← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

القاضي (١) وغيره من حَرْث بها أو حمل عليها، وما في معنى ذلك من المنافع المقصودة عند الناس عموماته، إلى مراعاة المنافع في عموم الناس لا في أعيان آحادهم. ونحن التفتنا إلى أغراض المالكين بحسب اختلاف أقدارهم، فكان تلف الغرض المقصود عند جنس من الناس كالتلف الذي تعم جميع الناس الضرورة به. وقد وقع التمثيل في هذا القسم بقطع ذنب بغلة القاضي. وأما لو قطعت أذن بغلة القاضي فإن فيه اختلافًا: ذهب بعض من تقدم من أصحاب مالك إلى أنه لا يضمن من (٢) جميع القيمة، بخلاف الذنب. وذهب ابن القصار إلى أنه يضمن جميع القيمة، كما يضمنها إذا قطع الذنب. وقد كثر الاختلاف من (٣) هذا الباب، والخلاف فيها هَيّن المدرك لا وجه للإطالة بتعديد المسائل؛ لأن مدارها على أن ما اختلف فيه منها ينصرف إلى الاختلاف في شهادةٍ بعادة فعلى هذا يصرف الاختلاف الذي وقع في قطع أذن بغلة القاضي، فمن رأى أن ركوب دابة مقطوعة الأذن يَعُرّ القاضي ومن كان في رتبته، ضمّن ذلك فاعلَه قيمةَ جميع البغلة. ومن رأى أن ذلك لا يعرّه، بخلاف الذنب، لم يضمن الجاني إلا ما نقص قطعُ أذنها من قيمتها. وكذلك ما وقع من الخلاف في قطع يد عبد أو فقء عينه، هل يضمن جميع قيمته، أو إنما يضمن ما نقص. مع اتفاقهم على أنه لو فقأ عينيه جميعًا أو قطع يديه جميعًا لغَرم جميع قيمته. وإنما كان ذلك كذلك لأنه اتضح عند الجميع أن قطع اليدين جميعًا أو الرجلين أو فقء العينين يصيّر العبد كالتالف وكالمعدوم، وأما قطع يد واحدة فلا يتضح كون العبد كالملحق بالعلم في ذلك

стр. 2382

كما يتضح في قطع يديه جميعًا. فلهذا وقع الخلاف في ذلك: ففي المدونة، في كتاب الديات، أنه لا يضمن في قطع اليد الواحدة أو فقء العين الواحدة جميعَ القيمة، وإنما يضمن ما نقص. وفي المجموعة لمالك أنه يضمن جميع القيمة .. وفرق بعض أصحاب مالك تفرقة أشار بها التي (١) نبهنا عليه من سبب الخلاف، فمن كان من العبْيد صانعًا، قطعت إحدى يديه حتى أبطل ذلك صنعته التي إنما يكتسب من أجلها، فإنه يضمن جميع القيمة. وكذلك لو فعل في بعض إناث البهائم ما أبطل به دَرَّها فإن الحكم في ذلك يختلف باختلاف أنواع الحيوان: فمن قطع (ابز) (٢) رَمَكَةٍ لم يضمن جميع قيمتها، ومن قطع لبن شاة إنما تراه (٣) للبن ضمن جميع قيمتها. وهذا يؤكد عندك ما أصلناه من كون الخلاف في ذلك يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة. ولو قطع فرج عبد وصيرّه خَصِيّا فإنه يضمن ما نقص. وإن لم ينقصه ذلك شيئًا اقتصر على عقوبته دون تضمينه. وقد قيل: إن ذلك لو زاد في قيمته لجعلت الزيادة نقصًا وضمن قيمة المقدار الذي زاد فيه. فإن زاد الخِصاء في قيمته ثلثَها ضمن ثلث القيمة، وعُد ذلك كالقبض (٤)، وهذا مذهب بعيد. وإنما التفت هذا إلى أن الخصاء محرّم، وأن بيعه بشرط كونه خصِيًا لا يجوز لكونه يعتق على من أخصاه، فيصير ذلك كالعيب فيه. وإذا ضمنا الجاني جميع القيمة إذا قطع يدي العبد فهل يعتق عليه أو لا؟ هذا أيضًا مما اختلف فيه عندنا على قولين:

стр. 2383

فمن أعتقه على الجاني، الذي لزمته غرامة قيمة جميعه، رآه كمن مثل بعبده، لكونه صار ملكًا له بغرامة قيمته، فصار كمن اشترى عبدًا بثمن ثم مَثّل به. ومن لم يوجب عتقه رأى أن حكم العتق بالمُثلَة مقصور على من مثّل بعبد نفسه، لكون العتق إنما محله ملك المعتِق لا ملك غيره. وكأن هذه الجانية (١) وقعت فأوجبت القيمة على الجاني، وأوجبت العتق بالمثلة، فهل يقدّر أن حكم القيمة وانتقال الملك إلى الجاني كالسابق، فيجب العتق، أو يرى أن العتق كالسابق لانتقال الملك بالقيمة، وصادف ملكَ الغير، ولا ينعقد فيه العتق، وإذا قطع (يد العبد وجبت) (٢) جميع قيمته، فإنه إذا غرم القيمة ملك بها جسم العبد المقطوع اليدين، وصارت غرامة قيمته كشرائه بجملته. هكذا عندنا وعند أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى أنه إذا غرم قيمة جميعه لأجل قطع يده (٣) يقي العبد على ملك سيده، على حسب ما كان قبل أن تقطع يداه كالحر إذا قطعت يداه، وأخذ ديته كلّها عوضًا عن يديه، فإنه يبقى حرًّا، على حسب ما كان قبل ذلك عليه، فكذلك قيمة العبد تحل محل دية الحر، وأطرافه كأطراف الحر. فإذا وجب (٤) إتلافُ أطرافه قيمةَ جميعه بقيت الجثة على حسب ما كانت عليه من الرق، و (٥) كما بقيت جثة الحر على ما كانت عليه من الحرية. وغُلّب في أطراف العبد حكم الآدمية والدينية لا حكم الملكية، فلهذا ألحق أطراف العبد بأطراف الحر. وسلم لهم أبو حنيفة أنه إذا قطع يدًا واحدة للعبد فإنه يغرم نصف قيمته، كما تقدم في قطع اليدين جميعًا بجميع قيمته. ثم مع هذا لا يملك الجاني بغرامة جميع القيمة، إذا قطع اليدين، شيئًا من العبد، لكون ذلك يُشعر

стр. 2384

أن الغرامة عوض الأطراف المقطوعة لا عوض النفس. فإذا (١) لم تكن عوض النفس، على حسب ما كانت عليه من الملك. وأما نحن فقد ذكرنا اختلاف أصحابنا في قطع اليد الواحدة، وهل يوجب ضمان جميع القيمة، و (٢) إنما يوجب ما نقص من غير تحديد لقيمة النقص هل نصف القيمة أو أكثر أو أقل؟ فلا مناقضة علينا في هذا مثل ما نوقض به أبو حنيفة، وكأن أبا حنيفة يعذر عن هذا بأن القيمة إذا لم تكمل على الجاني كان الأرش عوض الطرف المقطوع، وإذا كملت على الجاني كانت عوض النفس، فينتقل ملك النفس إلى الجاني. ونحن لا نحُدُّ في التفرقة بين كثير الجناية وقليلها حَلًّا، وذلك مصروف عندنا إلى الاجتهاد كما قدمنا. وأبو حنيفة يحدّ في ذلك حلًّا، ويرى أن النقص إذا بلغ أكثر من نصف قيمة المجني عليه كان ذلك كثيرًا يوجب التضمين بجميع القيمة، وإذا كان مقدارَ النصف نصفَ القيمة فأقلَّ لم يوجب ذلك تضمين جميع القيمة. وهكذا فعل في البهائم إذا فقأ عين الدابة لزمه ربع القيمة استحسانًا. قال: لما حكي عن بعض الصحابة، والقياس نفي التحديد في ذلك. وإذا كانت البهيمة مما يؤكل فإنه لا يحدّ في عينها حلًّا، إلا أن يكون بعيرًا فيكون في عينه ربع القيمة. وإذا كانت الجناية في حكم الكثير على ما قدمناه من التشبيه على إسناد ذلك إلى الاجتهاد في العوائد، فإن مالكًا اختلف قوله، وظاهر الأمر هل لمالك المجنى عليه أن يغرم الجاني إذا لم يكن غاصبًا للعين وذات الشيء جميعَ قيمته، أو لا يكون له إلا قيمة ما نقص قليلًا أو كثيرًا؟ ففي المدونة من رواية ابن القاسم ما ظاهره أن مالكًا ﵁ اختلف قوله في هذا. وهكذا ذكر بعض أصحابنا أن أصحاب مالك على قولين في هذا. وهكذا لما ذكر ابن القصار

стр. 2385

المسألة وأن لمالك المجنيّ عليه تغريمَ جميع القيمة في الإفساد الكثير قال: هذا المشهور عن مالك. إشارةً إلى الخلاف الذي قدمناه. وإن كانت الجناية يسيرة في ثوب خزق منه شيئًا يسيرًا فإن في المدونة: أنه يرفوه الجاني ويغرم ما نقص بعد الرفوِ فإن الرفوَ لا يُزيل العيب كله زوالًا كليًا. واختلفت طريقة الأشياخ في تعليل هذا: فمنهم من رأى أن ذلك جنوح إلى القضاء بالأمث الذيما تلف من العروض إذا كانت يسيرة؛ ومنهم من رأى أن العلة في ذلك كون الجاني أحوج صاحبَ الثوب إلى رفوِه إذ لا يلبسه ممزّقًا، فكأنه أدخله في مشَقة، فعليه أن يحمل ذلك. كما قيل في أحد القولين، في المجروح: إن على جاره (١) مداواته، ثم يغرَم بعد ذلك ما نقص، إن يرى المجروح على شيْن. وما هذا إلا لكون الجارح أدخل المجروح في الحاجة إلى المداواة. ومن المتأخرين من مال إلى أنه لا يبعد أن يقال بأنه يجب عليه قيمة العيب. وكذلك تنازع المتأخرون، إذا كان كثيرًا، هل يلزم الجانيَ رفوُه ثم يغرم ما نقصه العيبُ بعد الرفو، قياسًا على ما قال مالك في الخرق إذا كان يسيرًا. ويكون الخرق الكثير إنما تجب فيه قيمة العيب من غير رفوٍ، وتدخل إجارة الرفو في التقويم للعيب. ورأى هؤلاء أن ظاهر المدونة التفرقة بين الخرق اليسير والكثير، لأجل أنه إنما ذكر الرفو في الخرق إذا كان يسيرًا. ومقتضى تعليل من علل إيجاب الرفو اليسير لكونه أحوج صاحبَ الثوب إلى مشقة الرفو المساواةُ بين الخرق اليسير والكثير. ومن علل ما ذكره في المدونة في اليسير بأنه استخف القضاء في العروض بالأمثال إذا كانت مخترقة يسيرة (٢) لم يُلزِمْه ذلك في خرق الثوب إذا كان كثيرًا.

