب بعضهم إلى أن علة ذلك ستر العورة عمن يصلي إلى القبلة من الملائكة وغيرهم. وقد اختلف الناس في هذه المسألة فذهب عروة وربيعة وداود إلى جواز استقبال القبلة واستدبارها في المدائن والفلوات. وذهب أبو حنيفة إلى منع ذلك فيهما. وفصل مالك ﵀ كما تقدم. فأجاز في المدائن ومنع في الفلوات *واحتج من أجاز ذلك* (٤) على الإطلاق بقول ابن عمر ارتقيت على بيت فرأيت النبي ﷺ على لبنتين لحاجته مستدبر القبلة، مستقبل بيت المقدس (٥). واحتج من يمنع على الإطلاق بقوله ﵇: لا تستقبلوا القبلة لبول ولا لغائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا (٦). ولما رأى مالك ﵁ اختلاف هذين الحديثين ولم يمكن
стр. 241
إسقاط أحدهما للآخر مع إمكان رد بعضها إلى بعض قال بجواز ذلك في المدائن على حسب رواية ابن عمر. ومنع ذلك في الصحاري على مقتضى الحديث الآخر. وخص عموم النهي بحديث ابن عمر. وأكد هذا بضرب من الترجيح وذلك أن م ابن ي من المراحيض في المدائن، يتعذر أن تبنى كلها على قصد واحد مع اختلاف جهاتها. وإذا تعذر ذلك ودعت الضرورة لبناء بعضها مستقبل القبلة أو مستدبرها دعت الضرورة لمسامحة الجالس عليها للحديث أن يقعد على مقتضى وضعها. وهذا المعنى مفقود في الصحاري فأجرى الأمر فيها على مقتضى الحديث. فإن قيل فَمَا لَا يتعذر فيه الانحراف في المدائن كالشوارع والسوق، إذا اجتنب قارعة الطريق فهل يمنع لعدم الضرورة ويلحق بالفلوات، أو يجوز طردًا للباب؟ قيل ظاهر المذهب على قولين: أحدهما الإباحة وهو ظاهر قول القاضي أبي محمَّد في هذا الكتاب بظاهر حديث ابن عمر. ولأن العلة عند بعضهم استقبال المصلين في الفيافي من الملائكة وغيرهم وهذا المعنى مفقدد في المدائن لإحاطة الجدر به. والثاني المنع لأن علة الجواز في المدائن عدم القدرة على الانحراف. فمتى قدر على إجلال القبلة للانحراف أمر به.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد تقدم ذكره وعلة جواز ذلك في المدائن في السؤال الذي قبل (١) هذا فأغنى عن إعادته.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إنما نهي عن قضاء الحاجة على قارعة الطريق وشاطئ النهر, والماء الكثير تعليق بذلك من حقوق الناس, ولم ينالهم من الأذي بفعل ذلك علي قارعة الطريق في تصرفاتهم, وشاطئ النهر في شربهم وطهارتهم. والماء الكثير بإفساده ومنع استعماله له ولغيره. وقد قال ﵇: اتقوا الملاعن الثلاث (٢). ومعناه أن الناس إذا خلوا بهذه المواضع فمنعهم من الانتفاع بها ما فيها من الأذى، نعنوا من قطع حظهم منها.
стр. 242
وقال ﵇: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم (١). وعلته ما قلناه من إفساده. وقد يتغير من ذلك فيظن من ورد عليه أنه تغير مما لا ينجسه فيستعمله.
وهو مما لا يجوز استعماله. ومن هذا المعنى، كره التغوط في ظلال الجدر والشجر لقطع منفعة الناس. ويكره البول في الأجحار لأنه ﵇ نهى أن يب الذي الجحر (٢). فقيل معناه أنه قد يخرج من الجحر ما يلسعه ويرد عليه البول.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما نهي عن المخاطبة في حال الحدث لقوله ﵇: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك (٣). وقد مر به ﵇ رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه (٤) مع تأكد الأمر في رد السلام. ولأنه معنى يقبح إبداؤه وكشفه، وجرت رالعادة بستره والانقباض فيه من الناس. والمحادثة مباسطة واسترسال. وذلك نقيض م ابن ي هذا الأمر عليه.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إنما خص الشمال بالاستنجاء؛ لأنه ﵇ نهى أن يمس رجل ذكره بيمينه (٥). وهذا على جهة التشريف
стр. 243
لها. وقد ورد الشرع بتشريف هذا الجانب. قال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (١). فجعله تعالى علمًا على (٢) عنوان السعادة في الآخرة فإن كان استنجاؤه بالماء صبه بيمينه وغسل بيساره. وإن كان بالحجر أخذ ذكره بيساره ومسح به على الحجر. فإن استنجى بيمينه أجزأه لأن الغرض تطهير المحل وقد طهر.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: إنما استحب أن يفرغ الماء على يده قبل أن يمس بها الأذى لأنه إذا فعل ذلك كان أبعد من أن تتعلق رائحة النجاسة بيده لمدافعة الماء لها عن اليد قبل إلمامها به.
