لكن هذا التعليل يقتضي أنه لو كان أيامُ حيضتها قد أشرفت وقَرُبتْ ألاّ يضمن الغاصب القيمة، إذا كان حبسها عن ربّها بقرب زمنه. وبعض أشياخي يرى أن سيدها إذا كان مقرًّا بو طئها لم يعجل القيمة بل توقف، لجواز أن ينكشف كونها حاملًا فترجع لسيدها أمَّ ولد له فإن حاضت، وتبين أنها غير حامل من سيدها، أخذ القيمة التي وُقفتْ له.
ومذهب ابن القاسم أن مجرد الغيْبة لا يوجب ضمان القيمة، خلافًا لما حكيناه عن مطرت وابن الماجشون.
وما ذاك عندي إلا أنه يرى أن مجرد الغيبة ليس بعيب في هذه الجارية، ووجوب استبرائها قد تكلمنا عليه في كتاب الاستبراء.
ومما يحدثه الغاصب استيلاد الأمَة المغصوبة، فإن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه ما استولده الغاصب، واغتلّه في الحيوان من لبن وشبهه، فإن مالك ذلك يستحق أخذه للأمهات وما ولدت وما اغتل منها. وإن ضمن مالك ذلك قيمة الأمهات وما ولدت لم تكن له مطالبة بالأولاد ولا بهذه الغلّات. وإن حدث الموت بالأمهات وأولادها جميعًا، أوْ بأخذهما (١)، فهاهنا (أسْتخلفا لمذهب) (٢) ابن القاسم أنهما إذا ماتا جميعًا لم يضمن الغاصب سوى قيمة الأمهات يوم الغصب؛ لأنه إذا ضمنها يوم الغصب صار ما حدث من ولد أو غلّة كأنه حدث في ملك الغاصب، ومن حدث في ملكه شيء لم يؤخذ منه إلا بوجه يوجب ذلك.
وعند أشهب أنه، وإن ضمن الأمَّ يوم الغصب، فإنه يضمن مع ذلك قيمة الأولاد يوم ولدت، وقدر أن ذلك كغاصب سلعتين، فإن هلكا جميعًا غرم قيمتهما جميعًا، وبمجرد الولادة صار الولد كسلعة أخرى يجب على الغاصب
стр. 2417
ردها لمالكها، فإذا لم يفعل صار كمبتدى غصب لها يوم ولادتها، وانفصال (١) الولد منها صار الولد مغصوبًا حين مفارقته لبطن أمه، فيضمن قيمته يوم الغصب.
وخرج بعض أشياخي في غرامة قيمته قولًا آخر أنه يغرم قيمة الولد أعلى قيمة مرت به، كما قدمنا حكايته عن أشهب وعبد الملك وابن وهب.
وهذا التخريج عندي قد يمانع فيه لأجل أن الولد قد قيل: إنه غلة لا يردّ مع الأمهات، كما سيرد بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإذا كان لا يجب رده صار كونه مغصوبًا غير مُجمَع عليه فلا يجري ذلك مجرى الغصب "المجمع عليه الذي يقدر فيه الغاصب فيه كمبتدى غصب كل يوم، كما كنّا قدمنا الخلاف في ذلك، وإسناده إلى أصل معروف، وهو أن التماديَ على الفعل هل يقدّر كابتدائه أوْ لا؟ .. وقد بسطنا ذلك في موضعه.
وقد نوقض أشهب في هذه المسألة، من التزام الغاصب قيمة الولد إذا مات، بموافقته لابن القاسم؛ لأن الأمهات والأولاد إذا (٢) كانوا موجودين.
واختار مالك في الأمهات تضمين الغاصب قيمتها يوم الغصب، فإن الأولاد تبع للغاصب (٣)، فكذلك يجب إذا ماتت الأمهات والأولاد وغرم الغاصب قيمة الأمهات يوم الغصب، أَلَاّ يلزمه قيمة الولد الذي مات. فإن مات أحدهما، الأم أو الولد، فأشهب يجري على أصله في أخذ الموجود منهما، وقيمة الهالك إن كان الهالك أُمًّا بيوم غصبها، وإن كان ولدًا فالقيمة يوم وُلِد. وهذا لما قدمناه من كونه يرى الأم والولد كسلعتين غصبتا، فالباقى منهما يأخذه مالكه، والهالك منهما يقوم (٤) الغاصب قيمته.
стр. 2418
ومذهب ابن القاسم أنه إذا أخذ الموجود منهما ولم يضمّن الغاصب قيمة الأمهات، فإنه لا مطالبة له بقيمة الهالك منهما. وقدّر أن الولد كعضو من أعضاء الأم، والجارية إذا غُصبت فذهب عند الغاصب عضو منها، كيد أو عين، فاختار أخذ الباقي من أعضاء الجارية، فإنه لا يغرم قيمة العضو الهالك إذا كان هلاكه بأمر من الله سبحانه، لا صنع للخلق فيه، كما قدمناه أن هذا هو المذهب، إلا ما يتخرج مما روي عن سحنون في الغاصب إذا قطع يد الجارية التي غصبها أنه يضمن قيمة اليوم (١) يوم الغصب على ما مضى بيانه.
وإذا تقرر عندك هذا الأصل أن أشهبْ يرى الولد إذا انفصل عن أمه كسلعة غصبت بعد سلعة، فإن لك منها أحكام: قتل الأم أو الولد أو قتلهما جميعًا، فإنه يطالب بقيمة ما قتل يوم غصبه، أو يوم سقط، على ما قدمنا ذكر الخلاف فيه، ويأخذ الموجود منها: الأم أو الولد. وكذلك أيضًا يتضح الحكم على أصل ابن القاسم أنه يراه كعضو منها، وإن انفصل عنها، فإنْ قتلَهما جميعًا لم يضمن إلا قيمة الأمهات يوم الغصب لأنه إذا ضمن قيمة الأم يوم الغصب صار الولد المقتول من جملة أملاك الغاصب.
وإن قتل أحدهما، واختار سيدها أخذ الباقي منهما، لم يضمن المقتول منهما إذا كان أخذ القيمة يوم غصب الأم. وإن أُخِذَت يوم القتل لم يقدر الولد من جملة أملاك الغاصب.
وهذا التفريع يتضح لمن عرف ما قدمناه من قتل الغاصب لما غصب: هل تعتبر القيمة يوم الغصب أو يوم القتل؟
ومما يحدثه الغاصب التَّجْرُ بدنانير غصبها، فإنهُ، وإن كان حبسها وأنفقها ولم يتجر بها فإنه لا يضمن فيها ربحًا في المشهور من المذهب إذ الربح معدوم، والعدم لا يُملك ولا يُضمَّن. لكن يجب أن يضمن لصاحب الدنانير
стр. 2419
مقدار ما كان يربح فيها صاحبها لو تجر فيها يقوّم أقلّ ما يظن به أنه لو تجر بها لاستفاده، على طريقة عبد الملك بن الماجشون فيمن غصب دارًا فأغلقها، فلم يسكنها ولا أكراها، فإنه يطالب بمقدار كرائها، مع كونه لم ينتفع منها بشيء.
وقد ذكر ابن سحنون في شاهدين شهدا على رجل له دين على رجل آخر قد حل، أنه آخره به عامًا، فلما انقضى العام، رجعا عن شهادتهما، بعد أن حكم الحاكم بها، أنهما يغرمان ما يظن أن الذي له الدين لو أخذه لما حلَّ وتَجِر به في هذا العام الذي شهدا به عليه أنه تطوع بتأخير الدين إليه لاستفاده، إذا كان الدين المشهود بتأخيره عينًا أو مكيلًا أو موزونًا.
وهذا يشير إلى ما قلناه من إلزامْ الغاصب ضمان ما منع من فوائد الأموال.
وأما إذا كان الغاصب قد تجر بها وأفاد فيها ربحًا، فلا يخلو من أن يكون لما تجر بها موسرًا حينئذٍ يُعامل على ذمته، أو معسرًا يعلم أنه لولا المال الذي غصبه لما عومل.
فإن كان تجر بها، وهو موسر، كان الربح له، ولا يختلف في هذا على المذهب المشهور في أن الغاصب لا يضمن ما منع منه من فوائد.
فإن كان الغاصب معسرًا ففيه قولان: هل يكون الربح للغاصب إذا كان معسرًا أو يكون الربح لرب المال؟
وسبب هذا الاختلاف أن نماء المال لم يحدث إلا عن مجموع أمرين: أحدهما: نفس المال المغصوب والثاني: تجر الغاصب، ولو لم يعمل به الغاصب لم يَنْمُ المال. ولو حاول الغاصب. ما يشتريه وهو فقير لم يتمكن (١) له ذلك غالبًا. فقد تبين من هذا أن الربح حصل عن اجتماع أمرين: المال وفعل الغاصب في المال، فلا بد أن يستند إلى أقواهما سببًا فيه. فمن رأى أن المال
стр. 2420
هو أقوى سببًا في حصول الربح قال: إن الربح لرب المال. ومن رأى أن عمل الغاصب فيه أقوى سببًا في حصول الربح قضى يكون الربح في المال المغصوب للغاصب.
ومما يجري على هذا الأسلوب القولان في زكاة ربح المال: هل يستقبل بالربح حولًا أو يزكى إذا حال الحول على رأس المال؟ وقد مضى في كتاب الزكاة ذكر الخلاف في هذا وذكر الدلالة لكل مذهب من هذين المذهبين. وهو أيضًا ينبني على ما أشرنا إليه ها هنا فيمن قدّر أن أقوى السببين في تحصيل الربح رأسُ المال، أجرى على حكم الربح حكم رأس المال ثم تقدير مضي الحول عليه. ومن رأى أن أقوى السببين في تحصيل الربح عملُ صاحبه فيه وتجره به، استقبل بالربح حولًا.
وقد اختلف أيضًا فيمن اشترى سلعة، والناس في صلاة الجمعة، فقلنا بفسخ البيع على أحد القولين، بفساد العقد، فلو فات هذا البيع عند مشتريه وعقد فيه بيعًا صحيحًا جائزًا فربح فيه، هل يتصدق بالربح أم لا؛ وهذا جار على هذا الأسلوب، هل سبب ربح هذا المال الذي يملكه على صفة لا تجوز أوسبب الربح عمله فيه، إلى غير ذلك من المسائل الذي يعتبر فيها هذا الأصل.
والجواب عن السؤال الخامس (١) أن يقال:
إذا استهلك الغاصب طعامًا غصبه، مكيلًا أو موزونًا، قُضِيَ عليه بمثله، ولو استهلكه في أيام الشدهّ وغلَاء الطعام، ثم حُكم عليه في أيام رخاء ذلك الطعام ففيه قولان:
المشهور منهما أنه لا يغير الحكم ويقضى بمثله. والقول الآخر أنه يقضى عليه بقيمته حين غصبه الطعام في أيام غلائه. وهذا يتضح على إحدى الطريقتين
стр. 2421
اللتين قدمناهما، من أن الغاصب يضمن ما منعه من فائدة في الشيء المغصوب.