стр. 2386

وإذا كان الفساد بالتعدي إفسادًا كثيرًا يوجب تضمين القيمة، إن اختار رب الشيء الذي أفسد عليه (فيه الغرض بعد عن ذلك) (١) إلى أن يأخذ قيمة الجناية خاصة، ويأخذ الباقي من سلعته التي أفسدت فإن في ذلك قولين: أحدهما أنه لا يمكّن من ذلك، وليس له أن يجمع ما بين شيئين أخذِ السالم من سلعته، وأخذ قيمة ما فقد منها، وإنما له أخذ منفردٌ، إما أخذ عين سلعته خاصة، وإما تضمين قيمة جميعها. فكأنه (٢) اختار ترك المؤاخذة بالتعدي والجناية، فإن له ذلك لأنه حق له، إذا شاء طلَبَه، وإن شاء العدول عن ذلك إلى أن يأخذ السالم من سلعته بانفراده لكون ذهاب الغرض منها كإذهاب عينها، وإذهاب عينها الواجبُ فيه جميعُ القيمة لا غير، إذ لا يقدر على أكثر من ذلك، فلا يجبر ها هنا. وهذا المذهب هو الذي اختاره أشهب من كبار أصحاب مالك، واختاره اتباع أصحاب مالك: ابن المواز وسحنون، وقالوا في (٣): إنه كذابح وكاسر العصا، فإن الواجب لرب الشاة ورب العصا أحَدُ أمرين: إما أخذ مذبوحة، والعصا مكسورة، وإما المطالبة بجميع قيمة الشاة وجميع قيمة العصا. وأشاروا في ذلك إلى أنه قول مالك وأصحابه. وهذا الذي مثلوا به وقاسوا عليه، إن عَرِيَ من الخلاف، فإنما ذلك لأنهم أن الشاة الحية إذا ذبحت فإنها صارت جنسًا آخر من الأملاك، وليس له أن جنسًا من جنس آخر أفسد عليه. هذا، والباب كله يجري مجرى واحدًا، وإنما اعتذرنا عن احتجاجهم بذبح الشاة على خرق الثوب المفسد له. وقيل: لصاحب السلعة التي أتلف كثير منها أن يأخذها ويغرم الجاني ما

стр. 2387

نقص. وهو المشهور من مذهب ابن القاسم. وعنه رواية أخرى أنه ليس له ذلك. وإذا تقرر أحكام التعدي فإن التضمين يكون عن ثلاثة أسباب: أحدها: العقود كالعقد على سلعة بيعًا صحيحًا و (١) فاسد (١)، وعقد (١) رهن إلى غير ذلك مما هو في معنى هذا. والثاني: الإتلاف. فإنه يوجب التضمين لجميع القيمة أو لبعضها، على ما تقدم بيانه. والثالث: ضمان المتعلق باليد العاديَة، يد إلاستيلاء على الشيء، والحيلولة بينه وبين مالكه، فإن ذلك يوجب التضمين على الجملة. ولو هلك ما أخذه الغاصب بفوْر غصبه هلاكًا لا سبب له فيه، لم يُسقِط ذلك الضمانَ عنه، ولا مطالبة (٢) بالقيمة. وسواء في ذلك غصب ما يُنقل ويزال به، كالثياب والحيوان والطعام، أو غصب ما (٣) ينتقل ولا تتصور إزالته من مكانه، كالأرض والديار وسائر أنواع العقار. وبهذا قال مالك والشافعي. وخالف في ذلك أبو حنيفة ورأى أن غصب الديار وما لا يزال به (٤) يوجب الضمان، إلا أن يفعل فيه الغاصب إتلافُ افيطلب بضمان ما أتلف. وكأنه يشير إلى أن حكم الغصب لا يتصور في العقار، وإنما يتصور فيه أحد أسباب الضمان الثلاثة التي ذكرناها، وهي الإتلاف. وكذلك يتصور فيه الضمان من ناحية العقود، وإن كان ذلك بمعنى آخر. وكأنه يرى أن أصول الشريعة ما استثنى في ذلك من تضمين العاقلة ما جناه غيرها , لمصلحة اقتضت ذلك،

стр. 2388

والغاصب لأرض أو دار لم يفعل فيها شيْئًا، لا من نقل ولا من غيره، وإنما فعل في مالك العقار بأن منعه من التصرف في ملكه، وحال بينه وبين ملكه، وأما ذات الأرض المغصوبة فلم يفعل فيها شيئًا. فلأجل هذا نفى الضمان في العقار، (وتابعه في ذلك أبو يوسف. وخالفه محمَّد بن الحسن فقال بقوله) (١). ولنا عليه أن القبض يختلف باختلاف أجناس الأموال، فليس قبض الثياب كقبض العبيد، ولا قبض العبيد كقبض البهائم، ولا كقبض الطعام؛ وكذلك العقار إنما جرى العرف في قبضه بالتمكن منه، والاستيلاء عليه، وإزالة يد من كان في يديه. وهكذا قبضه في البياعات، فكذلك يجب أن يكون في الغصوبات .. وقد تقدم (من ذنبه) (٢) أن القبض في الوهن شرط في صحته فيجب أن يمنع من رهن الديار لعدم تصور القبض فيها على ما أشار إليه. وهكذا لو كانت عند رجل وديعة فمنع صاحبها منها، وحال بينه وبينها، فإنه يكون كالغاصب على أنه لم ينقل الوديعة من يد ربها حِين اعتقاده الغصبَ إلى يده، وإنما تصور الغصب بالاستيلاء عليها ومنع صاحبها. إلى غير ذلك مما تكثر الشواهد فيه. ومما يلحق بهذا مما وقع في مذهبنا في غاصب أمّ ولدِ رجلِ في يديه فإن ابن القاسم ضمنه قيمتها على أنها أمة مملوكة وكذلك ولد أم ولده من غيره، فإنه إذا مات في يديه ضَمِنه عند ابن القاسم، ووافقه سحنون في التضمين لولد أم الولد، وخالفه في تضمين أم الولد نفسها، فرأى أنه لا ضمان عليه فيها لأجل أن ولد أم الولد فيه الاستخدام يؤاجر فصار فيه ضرب من تموّل، فلهذا ضمِن الغاصب قيمته عندهما. وأما أم الولد نفسها فلا تؤاجر، وإذا كانت لا تؤاجر لم يبق فيها ما يتمول ولا يباع ولا يملك. وكأن ابن القاسم يرى أنها لو قتلت

стр. 2389

لأخذ سيّدها أرشها، فقد ثبت أن فيها ما يتموّل ولكن ليس في الحال، ولكنه يتوقع في المآل، وتعليق الأحكام بما لا يحصل في الحال وإنما يتوقع في المآل نادر فيه اختلاف. قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه: وهو مضمون بقيمته يوم الغصب على أيّ وجه تلف، لا يُبرْئهُ إلا ردّه. ثم لا يخلو رده من ثلاثة أحوال: إما أن يرده ناقصًا في بدنه، أو زائدًا فيه، أو على الحال التي غصبه عليها. فإن رده زائدًا في بدنه لَزِمَ مالكَه أخذُه، وبرئ الغاصب. وذلك كالصغير يكبر، والعليل يصحّ، والمهزول يسمن، وما أشبه ذلك. وإن ردّه ناقصًا في بدنه فالمالك مخيّر بين أن يسلمه (١) ويضمّنه القيمة يوم الغصب، وبين أن يأخذه ثم ينظر في ذلك النقص، فإنْ كان من قبل الله تعالى لا بفعل من الغاصب لم يكن للمالك اتباع الغاصب بشيء من قبله، وإن كان بفعل من الغاصب فقيل: له اتباعه بالأرش، وقيل: ليس له إلا أخذه بغير أرش، أو إسلامه والرجوع بقيمته يوم الغصب. وإن رده بحاله (أخذه ولزمه أخذه) (٢). ولا ضمان على الغاصب (٣) في زيادة إن طرأت عنده، ثم تلفت في بدَن أو قيمة، ولا له في رده زيادة (قيمة معلم) (٤) صنعة أو حوالة سوق. ولا أجرة على الغاصب في المدة التي تحبس فيها العين المغصوبة من غير

стр. 2390

انتفاع (١) ولا اغتلال. فأما إن انتفع أو اغتلّ ففيه خلاف: قيل: عليه بدل ذلك، وقيل: لا بدل عليه، وقيل: ذلك عليه فيما عدى الحيوان. وإذا غصب ساحة (٢) وبنى عليها لزمه ردها وإن تلف بناؤهُ. وإن أدرك المالك الأرض وفيها زرع للغاصب فله قلعةُ، إلا أن يكون وقت الزرع قد فات، فله الأجرة، وقيل: له قلعه. قال الفقيه الإِمام رحمه الله تعالى ورضي عنه: يتعلق بهذا الفصل تسعة عشر سؤالًا، منها أن يقال: ١ - ما الفرق بين التعدي والغصب؟ ٢ - وما الحكم في تغير ما في يد الغاصب، في بدن أو سوق؟ ٣ - وما الحكم فيما يُحدثه الغاصب مما ليس بتغيّر في بدن العبد المغصوب، ولا في سرقة (٣) من عتق؟ ٤ - وما الحكم فيما يحدثه من بيع؟ ٥ - وما الحكم فيما يحدثه من هبة؟ (٤) ٦ - وما الحكم فيما أفسده الغاصب ثم أصلحه لهيئته؟ ٧ - وما الحكم فيم ابن اهـ الغاصب على حجر أو خشبة غصبها؟ ٨ - وما حكم المغصوبات إذا غيرها الغاصب؟ ٩ - وما الحكم فيما يغصبه الغاصب من أشجار لينقلها إلى أرض فيغرسها؟

стр. 2391

١٠ - وما الحكم فيما يحدثه الغاصب من خلط ما غصبه بغيره؟ ١١ - وما الحكم فيما تغير في يديه مما لا يحلّ تموُّلُه؟ ١٢ - وما الحكم في الغاصب إذا غرم القيمة ثم ظهرت العين المغصوبة: هل يرجع على ربّها أم لا؟ ١٣ - وما الحكم في الزوائد الحادثة في العين المغصوبة وهي بيد الغاصب؟ ١٤ - وما الحكم في الإتلاف من غير مباشرة الإتلاف؟ (١) فالجواب عن السؤال الأول أن يقال: قد جرى على ألسنة الفقهاء العبارة عن تناول المال بغير حق على جهة الاستيلاء والقهر، لفظُ التعدي ولفظ الغصب. وقد اختلف طرُق الأئمة في تمييز ما بين هاتين العبارتين، وأحسن ما قيل فيها أن من قصد إلى التعدي على منفعة الشيء كعبد يستخدمه، وثوب يلبسه، ولم يقصد إلى الاستيلاء على رقبة العبد والثوب، ولا الحيلولة بينها وبين صاحبها في التصرف في ملكه، على حسبْ ما يتصرف فيه المالك في الرقاب، فإن هذا يسمّى متعديًا. وكذلك إذا أتلف بعض أجزاء الصيد (٢)، قاصدًا لذلك البعض معرضًا عن الاستيلاء على ما سواه من أجزاء الشيء، كرجل قطع يدَ عبدِه رجلٌ، أو قطع من ثوبه بعضَه، على أن ينتفع بذلك، وتبقى بقية الأجزاء في يد صاحبها على حسب ما كانت قبل تعدّيه. وقيل من كان لا يستحق الربح الذي لثمرة تصرفه في المال تعديًا، فإنه هو الغاصب. والذي لا يستبد بالربح، كالمكتري والمستعير والمبضع والمقارض،