قال القاضي ﵀: والأفضل الجمع بين الماء والأحجار، ويبدأ بالأحجار. فإن اقتصر على أحدهما فالماء أفضل. (٣) وإن اقتصر على الأحجار جاز ما لم يَعْدُ المخرج أو ما يقاربه. فإن انتشر عن ذلك الموضع لم يجزه إلا الماء. ويستحب له أن يأتي بالثلاثه الأحجار (٤) فإن (٥) أنقي بدونها أجزأه. وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالأحجار (٦) في الإجزاء. وقد ولخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة. ويكره له العظم والبعر. وإن وقع بهما الإنقاء جاز.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة: منها أن يقال:
١ - ما الاستنجاء؟.
٢ - وما أقسامه؟.
٣ - وما أحكامه؟.
٤ - وما الغرض به؟.
стр. 244
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الاستنجاء هو (١) إزالة النجو، والنجو هو الحدث نفسه، وتسميته بذلك مجاز واتساع. وحقيقته أنهم كانوا يرتادون لقضاء حاجتهم الموضع الذي يسترهم عن الناس. إما النجوة وهي المرتفع من الأرض وإما الغائط وهو المنخفض من الأرض. فيقولون ذهب ينجو أو ذهب يتغوط. فلما كثر استعمالهم لهذا اللفظ نقلوه إلى الحدث نفسه.
وأجروا اسم موضعه عليه وجروا في ذلك على عادتهم في إجراء اسم الشيء على ما ناسبه وتعلق به ضربًا من التعلق.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: الاستنجاء على قسمين: استنجاء بالماء، واستنجاء بالحجر وما سد مسدهما. فأما الاستنجاء بالماء فجائز عند الجمهور. وحكي عن بعض السلف كراهته. ورأى أن الماء مطعوم فله بذلك حرمة تمنع من جواز استعماله في سائر النجاسات كسائر المطعومات. وترك قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢). فعم (٣). وأنه ﷺ كان يستنجي به (٤) .. وأما الاستنجاء بالأحجار (٥) فالدليل على صحته قوله ﵇: ولا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار (٦) وقوله من استجمر فليوتر فمن فعل فقد أحسن وإلا فلا حرج (٧).
стр. 245
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما أحكامه فكثيرة منها ما ذكره في الكتاب من أن الجمع بين الحجر والماء أولى (١). وهذا ليذهب الحجر عين النجاسة. ويذهب الماء أثرها. فإن اقتصر على الماء أجزأه. لأنه يذهبهما. وإن اقتصر على الحجر فقدلان: الجواز لقوله (٢) ﵇: ولا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار فعم (٤). والمنع قياسًا على طهارة الحدث التي لا يجوز العدول فيها عن الماء إلا عند عدمه ومنها ما ذكره من أنه إنما يجزئ الأحجار ما لم يعد المخرج وما قاربه. وإنما كان هذا هكذا لأن الأصل عندنا ألا تزال النجاسة إلا بالماء. وسمح باستعمال الحجر لأنه قد يعرض للإنسان قضاء الحاجة في الطرقات ومواضع لا يتفق فيها الماء ولا يمكنه التأخر إلى وجوده. فرخص له في استعمال الحجر الموجود بكل مكان. وهذا يجب قصره على المخرجين اللذين يضطر لفعل ذلك فيهما، وما سواهما من البدن يبقى على أصله في اختصاصه بالماء. وما انتشر عن (٣) المخرجين انتشارًا متفاحشًا ألحق بحكم ما على البدن لمشاركته له في معناه. لأنه لا يوجد غالبًا في سائر الناس عند خروج الحدث. ومنها ما ذكره من استحباب البلوغ إلى ثلاثة أحجار. وهذا لقوله ﵇: لا يستجمر أحدكم بدون ثلاثة أحجار (٤). أخرجه مسلم. ومنها قوله: إن أنقى بدون الثلاث أجزأه. وهذا فيه قولان: أحدهما ما ذكره وهو الظاهر من المذهب وبه قال أبو حنيفة. ووجهه قوله ﵇: من استجمر فليوتر (٥). والواحد وتر *ولأنه ﵇ أتى بحجرين وروثة. فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة (٦). ولأن الماء لم يراع فيه عدد مخصوص.