وأما إن كان الطعام المستهلك جزافًا، فإنما يُقضَى بقميته. ولو طلب صاحب الطعام أن يقضى له بمكيلة يتحقق أن الطعام الجزاف المستهلك لا يقصُر عنها لكان فيه قولان:
أحدهما تمكينه من ذلك؛ لأن الأصل القضاء بالأمثال، وإنما عدل عن ذلك إلى القيمة لامتناع الاطلاع على حقيقة المماثلة في الكيل. فإذا طلب صاحب الطعام أن يقضى له بها (١) يعلم أنه استهلك عليه، ويعرف مقدار كيله، مُكّن من ذلك.
والقول الآخر أنه لا يمكن من ذلك (٢) أوجب القيمة لصاحب الطعام (بتغير هذا الحكم) (٣).
وإذا استهلك الغاصب الطعام، ووجب عليه مثله، فلم يوجد ذلك حين المحاكمة، فإن يئس من أن لا يوجد أبدًا، قُضِي بالقيمة، وإن رجا وجوده عن قربٍ، ينبغي التلوم في مثله في المحاكمة في هذا، أخّر القضاء بذلك عليه إلى حين وجوده. وإن لم يوأس من وجوده على التأبيد، ولا رجي عن قرب، ففيه قولان:
أحدهما أنه يؤخر قضى (٤) يردّ مثله إلى أن يتفق وجودُه وهو مذهب ابن القاسم.
стр. 2422
والقول الثاني، وهو مذهب أشهب، أن له أخذ القيمة، وإن شاء صبر إلى وجود مثل الطعام.
وذكر ابن عبدوس أن اختلاف ابن القاسم وأشهب في هذه المسألة كاختلافهما فيمن أسلم في فاكهة لها إبّان ففات الإبان قبل أن يقتضي، فإن ابن القاسم يقضي بالتأخير إلى عام قابل، كما فعل ها هنا في مستهلك الطعام.
ومذهب أشهب أنه يردّ رأس المال، ولا يجوِّز الرضى بالتأخير، ومقتضى هذا لا يجوّز في استهلاك الطعام أن يجيز (١) ما بين أخذ قيمته نقدًا أو العدول عنها إلى التأخير لعام مقابل (٢)، فيكون ذلك فسخ دين في دين.
وهذا الذي اعترضه به ابن عبدوس لا يلزم، على أحد القولين، فيمن خيّر بين شيئين، فلا يقدَّر اختيارُه لأحدهما رجوعًا إليه بعد أن اختار الآخرَ فيكون فسخَ دين في دين.
وأما على الطريقة الأخرى ففيه نظر ينكشف وجهه مما قدمناه في كتاب السلم لما ذكرنا الاختلاف في ذوات الإبان، هل يلزم التأخير أو المحاسبة، وغير ذلك مما قيل فيه وعِلَل ذلك.
وأما لو كان الطعام المغصوب لم يستهلك، ولكنه أبقاه الغاصب بالبلد الذي غصبه فيه، ثم سافر إلى بلد آخر، فلقيه صاحب الطعام، فأراد مطالبته حيث لقيه.
فإن ابن القاسم يرى أنه لا يُقضَى عليه حيث هو بالطعام، وإنما يقضى عليه بأن يدفع الطعام أو مثله بالبلد الذي قبضه فيه وإن كان في ذلك تأخيرًا (٣) لصاحب الطعام عن حقه واستيفائه.
стр. 2423
ويرى أشهب إذا بَعُد ما بين البلدين أن يقضى لصاحب الطعام بقيمته بالبلد الذي غصبه فيه يأخذ ذلك حيث لقيه؛ لأن الدنانير والدراهم لا تختلف الأغراض فيها باختلاف البلدان، أو يقضي للطالب بمثل طعامه إذا كان سعر الطعام بالبلد الذي تلاقيا وبالبلد الذي غصب الطعام فيه سواءً، أو كان حيث تلاقيا أرخص. يقضى بهذا التسعير لصاحب الطعام ليُرفع عنه مضرة فا (١) استحقه، ولكون الغاصب لا يناله ضرر مع تساوي الأسعار وكون السعر بالبلد الذي تلاقيا فيه أرخص. واختلافهما في هذا كاختلافهما فيما قدمناه إذا وقع الطلب بالبلد الذي وقع فيه الغصب ولم يوجد مثل الطعام.
وأما لو نقل الغاصب الطعام إلى غير البلد الذي غصبه فيه، فتلاقيا، الغاصب وصاحب الطعام، بالبلد الذي نقل إليه الطعام، فإن مالكًا ﵁ سَهم (٢) فيه الأموال المغصوبة على ثلاثة أقسام، ورخص (٣) كل قسم منها بحكم من الأحكام:
ففي العتبية والمجموعة من رواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن الشيء المغصوب إن كان طعامًا كان القضاء للغاصب (٤) بمثل الطعام بالبلد الذي وقع فيه الغصب، ليس له إلا ذلك. وإن كان الشيء المغصوب حيوانًا عبيدًا أو دورًا فليس له إلا ما غصب من الحيوان إذا لم يتغير في بدنه. وإن كان المغصوب عروضًا فصاحبها بالخيار بين أن يأخذها بقيمتها (٥)، أو يَعْدِل عنها إلى تغريم الغاصب قيمتَها بالبلد الذي غُصبت فيه، يأخذه بذلك حيث لقيه.
وهذا قول مالك في ترتيب هذه الأحكام على ثلاثة أقسام.
стр. 2424
والقول الثالث ما ذهب إليه ابن القاسم وهو المساواة في هذه الثلاثة أقسام في الحكم، فمنعه أن يأخذ الشيء المغصوب وقضى له بما تجب عليه لو كان باليلد المغصوب فيه واستهلك الغاصب ما غصب، فإنه يجب عليه مثل الطعام الذي استهلك، وقيمةُ الحيوان والعروض الذي استهلك، فكذلك ها هنا يقضى على هذا الغاصب بمثل الطعام الذي غصبه ونَقله، وتستوفى منه القيمة بالبلد الذي وقع فيه الغصب للحيوان والعروض، ويؤخذ بذلك الغاصب حيث لقيه صاحب المال. فأجرى جميع الأقسام على الحكم الذي ذكره مالك في الطعام.
والقول الثالث، وهو الذي ذهب إليه أشهب، وهو إجراء جميع الأحكام على حكم واحد، ولكنه الحكم الذي حكم به مالك في العروض، بجعل صاحب الشيء مخيّرًا بين أن يأخذ عين الطعام المغصوب والحيوان أو العروض، أو يعدل عن ذلك إلى تغريم الغاصب القيمة، قيمة ما غصب بالبلد الذي وقع فيه الغصب، لأخذه بالقيمة حيث لقيه. وذكر في الطعام أنه يحال بينه وبين الطعام حتى يصل صاحب الشيء المغصوب.
وهكذا في الموازية أنه يتوثق لصاحب الشيء المغصوب من حقه إذا منع من أخذ الطعام بعينه.
وذهب سحنون إلى المساواة بين العروض والحيوان وأجرى عليهما الحكم الذي أجراه مالك في الحيوان، فقال: ليس لصاحب الشيء المغصوب، من حيوان أو عروض، إلا أخذ عين شيْئه إذا لم يتغير. وما أدري ما يقول في الطعام: هل يجريه هذا المجرى؟ وقد وقع له ما يدل عن ذلك إلا أنه أشار إلى أن اختلاف البلدان يجري مجرى اختلاف الأسعار، والغاصب لا يضمن الشيء المغصوب بتغير سوقه وإنما يمنعه (١) بتغير عيْنه.
وهذه الإشارة تقتضي ألاّ يكون إلا أخذ الطعام بعينه. لكنه لما ذكر مذهب
стр. 2425
أشهب أنه يمكّن صاحب الطعام من أخذ عين طعامه، أنكر هذا وقال: هذا خلاف الرواية, وإنما له مثل طعامه بالبلد الذي غصبه فيه فإن يكن مذهب سحنون أن الطعام والعروض والحيوان ليس له إلا أخذ عينه، كما قال مالك في الحيوان، صارت المسألة على أربعة أقوال تفصيل مالك للأحكام على ثلاثة أقسام وثلاثة أقوال، أخذ كل صاحب مذهب فيها بما حكم به مالك في قسم من الأقسام الثلاثة.
والنكتة التي تدور عليها هذه المذاهب أن من رأى أن اختلاف البلدان كاختلاف الأسواق لم يقض إلا بعين الشيء المغصوب ولو نقِل.
ومن رأى ذلك كفوات العين بالكلّية قضى بما قاله ابن القاسم.
ومن رأى ذلك كعيب في الذوات المغصوبة خيّره كما قال أشهب.
وإذا قلنا بأنه له أن يأخذ عين الشيء المغصوب فقد قيل في مذهب أشهب إنه يأخذه ولا كراء عليه ولا نفقة. والمطالبة، إذا أخذ العين، بالكراء والنفقة يجري على القولين فيما أحدثه الغاصب مِمّا لا يتميز ولا ينفصل وليس بعين قائمة، كتزويق الحيطان وتبييضها، والسقي والعلاج، فإن المذهب على قولين في المطالبة في النفقة في هذا إذا أخذه صاحبه.
ولو غصب الغاصب هذا الطعام ونقله ثم باعه بعد نقْله، فأراد صاحب الطعام أن يجيز البيع، ويأخذ الثمن، فإنه لا يمكن من ذلك على ما قاله مالك.
وهذا واضح على أصله لأنه لما أسقط صاحب الطعام حقه في أخذ عينه لم يكن له أن يأخذ ثمن العين إذا بيعت. وأما على الطريقة الأخرى، وهي القول بأن له أن يأخذ عين الطعام، فإنه له أخذ ثمنه. وكذلك منعه مالك أن يأخذ طعامًا خلاف الطعام المنقول، ورأى أنه بيع طعام بطعام مؤخَّر، لما كان الحكم عنده تضمينَ الغاصب الطعام بالبلد الذي غصبه فيه. ولو أراد صاحب الشيء المغصوب أن يكلف الغاصب ردّه إلى حيث غصبه لم يكن له في المشهور من المذهب: لكن المغيرة ذكر عنه في كتاب المجموعة، فيمن غصب خشبة من
стр. 2426
عَدَن، وأوصلها إلى جُدة، وأنفق في ذلك مائة دينار أن لربّها أن يكلّفه ردّهالأوله أن يأخذها بعينها. قال: ولو كان نَقلها بوجه شبهة وقيمتها، حيث وصلت، أكثَر من قيمتها في المكان الذي منه نقلت، فإن ربها إذا أراد أخذها كُلِّف أن يدفع إلى حاملها الأقل من كرائها، وما زاد في قيمتها. وفي كتاب ابن حبيب فيمن استؤجر على حِمْل ينقله لبلد آخر، فنقل غيرَه غلطًا، أنّ لصاحب الشيء المنقول تضمينَ الناقل وأخذ ما نقله بعد أن يؤدي الكراء عند ابن القاسم، ولا يلزمه أن يؤديه عند أشهب، ولا يُجبَر الحمالُ أن يردّه إلى المكان الذي منه نقله.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
مما يحدثه الغاصب فيما غصبه هبة الشيء المغصوب، فإن مالك الشيء المغصوب إذا وجده في يد الموهوب له، ولم يتغير في سوق ولا بدن، فإن له نقض الهبة، وأخذ عين ماله لا شيء له غير ذلك. وقد كنا قدمنا النظر في تخريج في هذا في مسألة بيع الغاصب لما غصبه، فوجده مالكه في يد مشتريه قائمًا لم يتغير في بدن ولا سوق.