стр. 2392

يتعديان ما أذن لهما فيه من التَّجْر بالمال فإن هؤلاء لا يسمَّوْن غُصّابًا وإنما هم متعدون. إلى هنا أشار سحنون .. وقيل: من كان إذا أقام بينة على تلف ما في يديه من مال غيره سقط عنه الضمان، وكذلك إذا تلف ما في يديه بأمر لا سبب له فيه، كالمقارض والمبضع والمكتري والمستعير، والمودع والصانع، فإن هؤلاء (١) يضمنو سلفًا (٢) لم يكن من سهم (٣). والغاصب للرقبة يضمن ما تلف في يديه، كان ذلك التلف بسببه أو بغير سببه. وأيضًا فإن من لا يضمن جملة ذات الشيء بعيب يسير أحدثه فيه فهو متعد وليس بغاصب. ومن كان يضمن جملة قيمة الشيء بعيب يسير أحدثه فيه فإنه غاصب. إلى هنا أشار ابن المواز. والجواب عن السؤال الثاني أن يقال: التغيّر في الذات المغصوبة يقع على وجهين: أحدهما: تغير في ذاتها. والثاني: تغير في سوقها. وإذا لم تتغير في بدن ولا سوق فلا خلاف في أن ليس للمغصوب منه السلعة أن يضمّن الغاصب قيمتها إذا ردها إليه ولم تتغير في سوق ولا بدن، ولا طال مُقامها عند الغاصب، كما لا خلاف في أنها لو هلكت بفور غصبه لها فإنه يضمن قيمتها، كان هلاكها بسببه أو بغير سببه من أفعال الله سبحانه التي لا اكتساب للعباد فيها. وأما إن حاول ردها بعد أن أحدث فيها عيبًا، وامتنع المغصوب منه

стр. 2393

السلعة أن يقبلها فإنه إن كان العيب كثيرًا فلا خلاف في أن المغصوب منه هذه السلعة لا يلزنه قبولها, وله أن يضمّن الغاصب قيمتها إذا شاء، وله أن يأخذها بعينها ويقبلها منه، على اختلاف تقدم ذكره: إذا أخذها بعينها: هل يسقط حقه في قيمة هذا العيب الحادث فيها لكونه قادرًا على تضمين الغاصب جميع قيمتها، فلا يمكّن من العدول عن ذلك، إلا أن يأخذ عينها على ما هي عليه من نقص وعيب، ولا يكون له أن يجمع بين أخذ عين السلعة المغصوبة وأخذ دنانير أو دراهم في قيمة ما نقص؛ لأنه لما حكم له في أخذ جملة القيمة صار عدوله عنها رضىَ بأخذ العين على ما هي عليه من نقص. وهذا اختيار ابن المواز وسحنون، وهو مذهب أشهب واحد قولي ابن القاسم. وقيل: بل له أخذ عينها وقيمة ما نقص، كما كان بحكم قيمة جميعها إذا هلك جميعها، فكذلك يحكم له بقيمة الذاهب منها خاصة حتى كأنه كلُّها، ويأخذ عين ما بقي منها. وأما إن كان العيب يسيرًا فالمذهب المعروف المشهور أن لصاحبها أن يغرّم الغاصب قيمة جميع جملتها، كما لَه ذلك في العيب الكثير إذا أحدث بها، على حسب ما قدمناه من وفاق أو خلاف في حدوث العيب الكثير .. وفي التفريع لابن الجلاب أنه لا يضمن قيمة جميع جملتها لحدوث عيب يسير، قياسًا على ما اتفق عليه من أن المتعدي لا يضمن جملة الشيء بتعديه على إحداث عيب يسير فيه، ولم يَرَ فرقًا في هذا بين حكم المتعدي والغاصب. وفرقت الجماعة بينهما لأجل أن الغاصب بنفس الغصب والاستيلاء على الرقبة ضمن قيمة جملتها إذا هلكت، فإذا طرأ على أصلِ ضمانِ قد ثبت بجملتها وجبت قيمة جملتها في العيب اليسير والكثير. وأما المتعدي فلم يجب عليه ضمان جملتها بإحداث عيب يسير تعدى في إحداثه، فلما لم يكن هذا العيب الذي أحدثه المشتري مستندًا إلى أصلِ ضمان ضَعُف حكمه حتى فرق فيه بين القليل والكثير. وهذا الفرق مما ينظر فيه بأن الضمان إنما ثبت في الغصب إذا وقع التلف،

стр. 2394

والتلف مترقب، فإذا وُجد ما تُرقب منه كشف الغيب أنه كان ضامنًا في الأصل. فالضمان في الغاصب لا يتقرر بمجرد الغصب حتى يمنع من رد العين أو يتغيّر في يديه، وبعض أشياخي كان يخرج ما يذكره ابن الجلاب من الخلاف في الموازية في قوله في غاصب دار انهدم بعضها في يديه فإنه لا يضمن جملة قيمتها وإنما يضمن الغاصب مقدار ما انهدم منها، ويأخذ (١) على ما هو عليه؛ وإن انهدم جلها ضمن قيمة العرض (٢) كلها. فقد فرق ها هنا في كتاب ابن المواز بين حدوث العيب اليسير والكثير في حق الغاصب كما فرق جميع أهل المذهب بين العيب اليسير والكثير في حق المتعدي. وهذا التخريج عندي فيه نظر؛ لأنه يمكن أن تكون الدار كأنها كسلع متفرقة، فإذا تهدّم بيت وسلم سائر البيوت صار ذلك كمن غصب ثيابًا فلحق أحدَها عيبٌ وسلم بقيتها، فإنه لا يضمن السالمَ منها. وإذا أمكن أن تُحمل هذه الرواية على ما تأوّلناه لم يثبت أن في المذهب خلافًا سوى ما ذكره ابن الجلاب. هذا، فأما إذا لم تتغير في بدنها، وإنما تغيرت في سوقه ابن قص، مثل أن يغصب سلعةً، وقيمتُها مائة دينار، فتصير قيمتها بعد غصبه لها خمسين دينارًا، فإنه إذا ردها لصاحبها لم تكن عليه مطالبة. بجملة قيمتها, ولا بمقدار ما نقص سوقها. هذا المعروف من المذهب المشهور فيه. لكن ذكر ابن شعبان في كتابه عن عبد الملك وابن وهب وأشهب أنهم يرون الغاصب إذا طُلِب بقيمة ما غصب قُضِي عليه بأعلى قيمة مرت بالسلعة المغصوبة؛ لأنه يقدَّر كل يوم كمبتدى غصب، فيومَ صارت قيمتها في يديه مائةَ دينار، وقد كانت يومَ الغصب قيمتُها خمسين دينارًا، فكأنه يومئذٍ ابتدأ غصبَها فإذا ألزمناه القيمة يوم الغصب لِمَا قررناه من كونه بكل يوم كمبتدئ غصب

стр. 2395

السلعة، يلزمه أغلى ما مرّ بها من القيمة، سواء هلكت، أو بقيت عينها ولكن نزل سوقها، فكأنه وجب أن يضمن مانع مالك السلعة منه. وهكذا في كتاب ابن حبيب فيمن غصب دارًا فأغلقها، أو أرضًا فَبَوَّرها ولم ينتفع بشيء من ذلك، فإنه تلزمه إجارة ما منع صاحبَ الدار والأرض مثله. فكذلك يجب أن يضمن الغائب (١) السوقال في منع مالك السلعة المغصوبة. وقد أشار في المدونة إلى هذه الطريقة فقال في مكتري دابة أو مستعيرها أمدًا معلومًا، ثم حَبَسها بعد ذلك، فإنْ حَبَسها زمنا يسيرًا كاليوم ونحوه فإنه لا يضمن قيمتها، وإن حبسها زمنًا طويلًا كالشهر ونحوه ضمن قيمتها لأنه حبسها عن أسواقها، وعن منفعة ربّها به. ولكنه قال في المدونة: إن هذين بخلاف الغاصب والسارق فإنهما لا يضمنان بحبس السلعة المغصوبة عن ربّها. وأشار ابن القاسم إلى أن لا فرق بينهما، وقال: لولا ما قاله مالك لرأيت الغاصب والسارق مثل المستعير والمتكاري. فأشار إلى التضمين بالمنع. وفي الثمانية لأبي زيد فيمن غصب دابة من المدينة فسار بها إلى مكة، ثم أعادها إلى ربها، وهي أحسن حالًا مما أخذها، فلربها تضمين قيمتها له، ولولا (٢) حبسها مدة هذه المسافة ولم يسافرْ بها لم يضمن قيمة جميعها. وكأنه رأى ها هنا أن الحَبْس يضمن به إذا قارنه تعدّ على المنفعة. وذكر ابن حارث في كتابه أن ابن عبدوس روى عن ابن وهب عن مالك أن الغاصب يضمن بحوالة السوق بنقص. وأما ما يحدث بالسلعة المغصوبة وهي في يد الغاصب فإنه لا يخلو أن يكون حدث بها ما أتلف جميع جملتها وأذهبها بالكلية، ولم (٣) يتلف جميعها،

стр. 2396

ولكنه قد أهلك بعضها. ثم لا يخلو ذلك من أن يكون من فعل الغاصب أو من فعل جانٍ جنى عليها غيرِ الغاصب، ومن (١) الأفعال التي لا اكتساب فيها للعباد ولا جناية تضاف إليهم فيها. فأما إذا كانت من فعل الغاصب فقد ذكرنا، أنه على قسمين: إما أن يفعل ما أتلَف به جملة السلعة المغصوبة، أو إنما أتلف بعضها: فإن فعل ما أتلف جملتها، مثل أن يغصب عبدًا فيقتله، فإن مالك (٢) السلعة التي غصبت منه أن يطالب بقيمتها يوم وضع يدَهُ عليها، وحال بينه وبينها من غير خلاف. وإن أراد التنقّل عن تضمين القيمة يوم الغصب فإن له ذلك إذا انتقل إلى قيمتها في يوم هي فيه أعلى قيمة من يوم الغصب، على ما ذكرنا عن ابن شعبان حكاه عن أشهب وغيره. وليس ذلك في المشهور من المذهب إلى أن يريد التنقل إلى تغريم قيمتها يوم جنى عليها الغاصب جناية تلفها، فإن في هذا اختلافًا، مثل أن يغصب عبدًا، فيبقى في يديه مدة، ثم يقتله فيريد أن يأخذ قيمته يوم القتل ويعوض قيمته يوم الغصب، فإنه يمنع من ذلك في المشهور من مذهب ابن القاسم. وإليه ذهب أشهب. واختلف قول سحنون في ذلك فقال: القتل فعل حادث، فله أن يطالب بالقيمة يوم هذا الفعل الحادث، وإن كان ضامنًا من يوم الغصب، كما أن المشتريَ لسلعة قد ضمنها بالثمن، ثم لو جُنِيَ عليها جناية أهلكها محمدًا، ثم أتى المستحق لها الذي غصبت منه، فإن له أن يضمّن المشتريَ قيمتَها يوم الجناية، وإن كان قد تقدم له ضمانها بالثمن. وهذا الذي قاس عليه سحنون غير مسلم؛ لأن للآخَرِين أن يقولوا بأن ضمان الثمن إنما هو حكم فيما بينه وبين الغاصب الذي قبضه منه، فإنه إذا مات