стр. 246
وكذلك ما هو بدل منه وهو الحجر* (١) وقيل لا يكتفي بذلك. قاله أبو الفرج وابن شعبان وبه قال الشافعي. ووجهه قوله نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (٢). واختلف على هذه الطريقة هل يشترط نقاء الثلاثة الأحجار. أو إنما يشترط نقاء بعضها. فوجه اشتراط نقاء جميعها، قوله وقد سئل عن الاستطابة بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع (٣) هذا وجه القول. ووجه القول بالاكتفاء بنقاء بعضها قوله: نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ولم يشترط نقاء جميعها. ولأن الماء لم يراع فيه عدد مخصوص فكذلك ما هو بدل منه وهو الحجر. ولأنه ﵇ أتي بحجرين وروثة فاستنجى بالحجرين وألقى الروثة (٤).
ومنها قوله أن كل جامد منق فهو كالحجر في الأجزاء. وقد يخالفه في إباحة الابتداء إذا كان مما له حرمة *ويكره العظم والبعر* (٥) فإن أنقيا جاز. وإنما كان هذا هكذا ولم يقتصر في الاستنجاء على الأحجار خلافًا لداود، وأهل الظاهر في قصرهم الاستجمار على الأحجار لتخصيصها بالذكر في الحديث. لأن الغرض إذهاب النجاسة وهو السابق إلى النفس عند ذكر الحجر. فما فعل فعلها حل محلها. وأيضًا فإنه ﵇ لما أوتي بالروثة يستنجي بها ألقاها وقال: إنها رجس ولم يقل إنها ليست بحجر. وأيضًا فإنه لما ذكر الراوي خبر الاستنجاء ذكر أنه نهى عن الروث والرمة. وتخصيص هذين بالذكر يدل على بطلان القول بالاقتصار على الأحجار، إذ لو كان غيرهما ممنوعًا لما أفاد تخصيصهما بالذكر ولكنه خصصهما بالذكر لكون الروث نجسًا، والرمة عظم بال لا ينقي. وإنما اشترط أن يكون جامدًا لأن المائع سوى الماء لا يزيل النجاسة على ما قدمنا فيما سلف. وإنما اشترط كونه منقيًا لأن ما يزيل العين
стр. 247
كالإصبع وغيره لا يذهب النجاسة. والغرض ذهابها. وإنما شرط في الإباحة أن لا يكون له حرمة لأن الطعام تمنع حرمته من امتهانه. فمباشرة النجاسة به أحرى أن تمنع. فإن فعل ففيه قولان: أحدهما الأجزاء على ما أشار إليه في الكتاب، والثاني نفي (١) الأجزاء. فوجه القول بالأجزاء: أن الغرض إزالة العين وهي قد زالت بهذا النوع. ووجه نفي الأجزاء أن الاستنجاء بغير الماء رخصة، والرخص لا تتعلق بالمعاصي وأيضًا فإذا كان هذا منهيًا عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، عند بعضهم، منع ذلك من أجزاء الاستنجاء به. وينخرط في هذا السلك الاستنجاء بالأحجار الشريفة كالذهب والجوهر، فإن ذلك يمنع؛ لأن الشرب فيه نهي عنه لأجل السرف. فامتهانه في أن يمسح به المخرج أولى أن يكون سرفُ ا. فإن فعل فيختلف في الأجزاء على حسب ما تقدم.
وأما كراهية العظم والبعر. فلتعلق (٢) حق الغير بهما، وقد نهى ﵇ عن الاستنجاء بهما. وقال: إنه زاد إخوانكم من الجن (٣). وإنما قال بالأجزاء إذا أنقى بهما لأن الغرض ذهاب النجاسة وقد ذهبت. ولأن المنع، لتعلق حق الغير، وذلك لا يمنع من إجزاء الاستنجاء (٤) كما لو غصب حجارة فاستنجى بها. وقد قيل يعيد الصلاة هذا المصلي بهذا الاستنجاء ما دام وقت الصلاة المفروضة باقيًا. ووجهه أن إزالة النجاسة شرط في أجزاء الصلاة أو كمالها على ما سيأتي بيانه. فإذا أتى بذلك على وجه منهي عنه أمر بالإعادة ليأتي بالعبادة على الوجه المأمور به.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الغرض بالاستنجاء ذهاب النجس وتطهير البدن ليناجي المكلف ربه وهو (٥) على أشرف الأوصاف، وأجمل
стр. 248
الأحوال، على ما فيه من حصول النظافة التي يؤمر بها المكلف في كل أحواله عند الصلاة وغيرها.