وحكم الموهوب له في هذا الوجه كحكم المشتري إذا اشترى من الغاصب. لكن لو تغير الشيء الموهوب في يد الموهوب له تغيّرًا يوجب القيمة على الغاصب لكان له المطالبة بذلك.
وقد قال ابن القاسم، فيمن أعار ثوبًا غصبه فلبسه المستعير لباسًا يُنقصه به، فإن لصاحب الثوب أن يغرّم الغاصب قيمة العيب الذي أحدثه الموهوب له، ويأخذ عين شيئه ناقصًا. وإن وُجد الغاصب فقيرًا كان له أن يأخذ عين شيئه، ويرجع بقيمة النقص على الموهوب له الذي أحدثه.
وقال أشهب وسحنون: ليس له تغريم الغاصب ما نقص، وإنما له تضمينه القيمة يوم الغصب يغرم ذلك الغاصب. وهذ ابن اءً على أصولهما واختيارهما في أن من ملك أن يضمّن العَين فاختار أخذها بعينها فليس له المطالبة بما نقص منها.
стр. 2427
ولو وجد مالك الشيء المغصوب ما غصب له قد هلك، بأن يكون طعامًا أكله الموهوب له، أو ثيابًا لبسها حتى أبلاها، فإن لربها أن يطالب بالواجب له في ذلك، فإن كان الموهوب له ذلك عالمًا بأن الذي وهبه غاصبًا (١)، فحكم الرجلين حكم واحد، وهما غريمان لصاحب المال المغصوب، يطلب أيَّهما شاء بعوض ما استُهلك له. وإن كان الموهوب له فعل ذلك ظنًا منه أن الواهب وهب له إنما (٢) يملكه، فعلى من تكون المطالبة له؟ هذا فيه ثلاثة أقوال: مذهب ابن القاسم أن غرامة عوض ما استهلك من ذلك على الواهب، إن كان مليًّالأولا مرجع للغاصب على الموهوب له بشيء مما غرم؛ لأنه غرّه وسلّطه على أكل الطعام ولبس الثياب على ألا عوض عليه، فكأنه التزم الغرامة عنه لصاحب المال. وإن كان فقيرًا رجع على الموهوب له لأنه أتلف مال هذا الطالب غلطًا منه (على ماله) (٣) ولم يؤذن له في إتلافه من قبل مالكه، ومن أتلف مال غيره غلطًا فإنّه يغرمه.
وفي كتاب الاستحقاق، لغير ابن القاسم، أن الطالب إنما يبدأ بتغريم الموهوب له؛ لأنه هو المنتفع بالمال. وقد يكون صونه (٤) به ماله فصار لأجل ذلك كالباقي في يديه، وإذا كان كالباقي في يديه، فيه (٥) يبرأ من الغرامة.
ومذهب أشهب أن الطالب بالخيار، يبدأ بغرامة الغاصب إذا شاء، وإن شاء بدأ بغرامة المتلِف لما وُهب له، كما بو كان الموهوب له عالمًا بالغصب وغلطُه لا يدفع عنه وجوب الغرامة عليه. وهو اختيار ابن المواز وسحنون.
ولكن أشهب قال: يَطلب الغاصبَ بالقيمة يوم الغصب أو يطلب الموهوب له بالقيمة يوم إتلافه ما أتلف.
стр. 2428
ولو كان قيمة الثوب الملبوس يوم الغصب عشرين دينارًا، وقيمته يوم اللباس ثلاثون دينارًا، فإنه إذا أخذ من الغاصب العشرين دينارًا، التي هي قيمته يوم الغصب، لم يَرجع على الموهوب له بالعشرة التي هي تمام قيمته يوم اللباس، وإن كان أشهب رآهما كغريمين وجبت عليهما الغرامة بأمرين مختلفين، وإذا اختار طلبَ أحدِهما فكأنه أسقط الطلب عن الآخر، وجَعَل لصاحب المال الخيار في طلب من شاء منهما قياسًا على حكم المشتري إذا استحق من يده الطعام أو الثياب وقد أفناهما، فإن المستحِق مخيّر بين طلب الغاصب أو المشتري. فكذلك يجب أن يخير بين طلب الموهوب له أو الغاصب، والفرق بينهما عند ابن القاسم وغيره أن المشتري إذا ابتدأ (١) الطالب بغرامة كان له مرجع على من باع منه، فلا يلحقه كبير ضرر. والموهوب له إذا بدأ (٢) الطالب بغرامته، فلا مرجع له على أحد، وقد أتلف ما أتلف مع اعتقاده ألا غرامة عليه فيه، فيلحقه من الرجوع عليه الضرر الشديد. فرأى أن البداية بالغاصب لكونه هو المسلِّطَ للموهوب له على إتلاف هذا المال، فكأنه أتلفه بيده. ورأى غيره أن البداية على الموهوب لأنه هو المنتفع بالإتلاف، ولا منفعة للغاصب في ذلك. ولو كانت قيمةُ ما أتلف يوم الغصب، ويومَ سلّمه الموهوب، ويوم الاتلاف، متساويةً، وأراد المستحق للطلب أن يبدأ بغرامة الغاصب، لم يُختلف في ذلك إذ له أن يرفع عنه المطالبة بما يجب عليه من حكم التسليط على الإتلاف، ولأخذه بمجرد الغصب، فتكون القيمة يوم الغصب. وهذا حكم إتلاف الهبة وواهبُها غاصب.
ولو كان واهبها غير غاصب ثم استحقت فإن قول ابن القاسم في ذلك يرى (٣) على ما ذكره ابن عبدوس في المجموعة ألا طلب على الواهب لأنه وهب
стр. 2429
هبة تجوز له. ورأى في المدونة في كتاب الاستحقاق فيمن حابى في كراء ما ورثه، وهو يظن أنه انفرد بالوراثة، فطرأ أخ له لم يعلم به، فإن الأخ الطارئ يبدأ بالمطالبة بالمحاباة بأخيه. فإن كان فقيرًا فحينئذٍ يرجع على المكتري. وذكر عن غيره أنه لا يرجع (١) له على أخيه إذا لم يكن قد علم.
وقد اضطرب الأشياخ في تحصيل المذهب إذا كان الواهب ليس بغاصب، الشيخ أبو محمَّد وغيره يشيرون إلى أنه لا يختلف وأن (٢) المرجع إنما يكون على الموهوب له المنتفع. وقد يتأول قولُه في المدونة في الوارث إذا طرأ له أخ وقد حابى في الكراء، قوله: يرجع على أخيه، علم أو لم يعلم، أنه أراد
بالكراء الذي أخذ.
من (٣) الأشياخ من يشير إلى أن الوارث يرجع عليه بالمحاباة، وأن ابن عبدوس إنما ذكر عن ابن القاسم ما ذكرناه في مشتير اشترى ثوبًا فوهبه.
والمشترى بخلاف الوارث لكونه قد دفع فيما وهبه مالًا، والمشتري ضامن، والوارث لم يدفع مالًا، وقد يتهم في أنه عالم فيصير كالغاصب، ولا يتهم المشتري لكونه دفع مالًا.
وطرد هؤلاء هذا في هدم الوارث الدارَ ورثها، أو هدمها المشتري، فيكون المشتري غير مطالَب بالهدم. وهذه التفرقة يرد بها ظاهر ما وقع في كتاب القسم من المدونة في الموصَى له بالثلث، إذا قسمت التركة، فوقع استحقاق بعضها، فوجد الدار في يد الورثة مهدومة، أنه لا يرجع عليهم بالهدم.
وهذا كله اضطراب، والتحقيق أن ذلك كله جار على الخلاف في من أخطأ على مال غيره، وقد تقدم ذكره. ولو كان الغاصب قد أكرى الدابة من رجل فعطبت تحته، فإنه لا يغرم قيمتَها، على ما ذكره في المدونة من كتاب
стр. 2430
العارية، وفي الموازية. وقد ذكر ابن المواز أنه يجب أن يغرم، قياسًا على قوله في رجل استأجر رجلًا يبلّغ له كتابًا إلى بلد، وهو يظن أنه حرّ، فإذا به عبد، وعطب في سفره، فإنه يضمن العبد.
قال ابن المواز: لا فرق بين السؤالين. وفرق بينهما الأشياخ بأن العبد إذا حيل (١) سيده في الغرامة على عبده لم يُفِدْه ذلك. فصارت الإجارة كالهبة ها هنا، والهبة يُرجع بها على الواهب، وأما عطب الدابّة تحت من اكتراها من الغاصب فإنا إذا أسقطنا الغرامة عن الراكب كان لصاحب الدابة مرجع على آخر وهو الغالب (٢) فلم يبطل حقه بالكلية.
والجواب عن السؤال السابع (٣) أن يقال:
إذا أحدث الغاصب فيما غصبه تفرّق اتصال كسوارين غصبهما فكسرهما، فإن في ذلك اختلافًا في المذهب:
ففي المدونة يغرم قيمتهما، وفيها أيضًا: يغرم ما نقص. وفيها أيضًا: قيمة الصياغة. هذه الأقوال مترددة بين كتاب الرهن وكتاب الغصب وروي أنه يصوغهما له.
وسبب هذا الاختلاف ما كنا قدمناه من الاختلاف في صنائع المخلوقين: هل تتماثل وتلحق في تماثلها بتماثل المكيلات والموزونات، أو لا تتماثل وتجري مجرى العروض؟ ويلتفت فيها أيضًا إلى أصل آخر: هل يُغلَّب حكم الصناعة على الشيء المصنوع أو يغلب الشيء المصنوع؛ فإن قلنا: إن صنعة المخلوقين تتماثل، وحكما يغلب على حكم ما علمت (٤) فيه الصنعة، وجب القضاء عليه بسوارين صحيحين. وإن قلنا: إنها لا تتماثل، والصنعة مغلبة على
стр. 2431
ذات المصنوع، وجب فيها القيمة. وإن قلنا: إن صناعة المخلوق لا تتماثل، ولا تغلب على الذات المصنوعة، كان الواجب في ذلك ما نقص.