стр. 2397

العبد في يديه لم يرجع على الغاصب البائع منه السلعة بالثمن الذي دفَع إليه. وأما مالك السلعة المغصوبة فلا علاقة بينه وبين المشتري في هذا الثمن الذي قبضه الغاصب. وأما الضمان المتعلق بالغصب فإنه حكم بين الغاصب وبين مالك السلعة، وهما ضمانان: أحدهما بالغصب لهذا العيد، والآخر بالقتل. فله أن يُرجّح حكم الضمان بالغصب ويطلبه بحكم الضمان بالتعدي عن العبد الذي قتله. وقد رجع سحنون إلى أن ضمان العبد المقتول إنما يعتبر فيه قيمته يوم الغصب، كما قال ابن القاسم وأشهب. وقد ذكر ابن حارث عن عبد الرحمن بأن أبا جعفر الدمياطي أنه حكى عن ابن القاسم أن لصاحب العبد أن يضمّن الغاصب الذي قتله قيمةَ يوم القتل كما ذكره (١) ابن عبدوس عن سحنون أنه اختلف قوله في ذلك، وقال في أحد قوليه: إن لرب العبد أن يضمن الغاصب قيمته يوم القتل، وهو غير بين طلب الحكم بالغصب أو التعدي والجناية. وكان أشهب وابن القاسم في المشهور عنه (معنى من ذلك) (٢) ورأَيَا أنّ القيمة إنما تعتبر يوم الغصب، وكأن الغاصب ملك العبد فيما وجب عليه من القيمة المستقرة في الذمة، ولا يبرأ منها إلا برد العبد بعينه، وقد فات رده واستحال بموته، فصار القتل كأنه إنما وقع وهو في ملك الغاصب، والغاصب إنما أتلف ملكَه، فلا يطالب بقيمته يوم أتلف. وأما إن كان الغاصب لم يتلف جملة ما غصبه وإنما أتلف بعض أجزائه، فإن كان الجزء الذي أتلف من العبد المغصوب يسيرًا كإتلاف بعض أنملة من أصابعه، وشبه ذلك، فإنه يضمن بذلك قيمة الجملة، في المشهور من المذهب، إذا اختار ذلك ربّ العبد. وقد ذكرنا في كتاب ابن الجلاب من كونه لا يضمن قيمة جميع الجملة بالعيب اليسير وأما إن أُحدِث فيه عيب له مِقدار

стр. 2398

وبأن، فإنه يلزمه ضمان جملته، من غير خلاف عندنا، إذا شاء مالك العبد. وأما إن اختار مالك العبد أخذ العبد المجني عليه فإنه يمكن من ذلك بغير خلاف، وهل له إذا مُكِّن من ذلك أن يطلب الغاصب الجاني بقيمة ما أتلف من الأجزاء؟ هذا فيه قولان: أحدهما أنه يمنع من ذلك، وإليه ذهب أشهب، واختاره ابن المواز وسحنون، وأشار إليه ابن القاسم، لكن المشهور عن ابن القاسم أن له أن يأخذ مع عين العبد المجني عليه قيمة الجزء التالف، كغاصب عشرة أثواب أتلف واحدًا منها، فإن لربه أخذ السلعة الباقية والمطالبة بالثوب العاشر الذي أتلفه الغاصب. وإذا اختار الغاصب (١) أخذ عين العبد المجني عليه، والمطالبة بقيمة ما أتلفه الغاصب منه، فمتى تعتبر هذه القيمة: هل يوم الجناية أو يوم الغصب؟ نص سحنون على أنها تعتبر قيمتها يوم الغصب، (وعد إليه إذا قطعها) (٢) كثوب من عشرة غصبها الغاصب فأتلف ثوبًا منها، كما قدمناه: والظاهر من مذهب ابن القاسم إنما يغرم قيمة اليد التي قطعها الغاصب يوم الجناية عليها. وقد عارض مذهبه بعض الأشياخ فقال: ما الفرق بين إتلاف الغاصب جميع العبد بقتله إياه وإتلاف الغاصب بعض أجزائه بقطع يده؟ واعترض بعضهم عن هذه المعارضة بأن قال: إذا قتل جملة لم يكن عوض سوى القيمة، فلا يمكن من القيمة إلا بأن يغزم يوم الغصب؛ لأن ذلك كدين ثابت في ذمته، فما حدث بعد ثبوته فهو على ملك الغاصب، كما قدمناه، وأما إذا بقيت العين، وإنما ذهب بعضها، فإن رب العبد يشحّ عليه وله عرض (٣) في طلب عينه، فلا يباع عليه السالم من العبد، مع تصور الأغراض فيه، بغير اختياره.

стр. 2399

وقد ألزم سحنون على قوله: إن قيمة اليد إنما تعتبر يوم الغصب لا يوم قطعها. أَلاّ يفرق بين قطع اليد بجناية الغاصب أو بأمر لا صنع للخلق فيه. فإذا تعلق الضمان بفقدها باعتبار يوم الغصب، فلا فرق أن يكون فقدها من فعل الله سبحانه أو من فعل العباد، الغاصب أو غيره، كما أن إتلاف جملة العبد، لسيّده المطالبةُ بقيمته كلها، سواء كان هلاك العبد من قبل الله سبحانه أو من قبل أحدٍ من خلقه. ولو جنى العبد المغصوب وهو في يد الغاصب، جناية استحق بها المجني عليه أن يأخذ أرش الجناية أو يسلم العبدَ سيّلُه إليه، فإن السيد المغصوب، له تضمينُ الغاصب قيمة عبده لِمَا حَدَث فيه عند الغاصب من هذا العيب، كون الغاصب صار العبد عنده على حالة لا يمكن سيلَه التمكنُ منه إلا بغرامة يغرمها عنه، وقد قدمنا أن الغاصب يضمن بحدوث عيب يسير عنده، وإن كان بأمر من الله سبحانه لا صنع للخلق فيه، فكيف بهذا العبد، وهو الحيلولة بينه وبين عبده إلا بغرامة يغرمها عنه. فإذا اختار سيد العبد تضمين الغاصب قيمة هذا العبد لأجل العيب الذي حدث فيه سقط حقه في عين العبد، وكانت المحاكمة في الجناية التي جناها العبد بين الغاصب الذي ملكه بالقيمة، وبين المجني عليه، فإن شاء الغاصب فداه بأرش الجناية، وإن شاء أسلمه في جنايته، ويحلّ في هذا التخيير محل سيد العبد، والحكم فيه هكذا بين سيده وبين المجني عليه، فكذلك يكون الحكم بين الغاصب الذي ملكه بالقيمة وبين المجني عليه. هذا مذهب ابن القاسم. وكأن ابن القاسم اعتبر مبدأَ الحال، وحكمَ العيب الحادث، فَلَهُ أن يضمن الغاصب القيمةَ، وله أن يأخذ العبدَ، فإذا أخذه فهو الذي يغرم أرش الجناية، لكون العيب الذي حدث بهذا العبد أمرًا لا صنع فيه للغاصب. وقد ذكرنا أن المذهب أن العيب إذا كان بأمر من الله تعالى لا صنع للخلق فيه، فإنه ليس لمالك العبد المغصوب، إذا اختار أخذ عين العبد، أن

стр. 2400

يُغرّم الغاصب قيمة العيب الحادث عنده. وذهب أشهب إلى أن لسيد العبد أن يطالب الغاصب بالأقل من قيمة العبد، أو أرش الجناية، لمّا كان لا محيص له ولا انكفاك من غرامةٍ: إما قيمة هذا العبد لسيده، وإما قيمة الجناية، فهو إذا غرمها للمجني عليه صار العبد سالمًا من العيب، ونحن إنما ضمّناه القيمة لأجل كون العبد قد حدث فيه عيب، فإذا زال هذا العيب زال حكمه، وصار كعبد غصبه غاصب ثم رده إلى سيده ولم يحدث فيه تغيير في بدن ولا سوق، ولما كان هذا الغاصب لا انفكاك له من غرامة طُلب بأقلّ الأمرين اللذين وجبا عليه، بخلاف عيب طرأ على العبد من الله سبحانه ولم يتوجه فيه على الغاصب غرامة بلا بُدٍّ، ولهذا لم يلزم السيدَ الفداءُ بل ألزمه للغاصب إذا هو أقل من قيمة العبد. وهذا عندي يحمل على أن الجناية التي جناها العبد كانت خطأ منه، فإذا خلص منها بغرامة أرشها لم يبق بعد ذلك عيب. وأما لو كانت محمدًا، وتَعَمُّد مثلها يكون عيبًا لازمًا للعبد وإن برئ منه، فإن هذا التعليل الذي ذكرناه لا يتصور فيه. والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اعلم أن الغاصب قد يُحدث فيما غصبه حادث (١) لا يعود إلى تغير في ذات الشيء المغصوب ولا في سوقه. وذلك على ضروب، منها: أن يملكه لنفسه أو لغيره. فأما تمليكه لنفسه فبأن يعتق الغاصب العبد المغصوب. فإن عتقه بمجرد (٢) لفقالا يؤثر في بدن ولا في سوق.، ولكنه لما أعتق ملك غيره لم يلزم المالكَ الحقيقي عتقُ الغاصب. وقد قال ﵇ في الحديث: "لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك" (٣) الحديث. كما وقع. وهذا الغاصب أعتق قبل