قال القاضي ﵀: ومن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة فإن كان لعذر من سهو أو عدم ما يزيلها به أجزأه. وأعاد إن وجد في الوقت. وإن كان عامدًا قادرًا على الإزالة لم يجزه، وأعاد أبدًا. وليس على من بال أن يقوم ويقعد أو يزيد في التنحنح، ولكن ينتر ويستفرغ جهده على ما يرى أن حالته تقتضيه (١) من إطالة أو إقصار. ويكره له البول قائمًا في موضع صلب لا يأمن تطايره عليه. *أو مقابلة الريح* (٢) ويجوز في الرمل، والمواضع التي يأمن ذلك فيها.
قال الإِمام ﵀: يتعلق بهذا الفصل سؤالان: منها أن يقال:
١ - لم فرق بين الناسي والعامد في ترك الاستنجاء؟.
٢ - ولم كره البول قائمًا في الموضع الصلب وأجازه في الرمل وشبهه؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تفرقته بين الناسي والعامد فإن ذلك مبني على إزالة النجاسة هل هو فرض أو سنة؟ وقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وجعله أصلًا في العفو عن قليلًا النجاسة. وسيرد تحقيق القول فيه عند بلوغنا إلى موضعه من هذا الكتاب فلا معنى لذكره ها هنا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما كره البول قائمًا لقول عائشة ﵂: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (٣). وإنما خص بذلك المواضع الصلبة؛ لأنه إذا بال قائمًا تطاير عليه، فينجس بدنه وثوبه.
وتوقي النجاسات مأمور به. وإنما أجاز ذلك في الرمل. بحيث لا يتطاير لذهاب العلة التي من سببها (٤) نهينا عنه. وقد روي أنه ﵇ أتى سباطة قوم فبال قائمًا ومسح على خفيه (٥). والسباطة يأمن فيها من تطاير البول. وقد
стр. 249
قال بعضهم إنما فعل ذلك لعلة كانت به. وقال بعضهم إنما فعل ذلك لقرب الناس منه. والبول قائمًا يؤمن معه من خروج الصوت. وقال بعضهم إنما فعل ذلك لعذر، (١) لأنه خاف متى جلس أن يكون في السباطة نجاسة تمس ثوبه فاتقى ذلك وتوقاه: بأن بال قائمًا. وعلى الجملة فالبول قائمًا إنما يفعل عند عذر يقتضيه. وأما المختار، فالبول من قعود لقول عائشة: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه (٢). وهذا الإنكار منها يقتضي أن المعلوم من عادته ﷺ البول من قعود (٣). وما تكرر من فعله وعلم من عادته فيه تتعلق الفضيلة. وما روي من بوله قائمًا ففعله لإحدى العلل التي ذكرناها أو ليشرع الجواز والإباحة.
стр. 250
باب آخر
قال القاضي ﵁: كل مائع خرج من أحد السبيلين نجس] وذلك هو البول، (١) والمذي والودي (١)، والمني ودم الحيض والنفاس والاستحاضة وغير ذلك من أنواع البلل والدماء كلها نجسة (٢) تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها، إلا دم الحيض ففيه روايتان. والأبوال على ثلاثة أضرب:
١ - بول حيوان محرم الأكل فهو نجس.
٢ - وبول حيوان مكروه الأكل فهو مكروه.
٣ - بول حيوان مباح الأكل فهو طاهر مباح. إلا أن يعرض ما يمنعه مثل أن يكون غذاء ذلك الحيوان النجاسة أو غالبه. وأجزاء الميتة كلها نجسة *إلا ما لا حياة فيه* (٣) كالشعر والصوف والوبر. وكل الحيوان في ذلك واحد. وجلود الميتة كلها نجسة لا تطهير (٤) بالدباغ. غير أنه يجوز استعماله في اليابسات. وعظم الميتة وقرنها نجس.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل عشرون سؤالًا: منها أن يقال:
١ - ما النجاسة؟.
٢ - وما أقسامها؟.
٣ - وما الدليل على صحة ما قال؟.
٤ - وما معنى تقييده بقوله كل مائع؟.