وكذلك الحكم في دار غصبها الغاصب فهدمها، فإن ابن المواز قال: لصاحب الدار أن يغرم الغارم (١) قيمتها يوم الغصب، ويسلمها له على ما هي عليه من هدم، وله أن يأخذ ما وجد منها على ما هو عليه. وهذا منه بناءً على ما اختاره من الخلاف الذي وقع بين ابن القاسم وأشهب فيمن غصب شيئًا فحدث فيه عيب ينقصه أن ربّه إن اختار أخذ العين والعدول عن القيمة فإنه لا يطالب بقيمة النقص الحادث لكونه ملك تضمين قيمة الجملة. وعلى الطريقة الأخرى وهي مذهب ابن القاسم أنه إن اختار أخذ عين الدار على ما هي عليه كان له المطالبة بقيمة الهدم.
وزاد بعض أشياخي على هذا أنّ له أنْ يغرمه قيمة الدار صحيحة وتعتبر القيمة يوم هدمها. وهذا منه تخريج على أحد قولي ابن القاسم فيمن غصب عبدًا ثم قتله: إن لسيده أن يرفع عليه حكم الغصب ويطالبه بحكم التعدي وهي قيمة العبد يوم القتل.
وقد كنا نبهنا على ما في هذا من التخريج فيما سلف وإن بقاء العين مع نقص فيها بخلاف تلف العين كلها حتى لا يبقى لمالكها غرض يشح عليه ويتمسك به. وكذلك أيضًا أضاف إلى هذا التخيير في وجهين آخرين وهما مطالبة الغاصب الهادم بقيمة الجدار المهدوم قائمًا، على أن حجارَهُ تبقى على ملك الغاصب، يتصرف بها، أو يطالبه بقيمة التلفيق في الحجار، وهو مقدار ما أتلف عليه، ومنفق (٢) الأنقاض لمالك الدار. وهذا منه بناء على أن القاعة، لربها أن يختار أخذها بعينها ويطالب بحكم الفساد في الجدار خاصة، ويصيرُ كغاصب سلعتين أبقى إحداهما على الحالة التي غصبها عليها، وأفسد السلعة
стр. 2432
الأخرى، فإنه يعطى لكل سلعة حكمُ نفسها: فيُخَصّ الجدار بتميكنه منه، إذا اختار ذلك، ويطلب في الفساد الواجبَ فيه: إما قيمتَه كلها، وهو تقويمه قائمًا على أن الحجارة تبقى للغاصب، أو يختار أخذ الحجار ويطلبه بالنقص الذي أحدثه فيها وهو الهدم. وهذا أيضًا إنما يصح له وإن (١) قدر الجدار كسلعة أخرى، على طريقة ابن القاسم في أن من ملك تضمين الغاصب قيمة جملة ما غصب لنقص حدث فيه، فإنه إذا عدل عن ذلك، واختار الذي فسد، فإن له مع ذلك المطالبة بما نقص وهو التلفيقال في نقص.
والجواب عن السؤال الثامن (٢) أن يقال:
لو غصب الغاصب سوارين وكسرهما ثم أعادهما على حالهما، فأراد ربهما أخذهما، ففي ذلك قولان:
أحدهما: منعه من ذلك، وصرفه إلى أخذ قيمتهما.
والقول الآخر: إن له أخذهما ولا غرامة عليه.
فمن ذهب إلى منعه من أخذهما يقدر أن الإعادة للصنعة لا تتماثل،
وقضى بالقيمة لكون السوارين تجري مجرى العروض، فإنه ليس له أن يجبر
الغاصب على أن يأخذ منه عوض القيمة الواجبة عليه من هذين السوارين.
وإن قلنا: إن صنعة المخلوقين تتماثل، وتجب عليه إعادة الصناعة، فكذلك فعل. وإذا فعل الواجب على هذا القول لم يطلبه صاحب السوارين بغير ذلك.
وإذا غصب دارًا فهدمها ثم أعاده ابن قضها على هيئة ما كانت، فإن شيخنا جرى على الأصل، الذي قدمناه عنه، في أن لصاحب الدار أن يغرم الهادم
стр. 2433
المغيّر للبناء قيمة الدار يوم غصبها أو يوم هدمها، على التخريج الذي ذكرناه عنه، أو يغرم الغاصب قيمة الجدار صحيحًا، ويعطيه هو قيمة الحجار منقوضة، إذ الغاصب لم يفعل أكثر من تلفيق، وهؤلاء (١) مطالبة له بالتلفيق، مثل التزويق، كما قدمناه، أو يطالبه بحكم ما أفسده عليه خاصة، وهو التلفيق لا أكثر من ذلك، لكون الحجار التي نُقضت إن اختار صاحبها تغريم الغاصب قيمتها قائمة كانت له فأراد (٢) أن ينقضها منعه رب الدار من ذلك،، كرجل بني في أرض غيره تعديًا، فإنه له قيمة النقض، إذا اختار رب الأرض التمسك بهالأوله أن لا يملّكه الحجار ويبقيَها على ملكه، ويطلبه بما أفسد فيها وليس إلا التلفيق.
وقد قال ابن القاسم في هذا: يطلبه بقيمة ما هدم مبنيًا، ويعطي هو الغاصبَ قيمة الحجارة منقوضة. وهذا أحد الأقسام التي ذكرناها.
وجرى ابن المواز على أصله فقال: (يأخذ من الغاصب قيمة ما هدمه
منقوضًا، ويعطي هو الغاصبَ قيمة النقض الذي أعاده الغاصب منقوضًا يوم المحاكمة فيه) (٣). وهذا أيضًا من الأقسام التي ذكرنا.
وبنى ابن المواز على أصله في أن من ملك تضمين الجملة فليس له أن يأخذها وقيمة ما انتقصر منها، وهذا قد ملك أن يضمّن الغاصب جميع قيمة الدار، فإذا عدل عن ذلك وطلب أخذ عينها فلا مطالبة له بما نقص.
ومما يلحق بما نحن فيه من إفساد الغاصب ثم تلافيه لما أفسد، مسألة من اكترى دابة فتعدّى بزيادة على ما اكتراه، في زمن أو مسافة أو حمل، فإنه إذا اكتراها أيامًا معلومة محدودة، فحبسها بعوإنقضاء الأجل، ثم ردها لربها سالمة، فقد سقط عنه الضمان لتلافيه تعدّيَه وردّها إلى صاحبها سالمة. ولكن
стр. 2434
لو كان حبسها أيامًا كثيرة كالشهر ونحوه، على ما وقع في بعض الروايات، أو يُحَدّ الأمد بكونه مما تختلف فيه الأسواق، على ما وقع في رواية أخرى، فإنه يضمن قيمتها وإن ردّها سالمة. وهذا لِأجْل كونه حبسها على أسواقها، ومنع ربها من المنفعة بها. وخص في المدولْة هذا الحكم بتعدي المكتري والمستعير، ولم يذكر ذلك في الغاصب إذا ردها بعد زمن كثير وهي سالمة، فإنه قال: لا تلزمه غرامة القيمة.
واحتج ابن القاسم إلى إلزام الغاصب الغرامة، ولكنه لم يلتزم ذلك كراهة في مخالفة مالك.
والفرق عند مالك بين الغاصب والمكتري أن مقصود الغاصب ملك الرقبة لا تملّك المنفعة، فلم يضمَّن القيمة بحرمان ربها منفعتها، ومقصود المكتري والمستعير غصب المنفعة، ومن جملة المنافع بيعها إذا شاء ربها، وقد منعه، بحبسها، من هذه المنفعة، وهي مقصودة، فضمن ما منعه من ذلك. كذلك لو تعدى المكتري على الدابة في المسافة فإن المعتبر، في تضمينه قيمتها إذا ردها سالمة، ما اعتبرناه في تعديه في الزمان. فإن تعدى مسافة طويلة منع بذلك ربها من أسواقها، ضمن قيمتها إذا شاء ربّها. وإن تعدى مسافة يسيرة لم يكن لربها أن يُضمِّنه القيمة إذا ردّها سالمة، والعلة في تعدي المسافة، إذا كثر وبعد، كالعلة في تعدي الزمان إذا طال وكثر.
ولو غصب الدابة في أمد التعدي، فإنه يضمن قيمتها طال زمن التعدي أو قصر. وكذلك إذا طالت مسافة التعدي، أو ققت حتى يولغ (١) في ذلك، فقيل: ولو تعدى بها خطوة. وخولف بين تعدي المسافة المحدودة أو الزمن المحدود، إذا وقع الغصب في أمد التعدي، بينه وبين التعدي في زيادة العمل المشروط، فقيل: إذا اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر قفيزًا، فإنه يعتبر مقدار ما زاد، فإن كان يعطب في مثله ضمن قيمتها، وإن كان لا يعطب
стр. 2435
في مثله لم يضمن القيمة. وذكر لي شيخنا ﵀ عن بعض أشياخه أنه كان يفرّق بين التعدي بالزيادة في مقدار العمل، والزيادة في المسافة أو الزمن: مجاوزة الزمن المشترط في الكراء تعدٍّ محض لا شبهة فيه ولا إذن يخالطه، فلهذا استوى قليله وكثيره، والزيادة في العمل لم يتمخض فيها التعدي، بل امتزج مع الاذن بالدابة. فالدابة المحمول عليها أحد عشر قفيرًا مأذون في تَسْييرها بشرط أن يكون عليها عشرة قفيزًا (١)، فوجب لأجل امتزاج التعدي بالإذن بين أن تكون الزيادة مُهلِكة أو غير مهلِكة.
وهذا وإن كان قد يستحسن تصوره فإن شيخنا الذي حكاه لنا كان لا يراه فرقًا واضحًا، ويرى أن السير بزيادة العمل تعدٍّ محضُ، لم يؤذن فيه إلا بشرط، وإذا فقد الشرط صار السير تعديًا محضًا، فأشبه تعديَ المسافة، وتعدي الزمن.
ولو كان العطب وقع بعد أن رُدَّت الدابة إلى المكان الذي دخل في عقد الكراء، فإنه إن كان التعدي في المسافة كثيرًا، تلزم فيه القيمة، فلا تسقط القيمة ردها (٢) إلى موضع الاذن، لتقرر القيمة في الذمة قبل وجود الرد إلى الموضع المأذون فيه. وإن كان تعدي المسافة يسيرًا بحيث لا تلزم فيه القيمة، ففيه
اختلاف في المذهب.
وإلزامنا القيمة فيما ذكرناه من هذه الأقسام إنما ذلك إذا اختار رب الدابة التضمين للرقبة. وأما إن اختار طلب قيمة المنفعة التي وقع الغصب عليها، فإن له ذلك: يأخذ الكراءَ الأول الذي سمياه، ويكون له فيما زاد عليه مما وقع التعدي فيه في المسافة كراءُ المثل عند ابن القاسم، وعند غيره إنما يكون له طلب كراء المثل إذا كان رب الدابة غائبًا أيام حبَسها المكتري، فيكون له الأكثر من قيمة كراء أيام الحبس، إن كانت مستخدَمة فيها، وبنسبة ما وقع به عقد الكراء الذي لا تعدي فيه، لأجل أنه قد يقع في الكراء الأول مغابنة رضي بها فلا
стр. 2436
تلزمه المغابنة فيما لم يرض به، وهو إمساكها أيامًا لم يؤذن له أن يمسكها فيها.