стр. 2401

أن يملك فلا ينفذ عتقه. لكن لو أراد سيد العبد، ها هنا، أن يلزم الغاصب هذا العتق وينفذ له، فإن ابن شعبان ذكر في كتابه الزاهي أن العبد إذا كان تغير في يد الغاصب، فإن لسيده أن ينفذ عتق الغاصب فيه، ويأخذ قيمة العبد. وإن لم يتغير العبد في يد الغاصب ففيه قولان: ذكر أن أحدهما: أن سيد العبد يمكّن من ذلك. وأشار إلى اختيار هذا القول من القولين اللذين حكاهما .. وقد رأيت الشيخ أبا الحسن المعروف باللخمي صاحب التبصرة، ﵀، لما ذكرتُ له هذا القول استبعد أن يكون قوْلًا فحكيته له عن المذهب، فسألني: أين رأيته؟ فقلت له: في الزاهي لابن شعبان، فكلفني أن وقفته عليه، فتعجب منه. وعندي أن وجه هذا القول أن الغاصب وإن أعتق ما لا يملك، ووقع عتقه في غير محل ينفذ عتقه فيه، فإنه لما كان عالمًا بذلك صرف عتقه إلا (١) أنه التزم القيمة إن أنفذ سيلُه عتقَه، فصار كمن قال في عبد إنسان: هو حر إن قبل منّي سيدُه فيه مائة دينار. فقال السيد: قبلت. فإن العتق ينفذ. وقد وقع في المدونة في وكيل تعدى فباع بغير العين أنه ضامن. وقد تكلمنا على ذلك في كتاب البيوع، وذكرنا أن بعضهم علّل ذلك يكون الوكيل لما تعدى وباع بغير ما أذن له فيه صار ذلك علمًا على التزامه بثمن المبيع من العين الذي أمران يبيع بها. وقول ابن شعبان: إِنْ تغيّر وأنفذ سيد العبد عتق الغاصب فيه، فإنه تلزمه القيمة. وعَزَا ذلك من الخلاف فيه، نظرًا لِأنّ العتق وقع قبل تضمين الغاصب القيمةَ، فصادف العتق محلًا (غيرَنا بل) (٢) لعتق المعتق، لكونه أعتق ما لا يملك، فإذا ضمن الغاصب القيمة لأجل التغيير، ففي إلزامه العتق نظر لكونه سابقًا لإلزامه القيمة، وكونه مردودًا، فصار كالعدم. وهذا أيضًا يلتفت فيه إلى المترقبات إذا وقعت: هل تعدّ كانّها لم تزل حاصلة من وقت وُجِد السبب

стр. 2402

المترقَّبُ ما يكون منه، وإنما يقدر الحصول عند الوجود. وهذا ينظر إلى ما قالته الحكماء: إن الوجود على قسمين: وجود بالقوة، وهو مثل النواة تغرس، فإنها يترقب مصيرها نخلةً. ووجود بالفعل، وهو حصولها نخلة كاملة. فإذا قلنا: إن سيد العبد إذا تغيّر عبده في يد الغاصب فاختار تضمينه القيمة، فإن القيمة كأنها لزمته، وملك بها العبد من حين الغصب. أو يقال: إنما يقدّر حصول الملك يوم اختار سيد العبد تضمين الغاصب القيمةَ فيكون العتق وقع في غير ملك، ولِمَا ذكره ابن شعبان من الخلاف في تمكين سيد العبد من إمضاء العتقال في فعله الغاصب وطلبه بالقيمة، فإن هذا يُستبعد، لكون العتق قولًا لم يؤثر في العين ولا في السوق، ووقع من غير مالك، وهذا يصيّره كالعدم، فإذا صار كالعدم فليس لسيد العبد أن يُلزم الغاصبَ القيمة إذا رَدَّ عبْلَه إليه بفور غصبه غيرَ متغيّر لا في سوق ولا بدن. وعندي أن وجه القول بتمكين السيد من إمضاء العتق في إلزام الغاصب القيمة، أن من ذهب إلى ذلك قدّر أن الغاصب المعتِقَ الملتزمَ، بعتقِه، قيمةَ العبد، لتقدم علمه، أن العتق تقرّب من الله سبحانه، وإحسان إلى العبد، ولا يحسن ذلك إلا مع الحكم بنفوذه. وقد قيل في تعدي الوكيل بأن باع بعَرْض فإنه ضامن. وقد تقدم ذكر هذه الرواية وما حملت عليه. لكن يُلتفت في هذا أيضًا إلى أصل آخر، وهو اختلاف الأئمة ﵃ في المضمونات: هل تُملك بالضمان أوْ لَا تملك؟. وهذا، وإن أطلقه بعض المصنفين فجعله على مثل ما نحن فيه من ضمان التَّعدّي الغير مشروعٍ لا في ضمانٍ أوجبه الشرع بحكم التوفية على البائع، كمن باع أمة ووجب عليه مراضعتها (١)، فإن ضمانها في أيام المراضعة (١) من البائع. ولا يختلف أنه لا يفلكها بهذا الضمان، كيف؛ وهذا قد أخرجها من ملكه، وإنما عليه توفية المبيع، وتوفيته ها هنا إنما تحصل من التمكين من الأمة فارغة من العمل. وأيضًا فإن البائع لا يُضمَّن ضمانَ القيمة

стр. 2403

عن بعض المبيع، وإنما الحكم انفساخ البيع. وأما الغاصب فإنه يُضمَّن بدلَ العين المغصوبة قيمتَها. ولو غصب عبدًا فأبق في يديه، فإن القيمة تلزمه بحكم التعدي. وقال الشافعي: لا يملك الغاصب بها العبد. وقال أبو حنيفة: بل يملكه. ونحن، وإن ضمّناه القيمة، لا نراه بيعًا للآبق، ولو كان بيعًا لم يجز ذلك، لكون الآبق لا يجوز بيعه. ويحتج أصحاب الشافعي على أن الغاصب لا يملك الشيء المغصوب بوجوب قيمة (١) عليه، بأن الملك حكم شرعي ورد الشرع بإباحته، والغصب والعدوان ورد الشرع بتحريمه، ولا يصح أن تكون الأمور الغير المشروعة تُبيح الأمور المشروعة التي هي الملك. وأيضًا فإن حقيقة المعاوضة التي توجب الملك صدوها (٢) عن اختيار المتعاقدين، لا سيما إذا قلنا بأحد القولين عندنا نحن، في أن الأخذ بالشفعة لا يكون بيعًا، لكونه مجبورًا عليه المأخوذ المستشفَع من يده، فإن حقيقة البيع التمكين من التسليم والآبق لا يمكن تسليمه. إلى غير ذلك من الأمور التي تُشعر بأن التعويض عن الشيء المغصوب لا يكون بيعًا، وإذا لم يكن بيعًا لم يُقبَضْ ملكًا. ولو غصب رجل عبدأوهلك في يديه، لزمته القيمة، وليس قِبالة هذه القيمة عينًا تُتملك. وإنما لزمت القيمة للحيلولة بين الملك ومالكه لا لأنها تؤخذ عنها عوضًا وهو عين الشيء المغصوب؛ لأنه قد هلك. وبين أصحاب الشافعي اختلاف في رجل أبق له عبد، فقال له قائل: اعتقْ عنّي بألف درهم. هل يُمنع ذلك لأنه كشراء آبق، أو يجوز ذلك لأن القصد بهذه المعاوضة التقرب، وفكّ رقبته لا تأمل (٣) مال وتطلب استدامة ملك؟ وكذلك لو اشترى رجل أباه وقد أبقْ لسيده، هل يمنع ذلك لكونه شراء

стр. 2404

آبق، أو يجوز لأن القصد إنقاذ أبيه من الرق لاستدامة (١) ملك؟ وأصحاب أبي حنيفة يرون أن وجوب القيمة سبب في ملك الشيء المغصوب؛ لأن القيمة بدل منه، فلا بد للبدل من مبدل يقابله. وقد ناقض أصحاب الشافعي أصحاب أبي حنيفة بأن العبد المدبَّر لو غصبه غاصب فأبق في يديه للزمته قيمته. ومذهب أبي حنيفة أن المدبّر لا يحل بيعه، فقد تجب القيمة ولا مقابلة لها بملك، وإنما مقابلتها الحيلولة بين المالك وملكه. وإذا ذكرنا هذا في هذه المسألة لأجل ما حكيناه من الخلاف في تمكين سيد العبد المغصوب منْ إلزام الغاصب قيمة (٢) إذا أعتقه، فإذا قلنا: صادف العتق ملكًا أنفذ، وإن قلنا الأصل: لم يصادفه لن ينفذ. فلأجل تعلق ما نحن فيه بهذا الأصل نبهنا عليه ها هنا. والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ذكرنا ما يحدثه الغاصب من إعتاق العبد المغصوب الذي في يديه، ونتكلم الآن على بيعه له. فاعلم أن البيع إنما يكون مباحًا فيما يملكه البائع، إذا لم يمنعه من بيعه مانع في الشريعة، والغاصب لا يملك ما غصب، ببيعه (٣) فيه لا ينفّذ إذا رده مالك الشيء المغصوب. لكن لو أراد مالك العبد المغصوب أن يُجيزَ بيعَه فيه، ويأخذَ العوض عنه، وهو الثمن الذي باعه به الغاصب، فمذهب مالك وأبي حنيفة ﵄ أن ذلك لربّه، ولا يمنع، والبيع نافذ إذا اختار مالك البيع (٤) إنفاذه،

стр. 2405

وإجازة ما فعل الغاصب فيه. ومذهب الشافعي المنع من ذلك، وأن هذا البيع لا بد من فسخه، وإنْ أجازَهُ صاحب السلعة المغصوبة لكن باعها الغاصب. والبخاري على ألْسنة أصحابنا أن هذا يرجع إلى الخلاف في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه وردِّه، لقوله ﷺ : "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردّ" (١) أو يكون مجرد النهي لا يقتضي الفساد والردَّ على الإطلاق، وإنما يوقف ذلك محل الدليل. والخلاف في هذا الأصل مشهور بين الأصوليين، وكان بعض أشياخي يرى أنّ ما بُني على هذا من الفروع، ما كان النهي عنه لحق الخالق سبحانه. وأما ما كان النهي عنه لحق المخلوقين وأن (٢) ذلك لا يحسن الخلاف فيه لأجل ما ورد في الصحيح من نهيه ﷺ عن التصرية، وجَعَل الخيار في إمضاء البيع أورده للمشتري إذا اطلع على عيب التصرية بعد عقده البيع، وما ذلك إلا لأجل أن النهي عن التدليس بالعيوب في المبيعات إنما عليه (٣) اعتبار حق المخلوق، لا حق الخالق سبحانه. ويعتضد أصحاب الشافعي في أن ذلك (٤) الشيء المغصوب ليس له إمضاء بيع الغاصب فيه بل يفسخ فيه عقده على كل حال، بإن القول بأن بَيْع الغاصب ماض منعقدٌ على جهة الاستِبْداد به، وإباحةُ التصرف في المبيع دون إذن المالك لا يذهب إليه أحد من العلماء. ومعلوم قطعًا فساد هذا من ناحية أصول الشريعة. وأما أن يقال: البيع منعقد ولكن معلق بقوده (٥) بإمضاء مالك السلعة