وأما إذا كانا حاضرين جميعًا فذلك رضىً منهما بالتزام الكراء على نسبة ما كان. وسبنسط الكلام على هذا في كتاب الأكرية إن شاء الله تعالى، ونذكر مذهب أبي حنيفة الذي لا يوجب في أصل المنافع أجرة.
والجواب عن السؤال التاسع (١) أن يقال:
إذا غصب إنسان حجرًا أو خشبة فبنى على ما غصب من ذلك بناءً، فهل ذلك كفوت العين، تلزم فيه الغاصبَ القيمةُ، أوليس كفوت العين، لمالك الحجر أو الخشبة انتزاعها من بناء الغاصب؟ هذا مما اختلف الناس فيه: فالمشهور من مذهبنا أن لمالك الحجر أو الخشبة انتزاعها من بناء الغاصب، وإن أدى نزعها إلى فساد بناء الغاصب وانهدامه. هكذا روي عن مالك ﵁. وقال ابن القاسم في الموازية: يهدم بناء الغاصب ولو كان بناؤه قصورًا.
واختلف النقل عن أشهب: ففي النوادر أن مالكًا، ﵁، مكن صاحب الحجر أو الخشبة من هدم بناء الغاصب، وقاله أشهب. وقال: إن هذا بخلاف من غصب خشبة فصنعها بابًا، فإن هذا لا يُمْكِنُ أن يعاد لهيئته.
وحكي عنه في غير النوادر أنه يرى وجوب القيمة على الباني، ولا يهدم بناؤه. وقد نقل عنه هذا ابن حارث في كتابه، ولكن زاد في نقله أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أن البناء المعتمد على الحجر المغصوب يقلع. وإنما اختلفا فيما انتشر عن هذا البناء، وخرج عن اعتماده على الحجر المغصوب، هل يهدم أم لا؟ فقال: إن ابن القاسم قال قولًا مجملًا أنه يهدم .. وقال أشهب: إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدم جميع البناء فإنه تجب فيه القيمة لصاحب الحجر.
стр. 2437
وهذا الذي نقله ابن حارث لا أعرفه في المذهب، ولم ينقله فيما علمت غيره من المصنفين، وإنما المشهور في سائر الدواوين ذكر الخلاف عندنا في هدم بناء الغاصب، قولًا مطلقًا عامًا فيما بُنِيَ، معتمدًا على الحجر المغصوب أو لم يكن معتمدًا عليه، لكن (١) لا سبيل إلى نزعه إلا بهدمه، فاختلف النقل في ذلك عن أشهب، كما ذكرناه، وما أدري أين وقف ابن حارث على هذا التفصيل و (لكنه لا أنكر) (٢) هذا التفصيل أن يكون مذهبًا؛ لأن الكرخي نقل عن أبي حنيفة أنه يرى عدم (٣) ما اعتمد على الحجر المغصوب. وأمّا ما كان مبنيًا بجوانبه أو متصلًا به فلا يرى أبو حنيفة هدمه، بل يوجب فيه القيمة.
وهذا التفصيل الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة هو نفس التفصيل الذي حكاه ابن حارث عن أصحاب مالك.
والمشهور من مذهب أبي حنيفة، وهو المذكور في مسائل الخلاف بين أصحاب الشافعي وبين أصحاب أبي حنيفة، أن محمَّد بن الحسن ذكر عن أبي حنيفة أن بناء الغاصب لا يهدم إذا لحقه الضرر بهدمه، قولًا مطلقًا، وتجب القيمة على غاصب الحجر.
وقال ابن القصار: هذا هو قياس أصل أبي حنيفة؛ لأنه يرى أن من غصب أشجارًا صغارًا فغرسها في أرض نفسه وثبتت فإنه ليس له قلعها، بل يأخذ قيمتها للضرر لصاحب الأرض. قال: وعندنا وعند الشافعي أن لصاحبها أخذها.
وقال: يخيّر إذا كان صاحبها إذا أخذها ثبتت. وسيرد كلامنا على هذه الغروس التي ذكرناها.
وأما الشافعي فمذهبه كمذهب مالك في هدم بناء الغاصب إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدمه.
стр. 2438
وإذا قلنا بهدم بناء الغاصب فهل ذلك هو الحكم المتعين، أو يضاف إلى ذلك أن من حق صاحب الحجر ألاّ يهدم بناء الغاصب، ويطلبه بقيمة حجره؟ هذا أيضًا مما وقع فيه اضطراب:
قال بعض الأشياخ: ظاهر المدونة أن هدم البناء لا يتعين، ولصاحب الحجر المغصوبة أن يطالب الغاصب بقيمتها ولا يهدم بناءه، وتعلق في هذا بأنه لما ذكر في المدونة بناء غاصب الحجر عليه، أن لصاحبه هدم البناء، وليس ذلك على من غصب ثوبًا، وجعله طهارة (١) لجبة، أن له أن ينتزع الثوب المغصوب، ويفتقه وإن شاء تركه، وأخذ قيمته.
وهكذا حكى بعض أصحاب مسائل الخلاف عن المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة أنهم يرون أن صاحب الحجر المغصوب إذا رضي بأخذ القيمة جُبِر الغاصب عليهالأولا يخلّصه من ذلك أن يقول: أنا أرضى بهدم بنائي لتأخذ عين ما غصبتك إياه، اعتمادًا منهم على أن رضاه بذلك من تضييع المال وإفساده، والإنسان محرم عليه إضاعة ماله. وحكي عن المتقدمين من أصحاب أبي حنيفة أنهم يَرَوْنْ خلاف ذلك وأن الغاصب إذا رضي بهدم بنائه لم يمكَّن صاحب الحجر المغصوب من تغريمه قيمته.
وأعلا (٢) بعض أصحاب الشافعية حتى نسب المانعين للغاصب من رضاه بهدم م ابن اه خلافًا لأصول الشريعة، وهم على رد الإجماع.
وليس الأمر كما ظن من الإجماع على هذا، وقد كان شيخيَّ (٣) أبو محمَّد عبد الحميد وأبو الحسن المعروف باللخمي رحمهما الله يميلون إلى منع الغاصب من هدم بنائه لأنه نوع من إضاعة المال لا تجوز.
وأما ابن القصار، من أصحابنا، فإنه ذهب إلى خلاف ما ذهب إليه
стр. 2439
شيخاي، رحمهما الله، ورأى أن الغاصب إذا رضي بهدم بنائه لم تلزمه غرامة القيمة بأن غرامة القيمة للحجر موقوفة عن رضي صاحب الحجر والغاصب الذي بني عليها. وسبب الاختلاف في تمكين صاحب الحجر من هدم م ابن اه الغاصب عليها المنازعة في ظواهر وقعت في الكتاب وفي السنة.
فأما الكتاب، فقال أصحاب أبي حنيفة: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (١)
وظاهر هذا يقتضي أن لا يعتدوا على غاصب هذا الحجر بردها بعينها وإفساد بنائه؛ لأن ذلك ليس بمثل له، فدل على أن الواجب قيمته التي هي عوض مثله.
وأجيبوا عن ذلك بأن هذه الآية نزلتْ في الجناية على النفوس والأبدان، فحكمها مقصور عليهما. وأيضًا فإن غاصب الحجر لو أخذه من بناء هدمه على صاحبه ورده إلى ملكه، وبنى عليه مثل ما هدمه على مالكه، لصحّ ها هنا أن يقضى بالأمث الذي هذا: لأنه يهدم عليه مثل ما هدمه هو على صاحب الحجر، وهو يقول في هذا: لا يهدم على الغاصب وإن هدم بناء غيره بسبب هذا الحجر، فلم يقض بالمثل.
واحتج أصحابه بقوله ﵇ "لا ضرر ولا ضرار في الإِسلام" (٢) ومن الإضرار فساد بناء الغاصب وإتلاف ماله.
وهذا أجيبوا عنه بأن منع صاحب الحجر من أخذ حجره إضرار به أيضًالأولا سبيل إلى الإضرار.
فيقولون هم: تجب المساواة بين الضررين، فالإضرار بهدم بناء الغاصب يقع ولا عوض للغاصب عنه، والحجر إذا مُنع منها صاحبها أخذ قيمتها، فشتان بين ضررين: أحدهما يؤخذ عنه عوض والآخر (عنه عوض عنه) (٣).
стр. 2440
وأصحابنا وأصحاب الشافعي لم يسلموا لهم هذا الترجيح الذي وقع (بين الموازية) (١) بين الضررين، بل قالوا: لو (٢) جبر رجل على أن يبيع ماله ويأخذ عوضه أشدُّ الضرر، وقد يكون له غرض في عين ملكه (محله) (٣) أو لكونه لا يمكنه أن يشتري بالقيمة التي يعطاها عوضًا عنه مثل حجره أو خشبته التي غصبت له. ويرجح أصحابنا هذا بأن الظالم أحقّ أن يحمل عليه.
وهذا عندي هي النكتة التي تدور عليها هذه المسألة، وإليه كان يذهب شيخي أبو محمَّد عبد الحميد، ﵀، ولا يقول قولًا مطلقًا بما قاله مالك والشافعي من هدم بناء الغاصب، ولا بما قاله أبو حنيفة من (٤) هدم بنائه، بل يرى أن كل نازلة حكمها، فما اتضح فيه الضرر بهدم البناء أشد من تغريم الغاصب قيمة الحجر لم يهدم عليه البناء، وما كان تغريم القيمة فيه أشد على صاحبه في الإضرار به كان تغريم القيمة أوْلى من هدم بناء الغاصب، وما تساوى فيه الضرر، أو أشكل أمره، رُجُّح جانب صاحب الحجر في تمكينه من أخذ عينهلالكون الظالم أحق أن يحمل عليه. وهكذا كان يرى في كل شيء أخذه الغاصب فأضاف إليه شيئًا آخر فإنه يغلّب فيه أحد الضررين على نحو ما ذكرناه.
ومما يرجح به جانب صاحب الحَجر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ (٥) وغاصب هذا الحجر ظالم.
وعموم الأحاديث تقتضي تمكين صاحب هذا الحجر من قلعه وإن فسد بناء الغاصب. من ذلك قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" (٦) وفي
стр. 2441
بعض الروايات "حتى تؤديه" ومنها قوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" (١)، وقوله: وقوله "لا يحل لأحد أن يأخذ مال أخيه جادًا أو لاعبًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردّها عليه" (٢).
وهذه العمومات تقتضي وجوب رد هذا الحجر.
وأما الطرق المعنوية التي يعتمد عليها أصحابنا وأصحاب الشافعي، فإنهم يقولون: إذا رضي الغاصب بهدم بنائه وردِّ الحجر الذي غصب مُكّن من ذلك، ولم يطلب بما سواه. وكلّ من قدر أن يرد العين المغصوبة فإنه إذا امتنع من ردّها جبر عليها، كمن غصب ثوبًا فإن عليه رده، فإن لم يفعل أجبر على
رده.
وقد دافع أصحاب أبي حنيفة هذا الاستدلال يأن من غصب خشبة فبنى عليها، واشتراها من مالكها، ثم اطلع على عيب فيها، فإن له ردها، ومع هذا (لا يجبر على الرد إذا امتنع. فقد أوجدناكم من يتمكن له الرد (٣) إذا امتنع منه) (٤) لا يجبر عليه.
وهذا لا تصح مناقضتهم به؛ لأنا إنما ذكرنا ما ذكرناه من أن من ملك الردّ فامتنع منه أجبر عليه في الغصب، وهذا ملك الرد بالعيب لا بالغصب، ومن ملك الرد بالعيب فلا يجبر على الرد إذا امتنع؛ لأن الردّ حق له فلا يجبر عليه إذا ترك، ورد الشيء المغصوب حق عليه، فيجبر عليه إذا امتنع منه.
ومما به (٥) أصحاب أبي حنيفة مذهبهم أن من بني على حجر اشتراه من
стр. 2442
غاصب، وهو لا يعلم بكونها مغصوبة، فإنه لا يُهدَم بناؤه. وقيس على ذلك بناء الغاصب، لاستواء الخطأ والعمد في إتلاف أموال الناس.
وهذا الذي قاله، وإن كان هو مذهب مالك على ما نقله القاضي أبو الفرج عنه في الحاوي، وهو مذهب الجماعة الذين ذكرنا اختلافهم، فإنهم لا متعلقًا (١) لهم فيه؛ لأن الغصب (٢) بني الحجر ظلمًا وعدوانًا على ملك غيره، والملك يُحترَم لمالكه، وهذا الغاصب قد أسقط حرمة ماله ببنائه على ما لا يحلّ له أن يبني عليه .. والذي بني على خشبة اشتراها غيرُ ظالم في بنائه، ولماله حرمة لم يهتكها، فلا تهتك عليه بالشرع، بخلاف الغاصب الذي هتك حرمة ماله فلا يصونه الشرع عليه.
ومما استدلوا به أيضًا أن من غصب عبدًا فأبق وهو في يديه، فإنه يحكم عليه بقيمته، وما ذلك إلا لتعذر رده، وخسارة في طلبه وتحصيله، وربما كان ما يحسن (٣) الغاصب في هدم بنائه أضعاف ما يخسره فيما ينفقه في طلب الآبق.
وهذا أيضًا لا مستَروح لهم فيه؛ لأن الحجر المبني عليه حاضر مروي (٤) يتمكّن من ردها إلى صاحبهالأولهذا يجوز بيعها إذا لم يكن فيها خصام، وأمكن تسليمها على ما هي عليه، والعبد الآبق غير مقدور عليه الآن ولا يجوز بيعه.
وقد قال بعض الناس: لو أمكن الغاصبَ ارتجاُعه بنفقة كثيرة لم يجبر على ذلك، بل يكون الحكم إغرامه بقيمة العبد.
وهذا يقتضي أنه في معنى الهالك. وإن كان بعض الناس رأى أن من حق صاحب العبد أن يطلب الغاصبَ باسترجاعه وإن خسر في ذلك مالًا، ولم يلتفت في هذا إلى قلة الخسارة أو كثرتها.
стр. 2443
ومما استدلوا به أيضًا أن من غصب خيطًا فخاط به جرحَ بهيمة، فإنه يقضى له بالقيمة، ولا يقضى لصاحب الخيط بانتزاعه من الجرح. وقد ناظر محمَّد بن الحسن الشافعيَّ في هذه المسألة، واستدل عليه الشافعي. لما معناه أن غاصب هذا الحجر لو طلب أخذه من صاحبه لحاجة إليه لم يجبر صاحبه على ذلك. فإذا لم يجبر على تسليم ملكه ابتداء فكذلك لا يجبر على تسليمه انتهاء، وهو بعد البناء عليه، بخلاف الجرح فإنه قد يجبر على تسليم خيط يخاط به الجرح لحرمة الحيوان. فكذلك لا يجبر على نزعه انتهاء بعد أن خيَّط به الجرح. وسلم له محمَّد بن الحسن ما قاله في أنه لا يجبر على تسليم الخيط الذي خاط به الجرح. والمتأخرون من أصحاب أبي حنيفة لا يسلمون هذا ونحن نتكلم على ما تعرف منه سبب الخلاف في هذا، وافتراق الأمو الذي تفاوت الحُرَم. ونقرر قبل الخوض في هذا التنبيه على أن من غصب لوْحًا فأدخله في سفينته حتى صار في انْتشائها كجزء من أجزائها، فإن الحكم فيه، من ذكر خلاف ووفاق، كما قدمناه في حكم من غصب خشبة فبنى عليها، فإن مذهبنا ومذهب الشافعي كون صاحب الخشبة المبني عليها يستحق قلعها وكذلك يستحق صاحب هذا اللوح أن يقلعه من السفينة. ولكن حكم هذا اللوح يختص بحكمٍ لا يختص بمثله الحجر والخشبة المبني عليها؛ لأن هدم الحجر والخشبة المبني عليها لا يتعلق به من الإتلاف أكثر من إتلاف بناء الغاصب، وبناء الغاصب لا حرمة له، كما قدمناه، ولكن السفينة قد يؤدي قلع هذا اللوح منها إلى إتلاف ما فيها، وقد يكون فيها حيوان، إنساني أو بهيمي، أو أموال. فإن كان قلع هذا اللوح يمكن من غير إتلاف ما فيها، مثل أن يطلب ذلك رب اللوح، وهو على البر أو شاطى البحر، فإنه يمكّن من قلع اللوح، وإن فسد نطم ألواح السفينة، كما يمكنه من قلع الحجر وإن فسد م ابن ي عليها. وأما إن كانت في لجة البحر، واللوح بموضع منها إن قلع غرقت وغرق ما فيها، فإنه إن كان فيها حيوان آدمي لم يمكن من القلع لكون ذلك إن مكن منه تضمن هلاك من فيها من رجال أو نساء، وكذلك إن كان فيها حيوان بهيمي فإن له حرمة أيضًا
стр. 2444
تمنع من إهلاكه سواء كان للغاصب أو لغيره من الناس. وإن كان ما فيها من الوسق مال، عروض أو عين، ولا يخشى من قلع اللوح هلاك أرواح، فإنه يعتبر هذا المال، فإن كان لغير الغاصب لم يقلع هذا اللوح، مثل ما قدمناه فيمن اشترى حجرًا فبنى عليه، وهو لا يعلم كونه مغصوبًا، فإنه لا يُهدَم بناؤه لكونه غير متعد في البناء، وكذلك المال الذي في السفينة إذا كان لغير الغاصب فله حرمة من جهة مالكه الذي لم يظلم ولا تعدى في حمله هذه السفينة، فلا يجوز أن يتلف ذلك عليه.
وأما إن كان ما فيها من الوسق من مال الغاصب، وهو عروض، فإن الأكثر ذهبوا إلى أنه لا يمنع صاحب اللوح من قلعه من هذه السفينة، وإن إذا (١) ذلك لهلاك مال الغاصب؛ لأن الغاصب لا حرمة لماله الذي منع به مال الغير، وهو الذي هتك حرمة ماله، فلا يَمنع ذلك من تمكين صاحب اللوح من نزعه من هذه السفينة وإن تلف مال الغاصب، كما لم يمنع كون الحجر المغصوب يمكن منها صاحبها وإن فسد بناء الغاصب الذي بناه عليها، وهذه طريقة بعض الحذاق من أصحابنا كابن القصار وأبي حاموإلاسفراييني من أصحاب الشافعي. ومن أصحاب الشافعي من منع نزع هذا اللوح من السفينة إذا أدى إلى إتلاف مال الغاصب. ويفرق من ذهب إلى هذا بين تمكينه من قلع الحجر التي بني عليها الغاصب وبين منعه من التمكين من نزع هذا اللوح الذي يتلف مال الغاصب، أن الحجر لا يتصور في العقل نزعه إلا بإتلاف بناء الغاصب، إذا كان البناء عليها لا يمكن تعليقه عنها حتى تنزع وحدها، وأما اللوح المغصوب فإنه يمكن نزعه من غير إتلاف مال الغاصب، بأن يؤمر صاحب اللوح بأن يبقى الطلب حتى تصل السفينة إلى المدينة التي أقلعت إليها. فلما كان لهذا الذي هو صيانة مال الغاصب أمد يُنتَظَر، لم يمكن من القلع. ولما كان
стр. 2445
لا أمد يُنتَظر لصيانة بناء الغاصب وجب قلع الحجر في الحال.
وهذا فرق يتصور، ولكن إن راعيت الضرر في الانتظار إلى وصول السفينة لم يسلم هذا الفرق. ولكن يجب أن. تعلم أن كل موضع قلنا فيه: إن قلع اللوح لا يجب، فإن لصاحب (١) الطلب بقيمته لأجل ضرر الانتظار، ومع هذا له الخيار في التزام هذا الضرر وترك الطلب بالقيمة حتى يأتي الأمد الذي يمكن نزع هذا اللوح فيه، كما لو غصب رجل عبدًا فأبق في يده، فإن صاحبه بالخيار بين أن يغرمه القيمة؛ لأن (٢) فيما يلحقه من الضرر في انتظار عودة الآبق، وله أن يتحمل مشقة هذا الضرر، وينتظر الآبق حتى يعود إليه. واعم أنّا قدمنا الكلام في مسألة من غصب خيطًا فخاط به جرحًا، ثم أتى صاحبه فطلب نزع الخيط. وهي مسألة كثر الاضطراب فيها، ونحن نذكر لك المقدمة التي وعدناك بالتنبيه عليها في صدر هذه المسألة.