стр. 2406

المغصوبة له، فإن هذا أيضًا لا يصحّ؛ لأن الانعقاد يوجب زوال التصرف في الملك، وهو مقتضى عقد البيع في الشريعة، ولا سبيل إلى القول بإباحة التصرف، وأيضًا فإن الإذن لا ينعطف على ما يقتضي (١) من الأفعال، وعُدِم بعد وجوده، وإنما يتصور فيما لم يفعل حتى يصادف انعقادُ البيع إذنًا فيه قد تقدم. وقد قال مالك وأبو حنيفة فيمن قال لأجنبية: أنت طالق. ثم تزوجها وملك عصمتها، ثم صار إلى حالة يمكنه وقوع الطلاق فيها، فإن الطلاق المتقدم لملك العصمة لا ينفك (٢)، مع كون الطلاق يقبل التعليق المؤدي إلى (الغرر، ما لا يُحترز في عقود النكاح) (٣) وبيع الإنسان ملك نفسه على الخيار قد صادف عقدًا وملكًا مقرّرًا، فيصح أن يضاف الانعقاد إليه لتقرر الملك، بخلاف بيع الغاصب. وهذا إذا باع الغاصب السلعة من رجل لا يعلم أنها مغصوبة، بل يعتقد أنها من أملاك الغاصب، وأما لو علم المشتري أن بائعها غاصب لها فإنه قد ساوى بائعها في الفعل المحرَّم وهو التصرف في ملك الغير بغير إذنه، دون انتقاله عن ملك (٤) أو عن من ينوب عن الملك (٥) كالوالي إذا باع في التفليس وغيره، أو عن وليٍّ، كالأب والوصي إذا باعا ملك من في ولائهما، وعلم المتبايعين (٦) جميعًا بفساد العقد، بخلاف أن يعلم به أحدهما. وقد تقدم بسط هذا في كتاب البيوع. وهذه طريقة قد تتيسر (٧) إلى مذهب الشافعي في أن بيع الغاصب لا ينفّذ وإن أجازه المالك لأن الغاصب عقد عقدًا يعلم فساده. على أن في المذهب

стр. 2407

قولين مشهورين عندنا في غاصب باع السلعة المغصوبة من رجل يعلم أنها مغصوبة: هل يمضي البيع إذا أمضاه مالكها أم لا؟ ولكن يجب على ما أصّلناه أن يحمل الخلاف في هذا على أن الغاصب والمشتري عقدا على مغالبة رب السلعة في فسخ البيع وأنهما لا يمكنانه منه. وإن دخلا على أنه يتمكن من الفسخ متى شاء، ولا يقدران على مدافعته عن ذلك، واختار (١) ما عنده من إرادةٍ لفسخ البيع أو إمضائه لا يعلم إلا بعد أمد طويل لا يدرى منتهاه، فإنه ينبغي ألاّ يختلف في هذا الوجه، كما لم يختلف في عقد بيع خيار على اشتراط خيار رجل بعيد الغيبة، على المعروف والمشهور من أصل المذهب. ويلتفت أيضًا، إذا لم يدخل المشتري مع الغاصب على كون الانعقاد إنما يثبت بعد مطالعة رب السلعة، أو يعتقدان (٢) على ترك اعتبار مطالعة (٣)، إلى ما توجبه الأحكام في تنزل الأحكام منزلة ما عقد المتبايعان باختيارهما أم لا؟ وقد مرّ ذلك مستقصى في مسائل كتاب البيوع. ولو أراد صاحب السلعة المغصوبة أن يُلزم الغاصبَ قيمتَها، وهي لم تتغير في يد المشتري في سوق ولا بدن، لم يمكن من ذلك لقدرته على استرجاع سلعته المغصوبة بعينها من غير ضرر يلحقه في ذلك. هذا مما يمنع منه صاحب السلعة، ولا يكون ذلك من حقه. فإن قيل: هل لا يجري هذا على الاختلاف، الذي ذكرتموه، فيمن غصب عبدًا فأعتقه، فأراد مالك العبد أن يضمِّن الغاصبَ القيمةَ ليُنفَّذ عتقه فيه. وقد حكيتم أن في كتاب ابن شعبان قولين في هذا، فكذلك ينبغي أن يكون في بيع الغاصب، ويكون بيعه لهذا العبد مع علمه أن البيع لا يصحّ إلا فيما يملكه البائع، عَلَمًا على التزامه القيمة، كما كان عتقه العبد علمنا (٤) على التزامه القيمة.

стр. 2408

وقد أشار بعض الأشياخ أن العتق لا يلزمه فيه القيمةُ إذا لم يتغير العبد، كما لا تلزمه قيمة إذا باع العبد المغصوب. وأشار إلى أن جعْل البيع في ذلك أصلًا لا يختلف فيه. ولا يمكن أن يفرق بينهما عندي إلا بأن يقال بأن العتق له حرمة توجب (حق وجه عن) (١) ملك المالك بغير اختياره، كعتق أحد الشريكين نصيبه، وما ذاك إلا لحرمة العتق. وهذا مما ينظر فيه. ولو عقد المشتري البيع من الغاصب وهو يعتقد أن الغاصب مالكٌ لما باعه منه، فاطلع بعد ذلك على أن السلعة المبيعة منه مغصوبة، فأراد المشتري الردّ لكون هذا عيبًا لم يدخل عليه، والعيب ها هنا هو انتظار صاحب السلعة المغصوبة، واستعلام ما عنده من إجازة أو ردّ فإنه إن كان صاحب السلعة حاضرًا، أو قريب الغيبة لا يدحق المشتري ضررٌ في استعلام ما عنده، هل يُجبرُ (٢) البيع أو يرده؛ فإن المشتري لا يُمكَّن من استعجال ردّ هذا البيع، لتعلق حق صاحب السلعة، بل يُلزِمه البيعَ، ويأخذ الثمن. وإن كان صاحب السلعة المغصوبة بعيدَ الغيبة، لم يلزم المشتريَ الصبرُ حتى يقدم، لما يلحقه في ذلك من الضرر من ضمان السلعة المبيعة، والتحجير مع هذا عليه في التصرف فيها. وإذا أجاز صاحب السلعة بيع الغاصب فإن له مطالبةَ الغاصب بالثمن الذي قبضه من المشتري، فإن أراد أن يرل (٣) عن ذلك إلى أن يطلب به المشتريَ، ويرجع المشتري على الغاصب بما دفع إليه، فهل يمكن من هذا أم لا؟ فيه قولان: المشهور من المذهب أنه لا يمكّن من هذا، وإنما تكون له المطالبة بالثمن المقبوض على من قبضه وهو الغاصب.

стр. 2409

وقيل: بل له مطالبة المشتري بذلك، ويرجع المشتري بالثمن الذي دفعه على من قبضه منه وهو الغاصب، إذ لا يلزمه أن يغرّمه مرتين. وكان بعض أشياخي يخرج الخلاف في هذا على اعتبار حقيقة البيع في الشرع، هل هو التقابض أو العقد بالقول؟ فإن قلنا: إن (١) التقابض. لم يمكّن صاحب السلعة من أن يرجع بالثمن على المشتري؛ لأن معنى إجازته بيع الغاصب هي إجازة لقبض الثمن، وإذا أجاز قبضَ الغاصب الثمنَ لم يكن له الرجوع به على المشتري. وإن قلنا: إن حقيقة البيع العقد بالقول، لم تكن إجازةُ البيع إجازةَ القبض، فتكون له مطالبة المشتري بدفع الثمن إليه لأنه، لم يجز له الدفع إلى الغاصب. وهذا التخريج على هذا الأصل فيه نظر، لكون هذا الأصل مطالب من أصله بإثباته، وإنما يجري هذا الخلاف على أن الوكيل على بيع سلعة موكَّل على قبض ثمنها وينظر في ذلك: هل توكيله على قبضه ثمنها يتضمنه توكيله على بيعها، فتكون إجازة صاحب السلعة لبيع الغاصب قد تضمن ذلك إجازة قبضه الثمنَ. أو يقال: إن قبض الوكيل لثمن السلعة المبيعة لا يتضمنه توكيله على عقد بيعها، وإنما ذلك بعادة جرتْ أن من وكل على (٢) قبض الثمن، هذه العادة لم تستقر في إجازة صاحب السلعة بيع الغاصب، وكأنه حين أجاز بيع الغاصب فحينئذٍ انعقد البيع على أن الوكيل معزول عن القبض، وإذا كان معزولًا عنه لم يَبرَأْ المشتري بالدفع إلى وكيل معزول عن القبض. ولو كان المشتري من الغاصب قد أفات السلعة التي اشترى، فإن ذلك لا يمنع صاحب السلعة المقبوضة من إجازة البيع، وطلب الثمن من الغاصب، أو

стр. 2410

طلبه قيمةَ ما فات عند المشتري من الغاصب. تقوّم السلعة يوم الغصب، أو يوم باعها، على ما حكيناه عن بعض أشياخنا من كون البيع تعديًا ثانيًا، وتعقبناه. وهل له أن يطالب المشتري من الغاصب لما قد فات في يد المشتري؟ لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يفوت ذلك بيد المشتري بأمر لا صنع للمشتري فيه، مثل أن يكون عبدًا قد مات في يد المشتري، فإنه لا مطالبة على المشتري بثمنه ولا قيمته لكونه يعتقد إباحة ما فعل من الشراء. وكذلك أيضًا لا يكون للمشتري مطالبة على الغاصب الذي باع منه بالثمن الذي دفع إليه؛ لأنه، وإن لم يضمن الموت لصاحب السلعة المغصوبة، فإنه لا يضمن له الغاصب الثمن، لكون الذي باع منه قد حصل له، ولم ينتقض عليه البيع فيه بأخذ عين العبد من يده، ولا غرامة لقيمته، فأشبه موتَ العبد في يديه، ولم يستحق، ولم يأت مستحق مستحقه. لكن لو كان العبد الذي مات في يديه انكشف أنه حرّ باعه منه رجل، فإنه يرجع ها هنا بالثمن على البائع منه؛ لأنه أخذ ثمنًا عمّن لا يصحّ أن يكون مثمونًا لآخر؛ بخلاف أن يُكشَف كون العيد الذي مات مملوكًا لغير من باعه منه. ولو انكشف أنه ليس بصريح في الحرية، ولا صريح في الملك والرق، بل فيه عقد حرية مثل المعتَق إلى أجل، وأم الولد، والمدبَّر، والمكاتَب فإن الحكم يفتقد في هؤلاء الأربعة، فمن كان منهم لا يترقَّب عودةً إلى الرق على حال، بل قطع على أنه سيسري به العقد الذي فيه إلى الحرية إن لم يخترمه الأجل، كأم الولد والمعتَق إلى أجل، فإن ذلك يلحق بالحر الصريح، فيرجع المشتري على من باع منه بما دفع إليه من الثمن في موت أم الولد والمعتق إلى أجل، وهما في يديه ولا يرجع بالثمن في المدبَّر ولا المكاتَب لكونهما يترقب رِقُهما بأن يعجز المكاتب، فيصير رقيقًا يصح بيعه، وكون المدبر قد يموت سيده فيباع في دين عليه. وأُجري عليهما ها هنا حكم الرق الصريح.