وذلك أن الأموال تختلف مقادير جُرَمها في القوة والضعف. فالأموال التي هي جمادات، كالدنانير والعروض، لا حرمة لها في نفسها، وإنما تكتسب حرمة من جهة حق مالكها. وأما الحيوانات فإن لها حرمة من جهة مالكها كالجمادات، ولها حرمة في نفسها وهي جرمة الأرواح، فقد صار لجنس من الأموال حرمة واحدة وهو الجمادات، وللحيوانات حرمتان: إحداهما من جهة مالكها والثانية من جهة نفسها. وهذه الحرمة الثانية هي حرمة راجعة إلى نفس المحترمَ تختلف أيضًا بالقوة والضعف، فليست حرمة نفوس بني آدم كحرمة البهائم، ألا ترى أن من جبره السلطان على قتل رجل مسلم، لا ذنب له يستباح به دمه، وتوعّده بأنه إن لم يقتله قتله السلطان، هو نفسه، فإنه لا تحل له صيانة دمه بإتلاف دم غيره. ولو فرضنا المسألة في كون السلطان أمره بنحو ناقة رجل،
стр. 2446
أو قتل فرسه، لأبحنا له قتل الفرس ونحر الناقة بل نوجب عليه ذلك إذا كان لا يخلّص نفسه من الهلاك إلا بإتلاف هذا المال، وتبقى المحاكمة من الهلاك إلا بإتلاف هذا المال، وتبقى المحاكمة بينه وبين صاحب المال. ومما يوضح أيضًا ما ذكرناه أن للحيوان مزية على الجمادات أن من خربت داره لا يجره (١) السلطان على إصلاحها ومن له دابة منعها العلفَ حتى أشرفت على الهلاك فإن القاضي يجبره على علفها خوفُ امن تلفها.
واعلم أيضًا أن الأنفُس، وإن كانت لها حرمتان، فربما سقطت بإسقاط صاحبها حرمتها، كما يقتل من قتل، ويرجم من زنى، وهو محصن.
فإذا تقررت هذه القاعدة عدنا بعدها إلى النظر في مسألة من غصب خيطًا فخاط به جرحًا، أو خاط به ثوبًا، فجاء صاحبه فطلب نزعَه وردَّه إليه، فأما إن كان خِيط به ثوب فإنه يُنزع من الثوب، إذا كان نزعه لا يتلف المنفعة به لمن يردّ عليه. وأما إن كان لا يمكن نزعه إلا بتقطيعه حتى لا يُنتفع به، فإن له قيمته؛ لأنه طلب مَا لَا منفعةَ له فيه. وأما إن كان خطب (٢) به جرح إنسان، وإن نزع أيضًا لم يُنتَفَع به، فلا يمكن من نزعه، وإن كان ينتفع به لكن نزعه يؤدي إلى هلاك نفس الرجل الذي خاط بهذا الخيط أو إتلاف عضو من أعضائه، فلا يختلف في أنه لا يمكن من نزعه. لأنه لو أراد أخذه غصْبًا لمّا احتاج إلى الخياطة به ولم يجد غيره، وإن لم يخط به جرحه هلكت نفسه، فإنه يسوغ له أخذه.
وكذلك إذا أدّى نزعه إلى زيادة في الغلة (٣)، وحدوث المرض المخوف، فإنه قد قيل: إنه لا يمكن من نزعه. وأما إن كان نزعه لا يُتخوف منه تلفُ النفس، أو
стр. 2447
زيادة في المرض، وإنما يتخوف منه أيضًا تأثير (١) البرء، فإن هذا مما اختلف فيه أصحاب الشافعي.
وهذا في الحيوان الذي لا يحل أكله، كالإنسان والدواب: البغل والحمار.
وأما إن كان مما يحل ذبحه وأكله، فإنهم اختلفوا أيضًا هل يجبر على ذبحه لينزع الخيط المغصوب منه، ويردَّ على صاحبه؛ لأن هذا الجنسَ لا حرمة لروحه تقتضي منعَ ذبحه وأكله، فلهذا مكّن من ذبحه. ومنهم من قال: لا يمكَّن من نزعه لأنه ﵇ نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة (٢).
وهذا الذبح ها هنا لغير مأكلة، فلم يجب سقوط حرمة الحيوان به. ولو كان الحيوان مما يؤمر بقتله، كالخنزير والكلب، فإنه ها هنا لا يختلف في أن هذا الخيط يُنزع منه، وإن هلك الخنزير والكلب؛ لأن هلاكهما مشروع لنا.
واعلم أن قاعدة هذا الباب ونكتته، بعد ما قدمنا لك من اعتبار الحُرَم وتفاوتها، الموازنة بين الضرر اللاحق يصاحب الخيط ومنعه عين ملكه بالقيمة، وبين ما يلحق الجريح من الضرر بنزعه. فما اتضح من الضرر خفته، واتضح من الجانب الآخر ثقله وشدة (٣) عدل إلى الأخفّ وانصُرف عن الأثقل. هذا أصل الفقه في هذه المسائل.
وبعض المتأخرين من أئمة أهل النظر لم يجر في هذا حرمة الحيوان الإنساني والبهيمي مجرى واحدًا، كما حكيناه في هذه التفاصيل عن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي، ورأى أن بهيمة الرجل إذا أشرفت على العطب فإن مَن عنده علَفُها الذي يصون حياتها لا يجبر على بذله لها؛ بخلاف حرمة الإنسان فإنه إذا أشرف على الهلاك من الجوع وجب على من عنده طعام أن
стр. 2448
يعطيه ما يصون به حياته. وطرد هذا الحكم في نزع الخيط، ففرق بين نزعه من البهيمة (١).
وهذا الاضطراب كله إنما يعتمد فيه على الموازنة بين الضررين، ومراعاة ما بين الحرمتين.
ومما يجري على هذا الأسلوب لو كان كبشًا أو ثورًا أدخل رأسه في قدر طباخ، ثم لم يمكن إخراجه رأسه منها، فإنه إن كان لصاحبه سبب في تمكينه إدخال رأسه في القدر، مثل أن يكون هو سائقه أو قائده، فإنه إذا كُسرت قدر الطباخ، فتخلص الثور، ضمن صاحب الثور قيمة القدر؛ لأنه بإفسادها وإن ماله، وهو السبب في تعريض ماله إلى التلف. ولو كان الطباخ هو السبب، بأنْ وضعها وضعًا لا تسلم معه مما جرى فيها من تشبث الثور، وصاحب الثور لاسبب له، فإنه لا يضمن صاحب الثور قيمة القدر. وكذلك إذا كانا غير مفرّطيْن جميعًا لم يضمن صاحب الثور قيمة القدر لأن جرح العجماء جبار، وكذلك لو دخل فصيل ناقة دارًا وأقام فيها حتى عظُم جِرْمه، فلم يقدر أن يخرج من الباب، فإنّا إن هدمنا الباب ليتمكن من إخراجه كان على صاحب الفصيل غرامة ما أفسد من الباب؛ لأنا صنّا ماله بإفساد مال غيره.
وهذه المسائل تجري على ما نبهناك عليه من اعتبار الضرر والموازنة بين الضررين. وأُلْحق بذلك سقوط دينار من دواة إنسان، فَلَمْ (٢) إخراجه إلا بكسرها.
وفروع هذا الباب لا تتسع، ومدار جميعها على ما أصلناه لك. وقد كان شيخنا ﵀ يحكي إذا ذكر هذه المسائل أن جَمَلين اجتمعا في مضيق فلم يمكن إخراج الداخل منهما ولا رد الخارج منهما، فمر بهما بعض القضاة،
стр. 2449
فقال: يُنحر أحدهما ويشتركان في الباقي. وقال هذه قياس منه على الحكم فيما يطرح من السفينة. والذي قدمناه لْك يعرف الحكم منه في هذه المسألة وغيرها.
والجواب عن السؤال العاشر (١) أن يقال:
إذا غصب الغاصب شيئًا ففعل به فعلًا غير به ذات الشيء المغصوب، فإن في ذلك خلافًا بين فقهاء الأمصار.
فمذهب الشافعي أن ذلك ليس بفوْت يمنع صاحب الشيء من أخذه من يد الغاصب، حتى لو غصبه بيضةً فحضنها حتى انفقأت عن فرخ، أو قمحًا فبذره في أرض حتى أسبل وصار قمحًا محصودًا، فإنه يأخذ صاحب القمح قمحه وما تنامى منه.
ومذهب أبي حنيفة أن التغير فَوت يمنع صاحب الشيء من أخذه من الغاصب، بشرط أن يكون الغاصب غيّره تغييرًا تنتقل تسميته، وتذهب به المنفعة المقصودة به.
وأما مذهبنا نحن، فعندنا ما يدل على الطريقتين جميعًا، طريقة الشافعي وطريقة أبي حنيفة. فقد ذكر عن مالك، رضي الله هـ تعالى عنه، أنه اختلف قوله في الغاصب إذا غصب قمحًا فطحنه، وكذلك رُوي عن ابن القاسم في المجموعة أن الواجب في ذلك مثلُ القمح المغصوب. وذكر عن أشهب في المجموعة أنه يرى أن لصاحب القمح أخذ الدقيق من غير أن يؤدي أجرة الطحن.
وظاهر هذا الخلاف فإنه (٢) إنما وقع في تمكين صاحب القمح من أخذ عين الدقيق.
وأما لو أراد تضمين الغاصب مكيلة القمح الذي غصبه لم يُمنع من ذلك
стр. 2450
عند ابن القاسم وأشهب.
وسنتكلم على تفصيل ما وقع من خلاف في بعض تغيرات (١) الغاصب عندنا، بعد أن نذكر سبب الخلاف بين فقهاء الأمصار على الجملة.
فأما مذهب الشافعي ومن وافقه من أصحابنا في بعض فروع هذا الأصل، فإنهم يرون أن التمليك فعل شرعي والغصب فعل ليس بمشروع، فلا يُتوصل بأمر غير مشروع منهي عنه إلى أمر مشروع وهو نعمة من الله سبحانه وإحسان، والغصب إثم وخسران. وقد اعتمد ابن القصار، من أصحابنا، وغيره من أصحاب الشافعي على التعليل بظواهر أحاديث، منها: قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه" (٢) وإذا أبقينا دقيق القمح المغصوب في يد غاصبه لم نجعل عليه رد ما أخذت يده.
وكذلك قوله ﵇: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" (٣) فإذا قضينا لصاحب القمح بمثله بدلًا من الدقيقال في صار عن قمحه -ولم يكن فيه أكثر من تفريق أجزاء القمح- وأجزاءُ القمح لم يذهب عينها، وأعطيناه بدلها صونًا- استحللنا ماله بغير طيب نفس منه.
وأصحاب أبي حنيفة يقابلون هذه الظواهر بما رواه عاصم بن كليب أن النبي ﵇: "كان في ضيافة رجل من الأنصار، فقدّم إليه شاة مصلية، يعني مشوية، فأخذ منها لقمة يلوكها، فلم يسغها فقال: "إن هذه الشاة تخبرني أنها ذُبحت بغير حق. فقالوا: يا رسول الله، إنها لجارنا ذبحناها لنرضيه بثمنها، فقال ﷺ : أطعموها الأسارى" (٤) فيقول أبو حنيفة وأصحابه: لولا أن تغير الشيء
стр. 2451
المغصوب يصيّره ملكًا للغاصب ويزيل ملك صاحبه ما أمر ﷺ بصدقتها، بل كان يأمر بردّها إلى صاحبها الذي ذبحت بغير أمره، والصدقة بمال الغير لا تجوز إلا بوجه يستحق به ذلك عليه.
وهذا الاستدلال كأنه في نفس هذا الأصل المختلف فيه. والاستدلال بقوله "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وبقوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" استدلال بعمومات ليس المقصود منها بأن حكم هذا الأصل الذي نحن فيه. فكان التعلّق بهذا الخاص أوّلا (١) من التعلق بالعام.
وقد اختلفت معاذير أصحابنا وأصحاب الشافعي عن هذا الحديث. فقال بعضهم: إنه مرسل والعمل بالمراسيل فيه اختلاف بين الأصوليين. وهذا العذر إنما يقوله من لم يقل بالعمل بالمراسيل.
وأجاب آخرون بأن الشوى مما لا يبقى بل يتغير ويفسد إذا مر زمن تغيّره، فلهذا لم يأمر برده على صاحبه إذ لعله كان غائبًا.
وهذا أيضًا تأويل بعيد لأن الحكم في مثله أن يباع الطعام الذي يخشى فساده وصاحبه غائب عنه، ويوقف له الثمن فلا يتحقق هذا الحكم على ما استقر في الشريعة إلا أن يكون كسب صاحب هذا (٢) الشاة خبيثًا، والكسب الخبيث يتصدق به وإن كره صاحبه.
وهذه تأويلات، وإن بعدت، فإنها من الممكنات ولكن ليس في سياق الأكبر ما يدل عليها. وجملة الأمران من غصب شيئًا فأتلف عينه كقصب غصبه ثم أحرقه، أو ثوب غصبه ثم أحرقه، أو عبد غصبه فقتله، فإنه لا يختلف ها هنا أن الواجب على الغاصب بدل ما غصب، المثل أو القيمة .. وإن كانت العين لم تذهب، ولا تغيرت في سوق ولا بدن، لم يختلف في أنه لا يجب عليه البدل.
стр. 2452
فإن تغيرت فهاهنا يحسن الخلاف؛ لأن من حق صاحب الشيء المغصوب ألاّ يزال ملكه من يديه، وأفعال الغاصب كأنها من أملاكه فلا تزال أيضًا عن يده، فأي الأمرين يغلّب؟
رأى أبو حنيفة أن التغيير الذي يُذهب التسميةَ والمنفعة المقصودة، يحل محل ذهاب العين، فإنما يستحق على الغاصب البدل.
ورأى الشافعي أن ذهاب العين بالعلم يستحيل معه التملك، إذ المعدوم لا يُتملك، ولا يتصور تملكه للغاصب ولا للمغصوب منه، فلهذا أوجب البدل وانتقال الاسم والمنافع مع بقاء العين ومنافع يتعلق بها الغرض، ويقع التشاحّ فيها، يوجب سقوط ملك صاحب الشيء المغصوب، ونقل ملكه إلى ملك الغاصب، مع كون فعل الغاصب كالفرع والشيء المغصوب كالأصل، وهو الجوهر، وفعل الغاصب كالعرض، والتغليب يكون للأصل على الفرع، لا للفرع على الأصل، وللجواهر على الأعراض لا للأعراض على الجواهر.
وأما ضبط مذهبنا وما وقع فيه:
فإن المغصوب إذا كان مكيلًا أو موزونًا مما فيه الربا، كالذهب والفضة والقمح، فغصب الغاصب ذلك فصنع من الفضة التي غصبها حليّا أو دراهم، أو طحن القمح فرده دقيقًا. أو كان المكيل والموزون مما لا ربا فيه، كالنحاس والحديد والقطن، فغصب حديدًا أو نحاسًا فصنع منه آنية، أو نسج من القطن ثوبًا بعد أن غزله، فإن في ذلك أقوالًا على الجملة:
أحدها: أن الواجب فيه مثل الذي غصبه الغاصب، وتكون صنعته كالفوت لعينه.
والقول الآخر: ذلك لا يكون فوتًا للعين، ولا يمنع صاحب الشيء المغصوب من أن يأخذ عين ما غصب له، وإن غيّره الغاصب بما ذكرنا.
والقول الثالث: أن ذلك يكون مما فيه الربا فإن هذه الصنعة كالفوت فيه.
стр. 2453
وعلل ذلك ابن القاسم وأشهب أن الحكم برده إلى صاحبه من غير أن يغرم عوض الصنعة، كان ذلك ظلمًا للغاصب، وإن أغرم قيمة الصنعة كان ذلك تفاضل أبي ن ما فيه الربا، فيكون صاحب الشيء المغصوب كأنه دفع فضة ومعها أجرة الغاصب وأخذ عنها دراهم. قال أشهب: وليس ذلك مثل القمح يُغصب، فيصيّره الغاصب سويقًا مَلْتوتًا، هذا مما يجوز فيه التفاضل.
فأما ابن القاسم فإن طرد أصله في ذلك، وكان مذهبه يضاهي مذهب أبي حنيفة الذي يرى أن التغيرات على الشروط التي ذكرناها عنه، تصيّر الشيء المغصوب كالفائت المعدوم.
وأما أشهب فإنه ذكر أن من غصب قمحًا فطحنه دقيقًا، فإن لصاحب القمح أن يأخذه من غير أن يُلزم غرامةَ أجرة الطحن. قال في قمح غصبه الغاصب فلتَّه سويقًا أن الحكم فيه غرامة الغاصب القمح.
وهذا كأنه إن اعتبرنا مذهبه من ناحية ما قال في السويق صار كأنه يلاحظ مذهب أبي حنيفة، وإن اعتبرنا ما قاله في الدقيق يلاحظ مذهب الشافعي. وقد قدمنا أن أبا حنيفة يرى أن تغيّر العين لا يكون فوتًا فيها إلا بأن يفعل الغاصب فعلًا ينقل به الاسم ويبدله ويبدل أيضًا لمنفعة المقصودة، والمعنى المطلوب الذي خلق الشيء له، فيقول بأن الدقيق لا يسمى قمحًا وكذلك القمح لا يسمى دقيقًا إلا مجازًا واستعارة له اسم المال كما قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (١) فسمى العنب خمرًا لأنه يؤول إلى الخمر. وكذلك المنفعة المقصودة والمعنى الذي خلق الشيء له، والصورة والشكل، قد يتبدل كله، والقمح صورته غير صورة الدقيق، واسمه غير اسمه، والمعنى الذي خلق له، وهو احتكاره قوتًا، وزراعته في الأرض، لا يوجد ذلك في الدقيق. فلعل أشهب رأى أن هذه الأوصاف تحصل في السّويق، ولا تحصل في الدقيق،
стр. 2454
لقرب ما بين الدقيق والقمح من المنفعة، وكأنه هو الطريق إلى تصيير القمح قوتًا، وهذا بخلاف السويق.
وما ذكرناه عن أبي حنيفة من أنه يراعي تبدل الأسماء، قد قاله أصحابنا.
وذلك أن أشهب فرق بين من غصب ثوبًا فصبغه، أو قطعه وخاطه، فقال: يرد ذلك على صاحبه إن شاء، بخلاف أن يصير القمح سويقًا لأن الثوب، وإن صبغ وقطع، فالاسم عليه قائم ويسمى ثوبًا، أبيض كان أو مصبوغًا، بخلاف السويق فإنه لا يسمى قمحًا. وهذا (١) قال سحنون أيضًا: كلما غُير حتى انتقل اسمه فإن ذلك فوت. فأنت ترى هذين من أئمة أصحابنا اعتبرا تغير الاسم كلما (٢) اعتبره أبو حنيفة.
وقد وقع لهم أيضًا في التفرقة بين من غصب خشبة فصنَعَها بابًا، وبين من غصب خشبة فبنى عليها، تعليل آخر. وذلك أنه قال: إنما حكمنا بأن يبقى التاتوب (٣) للغاصب ويغرم قيمة الخشبة؛ لأنه صنع شيئًا لا يقدر على ردّه إلى هيئته. وقد وقع لابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أن من غصب ثوبًا فصبغه أو فضة فصاغها، أو قمحًا فطحنه، فإن يرد إلى صاحبه، ولا حجة للغاصب بأن يقول: يُتْلف علىّ صنعتي؛ لأنه ﷺ قال: "ليس لعرق ظالم ... " (٤) وقد وقع أيضًا لعبد الملك بن الماجشون في المبسوط أن الغاصب إذا صنع فيما غصب شيئًا يسيرًا، فإن صاحب الشيء يأخذه، ولا يغرم قيمة الصنعة. وإن صنع فيه شيئًا كثيرأوافى ثمنَه، فإنه لا يأخذه حتى يدفع قيمة الصنعة، أو يضمن الغاصب ما غصبه، أو يكونا شريكين. وفي الشركة قولان: أثبتها ها هنا عبد الملك، ونفاها ابن القاسم.
стр. 2455
وكذلك اختلف فيما فعله الغاصب إذا كان له طلب عوضه، هل يعطَى قيمة صنعته، أو يعطى ما زادته صنعته في الثوب المصبوغ، وما في معنى ذلك مما يفعله في الشيء المغصوب، وكأن ما يقعله الغاصب في الشيء المغصوب، إن كان مما يُتملك وأضافه إلى الشيء المغصوب، كحجر له يبنيه في أرض غصبها، فإن حقه لا يسقط من عين الحجر إلا بعوض إذا كان أُسلِم (١) إليه انتفع به. وإن كان أضاف إلى الشيء المغصوب ما يتملك، وهو عين مرئية مشاهدة، ولكنها لا تتميز من الشيء المغصوب، ولا يمكن تفرقتها منه كالصباغ، فإن ابن القاسم (٢) أن صاحب الثوب لا يمكّن من أخذه إلا بعد أن يعطي عوض الصباغ، قياسًا على الحجر التي هي عين قائمة ولكنها تتميز. ورأى أشهب وعبد الملك أن صاحب الثوب يمكّن منه من غير أن يدفع عوض الصبغ، قياسًا على ما يحدثه الغاصب مما ليس بعين قائمة، ولا مما يتميّز بالتفرقة بينه وبين الشيء المغصوب، كالنقش والتزويق فصار الصباغ كفرع بين هذين الأصلين.
والجواب عن السؤال الحادي عشر (٣) أن يقال:
إذا غصب الرجل غرسًا فغرسه في أرضه، وفعل ذلك غصبًا أو تعديًا، أو فعل ذلك على وجه شبهة إما بإدلال على صاحب الغرس، ومثله يشبه أن يدلّ عليه، أو يشري ممن يُظن بأنه باعه من ذلك ما يملك، فإن المذهب متفق على أن هذا الغرس يردّ لصاحبه، وإن ثبت في أرض الذي نقله إن كان بحدْثانِ أخذِه. ولا يفترق في هذا الحكم الغاصبُ والمدلُّ والمشتري. وإن طلبَ صاحبه أخذه بعد زمان، وزيادة نماء، افترق حكم الغاصب من حكم المدلّ والمشتري، فيمكّن صاحب الغرس من قلعه في أرض الغاصب الذي غصبه له، ولا يمكن من قلعه من أرض المدل والمشتري، لكن يُلزمان بان يدفعا لصاحب الغرس