стр. 2411

فلو كان المشتري هو الذي أفات ما اشترى على وجه ينتفع به، كطعام أكله، أو ثوب لبسه، باعه منه غاصب، فإني لصاحب الطعامِ والثوب أن يغرِّما المشتريَ عوض ما انتفع به من مالهما: إما المثل فيما يُقضى فيه بمثله، أو القيمة فيما يقضي فيه بالقيمة. وإن كان لا منفعة له فيما أفات، لا مِمّا اشتراه، كعبد باعه منه غاصب، فقتله المشتري عمدًا، فإن لسيد العبد أن يغزم المشتريَ قيمتَه لكون متعديًا في القتل فاعلًا لما نهى الشرع عنه، فكان لمالك العبد طلبُه بما أتلفه عمدًا. وأما إن أتلفه خطأ، مثل أن يريد ضرب شيء فغلط فأصابت ضربته العبد الذي اشتراه، والخلاف في هذا مبني على ما قدمناه من أن الخطأ والعمد في أموال الناس سواءٌ، يوجب الغرامةَ، إلا أن يكون المتلِف مأذونًا له من المالك، أو من الشرع في التصرف فيما أتلفه خطأ، فإن في ذلك خلافًا: هل يستوي فيه الخطأ والعمد أم لا؟ وإذا طلب سيد العبد المشتريَ قيمة ما أتلف، وكان يوم التَلاف يساوي خمسين دينارًا، فأخذها سيد العبد من المشتري، فهل يعد ذلك كأخذ عين العبد من المشتري، وهو إذا أخذ عين العبد من المشتري فقد اتُّفق على أنه يرجع المشتري على من قبض منه الثمن، وهو الغاصب، بجميع الثمن، أو يقال: إن أخْذ القيمة من بذل (١) جنايته، ولا يحل ذلك محل أخذ عين العبد، فيقدّر أن ذلك كموت العبد في يد المشتري، وهو لو مات في يديه لم يرجع على الغاصب من الثمن بشيء مما دفع إليه (ها هنا القيمة بحكم الجناية والمطالبة له على الغاصب إلا بمقدار ما أدخله فيه من خسارة) (٢)، وهي طلب القيمة منه، إذ لو لكان العبد المقتول مالكه لا يستحقه أحد فقتله. فإنه لا مطالبة عليه بثمنه ولا قيمته، وإنما طولب ها هنا بقيمة العبد الذي قتله بسبب تغرير الغاصب به بأن باع

стр. 2412

شيئًا لا يملكه، حتى أوجب عليه غرامة لمالكه. هذا فيه قولان بين ابن القاسم وأشهب: فمذهب ابن القاسم أن مطالبة المستحق للمشتري بقيمة العبد الذي قتله تحل غرامتُها محلَّ عين العبد الذي قتله المشتري. وقد اتُّفق على أن أخذ عين من يد مشتريه يوجب له رجوعه بجميع الثمن على الغاصب الذي باع منه العبد، فكذلك إذا أُخذت منه قيمة العبد فلا يخسر سوى الخمسين دينارًا، وقد رجعت إليه لما أخذ من الغاصب جميع ثمنه الذي كان دفعه إليه. ومذهب أشهب أن البيع لا ينتقض، ولكن يبقى حق مالك العبد، إذا أخذ قيمته من المشتري، في مطالبة الغاصب ببقية ثمن عبده، فإن كان الغاصب باع هذا العبد من المشتري بمائة دينار فإنّ لِسيد العبد، إذا أخذ من المشتري الخمسين دينارًا التي هي قيمة المقتول، أن يرجع على الغاصب البائع ببقية الثمن، وهو الخمسون الباقية؛ لأنه قد كان له أن يجيز البيع ويأخذ الثمن من الغاصب، كما قدمناه، وليس عدوله عن ذلك إلى أن أخذ من المشتري خمسين دينارًا بالذي يسقط حقَّه من طلب الثمن، ولا يقدَّر أنه لما طلب المشتري بالقيمة كأنه أبرأ الغاصب من بقية الثمن، كما سيرد ذلك في قتل رجل عبدًا في يد غاصبه. ولو كان هذا العبد المقتول قيمته يوم غصبه الغاصب مائة دينار وعشرون، وباعه الغاصب من هذا المشتري الذي قتله بمائة دينار وقتله المشتري وقيمته خمسون دينارًا، فإن مذهب أشهب، على ما أصلناه، تمكين سيد العبد من تغريم الغاصب سبعين دينارًا بقية تمام قيمة العبد يوم غصبه الغاصب، وقد كان أخذ سيد العبد من المشتري خمسين دينارًا قيمة عبده، فبقيت له من قيمته يوم الغصب سبعون دينارًا فيأخذها من الغاصب. وأما إذا باع الغاصب ما غصبه، من عرض أو حيوان أو غير ذلك، ثم اشتراه من مالكه الذي غصبه منه، فأراد أن ينقض ما كان عقد فيه من بيع، ويأخذه من الذي كان اشتراه منه، فإنه لا يمكّن من ذلك، كما ذكره في المدونة

стр. 2413

واعتل بأن الغاصب إنما قصد باشترائه التحلُّلَ مما صنع. وظاهر هذا التعليل أن هذا الغاصب لو علم أنه لم يقصد باشترائه التّحلل مما صنع، وإنما قصد ملكه بوجه جائز، لمكن من نقض بيعه فيه؛ لأن لمالك الشيء المغصوب نقض بيع الغاصب فيه. فإذا اشتراه الغاصب من مالكه فقد جرى مجرى مالكه في استحقاقه نقض هذا البيع الذي باعه. ولأجل التعليل الذي ذكره جعل حكم الميراث خلاف حكم الشراء، فقال: لو ورث الغاصب ما كان باعه لكان له نقض بيعه فيه. هذا طرد التعليل الذي ذكره لأن (يملك لهذا) (١) الذي ورثه ليس عن قصد منه واختيار، فيظن به أنه قصد بتملكه التحلّل مما صنع. وقيل: بل له نقض البيع فيه، كما لو اشترى. وهذا لأنه قد كان للميت الذي ورث هذا الغاصبُ عندما باعه، أن ينقُض البيع فيه، والميراثُ ينقل الملك بحقوقه كلها إلى الوارث، ومن حقوق هذا الملك تمكين المورَّث عنه من فسخ هذا البيع، فكذلك يكون ذلك لوارثه. ولو أن الغاصب لما اشترى الشيء المغصوب من مالكه دلّس عليه، مثل أن يكون باعه بعشرة دنانير، واشتراه من مالكه بثمانية دنانير، ولم يُعلِمه بالثمن الذي باعه به، فإن لمالك الشيء المغصوب أن يطالب الغاصب بالدينارين (الباقية عنه) (٢) من الثمن الذي باعه به الغاصب؛ لأن من حق مالك الشيء المغصوب أن يجيز بيع الغاصب فيه، ويأخذ الثمن من الغاصب. ولو أعلمه الغاصب بأنه باعه بعشرة دنانير، لأمكن أن يأخذها منه، ولا يبيعه منه بثمانية. وكذلك لو كان باع ما غصبه بثوب ثم اشتراه من مالكه بدنانير، لكان من

стр. 2414

حق مالكه أن يفسخ شراء الغاصب منه، ويطلبه بالثوب الذي باعه. ولو هلك الثوب في يد الغاصب للزمه قيمته؛ لأنه كالغاصب أيضًا له لكونه مخاطَبًا في (١) أن يعلم لصاحب (٢) الشيء المغصوب بما فعل، ويمكّنه من أخذ هذا الثوب، فإذا لم يفعل صار فعله غصبًا ثانيًا. ولون كان مشتري الثوب من الغاصب هو الذي اشتراه من مالكه، فإن له نقض ما فعله الغاصب من بيعه منه، كما كان لمالكه أن يفسخ بيع الغاصب. وإذا فسخ المشتري من الغاصب العقد الذي بينه وبينه، رجع على الغاصب بما دفع إليه من النظر (٢). ولو كان الثمن الذي دفع إليه عرضا رجع بقيمته إذا حال سوقه؛ لأنه هو الذي مكن الغاصب مما دفعه إليه وسلطه عليه، فجرى ذلك مجرى الاستحقاقات في البيوع الجائزة. ولون كان الغاصب الذي باع الشيء المغصوب اشتراه منه مشتريه بخمسة دنانير وقد كان باعه من مشتريه منه بعشرة دنانير، واعترف إذا فعل ذلك بالشيء المغصوب، فإن المالك لهذا الشيء المغصوب بالخيار بين أن يجيز ما فعله الغاصب ثانيًا من أخذ الشيء المغصوب بعينه وأخذ ما ربح فيه الغاصب، وهو الخمسة دنانير، أو يردّ ما فعله الغاصب ثانيًا، ويجيز ما فعله أوَّلًا، ويطالبه بالعشرة التي باع بها ما غصبه إياه. ولو أن هذا الغاصب لم يعترف أن الشراء لمالك الشيء المغصوب، فلم تكن هذه الخمسة دنانير التي ربحها الغاصب ما بين بيعه لهذا الثوب المغصوب وشرائه له، في ذلك ثلاثة أقوال: مذهب ابن القاسم في هذه المسألة أن هذه الخمسة دنانير تكون لمالك الشيء المغصوب، ويأخذ عين الثوب الذي غصب له من يد غاصبه، ويأخذ الخمسة دنانير التي ربح الغاصب، لكون الغاصب لا يمكن من أن يربح في

стр. 2415

الشيء الذي غصبه. وهذه إحدى طريقيه في أن الغاصب لا يربح. ومذهب أشهب أن هذه الخمسة دنانير تكون للغاصب؛ لأن المالك للشيء المغصوب قد وجده، لما قام في طلبه، في يد غاصب (١) لم يتغير في عينه ولا في سوقه، وإذا وجد المالك الشيء المغصوب عين ما غُصب له لم يتغير، فلا مقال له في تغريم صاحبه. وجعك ما تخَلل من ذلك، من بيع وشراء، كالعدم، كما ذكرناه في كتاب البيوع الفاسدة، فيمن اشترى ثوبًا فاسدًا فلم يفسخ بيعه حتى باعه مشتريه صحيحًا، فإن ذلك فوْت يمنع منا الفسخ، ويوجب القيمة يوم القبض. فلو رجع هذا الثوب الذي اشتراه شراء فاسدًا للذي كان اشتراه شراء فاسدًا بوجه صحيح، لم يمنع من فسخ العقد الفاسد الذي كان وقع فيه، وجعْلِ ما وقع بعد العقد الفاسد من بيع صحيح كالعدم. والقول الثالث إن هذه الخمسة دنانير ترجع إلى من كان دفعها للغاصب؛ لأن مالك الثوب المغصوب لما أخذ عين ثوبه فقد انتقض جميع ما كان فيه من البياعات، كما ينقض بالاستحقاق جميع البياعات المتقدمة للاستحقاق. ومما يحدثه الغاصب الغيبة على جارية غصبها فإنه يضمن قيمتها بمجرد الغيبة عليها، إذًا كانت جارية رائعة من جواري الوطْء، سواء عُلم أنه وطئها أو شك في ذلك. إلى هذا ذهب مطرت وابن الماجشون وأوجبا القيمة على الغاصب، لأجل أن ذلك يقتضي شكًّا هل وطئها الغاصب أم لا؟ وذلك ينقص من ثمنها، وأدنى مراتبه أنه كالعيب اليسير، والعيب اليسير يضمن به الغاصب ما غصب، وتلزمه فيه غرامة القيمة. وأيضًا فإن الغيبة عليها مما يقتضي التوقف عن وطئها حتى تستبرأ، فيصير ذلك حَبْسًا لها عن ربها، ومنْعًا لسيّدها منها، وذلك يوجب القيمة.

стр. 2416

لكن هذا التعليل يقتضي أنه لو كان أيامُ حيضتها قد أشرفت وقَرُبتْ ألاّ يضمن الغاصب القيمة، إذا كان حبسها عن ربّها بقرب زمنه. وبعض أشياخي يرى أن سيدها إذا كان مقرًّا بو طئها لم يعجل القيمة بل توقف، لجواز أن ينكشف كونها حاملًا فترجع لسيدها أمَّ ولد له فإن حاضت، وتبين أنها غير حامل من سيدها، أخذ القيمة التي وُقفتْ له. ومذهب ابن القاسم أن مجرد الغيْبة لا يوجب ضمان القيمة، خلافًا لما حكيناه عن مطرت وابن الماجشون. وما ذاك عندي إلا أنه يرى أن مجرد الغيبة ليس بعيب في هذه الجارية، ووجوب استبرائها قد تكلمنا عليه في كتاب الاستبراء. ومما يحدثه الغاصب استيلاد الأمَة المغصوبة، فإن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه ما استولده الغاصب، واغتلّه في الحيوان من لبن وشبهه، فإن مالك ذلك يستحق أخذه للأمهات وما ولدت وما اغتل منها. وإن ضمن مالك ذلك قيمة الأمهات وما ولدت لم تكن له مطالبة بالأولاد ولا بهذه الغلّات. وإن حدث الموت بالأمهات وأولادها جميعًا، أوْ بأخذهما (١)، فهاهنا (أسْتخلفا لمذهب) (٢) ابن القاسم أنهما إذا ماتا جميعًا لم يضمن الغاصب سوى قيمة الأمهات يوم الغصب؛ لأنه إذا ضمنها يوم الغصب صار ما حدث من ولد أو غلّة كأنه حدث في ملك الغاصب، ومن حدث في ملكه شيء لم يؤخذ منه إلا بوجه يوجب ذلك. وعند أشهب أنه، وإن ضمن الأمَّ يوم الغصب، فإنه يضمن مع ذلك قيمة الأولاد يوم ولدت، وقدر أن ذلك كغاصب سلعتين، فإن هلكا جميعًا غرم قيمتهما جميعًا، وبمجرد الولادة صار الولد كسلعة أخرى يجب على الغاصب

стр. 2417

ردها لمالكها، فإذا لم يفعل صار كمبتدى غصب لها يوم ولادتها، وانفصال (١) الولد منها صار الولد مغصوبًا حين مفارقته لبطن أمه، فيضمن قيمته يوم الغصب. وخرج بعض أشياخي في غرامة قيمته قولًا آخر أنه يغرم قيمة الولد أعلى قيمة مرت به، كما قدمنا حكايته عن أشهب وعبد الملك وابن وهب. وهذا التخريج عندي قد يمانع فيه لأجل أن الولد قد قيل: إنه غلة لا يردّ مع الأمهات، كما سيرد بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإذا كان لا يجب رده صار كونه مغصوبًا غير مُجمَع عليه فلا يجري ذلك مجرى الغصب "المجمع عليه الذي يقدر فيه الغاصب فيه كمبتدى غصب كل يوم، كما كنّا قدمنا الخلاف في ذلك، وإسناده إلى أصل معروف، وهو أن التماديَ على الفعل هل يقدّر كابتدائه أوْ لا؟ .. وقد بسطنا ذلك في موضعه. وقد نوقض أشهب في هذه المسألة، من التزام الغاصب قيمة الولد إذا مات، بموافقته لابن القاسم؛ لأن الأمهات والأولاد إذا (٢) كانوا موجودين. واختار مالك في الأمهات تضمين الغاصب قيمتها يوم الغصب، فإن الأولاد تبع للغاصب (٣)، فكذلك يجب إذا ماتت الأمهات والأولاد وغرم الغاصب قيمة الأمهات يوم الغصب، أَلَاّ يلزمه قيمة الولد الذي مات. فإن مات أحدهما، الأم أو الولد، فأشهب يجري على أصله في أخذ الموجود منهما، وقيمة الهالك إن كان الهالك أُمًّا بيوم غصبها، وإن كان ولدًا فالقيمة يوم وُلِد. وهذا لما قدمناه من كونه يرى الأم والولد كسلعتين غصبتا، فالباقى منهما يأخذه مالكه، والهالك منهما يقوم (٤) الغاصب قيمته.

стр. 2418

ومذهب ابن القاسم أنه إذا أخذ الموجود منهما ولم يضمّن الغاصب قيمة الأمهات، فإنه لا مطالبة له بقيمة الهالك منهما. وقدّر أن الولد كعضو من أعضاء الأم، والجارية إذا غُصبت فذهب عند الغاصب عضو منها، كيد أو عين، فاختار أخذ الباقي من أعضاء الجارية، فإنه لا يغرم قيمة العضو الهالك إذا كان هلاكه بأمر من الله سبحانه، لا صنع للخلق فيه، كما قدمناه أن هذا هو المذهب، إلا ما يتخرج مما روي عن سحنون في الغاصب إذا قطع يد الجارية التي غصبها أنه يضمن قيمة اليوم (١) يوم الغصب على ما مضى بيانه. وإذا تقرر عندك هذا الأصل أن أشهبْ يرى الولد إذا انفصل عن أمه كسلعة غصبت بعد سلعة، فإن لك منها أحكام: قتل الأم أو الولد أو قتلهما جميعًا، فإنه يطالب بقيمة ما قتل يوم غصبه، أو يوم سقط، على ما قدمنا ذكر الخلاف فيه، ويأخذ الموجود منها: الأم أو الولد. وكذلك أيضًا يتضح الحكم على أصل ابن القاسم أنه يراه كعضو منها، وإن انفصل عنها، فإنْ قتلَهما جميعًا لم يضمن إلا قيمة الأمهات يوم الغصب لأنه إذا ضمن قيمة الأم يوم الغصب صار الولد المقتول من جملة أملاك الغاصب. وإن قتل أحدهما، واختار سيدها أخذ الباقي منهما، لم يضمن المقتول منهما إذا كان أخذ القيمة يوم غصب الأم. وإن أُخِذَت يوم القتل لم يقدر الولد من جملة أملاك الغاصب. وهذا التفريع يتضح لمن عرف ما قدمناه من قتل الغاصب لما غصب: هل تعتبر القيمة يوم الغصب أو يوم القتل؟ ومما يحدثه الغاصب التَّجْرُ بدنانير غصبها، فإنهُ، وإن كان حبسها وأنفقها ولم يتجر بها فإنه لا يضمن فيها ربحًا في المشهور من المذهب إذ الربح معدوم، والعدم لا يُملك ولا يُضمَّن. لكن يجب أن يضمن لصاحب الدنانير

стр. 2419

مقدار ما كان يربح فيها صاحبها لو تجر فيها يقوّم أقلّ ما يظن به أنه لو تجر بها لاستفاده، على طريقة عبد الملك بن الماجشون فيمن غصب دارًا فأغلقها، فلم يسكنها ولا أكراها، فإنه يطالب بمقدار كرائها، مع كونه لم ينتفع منها بشيء. وقد ذكر ابن سحنون في شاهدين شهدا على رجل له دين على رجل آخر قد حل، أنه آخره به عامًا، فلما انقضى العام، رجعا عن شهادتهما، بعد أن حكم الحاكم بها، أنهما يغرمان ما يظن أن الذي له الدين لو أخذه لما حلَّ وتَجِر به في هذا العام الذي شهدا به عليه أنه تطوع بتأخير الدين إليه لاستفاده، إذا كان الدين المشهود بتأخيره عينًا أو مكيلًا أو موزونًا. وهذا يشير إلى ما قلناه من إلزامْ الغاصب ضمان ما منع من فوائد الأموال. وأما إذا كان الغاصب قد تجر بها وأفاد فيها ربحًا، فلا يخلو من أن يكون لما تجر بها موسرًا حينئذٍ يُعامل على ذمته، أو معسرًا يعلم أنه لولا المال الذي غصبه لما عومل. فإن كان تجر بها، وهو موسر، كان الربح له، ولا يختلف في هذا على المذهب المشهور في أن الغاصب لا يضمن ما منع منه من فوائد. فإن كان الغاصب معسرًا ففيه قولان: هل يكون الربح للغاصب إذا كان معسرًا أو يكون الربح لرب المال؟ وسبب هذا الاختلاف أن نماء المال لم يحدث إلا عن مجموع أمرين: أحدهما: نفس المال المغصوب والثاني: تجر الغاصب، ولو لم يعمل به الغاصب لم يَنْمُ المال. ولو حاول الغاصب. ما يشتريه وهو فقير لم يتمكن (١) له ذلك غالبًا. فقد تبين من هذا أن الربح حصل عن اجتماع أمرين: المال وفعل الغاصب في المال، فلا بد أن يستند إلى أقواهما سببًا فيه. فمن رأى أن المال

стр. 2420

هو أقوى سببًا في حصول الربح قال: إن الربح لرب المال. ومن رأى أن عمل الغاصب فيه أقوى سببًا في حصول الربح قضى يكون الربح في المال المغصوب للغاصب. ومما يجري على هذا الأسلوب القولان في زكاة ربح المال: هل يستقبل بالربح حولًا أو يزكى إذا حال الحول على رأس المال؟ وقد مضى في كتاب الزكاة ذكر الخلاف في هذا وذكر الدلالة لكل مذهب من هذين المذهبين. وهو أيضًا ينبني على ما أشرنا إليه ها هنا فيمن قدّر أن أقوى السببين في تحصيل الربح رأسُ المال، أجرى على حكم الربح حكم رأس المال ثم تقدير مضي الحول عليه. ومن رأى أن أقوى السببين في تحصيل الربح عملُ صاحبه فيه وتجره به، استقبل بالربح حولًا. وقد اختلف أيضًا فيمن اشترى سلعة، والناس في صلاة الجمعة، فقلنا بفسخ البيع على أحد القولين، بفساد العقد، فلو فات هذا البيع عند مشتريه وعقد فيه بيعًا صحيحًا جائزًا فربح فيه، هل يتصدق بالربح أم لا؛ وهذا جار على هذا الأسلوب، هل سبب ربح هذا المال الذي يملكه على صفة لا تجوز أوسبب الربح عمله فيه، إلى غير ذلك من المسائل الذي يعتبر فيها هذا الأصل. والجواب عن السؤال الخامس (١) أن يقال: إذا استهلك الغاصب طعامًا غصبه، مكيلًا أو موزونًا، قُضِيَ عليه بمثله، ولو استهلكه في أيام الشدهّ وغلَاء الطعام، ثم حُكم عليه في أيام رخاء ذلك الطعام ففيه قولان: المشهور منهما أنه لا يغير الحكم ويقضى بمثله. والقول الآخر أنه يقضى عليه بقيمته حين غصبه الطعام في أيام غلائه. وهذا يتضح على إحدى الطريقتين
следующие страницы →